السبت، 28 مارس، 2015

كتاب: فتاوى شرعية في النظرية النسبية

كتاب: فتاوى شرعية في النظرية النسبية

بقلم: عزالدين كزابر
المقـدمة والفهـرس
البحث الشرعي في النظرية النسبية:
ما هي علة الالتقاء بين آيات القرآن والنظريات الفيزيائية كالنسبية الخاصة؟!
لا يبدو في تصور "القراءة التراثية للقرآن" أي علة في ذلك! فهذا كتاب الله تعالى، أُنزل لهداية الناس في العقيدة والعمل، وهذا حقٌّ دامغ. وتلك النظريات الطبيعية التي تتلقفها أيام الناس، فتعلو بينهم فتدول، ثم تهبط فتذوب وتزول، وليس فيها إلا تصور للوجود زائغ، فكيف يلتقي مع الدامغ زائغ؟! . ثم ما لهذه النظريات البشرية التي موضوعها الطبائع والجوامد من ارتباط بالعمل الصالح والعقائد؟! .. ومن أي وجه تلتقي بمعاني آيات القرآن؟! – إنَّ هذا لأمرٌ عجيب، وعلى الأسماع غريب!  
قد يبدو لهذه الاستنكارات وجاهة، ولكن إذا علمنا أنها – عند من يسألها- مُقيّدة بانغلاق مدونة الفهم التراثي على ما مضى من مسائل الناس، وأن رجاله – من ثمَّ – قد أحاطوا بكتاب الله علما كما يظن الظانون، فلا يكون فيه من معنى إلا وقد حازوه، أو امتلكوه، أو صادروا على إقرار معانيه، علمنا بالضرورة أن كل ما هو خارج عن مدونتهم ملفوظ، وأن أي قول لا يألفوه منبوذ.
ولكن، إذا كانت الإحاطة بكتاب الله تعالى ليست إلا لله وحده، وأنه سبحانه قد أنزله للناس – كل الناس – ولكل زمن آت، حتى انطواء بسيطة الحياة من تحت أقدامهم جميعا. إذا علمنا ذلك، علمنا أن أي مصادرة بشرية على ما أنزل الله في كتابه الكريم، من معان ومقاصد، هي مُصادرة ثقافية مكاناً وزمانا، تخص أصحابها وحدهم، وأن نفي معانٍ شريفة ربما تُزهر بها آيات الله العليم الحكيم في أحيانٍ لها لاحقة، يُعد تدخّلا متطاولا على حدوده، .. يقحم فاعلوها أنفسهم، في شأن إلهي متعال. والواقع منهم في ذلك، واقع لا محالة في عُجبٍ ووهمٍ، ووصاية ومصادرة. وإن ذاد منهم عن دين الله كل طارق، خشية الابتداع والزنذقة، فكم من خيرٍ – بمثل هذا النهج- حُرمناه، أو فاتنا وما لحقناه، وكان بُطء الوعي علتنا، أو ما ابتُلينا به من أوزار فكر حملناه.
فها هو الله العزيز الحكيم، حيٌّ قيوم، وها هو كتابه سبحانه يانع مهضوم، ومجيب لمتدبره كريم، وها هو الخلق البديع متلهف لسكب رحيقه مُسخرٌ ممنون. ينتظر الـمُشمِّرون؟!
استفزازات النظرية النسبية، والضرورة الملحة إلى تأصيلات فقهية وفتاوى شرعية:
وقد يجري الباحث وراء وهمٍ، كالعطشان وراء السراب. فإذا جاءه، انقطع حبل وهمه، فانكفأ به حسيرا، وليس هذا حالنا! ... وقد يهطل المطر، فيبتل به، أو يجري نهراً، أو يغمره، فيجد منه ارتواءاً أو زرعاً أو متاعا، أو أذىً أو هلكة أو غرقا، وهذا هو وصف حالنا.
فقد حلَّ بنا – في خضم ما حل من علوم جديدة – "النسبية الخاصة"، واستفزازاتها! وقد عبثت ببدائهنا، وازدرت، وضحكت، وتفكهت! وأثارت من التساؤلات في ديننا وأفهامنا وإبداعات ربنا، وعن قليلٍ أجابت فيما اختلط حقه بباطله. ثم انزوت تراقبنا، وقد عمت بها في الأفهام البلايا، فهذه مصاهرة بين المكان والزمان، وهذا افتنان بين وهم الأرصاد وحق كل شيء فيما له من جوهر أو ذات، فكل مُطلق نسبي، وكل نسبي حقا، وإن تعاندت منها معان المنطوقات، وأصبح كل متحرك ثابت لو شئنا، وكل ثابت متحرك لو رغبنا. فضاعت الحقائق في أمواج المنظورات، وترسخت نسبيات المعتقدات حقائق مُصدَّقات! .. إلى غير ذلك من عجائبيات! .. وارتدت تداعيات النسبية على كل حياتنا الفكرية، فانطفأت بها بدائه، ولم تسلم منها مُسَلَّمات، إلا عند من سحب من العلم وثوقه، وأغلق على القلب بابه.
ولكن، كيف نغلق الباب أو ننغلق، ومن يجيب السائل إذا السؤال منه انطلق، وكيف ننعم بصمت ونظل في رقود، وعلامَ نكون شهود؟!
أسئلة تمس العقائد والفرائض، بلا ردود حجاجية:
1- سألني سائل، وقال:
[ أرجو منكم أن تفيدوني في حل هذا الإشكال الذي ورد علي منذ مدة، وهو إشكال يتعلق بالنظرية النسبية الخاصة ومدى توافقها مع بعض الغيبيات في دين الإسلام.
إني لا أشك – والحمد لله – أن الإسلام حق، وأسأل الله أن يحيينا عليه وأن يتوفانا عليه، وإني أعلم أنه يمتنع التعارض بين المنقول الصحيح والمعقول الصريح، وبين الحقائق الشرعية الدينية أو التجريبية العلمية.
لا أخفيكم أني قد درست عن النظرية الخاصة دون العامة، وإني أسألكم أولا قبل الشروع في عرض ما استشكلت منها:
هل النظرية النسبية مثبتة بالتجارب بحيث لا يصح تفسير نتائج هذه التجارب إلا بها؟ هل تمدد الزمن/تقلص الأبعاد/نسبية الترتيب الزمني للأحداث/مطلقية سرعة الضوء ... أمور قطعية علمية؟ أم أنها قد تفسر بطرق أخرى تتجنب الإشكال المذكور الآتي؟
فمعلوم أن الله تعالى فوق كل شيء وأنه سبحانه خلق السموت والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى السماء في حجة الوداع قائلا: اللهم هل بلغت اللهم فاشهد، وإليه صعد النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة ليلة الإسراء والمعراج، فالله سبحانه خارج العالم وفوقه، ويقبض الأرض جميعا يوم القيامة وهو بكل شيء محيط ولا يحيط به شيء من خلقه إلى غير ذلك من المعاني الصحيحة التي فطرالله الناس عليها ونطقت بها الرسالات.
ومعلوم أيضا أن الله فعال لما يريد، لم يزل فاعلا، أي يفعل الشيء بعد الشيء منذ الأزل سبحانه، فخلق السموات والأرض بالحق، ويحيي الأرض بعد موتها، وينزل الغيث، ويخلقنا في بطون أمهاتنا، ويجيب دعاء المضطر ويكشف السوء، وينصر رسله وأولياءه، كما هو مشاهد.
و في المقابل، فإن النظرية النسبية تستلزم امتناع تحرك أي جسم (أو معلومة) بسرعة أعلى من سرعة الضوء في أي من الجهات، فيمتنع حسب النظرية أن يسبب حادث ما أثرا يكون فارقهما الزمني لا يكفي لانتقال الإشارة الضوئية بينهما، وبهذا تنتفي السببية بين الحوادث خارج "المخروط الضوئي".
وإن استرسلنا في هذه النظرية وافترضنا أن نجمين بعيدين انفجرا انفجارين متزامنين بالنسبة لنا، فسيكون هناك إطارٌ يرى فيه الأول منفجرا قبل الثاني، وإطار آخر يرى الثاني منفجرا فيه قبل الأول، فيلزم القائل بالنظرية حينها أحد أمرين: إحداهما: أن يقول إن الله أراد هذه قبل أن يريد هذه حسب إطار، وأراد هذه قبل أن يريد هذه حسب إطار آخر وهذا التقدير ممتنع فاسد، والأمر الثاني أن يقول: نفذ فعل الله في النجمين بعد إرادته إياه بمدة طويلة تكون كافية لوجود السببية بين إرادة الله وفعله، وهذا ظاهره التعارض مع قول الله تعالى: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) وقول الله تعالى: (و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) وقول الله تعالى: (كل يوم هو في شأن).
ثم إن الله سبحانه يجيب دعاء عباده، والإجابة فعل الله الذي يشاؤه سبحانه بعد فعل العبد وهو الدعاء، وهذا مشكل عند اعتبار النسبية نظرا لدنو زمن الإجابة من الدعاء - إلا أن تكون الإرادة الإلهية في محل داخل ما يسمى بالمخروط الضوئي، ومعلوم أن الله ليس داخل العالم.
دلوني على جواب هذه المسألة جزاكم الله خيرا، وعصمنا وإياكم وجميع المسلمين من الزلل.
صاحب السؤال: الأستاذ محمد فكري]
2- وسؤال آخر طرح نفسه أمامنا، وهو نسخة من سؤال قديم، عاد حياً في إطار نسبية الزمن. فأما نسخته القديمة، فقد وردت في كتاب القرافي: (أنوار البروق في أنواع الفروق)، وقال فيه: [وقع في الفتاوى الفقهية مسألة أشكلت على جماعة من الفقهاء رحمهم الله في أخوين ماتا عند الزوال، أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب، أيهما يرث صاحبه؟ - فأفتى الفضلاء من الفقهاء بأن المغربي يرث المشرقي؛ لأن زوال المشرق قبل زوال المغرب. فالمشرقي مات أولاً، فيرثه المتأخر لبقائه بعده حيا متأخر الحياة. فيرث المغربي المشرقي إذا تقرر الاتفاق على أن أوقات الصلوات تختلف باختلاف الآفاق.]
أما نسخة السؤال عينه في زمن النسبية الخاصة الذي نحن فيه الآن، فصورته كالآتي: [أخوين ماتا عند الزوال على ساعتيهما اليدوية، المتزامنتين، وفي نفس التاريخ الذي تُظهره الساعة. أحدهما كان قد ترك الأرض في مركبة فضائية قبل 30 يوماً من موته، وانطلقت بسرعة قدرها 40% من سرعة الضوء، والآخر بقى على الأرض من حيث سافر الأول. فأيهما يرث صاحبه؟!] – علماً بأن كل من الأخوين (أو القاضي المرافق له) سيقرر – بما تقرره النسبية الخاصة من قراءة الساعات – أن الأخ الآخر (وكل منهما يُعد الآخر لأخيه) هو الأسبق موتا، لأنه يبتعد بتلك السرعة المذكورة، لأن زمنه سيستطيل بالضرورة!
- والآن، كيف نجيب عن هذه الأسئلة وأمثالها، خاصة وأنها تمس العقائد، كما تمس الفرائض؟ وهل بغير دراسة "النظرية النسبية الخاصة" دراسة شرعية يمكن ذلك؟!
لقائل أن يقول: دع عنك تُرَّهات هذه النظرية، فما هي إلا فاسد من القول. الزمن هو الزمن ولا تفاوت فيه بين المتحركين، والأطوال هي الأطوال، والمكان هو المكان والزمان هو الزمان .. إلخ .. ولا يملك إلا الإنكار والاستنكار .. ويعيد ويزيد ترديد ما تمليه عليه بدائهنا ومسلماتنا.. مرة بـ "العقل المجرد" كما يفعل أبو الفداء ابن مسعود[1]، ومرة بالاكتفاء بالإفتاء بأن هذه الأقوال النسبوية تخالف "النقل" المعصوم. نعم، سيفعل أكثرنا إن نطق بهذا، ومن لم ينطق سيُقر الناطق على نطقه، ولا يغيب عن القارئ الفطن، أن هذا النمط الحجاجي أقرب إلى علم الكلام، وهو نمط أضعف من أن ينال – في هذا العصر- من معجزات علمية مدعومة بتقنيات باهرة فاتنة. وسيمضي قطار العلم الغربي يبسط سلطانه على العقول – وهو ما يفعله منذ وعيناه في القرنين الأخيرين- بما يقول أنها أدلة تجريبية وعلم رياضي منمذج مصقول، وتقوم له علينا به حُجة، بما ينخدش من عقائدنا ويتساقط من أوراق أشجارنا، وينجرف من أبنائنا، في غياب تام لأي فتاوى شرعية برهانية في العلوم الحديثة والطبيعية، تستند بالإضافة إلى النص المعصوم، إلى أصول تجريبية وتحليلية.
ولسد هذا الفراغ الأخير، في شأن النظرية النسبية خاصة، أُصنِّف هذا الكتاب.

الفهـرس

- الفصل الأول: الإعجازيين وتهافتاتهم النسبوية
        (1–1): الخلط بين نسبية المواقيت ونسبية الزمن في النظرية النسبية
        (1–2): إدعاءات تأييد القرآن للنسبية بلا تحقيق
        (1–3): تأويلات قرآنية بـ زمكانات مستغربة تترفع عنها حتى النسبية
        (1–4): إدعاءات نسبوية في السُنَّة المشرفة وأن أينشتاين استقى منها نظريته
(1–5): أقوال مستنكرة مستقاة من تصورات خاطئة للنسبية الخاصة
- الفصل الثاني: آية (السجدة-5) وعلاقتها بسرعة الضوء
        (2–1): التفسيرات المأثورة، وانفتاح مجال تأويل الآية
        (2–2): التهافت والتلاعب الإعجازي لاستخراج قيمة سرعة الضوء
        (2–3): الاستخراج العلمي لقيمة سرعة الضوء من آية (السجدة-5)
        (2–4): الأسئلة العالقة عن "الأمر" في آية (السجدة-5) وحركته بين السماء والأرض.
- الفصل الثالث: النسبية الخاصة ومعناها في الفيزياء المعاصرة
        (3–1): لماذا وكيف نشأت النسبية الخاصة.
        (3–2): إيجابيات النسبية الخاصة وقيمتها في الفيزياء الحديثة.
        (3–3): السلبيات العلمية للنسبية الخاصة وتداعياتها الفلسفية.
        (3–4): مستقبل النسبية الخاصة، واحتمالات تبدُّلها أو سقوطها.
- الفصل الرابع: تأويل إية (السجدة-5) بما يتحدى معاني النسبية الخاصة!
        (4–1): العلاقة بين سرعة الضوء وسرعة الأمر.
        (4–2): لماذا كانت سرعة الضوء حد أقصى للحركة، ومتعلق الحركة.
        (4–3): معادلات تحويل لورنس واستنباطها من آية (السجدة-5)
        (4–4): علة ارتباط النسبية بالكهرومغناطيسية، وتداعيات ذلك.
- الفصل الخامس: معادلة ديراك، وأسرارها التي تكشفها آية (السجدة-5)
        (5–1): معادلة ديراك ومعناها، وسبب تقيدها بالإلكترون.
        (5–2): علة ظهور الحركة المغزلية من معادلة ديراك
(5–3): معادلة ديراك وربطها بين الكهرومغناطيسية والنسبية وميكانيكا الكم 
سيتم وضع الروابط تباعاً إن شاء الله.

ويوجد هنا: حوار حول الكتاب في الملتقى العلمي للتفسيروعلوم القرآن




[1]  في كتابه " آلة الموحدين لكشف خرافات الطبيعيين "