السبت، 28 مارس 2015

كتاب: فتاوى شرعية في النظرية النسبية

كتاب: فتاوى شرعية في النظرية النسبية

بقلم: عزالدين كزابر
المقـدمة والفهـرس
البحث الشرعي في النظرية النسبية:
ما هي علة الالتقاء بين آيات القرآن والنظريات الفيزيائية كالنسبية الخاصة؟!
لا يبدو في تصور "القراءة التراثية للقرآن" أي علة في ذلك! فهذا كتاب الله تعالى، أُنزل لهداية الناس في العقيدة والعمل، وهذا حقٌّ دامغ. وتلك النظريات الطبيعية التي تتلقفها أيام الناس، فتعلو بينهم فتدول، ثم تهبط فتذوب وتزول، وليس فيها إلا تصور للوجود زائغ، فكيف يلتقي مع الدامغ زائغ؟! . ثم ما لهذه النظريات البشرية التي موضوعها الطبائع والجوامد من ارتباط بالعمل الصالح والعقائد؟! .. ومن أي وجه تلتقي بمعاني آيات القرآن؟! – إنَّ هذا لأمرٌ عجيب، وعلى الأسماع غريب!  
قد يبدو لهذه الاستنكارات وجاهة، ولكن إذا عَلِمْنا أنها – عند من يسألها- مُقيّدة بانغلاق مدونة الفهم التراثي على ما مضى من مسائل الناس، وأن رجاله – من ثمَّ – قد أحاطوا بكتاب الله علما كما يظن الظانون، فلا يكون فيه من معنى إلا وقد حازوه، أو امتلكوه، أو صادروا على إقرار معانيه، عَلِمْنا بالضرورة أن كل ما هو خارج عن مدونتهم ملفوظ، وأن أي قول لا يألفوه منبوذ.
ولكن، إذا كانت الإحاطة بكتاب الله تعالى ليست إلا لله وحده، وأنه سبحانه قد أنزله للناس – كل الناس – ولكل زمن آت، حتى انطواء بسيطة الحياة من تحت أقدامهم جميعا. إذا عَلِمْنا ذلك، عَلِمْنا أن أي مصادرة بشرية على ما أنزل الله في كتابه الكريم، من معان ومقاصد، هي مُصادرة ثقافية مكاناً وزمانا، تخص أصحابها وحدهم، وأن نفي معانٍ شريفة ربما تُزهر بها آيات الله العليم الحكيم في أحيانٍ لها لاحقة، يُعد تدخّلا متطاولا على حدوده، .. يُقحم فاعلوها أنفسهم، في شأنٍ إلاهي متعال. والواقع منهم في ذلك، واقع لا محالة في عُجبٍ ووهمٍ، ووصاية ومصادرة. وإن ذاد منهم عن دين الله كل طارق، خشية الابتداع والزنذقة، فكم من خيرٍ – بمثل هذا النهج- حُرمناه، أو فاتنا وما لحقناه، وكان بُطء الوعي علتنا، أو ما ابتُلينا به من أوزار فكرٍ حملناه.
فها هو الله العزيز الحكيم، حيٌّ قيوم، وها هو كتابه سبحانه يانع مهضوم، ومجيب لمتدبره كريم، وها هو الخلق البديع متلهف لسكب رحيقه مُسخرٌ ممنون. ينتظر الـمُشمِّرون؟!
استفزازات النظرية النسبية، والضرورة الملحة إلى تأصيلات فقهية وفتاوى شرعية:
وقد يجري الباحث وراء وهمٍ، كالعطشان وراء السراب. فإذا جاءه، انقطع حبل وهمه، فانكفأ به حسيرا، وليس هذا حالنا! ... وقد يهطل المطر، فيبتل به، أو يجري نهراً، أو يغمره، فيجد منه ارتواءاً أو زرعاً أو متاعا، أو أذىً أو هلكة أو غرقا، وهذا هو وصف حالنا.
فقد حلَّ بنا – في خِضَمِّ ما حل من علوم جديدة – "النسبية الخاصة"، واستفزازاتها! وقد عبثت ببدائهنا، وازدرت، وضحكت، وتفكهت! وأثارت من التساؤلات في ديننا وأفهامنا وإبداعات ربنا، وعن قليلٍ أجابت فيما اختلط حقه بباطله. ثم انزوت تراقبنا، وقد عمت بها في الأفهام البلايا، فهذه مصاهرة بين المكان والزمان، وهذا افتنان بين وهم الأرصاد وحق كل شيء فيما له من جوهر أو ذات، فكل مُطلق نسبي، وكل نسبي حقٌ، وإن تعاندت منها معان المنطوقات، وأصبح كل متحرك ثابت لو شئنا، وكل ثابت متحرك لو توهمنا. فضاعت الحقائق في أمواج التنظيرات، وترسخت نسبيات المعتقدات حقائق مُصدَّقات! .. إلى غير ذلك من عجائبيات! .. وارتدت تداعيات النسبية على كل حياتنا الفكرية، فانطفأت بها بدائه، ولم تسلم منها مُسَلَّمات، إلا عند من سحب من العلم وثوقه، وأغلق على القلب بابه.
ولكن، كيف نغلق الباب أو ننغلق، ومن يجيب السائل إذا السؤال منه انطلق، وكيف ننعم بصمت ونظل في رقود، وعلامَ نكون شهود؟!
أسئلة تمس العقائد والفرائض، تستدعي ردود حجاجية:
1- سألني سائل، وقال:
[ أرجو منكم أن تفيدوني في حل هذا الإشكال الذي ورد علي منذ مدة، وهو إشكال يتعلق بالنظرية النسبية الخاصة ومدى توافقها مع بعض الغيبيات في دين الإسلام.
إني لا أشك – والحمد لله – أن الإسلام حق، وأسأل الله أن يحيينا عليه وأن يتوفانا عليه، وإني أعلم أنه يمتنع التعارض بين المنقول الصحيح والمعقول الصريح، وبين الحقائق الشرعية الدينية أو التجريبية العلمية.
لا أخفيكم أني قد درست عن النظرية الخاصة دون العامة، وإني أسألكم أولا قبل الشروع في عرض ما استشكلت منها:
هل النظرية النسبية مثبتة بالتجارب بحيث لا يصح تفسير نتائج هذه التجارب إلا بها؟ هل تمدد الزمن/تقلص الأبعاد/نسبية الترتيب الزمني للأحداث/مطلقية سرعة الضوء ... أمور قطعية علمية؟ أم أنها قد تفسر بطرق أخرى تتجنب الإشكال المذكور الآتي؟
فمعلوم أن الله تعالى فوق كل شيء وأنه سبحانه خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى السماء في حجة الوداع قائلا: اللهم هل بلغت اللهم فاشهد، وإليه صعد النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة ليلة الإسراء والمعراج، فالله سبحانه خارج العالم وفوقه، ويقبض الأرض جميعا يوم القيامة وهو بكل شيء محيط ولا يحيط به شيء من خلقه إلى غير ذلك من المعاني الصحيحة التي فطرالله الناس عليها ونطقت بها الرسالات.
ومعلوم أيضا أن الله فعال لما يريد، لم يزل فاعلا، أي يفعل الشيء بعد الشيء منذ الأزل سبحانه، فخلق السموات والأرض بالحق، ويحيي الأرض بعد موتها، وينزل الغيث، ويخلقنا في بطون أمهاتنا، ويجيب دعاء المضطر ويكشف السوء، وينصر رسله وأولياءه، كما هو مشاهد.
و في المقابل، فإن النظرية النسبية تستلزم امتناع تحرك أي جسم (أو معلومة) بسرعة أعلى من سرعة الضوء في أي من الجهات، فيمتنع حسب النظرية أن يسبب حادث ما أثرا يكون فارقهما الزمني لا يكفي لانتقال الإشارة الضوئية بينهما، وبهذا تنتفي السببية بين الحوادث خارج "المخروط الضوئي".
وإن استرسلنا في هذه النظرية وافترضنا أن نجمين بعيدين انفجرا انفجارين متزامنين بالنسبة لنا، فسيكون هناك إطارٌ يرى فيه الأول منفجرا قبل الثاني، وإطار آخر يرى الثاني منفجرا فيه قبل الأول، فيلزم القائل بالنظرية حينها أحد أمرين: إحداهما: أن يقول إن الله أراد هذه قبل أن يريد هذه حسب إطار، وأراد هذه قبل أن يريد هذه حسب إطار آخر وهذا التقدير ممتنع فاسد، والأمر الثاني أن يقول: نفذ فعل الله في النجمين بعد إرادته إياه بمدة طويلة تكون كافية لوجود السببية بين إرادة الله وفعله، وهذا ظاهره التعارض مع قول الله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) وقول الله تعالى: (و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) وقول الله تعالى: (كل يوم هو في شأن).
ثم إن الله سبحانه يجيب دعاء عباده، والإجابة فعل الله الذي يشاؤه سبحانه بعد فعل العبد وهو الدعاء، وهذا مشكل عند اعتبار النسبية نظرا لدنو زمن الإجابة من الدعاء - إلا أن تكون الإرادة الإلهية في محل داخل ما يسمى بالمخروط الضوئي، ومعلوم أن الله ليس داخل العالم.
دلوني على جواب هذه المسألة جزاكم الله خيرا، وعصمنا وإياكم وجميع المسلمين من الزلل.
صاحب السؤال: الأستاذ محمد فكري]
2- وسؤال آخر طرح نفسه أمامنا، وهو نسخة من سؤال قديم، عاد حياً في إطار نسبية الزمن. فأما نسخته القديمة، فقد وردت في كتاب القرافي: (أنوار البروق في أنواع الفروق)، وقال فيه: [وقع في الفتاوى الفقهية مسألة أشكلت على جماعة من الفقهاء رحمهم الله في أخوين ماتا عند الزوال، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، أيهما يرث صاحبه؟ - فأفتى الفضلاء من الفقهاء بأن المغربي يرث المشرقي؛ لأن زوال المشرق قبل زوال المغرب. فالمشرقي مات أولاً، فيرثه المتأخر لبقائه بعده حيا متأخر الحياة. فيرث المغربي المشرقي إذا تقرر الاتفاق على أن أوقات الصلوات تختلف باختلاف الآفاق.]
أما نسخة السؤال عينه في زمن النسبية الخاصة الذي نحن فيه الآن، فصورته كالآتي: [أخوين ماتا عند الزوال على ساعتيهما اليدوية، المتزامنتين، وفي نفس التاريخ الذي تُظهره الساعة. أحدهما كان قد ترك الأرض في مركبة فضائية قبل 30 يوماً من موته، وانطلقت بسرعة قدرها 40% من سرعة الضوء، والآخر بقى على الأرض من حيث سافر الأول. فأيهما يرث صاحبه؟!] – علماً بأن كل من الأخوين (أو القاضي المرافق له) سيقرر – بما تقرره النسبية الخاصة من قراءة الساعات – أن الأخ الآخر (وكل منهما يُعد الآخر لأخيه) هو الأسبق موتا، لأنه يبتعد بتلك السرعة المذكورة، لأن زمنه سيستطيل بالضرورة!
- والآن، كيف نجيب عن هذه الأسئلة وأمثالها، خاصة وأنها تمس العقائد، كما تمس الفرائض؟ وهل بغير دراسة "النظرية النسبية الخاصة" دراسة شرعية يمكن ذلك؟!
لقائل أن يقول: دع عنك تُرَّهات هذه النظرية، فما هي إلا فاسد من القول. الزمن هو الزمن ولا تفاوت فيه بين المتحركين، والأطوال هي الأطوال، والمكان هو المكان والزمان هو الزمان .. إلخ .. ولا يملك إلا الإنكار والاستنكار .. ويعيد ويزيد ترديد ما تمليه عليه بدائهنا ومسلماتنا.. مرة بـ "العقل المجرد" كما يفعل أبو الفداء ابن مسعود[1]، ومرة بالاكتفاء بالإفتاء بأن هذه الأقوال النسبوية تخالف "النقل" المعصوم. نعم، سيفعل أكثرنا إن نطق بهذا، ومن لم ينطق سيُقر الناطق على نطقه، ولا يغيب عن القارئ الفطن، أن هذا النمط الحجاجي أقرب إلى علم الكلام، وهو نمط أضعف من أن ينال – في هذا العصر- من معجزات علمية مدعومة بتقنيات باهرة فاتنة. وسيمضي قطار العلم الغربي يبسط سلطانه على العقول – وهو ما يفعله منذ وعيناه في القرنين الأخيرين- بما يقول أنها أدلة تجريبية وعلم رياضي منمذج مصقول، وتقوم له علينا به حُجة، بما ينخدش من عقائدنا ويتساقط من أوراق أشجارنا، وينجرف من أبنائنا، في غياب تام لأي فتاوى شرعية برهانية في العلوم الحديثة والطبيعية، تستند بالإضافة إلى النص المعصوم، إلى أصول تجريبية وتحليلية.
ولسد هذا الفراغ الأخير، في شأن النظرية النسبية خاصة، أُصنِّف هذا الكتاب.

الفهـرس

- الفصل الثاني: آية (السجدة-5) وعلاقتها بسرعة الضوء: والنظرية النسبية!
     (2–1): "يوم - مقداره ألف سنة"! ... فما هو؟!
     (2–2): سرعة الضوء في القرآن، وكيف أفسدها الإعجازيون! 
     (2–3): المعنى العلمي الصحيح لسرعة الضوء من آية (السجدة:5)، ومعها سرعة دوران الأرض! 
     (2–4): سرعة الضوء ودرجة حرارة الهواء! واستخراجها من آية (السجدة:5)، (طريقة ثانية صحيحة)
     (2–5): "يوم - مقداره 50,000 سنة"! ... فما هو؟!"
     (2–6): آية (السجدة:5) تَطْرُق باب النظرية النسبية بما قد يزعجها!
- الفصل الثالث: النسبية الخاصة ومعناها في الفيزياء المعاصرة:
       (3–2): معنى النسبية: أو تأويل أينشتاين الـمُسمَّى بـ "النسبية الخاصة"، في حل أحجية الفيزياء الكبرى.
       (3–3): الاستقبال الإيجابي للنسبية: أو إيجابيات النسبية الخاصة وقيمتها في الفيزياء الحديثة. 
       (3–4): الاستقبال السلبي للنسبية: أو السلبيات العلمية للنسبية الخاصة وتداعياتها الفلسفية. 
       (3–5): مستقبل النسبية الخاصة، واحتمالات تبدُّلها أو سقوطها.
- الفصل الرابع: تعريفات فيزيائية أشكلتها النسبية:
       (4–1): الكتلة mass والطاقة energy قبل النسبية وبعدها.
       (4–2): المكان space قبل النسبية وبعدها.
       (4–3): الزمن time قبل النسبية وبعدها.
       (4–4): الأبعاد dimensions قبل النسبية وبعدها.
       (4–5): الإطارات الإحداثية reference frames قبل النسبية وبعدها.
      (4–6): استقلال القانون الفيزيائي عن الراصد أو ارتباطه به، (عام القوانين وخاصُّه) variance and invariance.
       (4–6): تفرد الحقيقة الفيزيائية أو تعددها بين الراصدين physical invariance.

- الفصل الخامس:
- الفصل السادس:
- الفصل السابع:

- ملاحق: 
(1) أصحاب مركزية الأرض من الكون، وخطأ استنصارهم بـ أينشتاين والنظرية النسبية.
(2) مؤشر الحياة - [يوم/(ألف سنة)]= ق  - وكيف دلّت آية (السجدة:5) عليه!
(3) مدة لبث أهل الدنيا كما يراه أهل الآخرة، ومعناه العلمي الـمُتضمن في آية (السجدة:5).

سيتم وضع الروابط تباعاً إن شاء الله.

وبدأ هنا: حوار حول الكتاب في الملتقى العلمي للتفسيروعلوم القرآن، وفيه:

قال (عمر أحمد) : 
الا تظن اخي عز الدين ان أصل السؤال فيه مشكلة..
-
فهى نظرية ولم ترقَ لتكون قانون .
-
من وضع البشر
-
لقياس مخلوق كالضوء والسرعة والزمن
-
لملاحظة وقياس مخلوق اخر كالنجوم

فلا ادرى كيف اجاز السائل بعد مقدمته الايمانية ، بتطبيق هذا كله على افعال المولى عزوجل وهو يقرأ قوله تعالى "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)" (سورة الشورى)

في أهمية السؤال الصحيح يقول البرت اينشتاين ..
Albert Einstein quotes : If I had an hour to solve a problem and my life depended on the solution, I would spend the first 55 minutes determining the proper question to ask, for once I know the proper question, I could solve the problem in less than five minutes

لو كان عندي مسألة تتوقف حياتي عليها ولابد من حلها خلال ساعة من الزمن ، لقضيت 55 دقيقه من هذه الساعة ، لتحديد السؤال الصحيح ، فقط عند علمي بالسؤال الصحيح ، أستطيع حل هذه المشكلة في اقل من 5 دقائق .

والله اعلم
فأجبته بالآتي: 
الأستاذ/ عمر أحمد
اعتراضاتك وجيهة، وسأقوم بتفكيكها:
-
الاعتراض الأول؛ جاء نصّه:[(النظرية النسبية) نظرية ولم ترقَ لتكون قانون]
أقول: يجب أن نلاحظ أن السؤال الـمُنتقد، يعكس بوضوح ودون أي مواربة وبصدق (نمط تفكيري "علمي" بالمعنى الحديث). وأقصد بعلميته الحديثة، التقيد بلوازم ما ثبت في العلم الحديث من مُخرجات/لوازم، تأسيساً على (مصداقيتها) التجريبية.
وفيما يخص "النظرية النسبية" فإن أهم أسسها التصديقية تتمثل في عدد من الظواهر، هي:
1-  الظاهرة الكهرومغناطيسية (معبراً عنها بمعادلات سُميت بتحويل لورنس).. وهذه تصدق في كل ما أخبرت به وأمكن اختباره.
2-  إمكانية زيادة سرعة أي شيء، وحتى سرعة قصوى هي سرعة الضوء، وأنه من المحال تجاوزها.
3-  تغيُّر القيم الفيزيائية (كتلة، زمن، طول) بمعادلات مُوثّقة ومُختبرة - وذلك مع تغير سرعة الحركة، وحتى سقفها الأعلى، والـمُسمَّى بـ والمُساوي لـ (سرعة الضوء).
هذه الظواهر الثلاث حقائق معملية ولا تعتمد نتائج اختبارها على عقائد من يختبرها. وتجمعها – في زمننا هذا - منظومة تأويلية واحدة تُسمى بـ (النظرية النسبية الخاصىة). ولا تُجهض تسمية النسبية بـ "نظرية" ما نراه من صدق الـمُشاهد لهذه الظواهر في كل يوم يمر علينا في الـمُختبرات والـمُعجّلات. وإن انتقصناها لمحض تصنيفها (نظرية)، علينا أن نقدم منظومة أفضل منها، ونبرر أنها قانون وليس نظرية. وأقصد بالتفضيل هنا أن نقدم حداً أدنى من الأدلة، بما نقطع به بمصداقية ذلك البديل فيحقق مصداقية أعلى من (النظرية النسبية). والخلاصة أن التسمية لن تقوى على التشكيك، لأن مصداقية النظرية النسبية من مصداقية الظواهر الثلاث المبينة أعلى (بخلاف ظواهر أخرى أقل قيمة من تلك الثلاث).
والآن: إما أن النظرية النسبية صادقة في كل ظواهرها، أو لا
فإن كانت الإجابة بلا، فعلينا تقديم البديل الأصدق، تجريبياً ومعملياً ورصديا
وإلا، فعلينا أن نلتزم بها للضرورة العملية. وإن عاندناها بالتسخيف نكون قد كسرنا المنهج العلمي، ونفقد عندها جديتنا ومصداقيتنا في استهداف الوصول إلى الحق في وصف وتأويل متعلقها من الظواهر. وهذا المنهج عينه قد أتى به القرآن، وما شاع منه – في هذا العصر باسم المنهج العلمي- ليس إلا أثر من آثار الفكر السلامي. يقول تعالى " قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ "(القصص:49)، ويقول العلم الحديث نفس معنى الآية [قُلْ فَأْتُوا بنظرية تصدقها مخلوقات الله هُيَ أَهْدَى من نظريتنا نَتَّبِعْها إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ]. ولماذا نقول هنا: [نظرية] مرة أخرى، لأنها بشرية! وحتى القوانين الطبيعة، (الجاذبية/قوانين الحركة لنيوتن ..) هي في النهاية بشرية، ومن ثم فهي نظريات، بهذا المعنى.
بهذا أكون قد أجبت عن الاعتراض الأول الذي نصّه: [هى نظرية ولم ترق لتكون قانون]
**********
- الاعتراض الثاني؛ جاء نصّه: [النظرية النسبية) من وضع البشر)]
والغرض من هذا الاعتراض القول بأن تعارض مقولات النظرية – والتي جاءت في سؤال السائل – مع المفهوم من القرآن، لن تقوى على الصمود مع القرآن لأنه كلام الله عز وجل. وهذا حق عندنا باعتبارنا مؤمنين. ولكن الملايين من المؤمنين يتعاملون من النظرية النسبية علماً وتطبيقاً وتعليما كل يوم، ولا يمكن لهم نبذها اعتماداً على المصداقية القوية المحققة لها في المعامل والأرصاد، وفي نفس الوقت لن يستطيعوا قبولها للسبب الديني! وهذا هو الحرج البالغ، والفتنة العلمية التي وقع فيها السائل، وعدم نطق أمثاله من العلماء المؤمنين في الطبيعيات ليس دليلاً على تخلصهم من نفس الحرج. ويُعد غلق الملف على هذا الوضع إبقاء النار تحت الرماد، وبقاء الفتنة. وما سأل السائل سؤاله إلا للخروج منها. ومع إبقاء الحرج على ما هو عليه، ومنع التساؤل بحجة أن القضية منتهية، لعلة بشرية هذه المعلومات المعارضة، فلن يعكس إلا تخاذل أهل الإيمان عن إثبات صدق القرآن فيما تعارضت معه أعمال البشر، ومنها هنا: "النظرية النسبية". وهذا موقف غير مقبول إلا من ضعاف الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:[من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان]، وأخشى أن يتحول هذا الضعف إلى غضب يلحقنا، لأنه خذلان للقرآن، كما أخشى أن يُصنّف هذا الضعف فراراً، من قبيل الفرار يوم الزحف. لأننا نواجه زحفاً فكرياً لا شك فيه، يكتسب به أراضٍ جديدة كل يوم وما يزال.
ولا أدري كيف يستقيم لنا هذا الوضع وفينا مئات الآلاف من العلماء. ولو تذكرنا أن ابن تيمية - رحمه الله - قام ينقض المنطق الأرسطي ويفض أركانه – وقد فعل ذلك كأبرع ما يكون – لزعم المناطقة أنه السبيل الوحيد للوصول إلى الحق. فكيف إذا أتي (المنطق أو النسبية) بمقولات تتعارض تبعاتها مع معاني كتاب الله، أوليس هذا بأوجب للانتهاض لتمحيص المسألة، (هنا "النظرية النسبية")، والوقوف على الحق من الباطل فيها، وما شاكلها مما يتعارض مع القرآن؟!
وخلاصة هذا الاعتراض أن كون "النظرية النسبية" بشرية، لا يمنع طرح السؤال والنظر فيه، بل إنه ليستوجب الرد عليه بما يفضُّه ويرفع الحرج الذي يعاني منه السائل، الذي لا يعبر فيه عن نفسه فقط، بل فئة كبيرة من المؤمنين الذي لهم تعلق بهذه المسائل. وليس عدم معاناة من لم يشعر بحرج صاحب السؤال، دلالة على براءته، بل إنه دلالة على عدم تعرضه للفتنة العلمية التي يعايشها المؤمنون في المجتمع العلمي المعاصر. أما الغريب فهو أن يجرؤ أحدٌ على توبيخٌ السائل لحرج وقع فيه يطلب الاستنصار بنصائح من لهم بالمسألة مزيد علم. ولا يمكن أن تكون إجابتهم له: دع عنك السؤال لأنه خطأ، بل إن المستساغ – بل نقول: حق السائل على المسؤول - أن يُجاب بأن تلك النظرية التي تخالف القرآن فيها الأخطاء كذا وكذا .. وصحيح ذلك هو كذا وكذا. أو ربما تكون إجابتهم أن فهم الناس للقرآن في هذه المسألة غير صحيح بالضرورة لوجود تشابه ما في المعاني. أمّا لو جاءت الإجابة بتسخيف السؤال، فهذا يستطيعه كل أحد. وأما التحير في الإجابة عن السؤال لغموضه أو اشتباكه في عدة أسئلة، فهذا شيء آخر (وهو ما قصده أينشتاين في العبارة المنقولة له). وأما غياب الإجابة لعدم التأهل لها، فهذا شيء ثالث.
***********
- الاعتراض الثالث؛ جاء نصّه:
[(وُضعت النظرية النسبية) لقياس مخلوق كالضوء والسرعة والزمن، لملاحظة وقياس مخلوق اخر كالنجوم. فلا أدرى كيف اجاز السائل بعد مقدمته الايمانية، بتطبيق هذا كله على أفعال المولى عزوجل]
أقول: لم يأت السائل بمتعلق عن ذات الله تعالى وصفاته عز وجل، بل أتى بمتعلق السنن التي خلق الله تعالى عليها الأشياء. وكان محل التعارض الذي يقصده أن النظرية النسبية تنبئ بسلوك طبيعي لتلك السنن خلاف ما تقتضيه السنن المستبطنة في معاني الآيات. نعم؛ الله تعالى على كل شيء قدير، فهذه مسألة أوسع من خلق الله الكون على فئة من السنن الممكن التعرف عليها وقياسها وتسميتها. ومن ثم فهي ليست معياراً لقدرة الله تعالى، بل باعتبار أنه لا يقدر على مثلها أحد إلا الله، ولكن هذا لا يمنع أنها نهائية في مقاديرها، رغم أن قدرة الله لا نهائية. فالمتعلق هو السنن، وليست قدرة الله سبحانه لو شاء ما هو أعظم منها في مقاديرها. كأن تكون سرعة الضوء مثلاً عدة أضعاف من سرعتها المعلومة، أو حتى لا نهائية، فالله تعالى قادر على ذلك لو كانت تلك مشيئته، وتصديق ذلك قوله تعالى عن "الظِّل": "وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا"(الفرقان:45).
- فمثلاً، يسأل في مسألة التعاقب الزمني للحوادث. فإذا صدر من الله تعالى أمر لانفجار نجم قبل نجم آخر، فتزعم النسبية أن ترتيب انفجار النجمين غير مطلق بالضرورة، لأنه حق عند أحد الراصدين، بينما خلافه حقٌ أيضاً عند راصد آخر. فكيف يكون أمر الله تعالى لهما مطلق فيما بينهما من فارق زمني، وأيهما أسبق، ويكون تنفيذهما الأمر غير مطلق؟! فهنا تعارض ظاهر.
- وفي ذكر السائل لعروج النبي صلى الله عليه وسلم، رأيته يُلمح إلى أنه تبعاً للنظرية النسبية لا يمكن لشيء (آدمي أو ملائكي) أن يصعد السماء بأعلى من سرعة الضوء، فكيف وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما وصل إليه وعاد في نفس الليلة؟! – فهنا تعارض ظاهر.
ولو نظرت في باقي الأسئلة لوجدت أنها تتعلق بتصورنا للكون بما يلزم عن فهم الآيات على النحو البَدَهِي، وإتيان النسبية بتصور كوني ينقض هذه البديهة التصورية لأحداث الكون وسنن الحوادث. ومن ثم فلا تتعلق الأسئلة بأي حد لأفعال الله تعالى بما يمس قدسية الذات الإلهية، ولا بقدرة الله بما شاء كيفما شاء – إلا في سؤال واحد سأذكره في الفقرة التالية - وإنما بما هو موجود على النحو القابل للرصد وبما تمليه الاستدلالات التجريبية والتحليلية.
ولإبراء الذمة، فهنا سؤال وحيد للسائل ربما يناله إشكال في طرحه، وهو قوله: [إن الله سبحانه يجيب دعاء عباده، والإجابة فعل الله الذي يشاؤه سبحانه بعد فعل العبد وهو الدعاء، وهذا مشكل عند اعتبار النسبية نظرا لدنو زمن الإجابة من الدعاء - إلا أن تكون الإرادة الإلهية في محل داخل ما يسمى بالمخروط الضوئي، ومعلوم أن الله ليس داخل العالم.] ومتعلق هذا السؤال هو منطقة التماس بين الفعل الإلهي المباشر، والسنن/الجنود المخلوقة لإنجاز هذا الفعل. وفي تقديري أن هذه المنطقة ستظل دوماً مغلقة عنا، تبعاً لقول الله تعالى "وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ"(المدثر:31)، وذلك من حيث آلية استلامها لأوامر الله تعالى، وأنواعها، سواء كانت سنن أو ذوات مخلوقة، إلى غير ذلك! .. وعلى ذلك يكون شأنها شأن الروح، ولن يكون لنا بها علم. غير أن هناك معالجة ممكنة للسؤال إذا قدرنا أن ما سماه السائل  (الإرادة الإلهية)  إنما يؤول إلى متعلق تنفيذ الأمر الإلهي في جانب السنن/الجنود المأمورة! فتكون هي مدار السؤال لتأثرها بمزاعم النسبية التي لا تتعلق إلا بالسنن الطبيعية المستطلعة والمُنَظَّر حولها. أما جانب المشيئة الإلهية وإرادة الفعل والأمر به قبل استلام الجنود الأمر فغيب مُطلق محجوب، من صنف غيبية "الروح".
وعلينا أن ننتبه إلى أن السائل يضع افتراضاً عملياً للخروج من الإشكالات بدايةً- ويتساءل عن صحته - يقول فيه : (هل النظرية النسبية مُثبتة بالتجارب بحيث لا يصح تفسير نتائج هذه التجارب إلا بها؟ ... أم أنها قد تفسر بطرق أخرى تتجنب الإشكال المذكور الآتي؟) وإن صدق هذا الفرض تكون النسبية قابلة للنقض، وتسقط كل تلك الإشكالات. وإن لم تكن النسبية قابلة للنقض، فما الذي ينبغي علينا فعله مع بقاء الإشكالات؟

***********
لكل ذلك، فسؤال السائل وجيه وواقعي، كما وأن اعتراض المعترض عليه – باعتبار أنه استيضاح علل السؤال واحتمال تساقطه – وجيه أيضاً ... ولعلي أكون قد أوضحت بعض الغموض.
هذا والله تعالى أعلم.
إنتهى الحوار


[1]  في كتابه " آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين "


- الفصل الخامس: تأويل إية (السجدة-5) بما يتحدى معانِ النسبية الخاصة! 

       (4–1): العلاقة بين سرعة الضوء وسرعة الأمر. 
       (4–2): لماذا كانت سرعة الضوء حد أقصى للحركة، ومتعلق الحركة. 
       (4–3): معادلات تحويل لورنس واستنباطها من آية (السجدة-5
       (4–4): علة ارتباط النسبية بالكهرومغناطيسية، وتداعيات ذلك.

- الفصل السادس: معادلة ديراك، وأسرارها التي تكشفها آية (السجدة-5
       (5–1): معادلة ديراك ومعناها، وسبب تقيدها بالإلكترون. 
       (5–2): علة ظهور الحركة المغزلية من معادلة ديراك 
       (5–3): معادلة ديراك وربطها بين الكهرومغناطيسية والنسبية وميكانيكا الكم 

هناك 4 تعليقات:

  1. السلام عليكم
    الكتاب ... كما يبدو من المقدمة والفهرس ... كتاب يستحق القراءة والنقاش حول تفاصيله بعد الاتفاق على كلياته ، فمتى تعرض التفاصيل ؟ ،بارك الله فيكم

    ردحذف
    الردود
    1. عليكم السلام ورحمة الله
      قريباً إن شاء الله
      وما عساها أن تكون الكليات المُشار إليها؟

      حبذا لو أن صاحب التعليق قد عرّف بنفسه

      حذف
  2. هل من الممكن نحصل على الكتاب بشكل pdf؟

    ردحذف
    الردود
    1. لم أنتهي من باقي فصول الكتاب بعد، لذا فهو غير متاح ككتاب متكامل.
      إلا أنه يمكنك أن تحفظ فصوله المنشورة حتى الآن كملفات pdf باختيار طباعة فصوله؛ كلٌّ على حدى.
      مع ملاحظة أن تختار حفظ كـ pdf في نوع الطابعة.

      حذف