حول التطور، وخَلْق آدم وزوجه عليهما السلام
في مقالة (حِفْنَة من العِلْمَويين ينهشون في علمية القرآن) والذي انتقدت فيه موقفهم من علمية القرآن وتسخيفهم للعلاقة الوثيقة بين القرآن والعلم، وتطاولهم عليها، وتقديسهم لمقولات الغربيين في صورة العلم الغربي الراهنة وأنه لا يدانيه في الصفة العلموية شيء، وأنه (بحسب معاني التهكمات التي أطلقوها) يعلو ولا يُعلى عليه. فذكرت مثالاً لما يؤدي إليه ذلك الموقف المقدس للعلموية من أنه يؤول إلى إنكار المؤمن بها إلى تكذيب القرآن. والمثال كان لـ (رنا الدجاني - المتخصصة في علوم الأحياء) والتي تساءلت عن آدم عليه السلام وقالت: [من كان آدم؟] - وأجابت: [لا يعلم أحد إجابة هذا السؤال. وبالتأكيد أني ليس لديَّ إجابة على هذا السؤال. ولكن ما اقترحه أنا - وهو رأيي الشخصي - أن آدم المذكور في القرآن هو مجاز عن الإنسانية ومثال لها بشكل عام.] !!!
فجاءني تعليق على المقال حول نظرية التطور (رغم أن المقال لم يتعلق بهذه النظرية خصيصا). وتلى هذا السؤال وإجابتي عنه سلسلة من المداخلات. فرأيت أن أفرد لها مقالة خاصة. ونسخت كامل التعليقات (حتى هذه اللحظة) إلى هنا لأهميتها.
—------------------------------------
يقول صاحب التعليق:
[ لقد عانيت من تفكير مرهق فى نظرية التطور والرؤية التطورية العدمية وكيف ينكرون البعث وان الانسان مآله للعدم. ف ارجوك اخي لو توضح لى هل نظرية التطور مقبولة لنا كمسلمين وكيف علاقتها بخلق آدم لو تفضلت.]
—--------------------------------------
فقُلت:
[عليكم السلام ورحمة الله
لا أرى أي إشكال في أن تتابع (خلق/ظهور) المخلوقات كان على نحوٍ يزداد تعقيدا. وأنه كان على نحو يتلازم من تطور البيئة الحاضنة للحياة. وتلازم مع ذلك أنه كان هناك مشتركات بيئية وخَلقية بين الكائنات في فسيولوجيا الأعضاء وأسباب البقاء والتكاثر وتبادل المنافع.
أما الإشكال الأكبر بين الدين ونظرية التطور فهو في ظهور الأجناس. فالداروينية تفتقر افتقارا تاماً إلى آلية ينتج عنها كائنات متميزة خالصة متوافقة 100% في الهيئة والوظائف وفي انسجام تام مع بيئتها. ولا يمكن أن تستطيع الداروينية أن تبرر عدم ظهور كائنات مشوهة وتستمر لها الحياة. وهذا منعدم في الوجود ولا تبرير لعدم ظهوره في الداروينية، وخاصة أن الطفرات وعشوائيتها تستلزمه. والقول بالبقاء للأصلح لا يبرر البقاء لتحقق أسباب الحياة. فالجمال وانعدام القبح لا يمكن العثور على أسباب طبيعية له، وسببه الصريح هو الإبداع. والإبداع لا يمكن أن يندرج في النفعية الفيزيائية الحيوية. والقول بإدراجها في البقاء للأنفع أو للأصلح استخفاف مفضوح بالعقول.
أما محك المسألة عندي (في الكائنات الحيوانية .. أي المتحركة) فهو: أين وكيف خلق الله تعالى الزوج الأول من كل جنس؟
وبالتأكيد عندي أيضا أن له أسباباً طبيعية خلقها الله له. فالقول بأن الحصان الأول أو الفيل الأول أو الإنسان الأول قد خلقه الله تعالى في الهواء الطلق على نحو ظهور الحية من عصا موسى لا أراه قولا وجيها، بل هو قول مستنكر. ولا أراها طريقة الله الحكيمة التي تتبدى من استقراء الموجودات ومن استقراء كلام الله تعالى. فالله تعالى يخلق بأسباب لا يعلمها على حقيقتها وتفاصيلها إلا هو سبحانه. ويمكن فقط استلهامها من مجموع كلام الله ومجموع الأسباب المنظورة في الموجودات.
وحتى لا أطيل - فأرى والله تعالى أعلم أن ظهور الأجناس الحيوانية قد ظهر من بعضها بالفعل، ولكن ليس بطريقة التلقيح والولادة، بل بطريقة التشرنق. أي كخروج الفراشة من الشرنقة كما نراها بأعيننها. وأن الشرنقة هي الحاضنة أو الرحم أو بيئة الخلق. وتصبح العملية كلها عملية خلق كائن/جنس جديد من مادة حيوية تم اصطفاؤها من كائن سابق مع ابداعات جديدة تخص الكائن الجديد. وهذا يستقيم تماما مع التشابه الذي نص عليه القرآن بين آدم وعيسى عليهما السلام في قول الله تعالى "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"(أل عمران 3: 59). أقصد أن التشابه ليمتد ليجعل خلق آدم كخلق عيسى، وأنهما في النهاية من التراب. وكما أن عيسى خرج من إنسان هو مريم عليها السلام بلا تلقيح (طفلا لأسباب خاصة)، فكذلك خرج آدم (رجلا .. ولأسباب خاصة) من شرنقة كائن أسبق بلا تلقيح ولا ولادة (ولذلك فهو ليس إبنا لذلك المخلوق)، وكلاهما (آدم وعيسى) من تراب (أول) كانت به بداية الخلق. وكون عيسى من تراب بنيوي ولا يتعارض مع خروجه من كائن حي، فكذلك آدم عليهما السلام. وهذا يتسق مع قول الله تعالى "وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا"(نوح 71: 17) إذ أن ظهور أدم يشبه ظهور الكائنات الأسبق؛ من كونها فروع شجرة الحياة التي أنبتها الله في الأرض من مائها وترابها. وعلى بداية كل فرع إبداع خلقي لا نعلمه. ويتسق هذا أيضا مع قول الله تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ"(العنكبوت 29: 20). إذ أن لفظ "الخلق" في الآية يشمل كل الخلق بما فيه آدم عليه السلام.
هذا هو تصوري حتى الآن. ولا أقطع به. فلربما ظهرت لي حُجّة أخرى ترجح عليه.
هذا والله تعالى أعلم. ]
—------------------------------------------
وعن الشق الثاني من السؤال، قلت:
[أما عن سؤالك: (كيف أنهم ينكرون البعث وان الانسان مآله للعدم ؟)
أقول: ليس هناك من دافع علمي تتناوله العلوم الحديثة لمسألة البعث - مثل نظرية التطور في مسألة الخلق، اللهم إلا من دافع الاستنكار والجهالة. لذلك ليس هناك من تعاند عقلي أو برهاني. إلا إذا كنت تقصد أن فناء المادة وتدهور الكون الراهن فيما يُسمى بالموت الحراري Heat Death هو ذلك المعاند العلمي لعدم البعث المكافئ للداروينية في الخلق.
أقول: إن تدهور الكون وتفككه والموت الحراري الذي تتبناه الفيزياء وعلم الكونيات الحديث يتوافق بشكل جيد مع نهاية الكون الراهن كما تصفه آيات القرآن. وذلك مثل: "إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ"(الانفطار: 1-2) وقوله تعالى " يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ"(المعارج: 8-9). فهذه الأوصاف تصف موت حراري بالفعل، من تفكك النسيج السماوي (السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ / السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ) وتدهور ثوابت الكون (الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ)، وتهاوي الجاذبية (الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ).
فإن سألتني أين البعث إذن؟
أقول: يقع البعث بعد الخلق الجديد والذي فيه سماء جديدة وأراضي (كواكب جديدة). ألم يقل الله تعالى "يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ"(إبراهيم:84).
فإن سألتني، ألن يُبعث الإنسان في هذه الأرض؟ أقول لا.
وأقول ستنتقل معلومات الخلق (للبشر وغيرهم) من الكون الراهن المتهاوي إلى كون آخر مختلف. فيبعث الله الناس من أرض جديدة في ذلك الكون الجديد، فتنبت أجسامهم من تلك المعلومات التي لا يعلمها ولا حال انتقالها إلى ذلك العالم الجديد إلا الله تعالى.
وبناءا على ذلك، لا يتعارض العلم الراهن مع البعث. إن أصحاب العلوم الراهنة فقط لا يعلم عنه شيئا. ]
—-------------------------------------
فجاء تعليق من غير صاحب السؤال، وقال صاحبه:
[ما أفهمه من ذلك أن هذه المادة الحيوية التي تتكون منها مختلف الكائنات قد يكون أصلها في الأساس هو المادة الموجودة في الأرض، أي التراب وما فيه من مواد وعناصر. أما كون الكائن الناتج إنسانًا أو فيلًا أو دجاجة أو غير ذلك، فهذه ليست القضية الأهم؛ لأن المقصود هو أصل المادة ومراحل عملية الخلق، لا أن الكائن يمر بأطوار يكون فيها جنسًا آخر ثم يتحول تدريجيًا إلى جنسه النهائي.
ومن هنا يمكن أن نستنبط من آيات خلق آدم، مع عدم ذكر القرآن تفصيلًا لكيفية خلق بقية المخلوقات، أن عملية خلقها قد تكون في أصل مراحلها مشابهة لعملية خلق آدم؛ أي أن كل جنس يُخلق من مادته، وتمر عملية خلقه بمراحل مخصوصة حتى يُنشأ الكائن على الهيئة والخصائص التي تخص جنسه، دون أن يعني ذلك أنه كان في مرحلة سابقة جنسًا آخر ثم تطور إلى جنسه الحالي.
بل إذا كان آدم قد خُلق من التراب ومرّت عملية خلقه بمراحل متعددة، مع كونه منذ هذه العملية مهيأً ليكون إنسانًا، فيمكن استنباط احتمال أن تكون بقية المخلوقات قد مرت هي الأخرى بمراحل خلق مشابهة في أصلها، مع اختلاف تفاصيل تلك المراحل بحسب كل جنس والخصائص التي أُبدعت فيه.
ملاحظة (لست أنا صاحب السؤال، إنما أنا معقب على تعليقك أستاذ كزابر) ]
—-----------------------------------------------
فقلت:
[السلام عليكم (الأخ صاحب المداخلة الأخيرة)
قد لا أستطيع الوفاء بالرد على كل ما كتبته لضيق الوقت. وأكتفي بالملاحظات الآتية:
1- قولك [ما أفهمه من ذلك أن هذه المادة الحيوية التي تتكون منها مختلف الكائنات قد يكون أصلها في الأساس هو المادة الموجودة في الأرض، أي التراب وما فيه من مواد وعناصر] فيه غموض في معني (هذه المادة الحيوية) .. كما أن كلامي لم يتطرق إلى هذا التفصيل ولا يمكن الاستدلال على قولك هذا من كلامي أعلى. ثم أن كل موجود تراه، سواء جامد أو حي فهو في النهاية حتما من عناصر التراب، أي عناصر الجدول الدوري، وليس (قد يكون - بالمعنى الاحتمالي). أما ما سميته (المادة الحيوية) فيوحي بمادة مشتركة بين الأحياء. فهل تقصد منها الخلايا الحية، أم أكثر من ذلك؟ - ثم أن هذا التفكيك لا يغير من صحة خلق آدم من مخلوق أسبق منها من عدمه. وبالتالي فالكلام عن مادة حية مشتركة بين المخلوقات لا يضيف شيئا مفيدا للمسألة التي نناقشها أعلى.
2- تتابع ظهور الكائنات كأجناس متمايزة، وما فيها من عتبات انتقال بين جنس وجنس، وما فيها من تخليق إبداعي متتابع، لا علاقة لها بتخليق الإنسان في الرحم وما يمر عبره في أطوار الجنين المعروفة. وقد ميز القرآن بين هذا وهذا بالحرف (ثم) في قول الله تعالى "وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ"(السجدة: 7-8). فخلق الأجناس شيء، وخلق أفراد النسل في كل جنس شيئ آخر. ولا شك أن كل جنس حيواني له موقع ابتداء على السلسلة الأولى، ولأفراده تتابع تكوين في مرحلة النسل (في الرحم).
وأؤكد على أن موضوع كلامي في تعليقي الأول على السائل هو دراسة فرضية أن خلق آدم عليه السلام غير مستبعد أن يكون من جنس أسبق منه - ولكن بشرط أن يكون بطريقة التشرنق، وليس بما يزعمونه من انتخاب طبيعي بعد طفرات عشوائية. وإن كان هذا هو الحاصل، فالكلام يسري على غير آدم من كائنات حية أيضاً. فالتمييز بين جنس أدم وغيره من أجناس ليس في آلية الخلق، ولكن فيما افترق فيه آدم من ملكات وقدرات عن غيره من كائنات أخرى، مما أهله لحمل أمانة الاستخلاف. ]
—---------------------------------------------
قال:
[أولًا: يبدو أنك فهمت من كلامي عن «المادة الحيوية» أشياء لا أقصدها. وثانيًا، قلتَ إن قولي «قد يكون» يفيد الاحتمال، وأنا لا أقصد ذلك؛ لأن «قد» في العربية لا يلزم أن تفيد الاحتمال حتى إذا دخلت على المضارع، بل قد تأتي في بعض السياقات لإفادة التحقيق أو التوكيد، بحسب السياق والقرائن وسياقي كان واضح .
ثانياً :قياس الخفيّ على الظاهر (الأعرف):
الآية واضحة جداً في أنها جاءت لترد على تعجب النصارى واليهود من خلق عيسى بدون أب، وذلك من باب "قياس الخفيّ على الظاهر" (أو قياس المشكوك فيه على المعلوم الأعرف عند الناس جميعاً)؛ فخلق آدم بدون أب ولا أم أمرٌ معلوم ومقرّ به عند الجميع، بينما خلق عيسى كان محل إنكار وتعجب عندهم، فرُدّ الخفيّ إلى الظاهر الأعجب.
إبطال دعوى التشرنق والخروج من كائن آخر:
ليس الأمر بالعكس (أي ليس خلق آدم هو الذي يُقاس على عيسى)؛ لأنه لو كان كذلك، لكان معناه أن آدم خُلق من كائن حي آخر (سواء بطريقة التشرنق أو الرحم أو غيرهما).
قطع الطريق على شبهة الخصوم:
لو قيل بذلك، لكان القرآن قد فتح بنفسه شبهة لليهود والنصارى، ولاحتجوا بها على النبي ﷺ وعلى القرآن وقالوا: "القرآن يقول لنا إن آدم هو الذي خُلق من كائن آخر!"
أتمنى أن يكون صدرك رحب؛ فنحن نتناقش بشكل علمي. ]
—---------------------------------------------
قلت:
[- لم أقرأ لأحد أبداً من الكُتَّاب (قد + مضارع) إلا ويقصد الاحتمال أو الترجيح دون التوكيد. وفقط في القرآن يأتي للتوكيد، لأن الله تعالى لا يرجح بل يقطع، ولا يقول بالاحتمال بل بالحق النافذ.
- أراك تدرج المثل بين آدم وعيسى على أن خلق أدم هو الظاهر (الأعرف). ولا أراه كذلك. إن استلال مادة خلق أدم من تراب الأرض مسألة غامضة ومجهولة الآلية. وهذا من الجانب المعرفي، ولا يمس ذلك أو يشكك في القدرة الإلهية، فلا ترد عليا بقدرة الله، فهذا شيء آخر. وإذا كان قالب المثل يأتي في اللغة [قياس الخفيّ على الظاهر (الأعرف)] فهذا تقنين لُغوي مستنبط وبسيط، ولكن ليس بالقالب المقدس. إذ لا يمتنع أن يكون المعنى في هذه الآية تعدد وجوه المثل بما يجعلها تتعاضد بين طرفيه، فيُظهر كل طرف جوانب خفية في الطرف الآخر.
- إن استلال مادة خلق آدم من التراب تحتاج إلى آلية، وحدوث هذه الآلية في أجساد المخلوقات قبل آدم تباعاً حتى تصل إلى أدم لا يدفعها دافع يقيني. وخلق أدم لم يكن لحظياً بالضرورة، بل إنه مر عبر زمن لا يعلمه إلا الله تعالى. ونسبة الخلق للتراب لا يقطع بأنه كان خلقاً مباشراً من التراب. ويتضح ذلك من الآية ("وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ). أما تمام هذه الآية الأخيرة "ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ" ليوحي أن بين مرحلة التراب والبشرية امتداد وأحداث وقعت لما سبق حال المخاطبين (أي آدم وبنيه).
- دعوى التشرنق التي أقول باحتمال حدوثها لا تعني أن آدم خرج من كائن حي بما يشبه الولادة. بل إن الكائن المشار إليه - والذي تم اصطفاؤه (إذا صدق ترجيحنا) - قد خلد إلى مرحلة تحول عضوي كامل metamorphosis تحللت فيها خلاياه بما يشبه ما يُسمى موت الخلايا المبرمج apoptosis (وأخذت هيئة الطين اللازب) ويمكن أن يكون قد حدث لها ما يُسمى بالالتهام الذاتي Autophagy وتَكَوَّن منها كائن حي جديد ببنية تشريحية Anatomical structure جديدة. وكل هذا داخل شرنقة من الطين المتخمر (طين الحمأ المسنون) التي تشبه شرنقة زنبور الطين Mud Dauber والذي تحول إلى شرنقة الطين الصلصالي clay cocoon الحافظ والحامي لمحتواه. بمعنى أن الطين اللازب كان داخل الطين الصلصالي (بمرحلتيه؛ الحمأ المسنون والذي تصلب إلى صلصال كالفخار). والذي قام عندئذ مقام الرحم أو قام مقام قشر البيضة الحامي للكائن الجاري خلقه بالداخل.
إن ما أقدمه ليس إلا صورة تكاملية بين معلومات علمية ومعلومات قرآنية. تطرحان ما ربما أن يكون باطل نظرية التطور وما ربما أن يكون باطل الظنون التفسيرية لآيات القرآن. وهذه الأخيرة لم يكن لها من مصدر معلومات عند المفسرين (في غالب الظن) إلا صناعة التماثيل من الطين وتجفيفها لتصبح كالفخار.
هذا والله تعالى أعلم،،، ]
—---------------------------------------------
ثم قال (في 6 تعليقات متعاقبة):
[أولًا: قولك إنك لم تقرأ لأحد من الكُتّاب «قد + المضارع» إلا وهو يقصد بها الاحتمال أو الترجيح، وأنها لا تأتي للتحقيق إلا في القرآن لأن الله تعالى لا يرجّح بل يقطع، غير صحيح .
لأن هذا يلزم منه أن يكون استعمال «قد + المضارع» للتحقيق في القرآن استعمالًا خاصًا بالله تعالى، لا تعرفه العربية في كلام البشر. وهنا يرد سؤال مهم: إذا كان هذا المعنى غير معروف في لسان العرب، فلماذا لم تحتج العرب على القرآن بأنه جاء بأسلوب لا تعرفه؟ فالقرآن نفسه يقرر أنه نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وخاطب قومًا عربًا أهل لسان، فلا يصح ان نفترض أن تركيبًا عربيًا اكتسب في القرآن معنى لا وجود له في العربية ثم نجعل مجرد كون المتكلم هو الله هو العلة في ذلك.
بل الأصل أن نفهم استعمال القرآن ضمن إمكانات اللسان العربي نفسه، ثم ننظر في السياق الذي عيّن المعنى. ولذلك فكون «قد + المضارع» قد تأتي للاحتمال في بعض المواضع لا يعني أنها محصورة فيه، كما أن مجيئها للتحقيق في القرآن لا يجعل التحقيق معنى خاصًا بالقرآن أو بكلام الله.
والشواهد من كلام العرب تؤكد أن المسألة ليست مجرد احتمال نظري، ومن ذلك قول الشاعر:
«قد أشهدُ الغارةَ الشعواءَ تحملني … جرداءُ معروقةُ اللَّحْيَيْنِ سُرحوبُ»
وقوله: «قد أتركُ القِرنَ مُصفرًّا أناملُه … كأنّ أثوابَهُ مُجَّتْ بفِرصادِ»
فالمسألة إذن ليست: هل «قد» تأتي للاحتمال؟ نعم، قد تأتي لذلك. وإنما المسألة: هل هذا هو معناها الوحيد مع المضارع بحيث يمتنع أن تدل على التحقيق والوقوع؟ وهذا هو الذي لا ]
—---------------------------------------------
قلت:
[ما قلته أنا هو (لم أقرأ لأحد أبداً من الكُتَّاب (قد + مضارع) إلا ويقصد الاحتمال أو الترجيح دون التوكيد. وواضح أني أتكلم عن الكُتَّاب) أي في الثقافة الدارجة مما هو مستخدم، أي مما هو شائع. فإذا تكلمت أنت باللغة العربية حاكمتك على ما هو شائع ومستخدم منها. فإن جئت ب (قد+مضارع) فلا بد وأن يكون لغير اليقين القاطع لأن هذا هو الشائع. فإن سعيت لتبرير كلامك بغير الشائع وأنه من لسان العرب في أشعارهم القديمة لامرؤ القيس أو غيره، كان تبريرك غير مقبول. فالإنسان لا بد وأن يكلم الناس بالمعهود الشائع، لا بالمتروك وإن صح في عتيق اللغات. ثم أن كلام امرؤ القيس يحتمل (في حالة كذا)، فلا يكون عندئذ غرضه حتمٌ لازم. وكما تعلم إن أعذب الشعر أكذبه! .. أما البيت الثاني فقد جاء في مقام الفخر، فلا يُستشهد فيه باليقين. هذا وربما ورد الاحتمال بالمعنى الإحصائي فيكون جواز الحصول وارد لكثرة الشواهد لا ليقينها جميعا. ومن هذا النوع قول الله تعالى "رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ". واستعمالات القرآن للعربية لا تستقل عن قرائن القرآن التي تخصصها أو تقيدها، فكيف تعترض على ما يحصر (قد+المضارع) في القرآن على اليقين لهذه القرائن. وكيف تحكم على خاص أو مقيد وأنه حتما من لسان العرب حيثما وردت في قرآن وغير قرآن فيكون تعميما لخاص أو إطلاقا لمقيد؟ - أوليست ربما تأتي للاحتمال، فلماذا لم يُعترض عليها في القرآن إلا من الجهال المعاصرين؟! ]
وقال:
[أما قولك إنني أحتج عليك بقدرة الله تعالى، فهذا ليس كلامي أصلًا، وأنت بذلك نقلت محل البحث إلى مسألة جانبية. أنا لا أقول: إن الله قادر على كل شيء، إذن لا بد أن يكون آدم قد خُلق مباشرة من التراب. أنا أحتج بطبيعة المَثَل نفسه، وبكيفية فهم العرب الأقحاح له في سياقه الحجاجي.
فالقرآن يقول: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
والذي أقوله تحديدًا: لو فهم العرب الأقحاح أن وجه المثل هو أن خلق آدم شبيه بخلق عيسى من حيث الآلية، لكان بإمكانهم أن يحتجوا على القرآن نفسه ويقولوا: يا محمد، أنتم تقولون إن خلق عيسى مثل خلق آدم؛ إذن آدم أيضًا خُلق بآلية مشابهة، أي من كائن سابق أو بمرحلة تحول من جنس ما تقولون به في خلق عيسى، فأين وجه احتجاجكم بآدم علينا؟
وهنا تتحول الآية، بهذا الفهم، من حجة للقرآن إلى حجة يمكن أن تُستعمل عليه؛ لأنك إذا جعلت خلق آدم نفسه قائمًا على آلية مشابهة لخلق عيسى، لم يعد آدم هو الحالة التي يُستدل بها على عيسى، بل أصبحت كلتا الحالتين محتاجتين إلى تفسير الآلية نفسها.
وهذا هو محل استدلالي: لماذا لم يفهم العرب الأقحاح المثل على هذا الوجه ثم يحتجوا به على القرآن؟ بل المثل جاء في سياق الحجاج على نحو يؤدي وظيفته، ولم يتحول إلى هذا الإشكال الذي كان سيظهر لو كان وجه المماثلة هو اشتراك آدم وعيسى في آلية خلق خفية من هذا النوع.
وهذا يتصل أيضًا بما كان معروفًا في التصور الديني عند اليهود والنصارى والعرب من أن آدم خُلق من تراب؛ فالآية جاءت لتضرب بخلق آدم مثلًا في خلق عيسى، لا لتقول لهم إن آدم نفسه خُلق أولًا من كائن آخر بآلية خفية ثم تجعل تلك الآلية أساس التشبيه.
بل هناك وجه آخر يؤكد قوة هذا السياق: لو كان المقصود من المثل أن مجرد الخلق على هيئة غير مألوفة أو بلا أب يقتضي البنوة لله، لكان آدم أولى بهذا اللازم؛ لأنه خُلق من غير أب ولا أم. ولذلك كان من مقتضى الحجة أن يقال لهم: إن كان خلق عيسى بلا أب يجعله ابنًا لله، فآدم أولى بذلك، مع أن هذا باطل. وهذا هو وجه الإلزام الذي يجعل خلق آدم مثالًا لخلق عيسى.
ومن هنا فإن إدخال آلية خفية في خلق آدم يغيّر طبيعة المثل نفسها؛ لأن المعترض كان يستطيع أن يقول: القرآن يقول إن خلق عيسى مثل خلق آدم، فإذا كان آدم نفسه قد خُلق بآلية أخرى خفية، فلماذا لم يذكر القرآن تلك الآلية؟ وكيف صار خلق آدم حجة على خلق عيسى؟
أما أن تقول إن المثل لا يحتاج إلى ذلك، وأن كل ما فيه أن الله قادر على خلق آدم وعيسى، فهذا ليس ما أناقشه؛ لأنني لا أنكر القدرة الإلهية أصلًا. أنا أناقش وجه المثل الذي اختاره القرآن، وكيف كان سيُفهم عند أهل اللسان الذين خوطبوا به، ولماذا لم يتحول هذا المثل إلى حجة على القرآن لو كان آدم قد خُلق بالآلية التي تفترضها. ]
—---------------------------------------------
قلت:
[ واجهت عدداً غير قليل من الخصوم، ولما كان أحدهم لا يعجبه رأي لي ولا يستطيع الرد بالحجة والأسباب، يجيب بأن الله على كل شيء قدير. فأردت أن أغلق باب الاستنصار بقدرة الله على احتجاج محتمل متعلق بمثل ما نحن فيه من خلاف من علل وأسباب. ولا أقول أنك قلت ذلك صراحة حتى الأن. فأردت سد باب احتجاج في غير محله. ثم أن ما نحن فيه قد استدعاك بشكل غير مباشر للاحتجاج بأن قدرة الله هي محور المثل، وذلك بأن تقول أن الله الذي خلق آدم من تراب قادر على أن يخلق ما هو أهون عليه من ذلك، ألا وهو خلق عيسى من أم. هذا في وقت من الممكن فيه أن يكون خلق أدم من تراب علة قياس مماثلة (وليس علة قياس أَوْلى) وفيها يستوي خلق أدم مع خلق عيسى. وهي المماثلة التي يكون فيها عيسى مخلوقا أيضا من تراب/طين، مثله مثل باقي البشر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ). وهذه المماثة الظاهرة والتي لا بد وأن يقرها العربي القح لتستدعي تساؤلا فرعيا؛ ألا وهو أن عيسى كان له وسيط خلقوي (أمه مريم عليها السلام)! وهنا تستدعي المماثلة أن يكون خلق أدم أيضا قد حدث من وسيط بينه وبين الطين (كعيسى) يستدعيها المثل - الذي يصبح مثلا مركبا بذلك. (والنتيجة أن المثل بحاجة ضرورية إلى فك اشتباه علة التمثيل المُرَكّب).
أما استنصارك بقدسية قالب ضرب المثل. وأن العرب الأقحاح في فهمهم عليه التعويل الأول والأخير. أقول بأن هذا استنصار واحتجاج بيقين العرب الأقحاح في آية متشابهة. نعم إن كل الآيات المتشابهة المعنى لا يستطيع العرب الأقحاح أن يفصلوا رأيهم فيها على صفحة اللغة وحدها. فكثيرا ما حمل القرآن آيات استدعت وما زالت انكشافات معرفية تعيد توجيه الظاهر اللغوي المتشابه. وقد أشرت أعلى بأن المثل الدائر بين آدم وعيسى مثل مركب وليس بسيطا. ومن أمثلة عدم كفاية الظاهر اللغوي غير المقبول وإن نصره العرب الأقحاح جريان الشمس. إذ كانوا ليقطعون فيه بأنه الجيران النهاري الظاهر - وهو خطأ. وأن الذاريات هي الرياح، وهو ليس بضروري، وأن العاديات هي الخيل وهو أيضا ليس بضروري، وأن وأن … والقائمة تطول]
—---------------------------------------------
قال:
[وهنا تأتي القرينة الأخرى المتعلقة بعيسى نفسه: فالقرآن يذكر أن عيسى قال لبني إسرائيل:
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فهنا لدينا في القرآن نفسه صورة لكائن حي يتكون من الطين: طين يُشكَّل على هيئة الطير، ثم يُنفخ فيه، فيكون طيرًا بإذن الله.
وهذه القرينة لها صلة مباشرة بموضوعنا؛ لأن عيسى نفسه هو الذي ضرب القرآن بخلقه مثلًا لآدم. فليس الأمر مجرد مثال بعيد، وإنما لدينا في السياق القرآني نفسه عيسى، ولدينا خلقه من الطين، ولدينا قبل ذلك أو معه المثل الذي يجعل خلق عيسى كمثل خلق آدم الذي خُلق من تراب. ولذلك يمكن أخذ هذا استئناسًا وقرينة ترجيح لقراءة خلق آدم من التراب على ظاهره.
وأنا لا أقول إن آية خلق الطير وحدها تقطع بأن آلية خلق آدم مطابقة تمامًا لآلية خلق الطير؛ وإنما أقول إنها قرينة أخرى أقوى تقوي حجتنا وترجحها: فالقرآن نفسه يثبت إمكان إنشاء كائن حي من مادة طينية، وعيسى لم يخترع هذه الآلية من عند نفسه، وإنما كان ذلك بإذن الله؛ ولهذا جاء في الآية: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وفي آية أخرى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾.
فالأقرب في هذا الاستئناس أن الآلية التي أظهرها الله لعيسى هي مما علّمه الله وأجراه بإذنه، لا أنها آلية اخترعها عيسى. ومن ثم فهي قرينة يمكن أن تُستأنس بها في أن خلق كائن حي من مادة طينية ليس أمرًا غريبًا عن التصوير القرآني.
ولهذا أرى أن اجتماع هذه القرائن مهم: المثل بين آدم وعيسى، ووظيفة المثل في خطاب المخاطبين، وعدم انقلاب المثل إلى حجة على القرآن عند العرب الأقحاح، ومعرفة آدم في التصور الديني بوصفه مخلوقًا من تراب، ثم ورود خلق الطير من الطين على يد عيسى نفسه. كل ذلك لا يلزم منه وحده القطع بكل تفاصيل كيفية خلق آدم، لكنه يجعل القول بخلقه من التراب على ظاهره احتمالًا قويًا يمكن الاستئناس له وترجيحه.
أما أن نترك هذه القرائن كلها، ثم نقول إن عدم معرفتنا بالكيفية يفتح الباب مباشرة لافتراض كائن حي سابق وشرنقة وتحول عضوي، فهذا يحتاج إلى دليل مستقل، ولا يكفي فيه مجرد القول إن الآلية التفصيلية غير مذكورة في النص. ]
—---------------------------------------------
أقول:
[أراك لجأت إلى المعجزة لتحل محل الخلق بأسباب
إن معجزة عيسى عليه السلام في هيئة الطير الذي ينفخ فيه فيكون طيرا ليس خلقا بنيويا كخلق آدم، فيه الطين اللازب ثم الحمأ المسنون ثم الصلصال! ولا أنه تعليم علمه الله تعالى عيسى عليه السلام. بل محض ربط المعجزة بفعل إشاري من الرسول مثله مثل عصى موسى، واستدعاء إبراهيم للطير .. وباقي المعجزات.
وهذا ليس بقرينة لأن الله تعالى يخلق بأسباب، وإلا لخلق الخلق خلقا لحظيا. والخلط بين النوعين ينسف ما في الخلق من علم أُمِرْنا أن نقتفيه ونتحراه. إن الخلط بين هذا وذاك خطأ منهجي كبير.]
—---------------------------------------------
وقال:
[أما فيما يتعلق بنظرية التطور، فأرى أن الإشكال في طرحك أنك لم تبدأ من نقد أصل الاستدلال الذي تقوم عليه النظرية، وإنما سلّمت بجزء من المعطيات التي يستدل بها أنصارها، ثم حاولت أن تستبدل الآلية التي يقترحونها بآلية أخرى تسميها «التشرنق».
فأنت تنطلق من وجود تشابه بين بعض الكائنات، ومن وجود تدرج أو تقارب زمني بينها، ثم تقول إن هناك كائنًا سابقًا تم اصطفاؤه ودخل في مرحلة تحول عضوي كامل، ثم نشأ منه كائن جديد ببنية مختلفة. لكن السؤال الذي أراه أسبق من ذلك كله هو: ما الذي يمنع أصلًا أن تكون هذه الكائنات المختلفة أنواعًا مستقلة بينها تشابه في بعض الصفات، وأن تكون قد ظهرت في أزمنة متقاربة أو متتابعة، دون أن يكون بعضها أسلافًا لبعض؟
فوجود التشابه لا يساوي بذاته إثبات النسب، ووجود التقارب أو التعاقب الزمني لا يساوي بذاته إثبات أن النوع اللاحق نشأ من النوع السابق. ويمكن من حيث التصور أن تكون هناك أنواع مختلفة من الكائنات بينها تشابهات في البنية أو الصفات، ثم تكون لها أزمنة ظهور متقاربة أو متتابعة، من غير أن يلزم من ذلك أن أحدها تحول إلى الآخر.
ولهذا فإنني لا أرى أن مجرد الاستدلال بالتشابه، أو بالتدرج الزمني للأشكال، يحسم المسألة لصالح التطور؛ لأن التفسير التطوري لهذه المعطيات ليس هو التفسير الوحيد الممكن لها. فإذا كانت هناك معطيات تُفهم على أنها تشابه بين أنواع مختلفة، أو تقارب في أزمنة ظهورها، فما الذي يجعلنا نفسرها حتمًا بأنها مراحل متعاقبة في سلالة واحدة؟
ومن هنا أرى أن نقد نظرية التطور ينبغي أن يبدأ من هذه النقطة قبل البحث عن «آلية» بديلة لها. أما أن نسلّم بأن الكائنات السابقة كانت في طريقها إلى الكائنات اللاحقة، ثم نختلف بعد ذلك فقط في الكيفية: هل حدث ذلك بالآلية التطورية المعروفة أم بآلية التشرنق؛ فهذا يعني أننا سلّمنا سلفًا بجزء أساسي من التصور الذي نريد نقده.
بل كان الأولى، إذا أردت نقد نظرية التطور، أن تأخذ هذه المعطيات التي يستدل بها أصحاب النظرية نفسها، ثم تسأل: هل تستلزم هذه المعطيات فعلًا أن هذه الكائنات كانت أسلافًا للبشر أو لغيرهم، أم أنها يمكن أن تكون أنواعًا مستقلة متشابهة، بينها أيضًا تقارب أو تعاقب زمني؟ فإذا لم تكن المعطيات تستلزم النتيجة التطورية، فلا يصح جعل النتيجة نفسها مقدمة ثم البحث عن آلية جديدة لشرحها.
أما فرضية «التشرنق» التي طرحتها، فهي في هذه الحالة تأتي في مرتبة لاحقة؛ لأنها تفترض أصلًا أن هناك انتقالًا من كائن سابق إلى كائن جديد. ولذلك فإنها لا تنقض الاستدلال التطوري من أساسه، وإنما تقترح تفسيرًا مختلفًا للانتقال المفترض.
وفوق ذلك، فإن «التشرنق» نفسها تحتاج إلى دليل مستقل؛ لأن جمع مصطلحات مثل التحول العضوي، وموت الخلايا المبرمج، والالتهام الذاتي، والتغير في البنية التشريحية، ثم تركيبها في سيناريو واحد، لا يجعل هذا السيناريو آلية علمية مثبتة. ينبغي أولًا إثبات أن هذه العمليات يمكن أن تجتمع بالفعل بالطريقة التي تصفها، وأنها تستطيع أن تنتج كائنًا جديدًا ببنية تشريحية جديدة، لا مجرد أن كل مصطلح منها معروف في علم الأحياء على حدة.
ولهذا أرى أن كلامنا أقوى من حيث نقطة البداية؛ لأننا لا نسلم أصلًا بأن التشابه والتقارب الزمني يعنيان بالضرورة أن أحد الكائنات كان سلفًا للآخر، ثم نبحث عن آلية تفسر ذلك، وإنما نسأل أولًا عن دليل النسب نفسه: ما الذي يثبت أن هذه الكائنات كانت في خط تطوري واحد، وليس أنها أنواع مختلفة بينها تشابه وتقارب زمني؟
فإذا أُثبت هذا أولًا، أمكن بعد ذلك أن نناقش الآلية: هل هي تطور تدريجي، أم تشرنق، أم غير ذلك. أما تقديم آلية جديدة مع التسليم مقدمًا بأن الكائنات السابقة كانت مراحل في نشأة الكائنات اللاحقة، فلا يكون نقدًا مكتملًا لنظرية التطور، بل استبدالًا لآليتها بآلية افتراضية أخرى. ]
—---------------------------------------------
أقول:
[الشواهد الحفرية العديدة تعضد انبثاق جنس عن جنس بما لا مجال لتفصيله هنا. وهي شواهد تزكي دراسة النظرية بجدية، وتعيين مواضع الاختلاف الجذري ليكون الافتراق معه بعينها. وأهم ما في ذلك هو ظهور كل جنس من زوج متكامل. مثل أدم وحواء في الإنسان. ثم تأتي عدد من الآيات تدعم أحداثا بينية متراخية بين مرحلة الطين وظهور آدم. لذلك، فالنظرية في أصلها ليست مرفوضة، إلا فيما عارض جليا في القرآن.
ثم أني لم أكن لأرضى لنفسي أن أنقض نظرية محتملة من البداية مع جواز مبدأها، ودون الوقوف على القوة في أجزائها المختلفة. فالمنهجية الصحيحة هي عدم الإنكار لمحض مخالفة الشائع، فالله تعالى يقول "بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ". بل يجب تحري دقائق النظرية وقبول الراجح واستبعاد المرجوح.
ثم أن هدم ما عساه أن يكون فيه بعض الحق هدم لهذا الحق الذي فيه. فالشواهد في جسم الإنسان مثلا، كحلمة الثدي في الرجل، وفي باقي الحيوانات، وغير ذلك من شواهد. وفي تشابه أيات القرآن حول المسألة لتقول الكثير عن وجود مسار خلقوي متواصل. خذ مثلا قول الله تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ". والآية بينة في أن خلق الحياة نشأ نشأة متواصلة بسيرورة لها بداية يمكن تعقبها من الآثار في الأرض. إنه قصة واحدة وإن امتلأت بالتفاصيل. فكيف تدعوني إلى تجاهل ذلك واقترانها مع شواهد حفرية تزكيها؟! ثم أن إنكار شيء من الحق ولو جاء من كافر لا يُحمد للمؤمن. ولا يعنيني إيمان القائل من كفره، ويعنيني فقط ما قاله من راجح أو مرجوح. وأراني إن فعلت ورفضت النظرية بقضها وقضيضها لكنت مثل الذين كرهوا الإسلام لأنه جاء من غير ملة آبائهم، أو من غير ما ألفوا وورثوه وليس بقوي ولا قاطع.]
—---------------------------------------------
وقال:
[وفي النهاية، فإن القرائن القرآنية التي ذكرناها مجتمعةً تترجح عندي على التفسير التطوري، بل وتمنح تصور الخلق من المادة الأرضية عبر مراحل مخصوصة قرآنيةً أوسع وأقوى من مجرد افتراض أن التشابه والتقارب الزمني يعنيان بالضرورة النسب والتطور. كما أنها ترد قولك إن كون خلق الإنسان قد مرّ من الطين إلى الحمأ المسنون ثم الصلصال كالفخار ليس إلا ظنًا تفسيريًا؛ فهذه المراحل مذكورة في القرآن نفسه، ولسنا بحاجة إلى إسنادها إلى قول مفسر بعينه.
وأحب أن أوضح أن هذا لا يعني أنني أدافع عن كل ما ورد في التراث لمجرد كونه تراثًا. أنا لم أستدل في كلامي بقول الطبري أو الزمخشري أو غيرهما، لا لأننا لا نجلّ مكانتهم وعلمهم، وإنما لأنهم علماء اجتهدوا وقالوا بما ظهر لهم من اجتهاد. ونحن كذلك حاولنا النظر في الأدلة التي تظهر لنا من النص نفسه، ثم قلنا بما ترجح لنا منها، دون أن نجعل موافقة التراث أو مخالفته معيارًا لصحة القول. ]
—---------------------------------------------
قلت:
[من أين جئت بأني قلت (إن كون خلق الإنسان قد مرّ من الطين إلى الحمأ المسنون ثم الصلصال كالفخار ليس إلا ظنًا تفسيريًا) .. لم يحدث أني قلت ذلك. بل قلت ما نصه: (إن ما أقدمه ليس إلا صورة تكاملية بين معلومات علمية ومعلومات قرآنية. تطرحان (أي تستبعدان) ما ربما أن يكون باطل نظرية التطور وما ربما أن يكون باطل الظنون التفسيرية لآيات القرآن. وهذه الأخيرة لم يكن لها من مصدر معلومات عند المفسرين (في غالب الظن) إلا صناعة التماثيل من الطين وتجفيفها لتصبح كالفخار.) … فأين هذا القول مما تقولته عليّا ؟ - كلامك هذا عني اتهام باطل يغضبني بشدة.
وأرى أنه اجتمع عندك (1) رفض مبدأ النظرية قبل التحقيق، إما لكراهة في نفسك، أو لرؤية شائعة غير محققة، (2) الوقوع في تصورات التراث بشكل لا إرادي بما وافق تميزاُ لأدم والإنسان فوق ما تريده آيات القرآن.
خذ مثلا قول من قال: إن آدم - وفقط آدم من بين جميع الكائنات الحية - قد خلقه الله تعالى بيده. فمن أين جاء القائلون بحصر خلق آدم وحده بهذا الشرف. و خذ "سخر لكم .."، والتي تعني جعلها مفيدة لكم، ولكم عليها سلطان لتحقق هذه الفائدة بقدرها. وقد فهمها من فهمها على أنها مكانة لآدم تكريمية جعلته نائبا عن الله في الأرض بما فهموه عن معنى (خليفة). وعن "سجود الملائكة لآدم" ومعناه قيامه بمهام لا تستطيعها الملائكة، بأسباب التعلم واكتسابه العلم بلا سقف أعلى في تسمية الأشياء. وربما فهموا السجود لأدم هنا بمعنى الرتبة والدرجة الوجودية. وهو فهم استكباري إبليسي أوقع إبليس في عداء آدم، وانخدع به بنو آدم فاغتروا بأنفسهم. تلازم مع كل هذا وأمثاله لوازم تناسب الخليفة، ومنها ألا يدانيه في خلقه كائن مخلوق غيره، ويكون قد خلق الله أدم منه. رغم أن التراب والطين أشد وضاعة من أن يُخلق من غيرهما، فرسمت له أهواؤه الاستعلائية صورة التمثال المنحوت الذي بُثت فيه روح الإله.
أنظر إلى الأية: "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ" وفكر قليلاً: ألا يعني هذا التشبيه (علما بأن ضرب المثل تشبيه أيضا) ألا يعني أنكم أيها البشر أمثال باقي الدواب والطيور؟! أوليس هذا إضافة معنى لم يكن المتلقي منتبه إليه، وأتت الآية لتنبهه إليه، أقصد (هم أمثالكم وأنتم أمثالهم)، بخلاف أنها بيان بما عليه باقي الدواب والطيور بما لم يكن يعرفه المتلقي - ربما؟!
إذن التشبيه لا يأتي فقط لإفادة عن المشبه له، بل هناك فائدة كشفية لكل طرف من طرفي التشبيه. وهذا ما قلته في ضرب المثل. أم ترى أن ضرب المثل ليس من التشبيه ومن ثمَّ يجب أن يكون أحادي الاتجاه؟!
إن هذه الآية "وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ" لتعيد للإنسان بحق وعيه الوجودي، وتردع طغيانه، وتهز كبريائه الذي تمادى فيه.
إن الاستبعاد المبدئي لأن يكون الإنسان مخلوق من كائن سابق (بغض النظر عن الطريقة) فيه أثر تعالي وكبر وفوقية. وهذا الأثر لم يحض القرآن إلا على خلافه. ولم يحض عليه إلا الكبر والتعالي. هل نزول الوحي للناس برسالة ربهم يعطيهم هذه القيمة التي لم ينال شرفها غيرهم؟! - كلا، إن الله يوحي إلى غير الإنسان، ولنتذكر فقط قول الله تعالى "وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ …"، بل إن الله ليس فقط يوحي، بل يكلم ما نظنه ميتا أو معدوما أو لا حس فيه، إقرأ إن شئت "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي ..". إن كل مخلوق لله مُخاطب "وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي"، "فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ"، وكل شيء ينطق ويتكلم إذا أنطقه الله " الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء". أي أن كل شيء معتبر وله حضور، يسمع ويتكلم. فلماذا تستكبر أيها الإنسان وتميز نفسك وتتعالى على الحيوان، في وقت تنسى فيه أن تستحي من الطين وهو أولى بك.]
—---------------------------------------------
قال:
[إضافة :
وأما استدلالك بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، وجعلك لفظة «ثم» دليلًا على امتداد وأحداث وقعت بين التراب والبشرية، فهذا لا يثبت آلية التشرنق التي طرحتها؛ لأن «ثم» وإن دلت على التراخي، فإن الآية لا تحدد لنا ماهية ما وقع خلال هذا التراخي.
فيمكن أن يكون المقصود أولًا خلق آدم من التراب خلقًا مستقلًا، من غير تناسل، ثم جاءت مرحلة انتشار البشر بعد ذلك عن طريق ذريته وتناسلهم. ويمكن أيضًا أن يكون التراخي متعلقًا بمراحل خلق الإنسان نفسه؛ فالمادة التي يرجع أصل خلق الإنسان إليها تدخل في مراحل الخلق داخل الرحم، من النطفة وما يتبعها من أطوار، حتى يخرج الإنسان بشرًا ثم ينتشر. ويمكن كذلك أن تجتمع الصورتان: خلق آدم من التراب أولًا، ثم بعده تناسل ذريته، مع دخول كل إنسان من ذريته في مراحل الخلق الرحمي قبل خروجه وانتشاره.
وعليه، فلفظة «ثم» لا تنسف هذه الاحتمالات ولا تعين واحدًا منها، فضلًا عن أن تجعل التراخي دليلًا على الشرنقة التي افترضتها أنت. فأقصى ما يمكن أن تدل عليه هو التراخي، أما تعيين ما وقع خلاله وكيف وقع، فذلك يحتاج إلى دليل مستقل. ]
—---------------------------------------------
أقول:
[أنا لم أستشهد بقول الله "﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾" على عين فرضية التشرنق. وأنت تعلم ذلك. بل على التراخي الزمني الذي حاولت أنت - محاولة غير ناجحة - كي تفنده. إن هذا التراخي يبدأ من التراب وينتهي بآدم، لأنه أول البشر (ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ). أي بحسب التصور الموروث لا يشمل إلا (الرمل-الطين-الطين اللازب-الحمأ المسنون-الصلصال) فهل ترى أن في هذه اللقطات تراخي؟! بالتأكيد لا. أما محاولتك بتفسير التراخي بالتناسل وما يحدث داخل الرحم بعد خلق آدم وحواء فلا يمكن أن يكون صحيحا. إلا إذا أردتنا أن نعتبر إن أول ولد لأدم هو نهاية فترة التراخي، وهو معنى غير مقبول. وأرى أن فترة الإنبات الموصوفة في قوله تعالى "وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا" أولى وأصدق ببيان ما ملأ هذا التراخي الزمني من أحداث خلق الإنسان بين مرحلتي التراب والبشرية. ويُضاف إلى ذلك قول الله تعالى "وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ". إذ لا بد من وجود أحداث تلت البداية - وإلا لما كانت البداية محض بداية لما يتوالي بعدها - وقد مَلَئَت التراخي الوارد ب (ثم) ثم جاء بعدها التناسل (جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ ..).
وعلى هذا فالقرآن يدعم تتابع أحداث حيوية نتج عنها ظهور آدم على الأرض. وأن ثقافة صناعة التماثيل كان لها دور في فهم المفسرين هذه الآيات، وهو تأثير متكرر لثقافة المفسر على تفسيره. ونحن وهم جميعا واقعون فيه، وليس لنا ولا لهم من مهرب منه. ويبقى ما يتكشَّف من معاني قرآنية والحُجّة وقوتها هما المُرجّح والحَكًم.]
