الأربعاء، 3 أكتوبر 2012

الكعبة المشرفة، الحكمة في اتجاهاتها، وتصحيح مزاعم إعجازية حولها


The Sacred Ka'bah and Reason behind its Orientations: Correcting Miraculous Claims
الكعبة المشرفة، الحكمة في اتجاهاتها، وتصحيح مزاعم إعجازية حولها(*)
بقلم: عزالدين كزابر




انشغل بعض من طلبوا الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، عن طلب العلم في القرآن والسنة، وعلم ما خلق الله تعالى من شيء، وما قد ينشأ عن هذا العلوم المتمايزة من علوم متراكبة أكثر إثماراً، كالمتلهف على جمع ثمار لم يحن أوانها، أو لم تزرع بعد، أو ربما في غير حقولها، أو ربما هيأ لهم شغفهم بها، وحرصهم عليها، أن كل ثمرة فاكهة، وكل نبتة للأكل صالحة!  وفي سبيل ذلك نجدهم يسارعون في التقاط التشابهات، وحشر المتخالفات، والتعلق بالنظريات دون المحققات! ومثال لذلك قول بعضهم: إن أركان الكعبة المشرّفة تقع تماماً في الاتجاهات الجغرافية الأصلية؛ أي الشمال والجنوب والشرق والغرب. وقد أكدوا على ذلك – كما سنرى-مراراً وتكرارا، بما يرسخ لدى العامة بدهية تلك الأقوال في ذاكرتهم الحافظة، وينمي لها مصداقية يدافعون عنها، ويخاصمون مخالفيهم لأجلها، رغم أنها هواء! وبما يثير خصوم الإله فيجدوا في الإسلام مطعنا، وفي كتاب الله تعالى ثغرة أو منفذا، وهو منهما براء.
ولو أن غرضنا فقط تفنيد الزعم – غير المستند إلى دليل إثبات - بانطباق أركان الكعبة على الاتجاهات الجغرافية الأربعة، لكان يكفينا دليل نفي واحد، لا يستطيع أحد إنكاره؛ وذلك أن الكعبة المشرفة بأركانها المعروفة ليست مُربّعة الشكل، بل مستطيلة. ومعلوم أن قطري المستطيل غير متعامدين، فكيف ينطبقان على اتجاهين جغرافيين متعامدين؟! (أنظر شكل 1). فلو انطبق أحد القطرين على أحد الاتجاهين المزعومين، لما انطبق القطر الثاني على الاتجاه الآخر المتعامد، حتماً وضرورةً.



وقد يندفع أحدهم ويأتينا بحجة – لم نقف عليها بعد، غير أننا لا نستبعدها منهم لكثرة مخالفاتهم للأصول العلمية – ويقول:
أليست أركان الكعبة المشرَّفة مُطلِّة على الجهات الجغرافية الأربع (شكل 2)؟!  نقول: بلى إنها كذلك.  فيقول: فبالإمكان إذا أن نصل بينها وبين عيون تلك الجهات. (!!!) فأركان الكعبة إذاً تتجه ناحية الجهات الجغرافية الأصلية!!!


وتأتي هذه الحجة على نمط حجج "المتكلمين" (اصطلاحاً وليس لغةً)، والتي لا طائل من ورائها إلا تكافؤ الأدلة. فلا يستطيع الخصوم دحض كلام بعضهم بمجرد الكلام، لأن البرهان يتطلب ما هو أكثر. وقصارى الردود في ذلك –في أعراف المتكلمين-تأتي على الصورة:
[أنتم الذين وجهتم الأركان إلى هذه الجهات. وكان بالإمكان توجيهها إلى جهات أخرى مُتواضع عليها ومنحرفة عنها. لذا فليس ضرورة أن تتوجه ناحية الجهات التي اخترتموها! فيكون الرد على ذلك: ولكن هذا ممكن. والممكن لا يمكن رده, ... ويستمر الجدل الكلامي بما لا نهاية له إلا انتهاء الأعمار!]

أما الرد العلمي فيأتي على الصورة:
لا بد لاختبار توجيه شيء ناحية جهة بعينها – حسب التعريف العلمي – أن يكون على هذا الشيء نقطتين اثنتين، بحيث يكون الاتجاه المعتبر من أحدهما إلى الآخر دون العكس. فإن كانت هاتين النقطتين لموضعين متمايزين على الشيء ومتباعدتين، كان التوجيه استاتيكياً (وهذه هي حالة الكعبة المشرفة). وإن كانتا لموضع بعينه في زمنين متتاليين كان التوجيه ديناميكيا، ويكون مُعبَّرا عن اتجاه حركة الموضع في ذلك الاتجاه. وهذا هو تعريف (أي: حد) المتجه الرياضي Vector؛ وذلك في الوضعين الأكثر شهرة له، والمُسمَّيان بمتجهة الموضع position vector، ومتجه السرعة velocity vector.
فإن لم يكن لديك إلا نقطة بعينها دون صفة ملازمة لها بما ينشأ عنها نقطة ثانية بحيث يكون بينهما توجه، فتُسمَّى صفة تلك النقطة عندئذ بالكمية القياسية scalar. ولا يمكنك ادعاء أنها متجه تحت أي ظرف. وهذا هو مثال من يريد توجيه أي من أركان الكعبة ناحية جهة بعينها غير لازمة عن هيئتها التي هي عليها. ومن يفعل ذلك يكون كمن يصف – خطأً - كمية قياسية بأنها كمية متجهة، وهذا يقع في باب تسمية الأشياء بغير أسمائها.
وعلى ذلك، فأركان الكعبة الأربعة كميات قياسية. ولا يمكن ادعاء توجه أي منها على انفراد. أما ما يمكن اختبار توجهه فهو قطري الكعبة كما فعلنا أعلى في (شكل 1). ويصل كل قطر بين نقطتين اثنتين حسب التعريف العلمي، ويكون لكل قطر اتجاهين متعاكسين. ومن ثم يكون لدينا أربع اتجاهات. وكما رأينا في (شكل 1)؛ أن هذه الجهات لا تتوازى مع (أي تتجه إلى) الجهات الجغرافية الأصلية الأربعة. ومن ثم تسقط الدعوى. وهذا البرهان لا يستطيع الخصم دفعه إلا بالمغالطة المفضوحة. ومن ثم، ينتهي الجدل.

الحكمة وراء توجه الكعبة على ما هي عليه:


يدفعنا البحث في هذه المسألة لأن نتساءل عما هو أعمق من محضد التفنيد! وما ذاك إلاَّ عن الحكمة وراء اتجاهات أركان الكعبة وأضلاعها/أسوارها. ونتساءل: هل كان لهيئة بيت الله الحرام، الكعبة المشرفة، حين وُضعت، غرض هندسي مقصود؟
وماذا لو أن بناء الكعبة كان متماثلاً تماماً من جميع جهاته – كالدائرة - أكان فاقداً قيمة ما، ما كانت لتتحصل إلا بكسر هذا التماثل؟
وهل إذا اتفق للكعبة محور تماثل مع محور دوران الأرض (الشمال-الجنوب) الجغرافي، ومحور تماثل آخر مع المحور المتعامد معه؛ (الشرق-الغرب) الجغرافي، هل يضيف ذلك قيمةٍ ما إلى الكعبة؟ وهل تنتفي تلك القيمة المُضافة إذا انحرف هذين المحورين عن ذلكم؟– بما يشمل ذلك مقترح أنها آية من آيات الله تعالى فيها كما قيل!
نقول: حيث أن الكعبة المشرفة هي بيت الله الحرام الذي بوأه لإبراهيم ومن قبله آدم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فموضعها وهيئتها الهندسية – علماً بأن حِجر إسماعيل من البيت كما سنرى- أمران توقيفيان. فالبحث الذي ينبغي لنا إجراؤه إذاً يجب أن يكون حول علة تلك الهيئة الهندسية إن تيسر لنا ذلك. أي أنه بحث في حكمة الله تعالى فيها، والتي قد نقف على بعضٍ منها، حسبما يقدر الله تعالى لنا من خزائن علمه، إن أراد سبحانه ذلك.  ونرفض أن يكون اتفاق محاور التماثل في الكعبة – ابتداءاً -مع محاور فلكية مكتشفة لاحقاً، أو معالم أرضية ميزها الأثريون بعدياً، لمحض نشوة عقلية تتفكه بها عقلولنا، أو إرضاءاً لفضولنا بالتقاط ألغاز في المصادفات العلمية. أي أن البحث في اتجاهات أركان الكعبة التي عليها أنشئت ينبغي أن يدخل في باب المقاصد العملية، لا في باب التفكهات النظرية. أي أن البحث في (الإسلام العلمي) يجب أن يكون بابَ بحثٍ منفتح لمزيد من المعرفة والكشف العملي وإن كان نظرياً، لا باب سر منغلق لمزيد من الغموض والأسرار الماورائية، والطلسمات المتشبهة بالعلم، المتنكرة وراء ألفاظه.
ونتساءل: أي مقصد عملي يمكن أن يُستنبط من انتظام محاور الكعبة الواصلة بين أركانها مع الاتجاهات الجغرافية الأصلية؟ والتي تمثل أهم ما نعلم عن اتجاهات كلية على الأرض، مرتبطة بحركتها المغزلية في السماء؟! - ولكي يكون لهذه الاتجاهات قيمة في مسألة الكعبة، فينبغي أن ترتبط بوظيفة الكعبة التي من أجلها وضعها الله تعالى. وما هذه الوظيفة إلا كونها قبلة يجب أن يتوجه إليها المسلم في صلاته أينما وحيثما كان على الأرض. فلو أن أركان الكعبة كانت بالفعل تشير إلى الإتجاهات الجغرافية، فهل لهذا من فائدة في تحقيق آداء الكعبة لمهمتها؟ - لا يبدو لذلك أهمية - على ما نرى حتى الآن - وإن زعم ذلك آخرون، حتى نرى تلك الأهمية قاطعة جلية!

ادعاءات بناء الكعبة في الاتجاهات الجغرافية الأربعة على التمام! وخطأ هذا الادعاء: 

قيل([1]): "الكعبة المشرفة مبنية بزواياها الأربع في الاتجاهات الأربعة الأصلية تماما‏,‏ فالحجر الأسود في اتجاه الشرق الحقيقي تماما‏,‏ والركن المصري([2]) في اتجاه الغرب الحقيقي تماما‏,‏ والركن اليماني في اتجاه الجنوب تماما‏,‏ ويقابله الركن الشامي([3]) في اتجاه الشمال الحقيقي‏ تماما‏.‏ وتحديد تلك الاتجاهات بهذه الدقة([4]) في زمن موغل في التاريخ كالذي بنيت فيه الكعبة المشرفة ينفي امكانية كونه عملا بشرياً‏,‏ ويؤكد علي كرامة المكان‏,‏ ويضيف إلي ما فيه من الآيات‏."
نقول: إن هذا الوصف غير صحيح. فأركان الكعبة الأربعة ليست موجهة تماماً مع الإتجاهات الجغرافية الأربعة، ناهيك عن أن القطرين الواصلين بين هذه الأركان غير متعامدين كما أثبتنا أعلى. وقد سعينا إلى التقاط صورة جوية للكعبة المشرفة وقياس مدى الانحراف عن الاتجاهات الجغرافية. فوجدنا أن القطر الذي يصل بين الركن العراقي (الذي سماه بالشامي) والركن اليماني يصنع مع خط الطول المار بالكعبة تماماً زاوية تقَّدر بـ 9 درجات (الزاوية (أ) في شكل 3)، وذلك مع اتجاه عقارب الساعة (جهة الشرق من خط الطول).


أما القطر الواصل بين ركن الحجر الأسود والركن الشامي (الذي سماه الركن المصري) فيصنع زاوية تقدر بـ 18 درجة مع خط العرض (الزاوية ب). والسبب في ذلك – كما يتبين من (شكل 1) – أن قطري الكعبة ليسا متعامدين. فالزاوية المحصورة بينهما وتواجه الشمال الغربي (تجاه مصر) تقدر بـ 81 درجة فقط. فإذا أخذنا من ذلك 9 درجات ينحرف به القطر الشمالي تجاه الشرق، يتبقى من تلك الزاوية 81-9 = 72 درجة. فيكون مقدار انحراف الركن الشامي عن الغرب الجغرافي = 90-72 = 18 درجة ناحية الشمال منه.
وهنا تسقط حجة انطباق أركان الكعبة على الاتجاهات الغرافية الأصلية.
الزعم بانطباق خط ركني الكعبة العراقي الإبراهيمي، واليماني، على خط الشمال –الجنوب الجغرافي، وأن الكعبة تقوم مقام البوصلة:
انتبه بعض المشتغلين بالإعجاز لاحقاً بانحراف الركن العراقي الراهن عن الشمال الجغرافي، وقال[5](بتصرف): "لا ينطبق الخط بين الركن العراقي والركن اليمني – للكعبة الحالية!!!- مع الشمال الحقيقي، بل ينحرف عنه بحوالي 7 درجات".
وبدلاً من تصحيح الخطأ، بعدما أقر به، فنجده قد استبدل خطأٍ بخطأ! وذلك بقوله: "كما تعرفون أن الكعبة الحالية ينقص طولها من ناحية حجر إسماعيل عدة أمتار ... فلما استَكْمَلْت (يتكلم عن نفسه) رسم الكعبة المشرفة بمقاساتها الأصلية كانت المفاجأة المذهلة: أن الخط الواصل بين الركن اليماني الأصلي والركن العراقي الأصلي (يقصد القائم على أساس إبراهيم عليه السلام) يشير تماماً إلى القطب الجغرافي الأصلي، أي إلى الشمال الحقيقي. وهذا يعني أن الكعبة المشرفة وكأنها أول بوصلة حقيقية وضعت في مركز اليابسة لكي تهدي من آمن بها ومن لم يؤمن بها إلى الجهات الأصلية الحقيقية مصداقاً لقول الله تعالى "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ"(آل عمران:96)" ...جمعت بين الهدايتين: الهداية المعنوية لمن آمن بها والهداية المادية لمن لم يؤمن بها أيضاً."
 وبتحليل هذه الأقوال نخرج بعدة ملاحظات:
أولاً: الإشارة بألفاظ "الحالية" و "الأصلية" للكعبة، ولأركان الكعبة، وذلك في قوله "الكعبة الحالية" و"الركن اليماني الحالي" و"الركن العراقي الحالي"، و"الركن اليماني الأصلي" و"الركن العراقي الأصلي". وهذا التوصيف يلبس على الناس تفريقاً بين الكعبة التي يعرفون، وبنيان إبراهيم عليه السلام، وكأن بيت الله تعالى قد تبدل موضعه غير ما كان. مع أن الأمر أيسر من ذلك كثيرا على نحو ما سنرى.
الملاحظة الثانية: أن النقص المشار إليه في الكعبة من جهة حجر إسماعيل قد قُدِّر بعدة أمتار، وأنه – حسب قوله-بإجراء القياسات الحقيقية بين الركن اليماني الذي يقع على مسافة هذه الأمتار العدة من الركن العراقي الحالي، قد أفضى إلى تصحيح قطر الكعبة الحقيقية ليعود إلى وضعه الحقيقي بين الشمال والجنوب الجغرافيين.
وللتحقيق في هاتين الملاحظتين، وما فيهما من التفريق بين الكعبة وأركانها بين الزمن الحالي منذ عهد الإسلام، والماضي حيث كانت قواعد إبراهيم، وما أُنقص من بناء الكعبة، فسنقيمه على مصدرين للمعلومات عن الكعبة المشرفة، وكيف كان بناؤها على عهد إبراهيم:
المصدر الأول: ما جاء من أحاديث شريفه متواترة وروايات رديفة أو شارحة، عن مقدار النقص بين طول الكعبة الحالي (القرشية) وطولها الأول الذي رفعه إبراهيم عليه السلام.
فـ "عن عائشة- أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألم تَرَيْ أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم. قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت. قال (الراوي): فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر (يقصد الحجر الأسود) إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم"[6] – "ولا طاف الناس من وراء الحجر الا لذلك"[7].
و "عن يزيد ابن رومان عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة أم المؤمنين: يا عائشة، لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية، لأمرت بالبيت فهدم. فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين؛ بابا شرقيا، وبابا غربيا. فإنهم قد عجزوا عن بنائه. فبلغت به أساس إبراهيم عليه السلام. قال: فذلك الذي حمل ابن الزبير على هدمه. قال يزيد: وقد شهدت ابن الزبير حين هدمه وبناه وأدخل فيه من الحِجر (أي: حِجر إسماعيل). وقد رأيت أساس إبراهيم عليه السلام؛ حجارة كأسنمة الإبل متلاحكة"[8].
وعن عائشة رضى الله عنها قالت: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدر (أي: حجر إسماعيل)[9]، من البيت هي؟ قال: نعم. قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ فقال: ان قومك قصرت بهم النفقة. قلت: فما شأن بابه مرتفع؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا. ولولا ان قومك حديث عهد جاهلية، فاخاف ان تنكر قلوبهم، لنظرت ان أدخل الجدر في البيت، وألصق بابه بالارض"[10].
وجاء أيضاً: "عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت البيت فبنيته على أساس إبراهيم عليه السلام، وجعلت له خلفا. فإن قريشا لما بنت البيت استقصرت"[11].
و"(قال الشافعي:) سمعت عددا من اهل العلم من قريش يذكرون انه تُرك من الكعبة في الحِجْر نحو من ستة أذرع - (قال الشيخ: أخبرنا) بصحة ذلك أبو عبد الله الحافظ ... عن سعيد بن ميناء، قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدثتني خالتي - يعنى عائشة قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة لولا ان قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فالزقتها بالارض. وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا. وزدت فيها ستة اذرع من الحِجر. فان قريشا اقتصرت بها حين بنت الكعبة -رواه مسلم في الصحيح عن محمد بن حاتم عن عبد الرحمن بن مهدى (وفي رواية عطاء) عن ابن الزبير عن عائشة خمسة اذرع (وفي رواية) عبد الله بن عبيد بن عمير. عن الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة عن عائشة رضى الله عنها قريبا من سبعة اذرع والستة اشهر - (وقد أخبرنا) أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو محمد عبد الله بن اسحاق البغوي العدل ببغداد ... عن عروة، عن عائشة رضى الله عنها، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: لولا ان قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهُدم، فادخل فيه ما اخرج منه، والزقته بالارض. وجعلت له بابين بابا شرقيا وبابا غربيا. فانهم عجزوا عن بنائه فبلغت به بنيان ابراهيم. قال: وذلك الذى حمل ابن الزبير على هدمه - قال يزيد بن رومان وقد شهدت ابن الزبير حين هدمه وأدخل فيه من الحجر وقد رأيت بنيان إبراهيم عليه السلام حجارة كأسنمة الإبل متلاحمة أو قالا متلاحكة. قال جرير: فقلت له: اين موضعه؟ قال: أريكم الآن. فادخلني الحجر. فأشار إلى مكان. فقال: هاهنا. قال جرير: فحزرت من الحِجْر ستة أذرع أو نحوه"[12].
وجاء في إعادة بناء قريش للكعبة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بعثته[13]: "فلما جمعوا ما أخرجوا من النفقة قَلَّت النفقة عن أن تبلغ لهم عمارة البيت كله، فتشاوروا في ذلك، فأجمع رأيهم على أن يقصروا عن القواعد، ويحجروا ما يقدرون عليه من بناء البيت، ويتركوا بقيته في الحجر، عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه، ففعلوا ذلك وبنوا في بطن الكعبة أساسا يبنون عليه من شق الحجر، وتركوا من ورائه من فناء البيت في الحجر ستة أذرع وشبرا، فبنوا على ذلك".
وجاء أيضا[14]: "لما هدم ابن الزبير الكعبة وسواها بالأرض، كشف عن أساس إبراهيم، فوجدوه داخلا في الحجر نحواً من ستة أذرع وشبر، كأنها أعناق الإبل، آخذ بعضها بعضا، كتشبيك الأصابع بعضها ببعض، يحرك الحجر من القواعد فتحرك الأركان كلها، فدعا ابن الزبير خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم، وأشهدهم على ذلك الأساس".
نخلص من ذلك إلى أن الكعبة المشرفة المتمثلة في البناء المكعب الشكل تقريباً، قد اقتصر بناؤها على ما يتضح في الشكل المظلل في (شكل 6) لاحقاً. ولِما يُفهم بوضوح من ملابسات إعادة بناء قريش للكعبة على نحو ما جاء بالروايات. إلا أن الثابت من الأركان هو ما كان يستلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفعل في طوافه بالبيت، وهما: الحجر الأسود والركن اليماني. وهذين الركنين على قواعد إبراهيم لا شك في ذلك. أما الركنان العراقي والشامي في مسقط الكعبة فموضعهما أدنى من أساس إبراهيم بما مقداره ستة أذرع وشبرا – في أدق الأقوال كما جاء أعلى.
المصدر الثاني: ما جاء مباشرةً عن وصف أبعاد الكعبة على أساس إبراهيم بقياس الذراع:
جاء في أخبار مكة للأزرقي[15] عن إبراهيم عليه السلام أنه لما بنى البيت: "جعل طوله في السماء تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعا من الركن الأسود إلى الركن الشامي (المشهور بالعراقي) الذي عند الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي (المشهور بالعراقي) إلى الركن الغربي (المشهور بالشامي) الذي فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدا وثلاثين ذراعا، وجعل عرض شقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعا، فلذلك سميت الكعبة لأنها على خلقة الكعب."
واعتماداً على هذا المصدر الثاني بالدرجة الأولى جاء قول صاحب وصف الكعبة بأنها بوصلة[16] بأن الخط الواصل بين ركني الكعبة العراقي (على أساس إبراهيم الأول) واليماني، ينطبق تماماً على خط الشمال الجنوب الجغرافي[17]. وقام برسم مسقط الكعبة على أساس إبراهيم حسب الرواية السابقة كما هو موضح في (شكل 4).


وقد وصف مسقط الكعبة بأنه "مختلف الأضلاع"، وأنه نادر الاستعمال في المساقط الأفقية. ويترجح لدينا أن مسقط الكعبة لم يكن حسب ما جاء في (شكل 4)! وذلك لأن ما جاء في الأحاديث النبوية السابق استعراضها أن التغير الحاصل عن بنيان إبراهيم لم يكن إلا نقصاً من جهة حجر إسماعيل. ومعلوم أن بنيان الكعبة الحالي مطابق لما كان عليه الحال من بنيان قريش. ولكن الكعبة الحالية متوازية الضلعين الأطولين. فلا بد أن يكون هذان الضلعان على نفس وضعيهما من بنيان إبراهيم. وإذا كان الأمر كذلك، فيكون (شكل 4) في رسم مسقط الكعبة كشكل مختلف الأضلاع غير صحيح. وإذا أعدنا الضلعين الأطولين إلى توازيهما، فلا بد أن يتقوس الضلع الشمالي الغربي إذا صحت رواية الأزرقي لأن طوله حسب هذه الرواية 22 ذراعاً، في حين أن الضلع المقابل له 20 ذراعاً فقط. وهذا التقوس يتفق جزئياً مع تقوس حجر إسماعيل. أي أن رواية الأزرقي – بفرض صحتها – قد أتت بطول الضلع الشمالي الغربي على تقوسه وليس على استقامته، ما لم يكن خطأً في القياس، وهذا مستبعد لأنه سيصل إلى 9.5% من الطول، وهذا كثير. وبناءاً على هذا التحليل يترجح عندنا أن مسقط الكعبة – حسب روايةالأزرقي – هو ما يوضحه (شكل 5). ويكون طول الضلع ناحية الحجر (22 ذراعاً في مقابل الضلع المقابل له) راجعاً لتقوسه، ويكون اختلاف الضلعان الأطولان (32 ذراعاً مقابل 31 ذراعاً) راجعاً لعدم الدقة في القياس (3.2% وهذا مقبول). لذا سنعمد إلى الآخذ بمتوسطهما؛ أي 31.5 ذراع.



وهذا ينفي عن الكعبة كونها بُنيت على شكل مختلف الأضلاع، ويجعل الكعبة الحالية مطابقة لما كان عليه الحال من بناء قريش لها. ويكون الفارق الوحيد هو نقصان طول الكعبة المبنية عما كان عليه بنيان إبراهيم بما مقداره ستة أذرع وشبراً من جهة حجر إسماعيل، وأن هذا النقصان يدخل في الحِجر ويشمله الناس في طوافهم.
هل كان للكعبة – حين بناها إبراهيم عليه السلام – أربعة أركان على الحقيقة؟
لقد ترجح لدينا التصور السابق في (شكل 5) بما ورد من تحليل آخر يستند إلى: "ما جاء في رواية التقي الفاسي  في شفاء الغرام أن ذَكَر ابن الحاج في مناسكه شيئاً من خبر بناء إبراهيم عليه السلام للكعبة فقال: (كان صفة بناء إبراهيم للبيت أنه كان مُدورا؛ وكان له ركنان وهما اليمانيان. فجعلت قريش حين بنوه أربعة أركان)". واستدل من نقل لنا هذه الرواية على عدد أركان الكعبة فقال[18]: "حاصل ذلك أن إبراهيم عليه السلام لما بنى البيت جعل له ركنين أحدهما الركن الأسود، والثاني الركن اليماني، وأما ما يلي الحِجر فلم يجعل له أركاناً بل جعله على شكل نصف دائرة بما يشبه الحجر في حالته الحاضرة.".
أي أن الكعبة المشرفة على بنيان إبراهيم لم يكن لها على الحقيقة إلا ركنان مميزان هما ركن الحجر الأسود والركن اليماني اللذان كان يستلمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. وما عدا ذلك فكان نهاية مدورة على ما عليه حجر إسماعيل الآن. إلا أنها كانت موصوله ببنيان الكعبة غير منفصلة عنه كما هو الحال الآن. وذلك مصداقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم – الذي أوردناه أعلى وجاء فيه – "لنظرت ان أدخل الجدر (حجر إسماعيل) في البيت ". وإدخال حجر إسماعيل في البيت يفيد بجعل البيت متصلاً قطعة واحدة شاملة لحجر إسماعيل. وإذا كان الأمر كذلك، وكان بنيان إبراهيم على هذا المنوال، لم يعد للبيت حين بناه إبراهيم أربع أركان (زوايا) بل ركنان فقط هما ركن الحجر الأسود والركن اليماني. وهذا ما يبرر استلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط لهذين الركنين في طوافه بالبيت.
وهذه النتيجة هامة للغاية، إذ أنها تُجهض أي محاولة لتمييز ركناً عراقياً مميزاً للكعبة في الجهة الشمالية في البناء الإبراهيمي للبيت. وإذا كان الأمر كذلك، فالحديث عن اتجاه قطرُ الكعبة من الركن اليماني وإلى الركن العراقي الإبراهيمي نحو جهة الشمال الجغرافي على التمام، يُعد فضلاً من القول.
وإذا تجاوزنا عن هذه الأدلة لنرى إلى ماذا يفضي بنا قول القائل: أن الخط الواصل بين الركنين العراقي الإبراهيمي واليماني يعمل كبوصلة بين الشمال والجنوب. فسنجد أننا لدينا مصدرين اثنين لذلك، أوردناهما أعلى، وهما:
1- أن بنيان إبراهيم كان على ما هو عليه الحال الآن مع زيادة في الطول قدرها 6 أذرع وشبرا. (المصدر: أحاديث نبوية متواترة سبقت الإشارة إليها)
2- أن بنيان إبراهيم كان ذا طول 31.5 ذراعاً، وعرض 20 ذراعاً (حسب رواية الأزرقي وكما ترجح لدينا في (شكل 5) أعلى.
وسنقوم بحساب طول الكعبة حسب بنيان إبراهيم بكلا الطريقتين مع التحويل إلى نظام المتر. علماً بأن أطوال الكعبة الحالية حسب مصادرنا موضحة في (شكل 6).
وتجيء هذه الحسابات تبعاً لنظم القياس الفقهي[19] كما بالجدول التالي:

وتكون نتيجة الحساب الراجح عندنا أن النقص في طول مسقط الكعبة الحالي عن طولها على قواعد إبراهيم هو متران وتسعين سنتيمتراً. وأن هذا النقص من جهة حجر إسماعيل فقط. ويجب الانتباه إلى أن هذا النقص في البناء الهيكلي فقط. فالطواف يعم هذا النقص بحكم أن من لم يطف بالحجر لم يطف بالبيت، ومن أرد أن يصلي داخل الكعبة فيكفيه أن يصلي بالحجر أمام جدارها بين الركنين العراقي والشامي كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: "ما أبالي أصليت في الحجر أم في البيت"[20]، تقصد داخل البيت.
والآن، إذا افترضنا– مع صاحب المقولة التي نحن بصدد تحقيقها - أن أركان بنيان إبراهيم عليه السلام-كانت تشير إلى اتجاهات جغرافية متميزة، وأن الركن العراقي كان منزاحاً على امتداد طول الكعبة بما مقداره 2.90 متراً، فلا بد أن يكون في محل مركز الدائرة البيضاء الصغيرة (شكل 6). فإذا سعينا بما أوتينا من دقة حسابية لنرى اتجاه قطر الكعبة بين هذا الركن العراقي (الإبراهيمي) والركن اليماني، لوجدنا أنه ما زال ينحرف عن الشمال الجغرافي بثلاث درجات نحو الشرق (انظر انحراف السهم الأحمر عن اتجاه الشمال في شكل 6). هذا في الوقت الذي قال صاحب المقولة[21]: "لما استكملت رسم الكعبة المشرفة بمقاساتها الأصلية كانت المفاجأة المذهلة: أن الخط الواصل بين الركن اليماني الأصلي والركن العراقي الأصلي (يقصد الإبراهيمي) يشير تماماً إلى القطب الجغرافي الأصلي؛ أي إلى الشمال الحقيقي ". ونلاحظ أنه لم يذكر الفرق الحسابي الدقيق بين الركن العراقي الحالي، والركن العراقي الإبراهيمي، وكل ما قاله[22]: "كما تعرفون أن الكعبة الحالية ينقص طولها من ناحية حجر إسماعيل عدة أمتار ". ونرى أن ذلك يحمل قدراً من التشويش الذي تختفي معه الحقيقة. فليس هناك من رواية نعرفها تقول بعدة أمتار. ولا أنه دلنا على رواية تقول بهذا المعنى لم نقف عليها. كما أنه في دراسة أخرى جاء بنفس النتيجة دون أي قياسات تؤكد زعمه[23]. لذا فكلامه غير مقبول. كما أنه ليس هناك من ركن يماني حالي وركن يماني أصلي! فالركن اليماني الحالي مبني تماماً على ما كان من بنيان إبراهيم عليه السلام في جهته.
وجدير بالملاحظة أن مسقط الكعبة على أساس إبراهيم عليه السلام سيزيد في طول الكعبة الحالية ذات الأركان بما مقداره 2.90 مترا. أي أن مسقطها المستطيل الشكل سيصبح أكثر استطالة (طول 14.45 متر ، عرض 9.65 متر). وهذا يجعل تقاطع قطري الكعبة أشد انحرافاً عن الزاوية القائمة، مما يمثل مزيد من الدحض لمن قال أن أركان الكعبة تشير إلى الجهات الجغرافية الأصلية الأربعة المتعامدة مُواضعةً. أي أن الكعبة بكِلا وضعيها: الإبراهيمي والحالي، مستطيلة المسقط بما ينفي هذا الزعم، والذي سبق أن فندناه فقط في وضع الكعبة الحالي الأقل استطالة.
ومما هو جدير بالملاحظة أيضاً أن اتجاهات الجدران الأربعة لمجسم الكعبة لم تتأثر بهذا النقصان ذي الستة أذرع وشبراً من جهة حجر إسماعيل. ذلك لأن النقصان الحاصل لا يغير من توازي هذا الجدار والجدار القائم على أساس إبراهيم بفرض وجوده مستوياً، أنظر (شكل 6). إذ أن الفرق بين الوضعين ليس إلا إزاحة ذلك الجدار في اتجاه متعامد (لاحظ المستطيل نصف المظلل في شكل 6)، ومن ثم لا يتبع ذلك أي تغير في اتجاهات الجدران. وهذا له علاقة بأهمية اتجاهات هذه الجدران على نحو ما سيكتمل به تحقيقنا في حكمة اتجاهات الكعبة، الراجحة عندنا، وبما لا علاقة بينه وبين الشمال الجغرافي.

واستكمالاً للتعليق على المقولة التي نحن بصددها نلاحظ أنها سعت إلى التركيز على القطر الواصل بين الركنين العراقي واليماني، وإهمال القطر الآخر الواصل بين ركن الحجر الأسود والركن المصري. ومن ثم الخلوص إلى أن للكعبة اتجاه واحد بين الشمال الجغرافي والجنوب الجغرافي الحقيقيين. وتصل إلى تأويل مختلف عن المقولة الأولى التي زعمت بالتطابق مع الجهات الأربع، وهو أن الكعبة تقوم مقام البوصلة! مثلما أن الإبرة المغناطيسية بوصلة بين الشمال والجنوب. فإذا صدق هذا التحليل! فهو مخالفة لصاحب المقولة الأولى التي نادت بانطباق أركان الكعبة الأربعة على الاتجاهات الجغرافية الأصلية. ونحن نتفق معها في هذه المخالفة. غير أننا لا نتفق معها في ندائها باعتبار الكعبة بوصلة جغرافية تشير إلى خط الشمال الجنوب الجغرافي مثلما هو الحال مع البوصلة المغناطيسية. ونتساءل: من الذي كان يهتدي بالكعبة في أسفاره في الجاهلية قبل أن يتغير ركنا الكعبة العراقي والشامي؟ (وهما لم يكونا مميزين كركنين في بنيان إبراهيم) ثم إن الكعبة واتجاهات أركارنها محلية، لا يمكن الاهتداء الجغرافي بها عن بُعد متى غابت عن الأنظار، فأي اهتداء هذا الذي يجعلها كالبوصلة؟! كما وأن اعتبار الكعبة بوصلة تهدي الناس إلى الشمال الجنوب الجغرافيين يجعل هذا الاتجاه الجغرافي نفسه قِبلة. وأن الكعبة وسيلة أو آلة للدلالة عليه. ولكننا نؤمن بأن الكعبة ذاتها هي القبلة، ولا يمكن أن تكون قبلة لما هو أشد منها قبلة. فمثلما أنه لا يجوز الاحتفاظ بأوراق هامة بين أوراق المصحف وتوظيف كتاب الله تعالى كظرف لغيره، حيث أن المظروف أهم من الظرف، فكذلك لا يجوز أن تُوظَّف الكعبة وتكون اتجاهاتها آلة للدلالة على غيرها من الأماكن تحت أي مقصد ترحالي، حتى ولو دخل ذلك لُغوياً في محض الهداية. ولِمَ نذهب كل هذا المذهب وقول الله تعالى صريح في أن الهداية المكانية قد جعلها الله تعالى في العلامات الأرضية وفي النجوم في قوله تعالى "وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ"(النحل:16). ثم كيف نُعمِّم الخاص -بتعبير الأصوليين، ونقصد هداية الكعبة –ونقول إنها هداية مكانية إلى الشمال والجنوب بلا دليل نقلي أو استدلالي معتبر؟!
والآن، إذا وصلنا إلى خلو دعوى اتجاهات أركان الكعبة المشرفة من أي علاقة مع الاتجاهات الجغرافية، أربعة كانت أو اثنتين، فلنا أن نحقق في الحكمة من الوضع الاتجاهي للكعبة، وكيف كان عرف الأقدمين في الاتجاهات الجغرافية.
الاتجاهات الأساسية في الأعراف القديمة حتى اكتشاف بيت الإبرة (البوصلة):
إذا تتبعنا الأعراف الحضارية القديمة في معرفة الاتجاهات، لوجدنا أن العرب، وكثيرٌ من غيرهم، ومن كانوا قبلهم، لم يكونوا يحددون الاتجاهات بدلالة الشمال والجنوب الجغرافيين. بل كان الشرق هو الأصل. ويمكن الرجوع في ذلك إلى دراسة غنية ثرية[24] شارك كاتب هذه السطور في تأصيلها، وجمع مادتها، وتحليل نتائجها، وتعقب آثار تطبيقاتها. وقد أتينا هنا على متعلق موضوعنا منها. وكان من نتائج تلك الدراسة اكتشاف أن العرف اللغوي العربي والقرآني يعتمد اتجاه الشرق أصلاً في التوجه الجغرافي، بل والأوربي القديم والعبراني التوراتي أيضا، على نحو ما سنرى بعد قليل. ومُلخص ذلك أن الأصل في التوجه قديماً كان إلى الشرق، لذا سمى العرب الرياح الآتية من جهة المشرق والمعروفة بإسم (الصَّبا) بإسم ثانٍ هو (القبول) لأنها تقابل وجه الناظر إلى جهة المشرق (أنظر شكل 14). وسموا الرياح المعاكسة لها والآتية من خلف الناظر إلى الشمس – أي من الغرب-بـ (الدبور)، أي من الخلف. فنقرأ تعريف ابن منظور لرياح (الدبور) قوله[25]: " الدَّبُورُ: ريح تأْتي من دُبُرِ الكعبة مما يذهب نحو المشرق، وقيل: هي التي تأْتي من خلفك إذا وقفت في القبلة". وإذا كان الدبر جهة الغرب، فلا بد أن تكون الوجهة إلى الشرق.
وفي القرآن نجد أن ورود لفظ "يمين" أو "أيمن" كان باعتبار الشخص المواجه للشمس، فيكون يمينه هو الجنوب، ويكون شِماله هو الشَّمال. ومن هنا اشترك اللفظان الأخيران اشتقاقاً. ويمثل هذا الكشف اللغوي نافذة جديدة لتصحيح فهم كثير من آيات القرآن! ففي قوله تعالى "لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ"(سبأ:15)، نجد أن المعنى التصحيحي في ذلك أن وادي سبأ يتجه من الغرب إلى الشرق وينقسم إلى قسمين (جنتين) أحدهما جنوب الوادي (يمين)، والأخر شمال الوادي (شمال)، وهذا هو المقصود من "جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ".  ومن ذلك أيضاً ما جاء في تكليم الله تعالى لموسى عليه السلام في قوله تعالى "وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ"(مريم:52)، ومعنى ذلك أن موضع النداء كان من جهة (جنوب) جبل الطور، أو أن جبل الطور منه ما هو أيمن (جنوبي)، ومنه غير ذلك، فكان النداء من جانب هذا الجبل (جهته الجنوبية) [لذلك نتحفظ على ما جاء في هذا الفيديو والذي يُشير إلى موضع يبعد عن جبل الطور بأكثر من 20 كيلومتر، ويفتقر كلام صاحبه إلى أي تحليل لُغوي أو علمي منضبط]. وينطبق نفس التحليل أيضاً على قوله تعالى "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ"(القصص:30)، أي حافته أو منحدره الجنوبي، وقوله تعالى "وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ"(طه:80)، أي أن مكان اللقاء والمواعدة كان الجنوب المباشر لجبل الطور. ويمكن بهذه المعاني الجديدة أن يتحسن فهمنا لتفصيل موقع أصحاب الكهف في قول الله تعالى "وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ"(الكهف:17) فـ "ذات اليمين" هنا تعني (من جهة الجنوب) و"ذات الشمال" تعني (من جهة الشمال).
وبالعودة إلى كتب التراث، نجد أن الأدلة تتآلف بما يفوق الحصر على أن اليمين هو الجنوب، والشِّمال (بالكسر) هو الشَّمال (بالفتح)، مما يزكي -إلى حد الرجحان التام -أن الشرق هو الوجهة الأولى في العرف الجغرافي القديم، وما عداها من جهات فهو تابعٌ لها. فنقرأ في تعريف (بلاد اليمن) في كتاب "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" للرحيباني قوله: "هو كل ما كان على يمين الكعبة من بلاد الغور، والنسبة إليه يمني". ومن البين أنه لكي تكون بلاد اليمن عن يمين الكعبة فلا بد أن تكون وجهة الناظر إلى جهة الشرق (شكل 7).



ومثال ذلك ما جاء في كتاب "مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام" لشهاب الدين المقدسي عن (الشام) ما نصه: "إنما سميت شاماً لأنها عن شمال الكعبة". و جاء في كتاب "صفة جزيرة العرب" لأبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني (عن جبل السراة)، يقول : [ أما جبل السراة (وهو معروف بإسم جبل السروات الآن) الذي يصل ما بين أقصى اليمن والشام فإنه ليس بجبل واحد وإنما هي جبال متصلة على نسق واحد من أقصى اليمين إلى الشام في عرض أربعة أيام في جميع طول السراة يزيد كسر يوم في بعض هذه المواضع، وقد ينقص مثله في بعضها. فمبتدأ هذه السراة من أرض اليمن أرض المعافر...].
وإذا تحرينا في أصول اللغات الأوربية نجد كلمة orient للفعل توجَّه، و orientation للإسم الحقيقي "توجُّه" أو "وِجْهَه" أو "التوجيه". ومعلوم أن نفس الكلمة orient تعني الشرق. وكأن أصل التوجه هو ناحية جهة الشرق. وكأن معنى "التوجيه" إن كانت ترجمة لـ orientation هو نفس معنى "التشريق" في اللغة العربية. ولو فعلنا نفس الشيء في العربية لقلنا "شّرِّق" ونريد منها "تَوجَّه". ألا يدل ذلك على أن جهة الشرق كان سيد الاتجاهات لدى أوربا مثلما أنه كان كذلك لدى العرب؟
وقد قيل أن العلم الإسرائيلي وما به من نجمة سداسية محصورة بين شريطين أزرقين، قد قُصد منه أن دولة إسرائيل واقعة بين نهري النيل والفرات. ولو لاحظنا لانتبهنا إلى أن الشريطين يقعان أعلى وأسفل النجمة (شكل 8أ)، وليس على يمينها وغربيها كما يتطلب التقليد الحالي للوضع الجغرافي باعتبار الشمال إلى الأعلى (شكل 8ب). وبالتحري عن العرف الاتجاهي التراثي أيضاً لدى اليهود نجد أنهم كانوا يتجهون إلى الشرق في عرفهم العام في الصلاة وغيرها، وعلى هذا المنوال أصبحت الكنائس تتجه أيضاً إلى الشرق[26]، وجعل هذه العرف الجغرافي الشرق في أعلى الخرائط (أنظر شكل 9) [27] – وهو تقليد قديم مشهور أيضاً عند العرب (شكل 10)-مثلما أن الشمال الآن يرسم في الخرائط إلى الأعلى.



وهذا يتسق مع تفسير الشريطين ذوي اللون الأزرق بالعلم الإسرائيلي على أن نهر الفرات هو الأعلى (ناحية الشرق) والنيل إلى الأسفل (الغرب/الخلف). كما أن اليهود كانو يسمون البحر الميت البحر الأمامي والبحر المتوسط البحر الخلفي[28]. وهذا لا معنى له إلا إذا كان الشرق هو الوجهة عندهم أيضاً مثلما كان عند العرب وعند قدماء الأوربيين من يونان ورومان.




طول الأرض وعرضها:
ربما يستغرب حامل الثقافة العلمية الحديثة أن للأرض طولاً وعرضاً. وإذا سألته عن ذلك وأطرق يفكر، فسوف يجيبك بعد بُرهة بأن هذا ربما يرتبط مجازاً بخطوط الطول والعرض! وسيتنبأ بلا تردد  بأن طول الأرض هو امتداد الأرض على خطوط الطول، أي بين القطبين الشمالي والجنوبي، وأن عرض الأرض هو ما بين المشرق والمغرب. ... ولكن! للأسف فهذا الأمر كان تصور حقيقي لدى الأقدمين، كما وأن تصورهم للطول والعرض كان على خلاف ما ظنه صديقنا حامل الثقافة الحديثة!!!
وتعود قصة طول الأرض وعرضها، في العرف الجغرافي القديم، والذي على أساسه أيضاً تمت المواضعة على تقسيم الأرض بخطوط الطول والعرض المعروفة، ولكن بطريقة مغايرة لأفهام المعاصرين، فنستطيع تفهمها من الإسناد التالي:
جاء في كتاب "المسالك والممالك" لإبن خُرْدَاذْبَه قوله[29] :  "والأرض مقسومة بنصفين بينهما خط الاستواء. وهو من المشرق إلى المغرب. وهذا طول الأرض. وهو أكبر خط في كرة الأرض. وعرض الأرض من القطب الجنوبي الذي يدور حوله سهيل إلى القطب الشمالي الذي يدور حوله بنات نعش".
الأمر إذاً معاكس لما أصبح عليه الحال في عصرنا الحالي من فهم ضمني، فطول الأرض كان في اصطلاح القدماء ما بين المشرق والمغرب، وعرضها هو ما بين الشمال والجنوب. وعلاقته فيما نحن بصدده أن الخرائط كانت ترسم بجعل طول الأرض هو طول الخريطة على اعتدالها، ومن ثم يوضع الشرق إلى أعلى. وإذا رغبنا مزيد من التحقيق نقرأ الإسناد التالي:
جاء في الأثر[30]  أنه: [عُثر على وصف تخطيطي للعالم يُنسب إلى عبدالله بن عمرو بن العاص فاتح مصر، جاء فيه: "صُوِّرت الدنيا على خمسة أجزاء كرأس الطير والجناحين والصدر والذنب. فرأس الدنيا الصين ،وخلف الصين أمة يقال لها واقٍ واق. ووراء واقٍ واق من الأمم ما لا يحصيها إلا الله. والجناح الأيمن الهند، وخلف الهند البحر وليس خلفه خلق. والجناح الأيسر الخزر وخلف الخزر ماشك ومنشك. وخلف ماشك ومنشك يأجوج ومأجوج من الأمم ولا يعلمها إلا الله. وصدر الدنيا مكة والحجاز والشام والعراق ومصر. والذنب من ذات الحمام إلى المغرب. وشر ما في الطير الذنب". وبقيت هذه الرواية رائجة في مصر حتى زمن المقريزي"]. أنظر (شكل 11). وسواء صحت الرواية أو لم تصح، فإنها تعكس التصور وقتئذ للاتجاهات على الأرض. ومن البين أن اتجاه الطائر - الممثل برأسه – يكون ناحية الشرق.



والآن، ما علاقة هذا التصور في طول الأرض وعرضها بخطوط الطول والعرض التي ورثناها دون العلم الحقيقي بمعناها؟
إذا نظرنا إلى (شكل 12) لرأينا الطريقة الطبيعية في قياس أطوال الأشياء/الناس بعد إقامتها معتدلة على امتداد طولها. ومن الشكل يتضح أن خط الطول هو الخط الذي يتساوى عنده من كان له قيمته في قياس الطول. وهذا لا يكون إلا إذا كان خط الطول متعامد مع الطول المقاس. وهذا يؤدي بنا إلى أن خطوط الطول على الأرض تقيس الأطوال المتعامد عليها اعتباراً من مرجع ثابت. وهذا المرجع اعتباطي في الحقيقة لأننا نحن الذين نختاره.



والحاصل أن خط الطول الصفري الآن هو خط جرينتش، وخط العرض الصفري هو خط الاستواء. وسوف تتضح الصورة أكثر لو أعدنا النظر إلى الكرة الأرضية (شكل 13) وأعدنا رسم خطوط الطول كعلامات قياس على خط الاستواء دون مدها إلى نهاياتها حتى تتلاقى في القطبين من الجهتين. (وهو إجراء لا يغير من الأمر شيئ.)



نخلص من كل ذلك إلى أن الشرق كان عمدة الاتجاهات، وإليه يُنسب غيره من اتجاهات جغرافية. وأن طول الأرض كان ما بين المشرق والمغرب، وأن عرضها كان بين الجنوب والشمال. ولهذا كانوا يضعون الأرض معتدلة كالإنسان، فكان رأس الأرض هو الشرق، لذا وضعوه الأعلى دائماً. وأما الشمال فمثله مثل الجنوب، لم يكن ذي بال. ونتساءل: ماذا عن أصل جهتي الشمال والجنوب وكيف اكتسبا اسميهما، وكيف نمت أهميتهما كإتجاهات؟!
للإجابة عن ذلك نتحرى عن أصول تسمية الاتجاهات الجغرافية من (شمال) و(جنوب). ولو فعلنا ذلك لوجدنا أن لفظي (الشمال) و(الجنوب) لم يكونا إسمي اتجاهات في الأصل، بل هي أسماء رياح. ثم تم التعرف على الجهات الآتية منها تلك الرياح بأسماء الرياح نفسها. فالشمال[31] إسم ريح تأتي من قبل الشام، ومن هنا يرتبط اللفظان اشتقاقاً. كما أن الجنوب[32] إسم ريح تأتي من جانب اليمن، ومن هنا أيضاً ارتبط لفظ الجنوب وجانب اليمن (قارن "جانب اليمن" بـ "جانب الغربي" في قوله تعالى"وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ"(القصص:44)). أما الاتجاه الشرقي فكانت تأتي منه ريحٌ تُسمَّى ريح الصبا[33] أو القبول، وسميت "القبول" لأن المواجه لها يكون وجهه قِبَل الشرق[34]. أما الريح التي تأتي من خلف نفس الشخص المواجه للشرق، فسميت ريح الدبور، أي من جهة الخلف. ويجيء في إسميهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "نُصرت بالصبا واُهلكت عادٌ بالدبور"[35]. وإذا نظرنا إلى الكعبة لوجدنا أنها موجهة بالفعل إلى الاتجاهات المقيدة بتلك الرياح، أنظر (شكل 14) [36].



ولم يكن للعرب ولا لغيرهم من طرق فلكية أشهر من الرياح لمعرفة الاتجاهات، إلا نجم سهيل الذي يبزغ من جهة ريح الجنوب، وأقل منه النجم القطبي الذي يظل في موضعه ناحية ريح الشمال وتدور حوله السماء بنجومها كما تدور الرحى حول قطبها، ومن هنا جاءت تسميته بالقطب (أنظر شكل 15). ثم استُعير الإسم بعد ذلك لقُطْب الأرض بعدما تم التعرف على أن الدوران يعود للأرض نفسها وليس للسماء.



ولم يكن من محدد للإتجاهات في معظم الأوقات من ليل أو نهار –  بخلاف الشمس بين شروقها وغروبها -إلا الرياح. وكان اعتماد الرياح كأصل لمعرفة الاتجاهات تقليداً معمولاً به أيضاً في أوربا، فنقرأ لمن يؤرخ للملاحة والاتجاهات الجغرافية في أوربا ويقول[37]: [إن التأثر بالرياح أعطى الإنسان مؤشراً تقريبياً على الاتجاهات. وليس من المستغرب أن نجد أن أسماء الرياح الدائمة في أوربا أصبحت أسماء عين الاتجاهات التي تهب منها تلك الرياح. ففي نصف كرة الأرض الشمالي، تأتي الرياح الباردة من الشمال، وتأتي الرياح الدافئة من الجنوب. لذا نرى الكلمة اليونانية Boreas والتي هي إسم للرياح الشمالية الباردة، تُصبح علماً على عين اتجاه الشمال. ومثلها تصبح كلمة Notus التي هي إسم الرياح الدافئة الجنوبية، علماً على اتجاه الجنوب. وتصبح كلمة Zephyr التي هي إسم الرياح الغربية المعتدلة علماً على اتجاه الغرب، وتصبح كلمة Apeliotes التي هي إسم الرياح الشرقية الجافة علماً على اتجاه الشرق]. أنظر (شكل 16) وفيه صورة برج الرياح ذو الثمانية أضلاع في أثينا باليونان[38]، حيث يُشير كل ضلع إلى أحد الرياح.



كيف إذاً تغيرت الأمور، وزادت الجرأة، وتجشم البحارة عناء السفر البعيد في البحار، حيث لا رياح معروفة، ثابتة الاتجاه، دون خوف، وفيما لا تتابع فيه من علامات؟! - إنها بيت الإبرة أو البوصلة. فقد فجَّرت البوصلة معرفة إتجاهية جديدة لم يكن للبشرية علمٌ بها من قبل. ونقصد بتلك المعرفة تلك الآلية البسيطة التي يمكن نقلها حيث يشاء المسافر بها. وحيثما يذهب تدله على اتجاهٍ واحدٍ بعينه هو اتجاه الشمال-الجنوب. هذا في الوقت الذي كانت الرياح محلية ذات نطاقات محددة وإن امتدت في بقعة أرضية كبيرة نسبياً. إلا أن مزية البوصلة في قيمة اكتشافها تشبه لحد كبيرة مزية اختراع الهاتف النقال/الخلوي/المحمول حيث يمكنك استخدامه حيثما تذهب بالنسبة إلى الهاتف الأرضي الثابت. إنها نقلة معرفية كبرى أضافت قدرة انتقالية عظيمة نتج عنها أن أصبحت الأرض جميعاً قابلة للتجوال بلا خوف. فالإتجاه أصبح معروفاً ومن ثم أمن الإنسان من التيه والضياع.
صحيح أن اتجاه الشمال كان معروفاً بواسطة النجم القطبي Polaris سواء للعرب أو لغيرهم. وهو -كما هو شائع - قطب السماء وتدور حوله السماء جميعاً – ظاهرياً -بما تحمل من نجوم. أنظر شكل (15). وهو صاحب إسم القطب حقيقةً، حيث كانت تؤول كلمة قطب إليه إذا تم تداولها على خلاف ما أصبح شائعاً الآن. فلم يكن معلوماً أن الأرض تدور، ومن ثم لم يكن لها في عرف الناس قطب تدور حوله. وفقط السماء هي التي يرونها تدور، والقطب هو مركز دورانها مثلما أن قطب الرحى هو مركز دورانها. ورغم المعرفة التامة بالنجم القطبي، ورغم أنه لا يغرب وراء الأفق ويظل دوماً في السماء، إلا أن الاعتماد عليه غير مأمون في نصف الأرض الشمالي مع كثرة الغيوم. كما وأن نجم سهيل أكثر إشراقاً منه (أنظر شكل 17)[39] وأشد وضوحا في صحراء العرب بعد الشعرى اليمانية، رغم أنه يهبط ويبزع من وراء الأفق.
          
إلا أن قرب سهيل من الأفق صعوداً وهبوطاً أهَّله لأن يكون أشد دلالة على الاتجاه من النجم القطبي الأبعد عن حواف السماء. لذا فنجم سهيل أدل على الإتجاه، وأثبت من النجم القطبي، وخاصةً إذا علمنا أن النجم القطبي ليس ثابتا تماماً، فإذا أردنا الدقة فسنجده يدور هو نفسه حول قطب الدوران الحقيقي المتمثل بنقطة قريبة جداً منه (مركز دوائر حركة النجوم في شكل 15). كما أن الملاحة الفلكية في رحلات المركبات الفضائية تعتمد الآن أيضاً على نجم سُهيل Canopus بدرجة تفوق غيره من النجوم لحد بعيد.
فإذا علمنا أن اتجاه سهيل يتعامد مع جانب الكعبة الواقع بين الحجر الأسود والركن اليماني -مع ميل درجتين إلى الجنوب كما يتضح في (شكل 18) ([40] - بتصرف)، أدركنا أن توجه الكعبة مع سهيل أيسر في الاستدلال على الكعبة حيثما يُرى سهيل. مثلما أن استقبال الرياح المعروفة تماماً في أنحاء بلدان العرب دلالة مباشرة على موضع الكعبة وعلى أي من أوجهها هو المرتبط بهذه الريح أو تلك. ومن هنا كانت العلاقة الحقيقية بين أوجه الكعبة والرياح من جهة، ونجم سهيل من جهة ثانية.



ورغم أن الاستدلال بالنجم القطبي على اتجاه الكعبة ممكن مثلما هو الحال مع نجم سهيل، إلا أنه أقل دقة؛ وذلك لأن التوجه ناحية ركن من أركان الكعبة – وبدرجة ميل 9 درجات-أكثر عرضة للخطأ والزيغ من التوجه ناحية أحد جدران الكعبة بشكل مباشر. كما وأن نجم سهيل أكثر النجوم بُعداً عن دائرة اعتدال الشمس، ومن ثم، الأثبت موقعاً. وهذا ما يجعله المرجع الملاحي الفلكي الأول بلا خلاف، ولهذا السبب اتخذته وكالة الفضاء الأمريكية مرجعها المثالي في أبحاث ورحلات الفضاء.
ويمكننا القول بأن فترة ظهور البوصلة فترة الانقلاب، أو لنقل فترة الانفتاح أو الثورة الجغرافية والتي تلت بالذات عام 1280م كما قيل[41]. وفي هذه الفترة اتصلت المدن البحرية البعيدة بالقريبة وأصبحت البوصلة سيدة البحار، ولا تخلو منها سفينة تمخر عباب البحار. أي: تعلقت الأبصار بها دائماً. وأصبح مؤشرها يتجه إلى قبلة جديدة في البحر. وأصبحت عُرفاً سرعان ما انتقل إلى البر. وأصبح اتجاهها (الشمال-الجنوب) ذي مركزية اتجاهية، بعد أن لم يكن من قبل.
نخلص من ذلك إلى أن الاعتماد الرئيسي على التوجه على الأرض انتقل من الرياح إلى البوصلة. وبسبب أصالة اتجاه الرياح كان هناك داعي قوي للربط بين النظامين القديم – المتمثل في الرياح على ما تعود الإنسان في حله وترحاله، والجديد المتمثل في تلك الآلة العجيبة التي لا تكترث بموضعك وتتوجه دوماً ناحية الشمال أو قريباً جداً منه. هذا الرابط القوي تمثل في الربط بين النظامين على نحو وثيق استمر حتى يومنا هذا. فإذا نظرنا إلى البوصلة والتقسيم الثماني المشهور لها، لوجدنا أن هذا التقسيم ليس إلا أنواع الرياح الثمانية التي تهب في منطقة البحر المتوسط. أنظر (شكل 19). وهناك تقسيم إثنى عشري للبوصلة ويرجع إلى إثنى عشر ريحاً في كلاسيكيات العصور الوسطى. أما البوصلة الحديثة فمشهور لها إسمٌ آخر هو وردة الرياح[42]، وهو ما يؤكد سيادة الرياح كمؤشرات اتجاهية قبل أن تحل البوصلة محلها.



توجه الكعبة في علم الفلك الإسلامي:
كان العرب على علم باتجاهات أوجه الكعبة المختلفة وما يقابلها من البلدان، فنجد من نقل لنا[43] في تقسيمهم لمحيط الكعبة إثنى عشر قسماً للبلدان المختلفة كما توضحه الصورة المبينة في (شكل 20). ويتضح بجلاء ميل الركن العراقي للكعبة جهة الشرق من الشمال في هذا الشكل المنقول لنا منذ قرون عديدة كما قدرنا لها أعلى.




أما عن توجه الكعبة فلكياً، فهذا ما تتآلف عليه كتب الفلك الإسلامي والأعراف الفلكية عند العرب. ولهذا فائدة كبيرة، إذ يمكن لمن اتخذ الإسلام ديناً أن يُوَلِّي وجهه قبل الكعبة بمعرفة وضعها الفلكي واتجاهاتها حيثما كان. [فقد شُيِّد أول مسجد في مصر باتجاه شروق الشمس في الإنقلاب الشتوي، وبقى هذا الإتجاه الأكثر شيوعاً عند السلطات الدينية خلال العصر الإسلامي. ومن ناحية أخرى تم تشييد بعض أقدم المساجد في العراق باتجاه غروب الشمس في الانقلاب الشتوي. وقد تم اختيار هذه الإتجاهات بطريقة تجعل المساجد موجهة نحو أسوار محددة من الكعبة (أنظر شكل 21) [44]. فعلى امتداد قرون الدولة الإسلامية كان شروق الشمس وغروبها في الإنقلاب الشتوي مفضلين في مصر والعراق على التوالي، كنموذج عن قبلة الصحابة (رضوان الله عليهم).] [45].
الخلاصة:
نخلص من هذه التحقيقات إلى أن الكعبة المشرفة لا تتجه بأركانها الأربعة إلى الجهات الجغرافية الأصلية: الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، إتجاهاً حقيقيا، أو إتجاهاً تاماً، كما قيل. كما أنها لا تتجه بالقطر الواصل بين ركنيها اليمني والعراقي تجاه الشمال على التعيين، ولا أنها بمثابة بوصلة يسترشد بها أحد من الناس. فالكعبة المشرَّفة بيت الله وأعز من أن تكون آلة وأقدس. وبالتحقيق وجدنا أن هناك إنحرافاً لذلك القطر عن الشمال الجغرافي قدره حوالي 9 درجات مع اتجاه عقارب الساعة. أما الركن العراقي الإبراهيمي (على أساس بنيان إبراهيم عليه السلام)، فلا اعتبار له لاندثاره داخل الحِجر بفرض وجوده كركن مميز، وآيات الله تعالى لا تندثر. ووجدنا أن الإتجاه الجغرافي الأصلي في حقبة ما قبل البوصلة كان اتجاه الشرق. وقد تآلفت على ذلك الأدلة العديدة، وفي ثقافات الحضارات المختلفة كما رأينا؛ إسلامية و أوربية قديمة وعبرانية. ووجدنا أن الأقرب للحقيقة أن إتجاه أضلاع/أسوار الكعبة يتفق مع اتجاه الرياح الأربعة المشهورة في الجزيرة العربية. ووجدنا أن الإتجاهات الأرضية كانت تتعين بالدرجة الأولى باتجاهات الرياح إضافة إلى بعض النجوم كَسُهيل والشعرى اليمانية في السماء الجنوبية، والنجم القطبي في الشمال، سواء عند العرب أو عند غيرهم كالأوربيين. ثم جاءت الإبرة المغناطيسية أو البوصلة على يد البحارة العرب ليتغير بها مفهوم الإتجاهات الأرضية والجغرافية منذ اكتشافها.
أما عن المناسبة بين أضلاع/أسوار الكعبة والظواهر الفلكية، كإتجاه غروب الشمس وشروقها في الإنقلاب الشتوي، فكان له أثر عملي في تعيين إتجاه القبلة في البلاد المختلفة كالعراق ومصر على التوالي (أنظر شكل 15). كما أن شهرة اتجاهات الرياح الرئيسية في المنطقة العربية كانت مؤشراً على أتجاهات أضلاع/أسوار الكعبة للعرب المسافرين دوماً في رحلاتهم وتجارتهم، ومن ثم كانت المطابقة مع اتجاهات الرياح ذات فائدة كبرى نُرجِّح أنها كانت هي الحكمة الحقيقية من وراء هذا التخطيط الجغرافي للكعبة، أكثر من أي زعم بمطابقتها للجهات الأربعة المستحدثة لاحقاً، والتي سعى أصحاب المقولات التي سقناها أول الدراسة إلى تأكيدها بلا دليل ولا حكمة يُعتد بها.
هكذا إذاً جاء الزعم الذي نحقق في أمره ومحاولته الربط بين اتجاهات زوايا الكعبة المشرفة والاتجاهات الجغرافية الأربعة – ربطاً متعجلاً - والتوهم بأن هذه تتطابق وتلك تمام الإنطباق، رغم وفرة المصادر التراثية الغنية التي تثبت معرفة السلف والخلف بخلاف ذلك. هكذا جاء ذلك الزعم والادعاء على غير هدى. ولا يصعب على أحد كشف خطأ هذا الادعاءات. فالكعبة قائمة، والاتجاهات الجغرافية قائمة، ومن شاء أن يتحقق فليفعل. أما عن تاريخ الكعبة وتسمية اتجاهات أضلاعها، وأن أصلها يرجع إلى أسماء الرياح ونجم سهيل على التخصيص فليس ببعيد عن الباحثين بالرجوع إلى كنوز التراث الزاخرة بتفصيل هذه الحقائق. فما كان من أبحاث في هذا الشأن[46] من إرجاع حكمة اتجاهات أركان الكعبة إلى الاتجاهات الجغرافية الأربعة فخطأ، وما كان منها بإرجاع اتجاهات أضلاع/أسوار إلى اتجاهات الرياح ونجم سهيل والاستدلال بهذا وذاك على اتجاه القبلة فهو صحيح محقق.
ويحق لنا الآن أن نجيب عن سؤال طرحناه في بدايات هذه الدراسة، وهو : ماذا لو أن بناء الكعبة كان متماثلاً تماماً من جميع جهاته – كالدائرة - أكان فاقداً قيمة ما، ما كانت لتتحصل إلا بكسر هذا التماثل؟
والإجابة هي: أن كسر التماثل التام لشكل الكعبة كان عظيم الفائدة، وذلك بما تحقق من علاقة أضلاع/أسوار الكعبة الأربعة بمتجهات أرضية ممتدة، تمثلت في اتجاهات الرياح الأربعة الرئيسية بالمنطقة العربية ونجم سهيل. الأمر الذي كان له وظيفة عملية تحققت للغرض الذي وضعت من أجله الكعبة المشرفة. وما ذاك إلا لأن تكون قبلة للناس. لا أن تكون على محض توافق مع اتجاهات جغرافية وهمية يخطئ معظم الناس في التعرف عليها، فضلاً عن أن تكون الكعبة نفسها قِبلة لأي من هذه الاتجاهات التي لا علاقة بينها وبين وظيفة الكعبة السامية. وذلك بأنها قبلة الله تعالى التي يُتوجه إليها، لا أن تعين هي أحد على التوجه لغير قبلة الله تعالى.

الهوامش والمراجع
------------------------------------------------------------
(*) (نُشرت هذه المقالة بتاريخ 8/10/2008 على موقع "الملتقى الفكري للإبداع" ، ثم زال الموقع ومحتوياته مع أحداث الثورة السورية، لذا نعيد نشر هذه المقالة هنا لكثرة تداولها على الإنترنت وغياب الرابطة الأصلية التي كثيراً ما يحال إليه)

[1] زغلول النجار، مقالات "من أسرار القرآن"، الأهرام المصرية بتاريخ 3/2/2003، 17/1/ 2005 ،  9/1/2006، 10/12/2007، مؤتمر "مكة مركز الأرض بين النظرية والتطبيق" الدوحة في 19/4/2008.
[2] اشتهر في الادبيات التراثية بالركن الشامي وليس المصري.
[3] اشتهر في الادبيات التراثية بالركن العراقي.
[4] لم يشمل سياق هذا القول تقدير أي حدود للدقة غير ما ذكر من أنها تطابق تلك الجهات مطابقة تامة!
[5] يحي وزيري، محاضرة فيديو  بعنوان "الآيات البينات في مكة المكرمة والكعبة المشرفة"، على موقع الإعجاز العلمي التابع للهيئة العالمية للإعجاز العلمي التابعة لمنظمة المؤتمر الإسلامي). وذلك بالمؤتمر العالمي التاسع للهيئة - ندوة الجزائر الدولية - جامعة عباس فرحات – سطيف - الجزائر.  http://www.nooran.org/ar/download.htm
[6] موطأ مالك - باب (ما جاء في بناء الكعبة)، وصحيح البخاري - باب (فضل مكة وبنيانها)، سنن النسائي – باب (بناء الكعبة)
[7] زيادة في "السنن الكبرى للبيهقي" – جزء 5/ص89.
[8] سنن النسائي – باب (بناء الكعبة)
[9] يسمى حجر إسماعيل بالجدر، ويسمى أيضاً بالحطيم (التاريخ المفصل للكعبة المشرفة قبل الإسلام، عبدالقدوس الأنصاري، نادي مكة الثقافي الأدبي، 1419هـ، ص86)
[10] السنن الكبرى للبيهقي، وذكر وروده بالبخاري عن مسدد، وفي مسلم عن سعيد بن منصور عن أبي الأحوص.
[11] سنن النسائي – باب (بناء الكعبة)
[12] السنن الكبرى للبيهقي، 5/89.
[13] أخبار مكة للأزرقي، ج1/ص197، وذلك بعض من رواية طويلة لابن أبي نجيح عن أبيه.
[14] أخبار مكة للأزرقي، ج1/ص248.
[15] أخبار مكة للأزرقي، ج1/83.
[16] يحيى وزيري، " الكعبة المشرفة دراسة تحليلية للخصائص التصميمية"، بحث منشور على موقع http://www.55a.net/firas/arabic/index.php
[17] المرجع السابق، ولم نرى له طريقة لحساب هذا الانطباق.
[18] حسين عبدالله باسلامه، "تاريخ الكعبة المعظمة – عمارتها وكسوتها وسدانتها"، الطبعة الأولى، 1354هـ ، ص42-43.
[19] "المكاييل والموازين الشرعية"، علي جمعه محمد، الطبعة الثانية، القدس للنشر والتوزيع، القاهرة، 2001، ص97.
[20] موطأ مالك، باب (ما جاء في بناء الكعبة)، جزء 3/ص93.
[21] يحيى وزيري، موقع هيئة الإعجاز العلمي، مرجع سابق.
[22] المرجع السابق.
[23] يحيى وزير، " الكعبة المشرفة دراسة تحليلية للخصائص التصميمية"، وجاء نص استدلاله: [بدراسة الصورة الجوية الملتقطة بالأقمار الصناعية باستخدام برنامج "جوجل ايرث" Google earth، وبمقارنة  توجيه المسقط الأفقي للكعبة حاليا بالنسبة لخطوط الطول، ... اتضح من ذلك أن قطر الكعبة الواصل بين الركن اليماني والركن العراقي يميل بحوالي 7 درجات  جهة الشرق عن اتجاه الشمال الحقيقي، وهذا يعنى أن الخط الواصل بين الركن اليماني الحالي والركن العراقي الأصلي، يشير تماما إلى اتجاه الشمال الحقيقي.]
[24] "دراسة عن التحول من اتجاه الشرق إلى الشمال كمرجعية جغرافية معاصرة "، عبدالله القاضى،  مركز دراسات وبحوث المدينة المنورة، العدد 19.. وقد احتوت على كشف علمي عالي القيمة لم يُنتبه إليه بعد.
[25] لسان العرب، مادة (د ب ر).
[26] دافيد كنج، دراسة بعنوان "علم الفلك والمجتمع الإسلامي"، موسوعة تاريخ العلوم العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997، ص 174.
[27] الجغرافيا العملية والخرائط، د. أحمد نجم الدين فليجه، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، طبعة ثانية، ص17.
[28] (Old Testament, Zechariah, 14:8) (And it shall be in that day, that living waters shall go out from Jerusalem; half of them toward the former sea, and half of them toward the hinder sea: in summer and in winter shall it be.) The Interpretation of which According to (Jamieson-Fausset-Brown Bible Commentary) is [Former sea-that is, the front, or east, which Orientalists face in taking the points of the compass; the Dead Sea.]. http://jfb.biblecommenter.com/zechariah/14.htm
[29] المسالك والممالك، لابن خرداذبه ، ص 3.
[30] أحمد فليجة، "الجغرافيا العملية والخرائط"، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، طبعة ثانية، ص 27. ويُلاحظ في هذه القصة تصويرها للأرض أو لليابسة المعمورة على صورة طائر يمتد بطوله من الشرق حيث الرأس إلى الغرب حيث الذنب. وتفترض القصة احتمال وجود أمم لا يحصيها إلا الله، كناية عن توهم احتمال ذلك لأن الشمس تطلع عليهم مثل غيرهم. وهذا يعضد توهم الطول أكثر من العرض على اتجاه الشرق، سواء من حيث عدد الأمم التابع لطول المسافات المفترضة في جهة الشرق، أو من جهة صورة الطائر الذي يمتد بطوله على اتجاه الشرق – الغرب.
وفي هذا إلماحة بينة في القصة بأن الأمم جهتي اليمين والشِّمال من الشرق (أي: الشَّمال والجنوب) قد أصبحت منحصرة، أما جهة الشرق فغير منحصرة ولا معلومة. وهذا افتراض صريح باحتمال وجود أمم وراء الشرق المعروف، وهو ما ثبت لاحقاً باكتشاف الأمريكيتين.
[31] قال ابن منظور في لسان العرب، مادة (ش م ل): "الريح الشَّمَال" أي باعتبار الشَّمال إسماً للريح. وجاء "إذا هبت الشَّمال" أي الريح الشَّمال. أي أنها لما استقلت آلت إلى ما هي إسماً له، أي تلك الريح. وقال صراحةً: "والشَّمال: الرِّيح التي تَهُبُّ من ناحية القُطْب" – يريد بذلك النجم القطبي. ويزيد ابن الأعرابي الأمر وضوحاً بقوله: مَهَبُّ الشَّمَال من بنات نَعْشٍ إِلى مَسْقَط النَّسْر الطائر. أي من اتجاه الشمال المعروف الآن إلى الجنوب المعروف الآن أيضاً، حيث تتميزان بهتيك النجوم في السماء. ومن ثم تكون الشَّمال من الرياح ما تأتي من جهة الشمال المعروف لنا وهو في الحقيقة إسم تلك الرياح. وقال أيضاً: والشَّمَالُ ريح تَهُبُّ من قِبَل الشَّأْم عن يَسار القِبْلة. وجلي هنا أنه إذا كانت الشام (الشأم) عن يسار القبلة فإن ذلك لا يكون إلا إذا كان ذلك لمن كانت وجهته إلى الشرق. وقيل مشمول : ضربته ريح الشمال حتى برد.
[32] قال ابن منظور في لسان العرب، مادة (ج ن ب):" والجَنُوبُ: ريح تُخالِفُ الشَّمالَ تأْتي عن يمِين القِبْلة. (نلاحظ مرة أخرى أن يمين من كانت وجهته إلى الشرق). وقال ابن الأَعرابي : مَهَبُّ الجَنُوب مِن مَطْلَعِ سُهَيلٍ إلى مَطْلَعِ الثُرَيَّا. وقال الأَصمعي: مَجِيءُ الجَنُوبِ ما بين مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الشمس في الشتاءِ. وقال عمارةُ: مَهَبُّ الجَنُوبِ ما بين مَطلع سُهَيْل إلى مَغْرِبه. وقال الأَصمعي أيضاً: إذا جاءَت الجَنُوبُ جاءَ معها خَيْرٌ وتَلْقِيح، وإذا جاءَت الشَّمالُ نَشَّفَتْ (ومن هنا التفاؤل بالجنوب أي باليمين لما يأتي به من الخير، والتشاؤم بالشمال لما يأتي به من الشر). وجاء في التهذيب: والجَنُوبُ من الرياحِ حارَةٌ، وهي تَهُبُّ في كلِّ وقْتٍ، ومَهَبُّها ما بين مَهَبَّي الصَّبا والدَّبُورِ مِمَّا يَلي مَطْلَعَ سُهَيْلٍ. وجَمْعُ الجَنُوبِ: أَجْنُبٌ. وفي الصحاح: الجَنُوبُ الريح التي تُقابِلُ الشَّمال. وحُكي عن ابن الأَعرابي أَيضاً أَنه قال: الجَنُوب في كل موضع حارَّة (بجزيرة العرب) إلا بنجْدٍ فإنها باردة."
[33] جاء عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال (في غزوة الخندق والمسلمون تحت الحصار): [جاءت الجنوب إلى الشمال فقالت: انطلقي بنصر الله ورسوله. فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بليل. فبعث الله عز وجل الصبا، فأطفأت نيرانهمم (أي الكفار) وقطعت أطناب فساطيطهم (أي خيامهم).] ذكره الواقدي في المغازي ص 247. ويُلاحظ أن ألفاظ الشمال والجنوب والصبا هنا أسماء رياح لا غير.
[34] "دراسة عن التحول من اتجاه الشرق إلى الشمال كمرجعية جغرافية معاصرة "، مرجع سابق.
[35] المغازي للواقدي، ص 47.
[36] دافيد كنج، مرجع سابق، ص 175.
[37] The Heaven-Finding Art, Taylor E.G.R., A History of Navigation from Odysseus to Captain Cook. Quoted in The Riddle of the Compass, p.41-42.
[38] Amir D. Aczel. The Riddle of the Compass, Harcourt, Inc., 2001., p.41.
[39] الصورة اليسرى مأخوذة من نمذجة simulation لبزوغ نجم سهيل، يراجع في ذلك:
"M. Saifullah et al.,The Qiblah Of Early Mosques: Jerusalem Or Makkah, http://www.islamic-awareness.org/History/Islam/Dome_Of_The_Rock/qibla.html"
[40] G. S. Hawkins & D. A. King, "On The Orientation Of The Ka`bah", op cit., p. 107 for the orientation of Ka`bah. The azimuths of sunrises and sunsets were computed using the formula in appendix. The azimuth for Canopus was found using Starry Night Backyard 3.1 software. Quoted in (M S M Saifullah et al, "The Qiblah Of Early Mosques: Jerusalem Or Makkah?", Site: Islamic-awareness.com)
[41] The Riddle of the Compass, p.xi.
[42] The Riddle of the Compass, p.43.
[43] دافيد كنج، مرجع سابق، ص188
[44] المرجع السابق، ص 178.
[45] المرجع السابق، ص 177.
[46] مسلم شلتوت، "الكعبة المشرفة والاتجاهات الأربع الجغرافية الأصلية ودلالاتها الفلكية"، مجلة الإعجاز العلمي الصادرة عن هيئة الإعجاز العلمي بمكة المكرمة، العدد 22، 2005، http://www.nooran.org/O/22/22-1.htm؛ يحيى وزيري، "الكعبة المشرفة دراسة تحليلية للخصائص التصميمية"، بحث منشور على موقع: http://www.55a.net/firas/arabic/index.php.

هناك 3 تعليقات:

  1. كم أعجبني مقالكم أستاذنا الفاضل سواء من ناحية
    قوة الحجة وانسياب المعاني والأفكار أو حتى من ناحية جمال المفردات وحبكة الصياغه في التعبير أما عن الموضوع نفسه فماعساني أقول سوى أنه موضوع يعالج مشاكل جوهرية جدا في فكرنا الديني عبر دحض وتعرية طريقتنا الصوفيه في فهم الدين ياله من مقال يفوح بخوره من أجود أنواع الفكر ويملأ عبقه تاريخ الوجدان المتحفز للحقيقه إنه كالماء الزلال في عز الصيف الحارق على أرض تصحرت من طول الإجداب فجزاك المولى خير على كل حرف كتبته وكل علم سطرته يداك الكريمتان شكرا أيهاالمعلم المبجل.

    ردحذف
  2. الموضوع رائع وكم الاسلام رائع

    ردحذف
  3. جهد كبير تشكر عليه

    ردحذف