كيف تكون حر الإرادة وقدرك محتوم؟!
فلا غرابة إذن أن العِلْمَ بتسلسل الأسباب علمٌ بِقَدَرَكْ ومَصيرَك
إضافة بتاريخ 27/ 10/ 2026:
نطاق عمل القدَر هو سجل الأحداث جميعاً، كبيرها وصغيرها؛ ما مر منها، وما يمر، وما هو منتظر أن يمر في زمنه؛ أي المستقبل. أما النصوص التي تثبت علاقة القدر بالمستقبل فهي تستعصي على الحصر. قال الله تعالى ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا، إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ". وقال تعالى " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ. وفي الحديث، قال النبي ﷺ ( كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)ِ - رواه مسلم. وقال ﷺ (أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) رواه أبو داود والترمذي وصححه.
وعن الفرق بين القضاء والقدر فيتبين وفق قاعدة لغوية وعقدية شهيرة – [إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا» (مثل لفظي «الإسلام والإيمان»، و«الفقير والمسكين»]. وفي الافتراق قال ابن الأثير: [المراد بالقدر: التقدير، وبالقضاء: الخلق... فالقضاء والقدر أمران متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر؛ لأن أحدهما بمنزلة الأساس وهو القدر، والآخر بمنزلة البناء وهو القضاء]. وقيل: [القدر هو علم الله الأزلي بالأشياء، وكتابته لمقاديرها في اللوح المحفوظ قبل خلقها، وتحديد أوقاتها وصفاتها ومقاديرها]
أما عن الإشكال بين الحرية والقدر، فهو أن الحرية تفترض عدم قابلية الفعل للعلم به لأنه معلق بفعل الحر الذي لم يختاره بعد. فإن كان يمكن العلم به من مسبقا من أي وجه، فهو جبر على من ظُنَّ به أنه حر. فلا سبيل إذن لأن تجتمع الحرية مع القدر المحتوم؟ - هكذا كان دائما الإشكال.
وما عرضته أعلى فهو حل للإشكال بطريقة يسميها علماء الأصول انفكاك العلة. ولم أقرأ لأحد استخدامها لمعالجة هذه المسالة، وبهذا التحليل. ف الحرية والاختيار هما مناطا استحقاق الثواب والعقاب، والحتم والضرورة هما مناطا العلم القدري. وما فعلته أني فرقت بين حرية الإنسان وحتمية فعله تفريقا زمنيا كما بينت أعلى. وذلك بأن الإنسان متهاون (حر) في اكتساب جملة من القناعات والسلوكيات العارضة يمكن العلم مسبقا بأسباب اكتسابها ويقين وقوعها. ثم تصبح هذه القناعات والسلوكيات (وما يترسب ويترسخ منها في النفس) لاحقا أسباباً قاهرة (قوى قائدة) في اختياره ما يختار واقترافه ما يقترف .. بالضرورة.
فالإنسان في ما مضى من أيامه، كان متفاعلاً ..
وفي حاضره، وبفعل ما حصده من ماضيه، فهو مفعولٌ به ..
ولا يكون حراً مختاراً فاعلاً (بحسب المشيئة الإلهية، وفي إطار الأسباب المُقَدَّرة) إلا في ما يستقبل من أيام ..
ولأن الله تعالى يعلم ما يَعْرِضُ للإنسان في كل هذا، وما سوف يخالج به نفسه، كما يعلم ما يَعْرِضُ لورقة الشجر قبل أن تنبت وتنمو وتذروها الرياح، ثم أين تسقط؟! فإنه سبحانه يعلم قدر كل إنسان ومآله.
وفقط، "مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ".
