الأربعاء، 13 أغسطس، 2014

الفصل (هـ4) – محمد أبو القاسم حاج حمد - كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه

كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه
الفصل (هـ4) محمد أبو القاسم حاج حمد

بقلم: عزالدين كزابر
الأستاذ: محمد أبو القاسم حاج حمد
عودة إلى فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
عن علاقة النص القرآني بالواقع يقول (حاج حمد[2]،[1]:
نحن لا (ننزل النص على الواقع) كما كانوا يفعلون – ولا زال بعضنا يفعل ذلك حتى الآن – وإنما (نرتفع بالواقع إلى النص) عبر منهجية القرآن المعرفية الضابطة لمعنى النص، فلا نلجأ لا للتأويل ولا للتفسير، وإنما لمنهجية القرآن المعرفية التي تحيط بالنص نفسه. فحين يصعد الواقع إلى النص، فإن هذا الصعود محكوم في أساسه بخبرات الواقع، وهي خبرات لا تستلب الإنسان ولا تستلب الطبيعة. والقرآن بمنهجيته المعرفية يعطي لخبرات الواقع منهجها الكوني عبر استيعابها وتجاوزها كما قلنا.
أما كيف يتم صعود الواقع إلى النص، فذلك عبر الاشتراط المنهجي والمعرفي لكليهما معاً، أي القرآن والواقع، فدون أن تتوافر في الباحث قدرات الفهم المعرفي والمنهجي لقضايا الواقع نفسه، فلن يكون لديه ما يطرحه على القرآن أصلاً، أما إذا أدرك الباحث ما في الواقع من صيرورة وتحولات جدلية ومتغيرات نوعية وضوابط فكر منهجي يتطلب التحليل والتركيب معاً بطريقة معرفية لا تخضع للثوابت والمسلمات الإحيائية أو اللاهوتية القديمة، وأن جدل النسان وجدل الطبيعة متحققان بمستوى ما، وقتها يمكن للباحث أن يكتشف في القرآن منهجاً معرفياً مقابلاً، وليس مكافئاً فقط لمنهجه، ولكن مستوعباً ومتجاوزاً أيضاً.
بذلك فقط يتم التحقق من القول (أن القرآن معادل موضوعي بالوعي للوجود الكوني وحركته) فلا يكفي النظر في القرآن دون وعي منهجي لنكتشف فيه منهجاً، ولا يكفي النظر في القرآن دون وعي معرفي لنكتشف فيه فيه نسقاً أو نظاماً معرفياً محدداً. فأن نفهم القرآن بالواقع، وأن نفهم الواقع بالقرآن، فإن ذلك يتطلب رؤية أو وعياً منهجيا ومعرفياً لكليهما.
لذلك فإن مفهوم (الجمع بين القراءتين) قد أخذ في كثير من الأحوال على نحو مخل للغاية، إذ ليس المقصود من الجمع بين القراءتين أن ننظر في القرآن وننظر في الواقع لنقول في الختام أن القرآن كون مسطور الواقع كون منثور، إذ أن صحة هذه المقولة – وهي صحيحة – لا تثبت إلا بالقراءة المنهجية والمعرفية (في كليهما)، القرآن والواقع وهذا هو معنى (الجمع بين القراءتين). فمن لا يكتشف في القرآن منهجيته المعرفية، ولا يكتشف في الواقع منهجيته المعرفية، لا يستطيع (الجمع بين القرءتين).
نقول: إن القراءة المنهجية والمعرفية، سواء في القرآن أو في الكون، لا يمكن أن تتواجد على نحو قِبْلي، أي لا يمكن أن يتسلح بها القارئ قبل أن يبدأ مشروع القراءة. إذ من أين يأتي بهما؟ .. إن عقل الإنسان المعرفي، وقدرته الاحتوائية على الفهم، غير مزودة في فطرتها بأي معرفية أو منهجية، يقول تعالى "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا"(النحل:78) إلا من استقبال المعلومات واحتوائها شيئا شيئا، ومقارنتها وتحليلها وتفكيكها وتركيبها "وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ". ومعنى ذلك أن المناهج لن تتأتى إلا كأطروحات تنظيرية مثلها مثل النظريات التي توظف المناهج في تأطيرها. ثم توزن المنهجيات بثمراتها وقوتها وحسن تأويلها للحاضر من المعلومات، وحسن تنبؤها بالغائب منها قياسا على الحاضر. ومعنى ذلك أن التفسير والتأويل والتنظير لا غنى عنها جميعاً سواء في معاني آيات القرآن، أو في معاني الظواهر الكونية. وإذا كان الأمر كذلك، فلا معنى لاستنكار التفسير والتأويل لآيات القرآن الذي ذكره (حاج حمد) عندما قال أعلى: [لا نلجأ لا للتأويل ولا للتفسير، وإنما لمنهجية القرآن المعرفية التي تحيط بالنص نفسه] .. لأن المنهج لن يتم التعرف عليه إلا باستقراء التفسير والتأويل، فكيف يعلق التفسير والتأويل على منهج غير ممنهج بعد ولا وسيلة لمنهجته إلا بهما؟! .. كيف يُعلّق الأصل المنطقي على الفرع المعرفي؟! .. إن زعم أحد ذلك، وأنه ذو منهج قِبلي، فقد أسقط من عند نفسه منهجاً مُدّعى، لا أصل له إلا انطباعاته الشخصية، وتحكماته النظرية، ومصادراته المعرفية!!!  .. وبمعنى آخر أن المنهج الأمثل في فهم آيات القرآنية والكونية هو المنهج الذي يحقق الاتساق – أي اللا اختلاف - في تفسيراته وتأويلاته، وعلى نحو لا يضاهيه في ذلك منهج آخر. وهذا أمر لا يُعرف إلا بالمرور على جسر التفسير والتأويل.
وأما عن علاقة النص القرآني بالواقع المخلوق لله تعالى، فماذا قصد (حاج حمد) على الحقيقة بإسقاط أحدهما على الآخر، عندما قال: [نحن لا (ننزل النص على الواقع) .. وإنما (نرتفع بالواقع إلى النص) .. فحين يصعد الواقع إلى النص، فإن هذا الصعود محكوم في أساسه بخبرات الواقع، وهي خبرات لا تستلب الإنسان ولا تستلب الطبيعة.]؟
فإن قصد بذلك علو قدر القرآن ووضاعة الواقع، فهو معنى اعتباري، لا يؤثر في حقيقة العلاقة. والتي خلاصتها أن القرآن كلام الله تعالى، وأن الواقع المخلوق خلق الله تعالى – سواء ما كان منه شهادة وعلمنا منه أشياء وغاب عنا الكثير، أو كان غيباً، حُرمنا علمه العياني. فكل هذا من عند الله تعالى، ويستويان في قيمتهما المعرفية في ذاتيهما. وإذا كان الأمر كذلك، فلا فرق بين ارتفاع الواقع إلى النص أو فهمه بالنص، ولا معنى لنزول النص إلى الواقع أو فهم النص بالواقع. فأيهما كان أكثر بياناً لابد وأن يضيء فهمنا للثاني إذا اشترك موضوع البحث بينهما، وبلا أي تمييز لتعالي أو تدني. وأي محاولة لإدخال معياراً قِيَمِيّاً في تقديم وتأخير غير المحتوى المعرفي وقوة دليله، فهي إلى التشويش على المسائل المختبرة أقرب، وعن بيان الحق فيها أبعد.
ينتقد (حاج حمد) "إسلامية المعرفة" التي تأتي على وتيرة التفسير والإعجاز العلمي ويقول[3]
نشير بمحاولات الاحتواء الشكلي للزاحف الغربي بمنطق سلبي ودفاعي إلى ذلك النوع من الكتابات التي تتبنى مفهوم (أسلمة المعرفة) بإيجاد صلة بين القوانين العلمية وآيات قرآنية، فكل ما يكتشفه العلم توجد له آيات تقابله، وهذه أسلمة تعسفية، فيها مغالطة للقرآن بقدر ما فيها من مغالطة للعلم، ولو أريد بذلك إثبات الإعجاز العلمي في القرآن. فالقرآن كتاب كوني معادل للوجود وحركته، فهو (مهيمن) على العلم وليس كتابا مدرسيا في الأهلة، وتكون الجنين في رحم أمه، فهذه علوم تؤتى من أبوابها، كالبيوت تماماً لا تؤتى من ظهورها.
وفي مواضع أخرى ن كتاباته يؤكد (حاج حمد) هذا المعنى أكثر بقوله[4]:
لا علاقة لما نسوقه هنا بما يُروى عن "الإعجاز العلمي في القرآن"، فالقرآن منهج رؤية كونية وليس مختبر علوم تطبيقية، وهؤلاء – يقصد أصحاب التفسير والإعجاز العلمي في القرآن - لا يأتون البيوت من أبوابها.
يريد (حاج حمد) – صاحب الإسلامية العالمية الثانية - أن يقول أن من يتبنى مفهوم "أسلمة العلوم" بمعنى "التفسير العلمي" – وما يُرقَّى منه إلى "إعجاز علمي"- يريد عمل احتواء شكلي– صوري هزلي فارغ المضمون – للعلم الغربي الزاحف علينا. وأن هذا الفعل الهزلي ليس إلا مفهوم سلبي لا ثمرة له، ولا يزيد عن كونه رد فعل دفاعي انفعالي، لا جذور له أو أصل يستند إليه. ثم ينتقل إلى منهج "التفسير والإعجاز العلمي" فيقول أنه يختلق لكل اكتشاف في العلم آية، يلفق تأويلها لتوافق معنى الاكتشاف، ويتعسف في ذلك بشكل فاضح لذوي الألباب. ثم يبرر هذا التحليل للمشهد بقوله أن القرآن مثله مثل الكون والوجود، فكلامها يهيمن على العلم الإنساني مهما بلغ شأوه، ومن ثم فالأسلمة التفسيرية بهذا المعنى، والتي تجعل من القرآن كتاباً مدرسيا في موضوعاتها، تخطئ مثلما يُخطئ من يدخل البيت من غير بابه، فهو من ثم كالمتعدي على ما يمتلكه غيره، لأن العلم هنا غربي ونحن من غير أهله – بحسب لازم كلامه.
ونورد هنا عدد من المؤاخذات المفهومية على مقولة حاج حمد السابقة:
1- أن العلاقة بين العلم والقرآن، في صورة "أسلمة العلوم التفسيرية" – التي ينتقدها (حاج حمد)، لا تُساوي بين القرآن والعلم (البشري الصياغة)، حتى ولو ظهر ذلك من التسمية، فالأسماء في أحيان كثيرة مُضلِّلة لمن تعلق بظواهرها ولم ينتبه لما وراءها من معاني، وما في مضامينها من دلالات! .. فالقرآن كلام الله، ولا يتساوي في الرتبة إلا مع خلق الله؛ أي الوجود الكوني – ونوافق ما جاء في العبارة السابقة لـ (حاج حمد) في هذا المعنى – غير أنه تجاوزها ليتعلق بظاهر الإسم، وكأن أسلمة العلوم التفسيرية تعني نزع الوجود الكوني من رتبة القرآن وإحلال العلم البشري محله، ثم مقابلة ذلك العلم مع القرآن، وهذا غير صحيح. فالعلم الغربي بشري، وهذا لا يقارن إلا بما هو بشري مثله، وذلك هو تفسير آيات القرآن ذات العلاقة بموضوع العلم بشكل مباشر من قِبَل المفسرين؛ الذين يقتربون أو يبتعدون في المعنى، فيصيبون أو يُخطؤون.
2- وهب أن هناك من أصحاب الأسلمة التفسيرية للعلوم من يتعسف في اختلاق معاني للآيات القرآنية غير صحيحة قطعاً، بغرض موافقتها لموضوعات علمية بعينها، فهل يُعتبر هذا دليلاً عن فساد المبدأ، أم فساد فعل أصحابه؟! – إن قيل فساد المبدأ وكان صحيحاً، كان القائل مخطئاً مثل خطئهم، فلا فضل. وهذا احتمال وارد لا يستطيع (حاج حمد) نفيه إلا بإقامة حجة على استغراق فساد المبدأ لكل مثال قابل لأن يأتي في موضوعات الأسلمة التفسيرية للعلوم، وإحصاء ذلك يخرج عن قدرة البشر جميعاً. ومن ثم يكون هذا التعميم قولاً ملقىً، لا عن إحاطة، أو استقراءاً ناقصاً في أحسن أحواله.
3- لم يأت (حاج حمد) بمثال واحد على الأقل، والأمر يتطلب عدة أمثلة، مما وصفه بالأسلمة التعسفية، يحللها، ويضع يده على الأخطاء، ويظهر كونها سوء في التفسير، أو خطأ منطقي في مبدئه، ثم تصحيح الخطأ، وما يدعم بُعده عن مقصود الآية، ومراد الآية الحقيقي، وما يلحق بالتحليل من تداعيات تأويلية على آيات شبيهة إيجاباً أو سلباً.
يتابع ويقول[5]
كذلك نشير إلى الأسلمة المفتعلة التي تركب مبادئ أخلاقية عامة على سطح العلم كدلالات عناية الله بالخلق دون أن تستمد مقولات هذه العناية بشكل معرفي ومنهجي ضمن قوانين العلم نفسها، فالغائية الإلهية من الخلق بالحق لا تفهم – حين أسلمة المعرفة علميا – عبر مبادئ العقل الخالص فقط، ولكنها تفهم من مبادئ التشيؤ الكوني من صيرورة الحركة نفسها. ولأن منطق الدفاع السلبي لم يستطع تأكيد نفسه حتى دينياً، وجد من داخل المسلمين من يهاجم أسلمة المعرفة. وكذلك من خارج التدين.
يُذكِّرنا هذا الكلام بما مررنا به من قبل من قول مستهجن جاء فيها أن "(العبارة) [هذا من فعل الله] ليست تفسيراً لظاهرة ما، وإنما هي اعتراف بأنه ليس لدينا تفسير لهذه الظاهرة"[6]، ويعتبر (حاج حمد) أن هذه العبارة وأمثالها، والتي أطلق عليها تصنيفاً (مبادئ أخلاقية، ذات دلالات على عناية الله بالخلق) لا ينبغي أن تُفرض على السياق العلمي دون سند من قوانين العلم نفسه؛ أي، أن تُستنتج كضرورة منطقية من مقدمات علمية مستدل على صحتها علمياً. ويرى (حاج حمد) أن هذه العبارات الدالة على العناية والغائية الإلهية، إن وردت في سياق أسلمة العلوم فعلاً، دون السند العلمي الخارجي (سماه: مبادئ التشيؤ الكوني)، فليس لها من مصدر إلا مبادئ العقل الخالص فقط! وأن هذا المنهج من ثمّ يؤكد سلبية الدفاع، بمعنى عدم التسلح بأدوات العلم وآلياته التحكمية.
يثير هذا الكلام حفيظتنا لحدٍّ بالغ! ونصور سبب ذلك كالآتي، من جهتين:
فمن الجهة الأولى نقول: هب أن هناك قضية جنائية، وقد شرع المحققون فيها في جمع الأدلة، واستشهاد الشهود، للوقوف على الفاعل.
وبعد التحري والتحقيقات ونتائج المعامل الجنائية تجمع لدى المحققين عدد من الأدلة تحصر الفاعل في شخص بعينه، وغاب عن الأدلة سبب ارتكاب الجريمة، أهي متعمدة فيستحق الفاعل أقصى إدانة، أم عن خطأ، فيحكم فيها بالتعويض؟ - بمعنى أن غاية الجريمة كانت مجهولة، ومن ثم تحير القاضي في أي الحكمين يقضي به.
ثم ظهر شاهد نفي يُشهد له بالصدق، ولا يعلم حيوده لمصلحة ما، وجاءت شهادته العيانية بما يفيد أن الفعل كان عن خطأ، ولم يكن متعمداً من الفاعل!
فبم يحكم القاضي، أيأخذ بغائية الفعل الذي أتى به الشاهد أم لا؟
كذلك في موضوعنا: فالأدلة التي تجمعت من جراء التحري والتحقيقات ونتائج المعامل الجنائية أسباب ودلالات منطقية سببية قاطعة، وهذه هي العلم (العياني/التجريبي).
وشهادة الشاهد الصادق، هي آيات القرآن صريحة المعنى الدالة على العناية والغائية الإلهية.
والذي أثار حفيظتنا عدم أخذ شهادة الشاهد الصادق (الله سبحانه – وتعالى علواً كبيرا وتجلّى في سماواته) باعتبارها أدنى من العلم في التصديق!
ولو فعل القاضي ذلك، لقام محامي الدفاع يطعن في حكم القاضي الذي ينزع مصداقية الشاهد المبرأ من قول غير الصدق.
ولنا أن نفعل بالمثل ونسأل (حاج حمد)، أينبغي أن نستدل على الغائية والعناية الإلهي بالعلم: بالأدلة العملية التحليلية؟، ألا يكفي فيها شهادة الله سبحانه، شهادة مصدقة تقطع بالأمر؟
فإن قال أن قول القرآن ليس مما يفيد العلم (بصدق الخبر الواقع)؟ شَكَكْنا به، وارتبنا في أمره.
وإن قال: بل الشهادة صحيحة، وتفيد العلم بما هو أقوى من أدلة العلم التحليلية، فقد حجَّ بنفسه سابق كلامه وتراجع عنه، والحمد لله رب العالمين.
وعن قوله: "الغائية الإلهية من الخلق بالحق لا تفهم – حين أسلمة المعرفة علميا – عبر مبادئ العقل الخالص ..." .. فنستغربه، لأن العقل الخالص ليس بمصدر معرفي مُدّعى ممن يعتد بكلامه. ومن ثم، فلا يستحق نفيه. أما إن كان من عقل تحليلي لمنطوقات الخلق وظواهره، فنعم، وعندها، لا يُسمّى بالعقل الخالص.
أما عن قول (حاج حمد) – بتصرف : "بحكم أن أسلمة المعرفة ذات منطق دفاع سلبي، فإنها لم تستطع تأكيد نفسها حتى دينياً، ودليل ذلك أنها وجدت معارضة من داخل المسلمين! وكذلك من خارج التدين."
نقول إن محض الاعتراض الداخلي من داخل المسلمين ليس دليلاً، فمن هم المسلمين الذي اعترضوا؟ وما حجتهم؟ - إن هناك من المسلمين من يعترضون على تطبيق شرع الله سبحانه، وهو اعتراض يدبن أصحابه، فما قيمة مثل هذا الاعتراض في موضوعنا إذاً؟ - أمّا من كان خارج التدين فمعلوم وجهته، ومن ثمّ يُعد الاعتراض منه مؤشر حُجَّة للأسلمة لا ضدها.
ثم يقول (حاج حمد)[7]: 
"القرآن منهج رؤية كونية، وليس مختبر علوم تطبيقية."!
نقول: إن العلوم في مختبراتها ومعاملها خبرات مفصلة، فتؤدي حتماً إلى رؤية كونية زاهية الألوان. والرؤية الكونية المتشكلة تبعاً للخبرة الإنسانية المحدودة تؤدي أيضاً إلى توقع الحوادث لتأتي على وفاق مع تلك الرؤية، باهتة أو محدودة بقَدَرِها.
وعليه لا نرى من العبارة السابقة من معنى مفيد إلاّ أن قائلها يريد منها أن القرآن منهج رؤية كونية عامة لا تفصيل فيه، أما العلوم ففيها التفاصيل، وأن هذه – أي الرؤية التفصيلية للعلوم - درجة مفارقة تدعو إلى رؤية كونية متشابكة عن الكون، فتفترق الرؤيتان!! ولكن هذا غير صحيح من عدة جهات:
الأولى: أن صدق العلوم، لا بد أن يؤدي إلى أن تتكامل رؤاه الكونية التفصيلية للكون مع الرؤية الكونية العامة للقرآن أو الأقل تفصيلاً – بحسب (حاج حمد) - وألا تفترق الرؤيتان، إلا ما كان من خطأ بشري في أي الرؤيتين أو كلاهما. وهذا المنظور يدعم أسلمة العلوم التفسيرية، وقيودها على العلم، بأن يأتي بما لا ينافي الرؤية القرآنية للكون.
الجهة الثانية: أن يكون القرآن في بعض آياته قد اكتسب زخماً تفسيرياً ثم إعجازياً، فهذا يبرز تفصيلاً هنا وهناك حيثما يفعل هذا الزخم فعله. وهنا تصبح المقارنة بين الرؤية الكونية للقرآن وتلك التي للعلم أكثر بروزاً وأشد وضوحاً.
الثالثة: أننا لو تصورنا أن الرؤية القرآنية رؤية عامة للكون مثلها مثل "علم أصول الفقه" ذو القواعد الكلية، وأن الرؤية الناتجة عن مختبر العلوم التطبيقية رؤية تفصيلية للكون مثلها مثل "علم الفقه" بكثرة مسائله وتنوعها، فهل تختلف رؤية أصول الفقه عن رؤية الفقه لخارطة التشريع الفقهي بكليتها؟! – لا تختلف، بل تأتلف، وكذلك القرآن قبل تآلفه مع العلم الكوني بأنواعه (من علوم تجريبية وغيرها)، لا بد أن يأتلفا في رؤيتهما الكونية بكليتهما، ومن ثم تسقط حجة صاحب العالمية الإسلامية في النيل من أسلمة العلوم التفسيرية وأخواتها.
وفي دراسة[8] بعنوان:
إسلامية المعرفة: هل هي تصور ثيولوجي وأيديولوجي للإسلام أم أبستمولوجي ؟، .. وهل هي معاصرة أم تاريخانية ؟ .. وهل هي دغمائية آحادية شمولية أم إنسانية عالمية ؟ .. وكيف يكون الجمع بين " شكل " الحكم الديموقراطي الليبرالي العلماني المدني و " نظام " الحكم الإسلامي؟]يقول أبو القاسم حاج حمد، تحت عنوان (القرآن:هل هو مصدر نظريات وإعجاز علمي أم مصدر مؤشرات منهجية؟): [ الذين تعاملوا مع القرآن كمصدر للنظريات العلمية التطبيقية والإعجاز العلمي يماثلون الذين تعاملوا مع خاتم الرسل والنبيين كطبيب وجراح أيضاً بما نسبوه إلى مقامه المعصـــوم من " فصد " و "كي " وأعشاب معينة. فهذه ملصقات لا علاقة لها بالقرآن ولا بالنبوة ، وإنما هي للارتزاق.
نقول: التسوية بين التنظير العلمي في القرآن من جهة، والتعامل مع نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم كطبيب وجراح وفصد وكي – بحسب كلام (حاج حمد) – تسوية جانحة عن الحق جنوحاً بالغا. لأن العبرة بما ورد من نصوص وليس بما جرت عليه عادات العرب الثقافية. فالأصل فيما يجب الامتثال إليه هو الوحي المنزل، ثم التبليغ عن الله تعالى بما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم. وحيثما يرد النص أو الحديث بوضوح وجلاء في الخبر عن الله تعالى، يصبح إنكاره أنكار جحود، وإفشاله إفشال حيود. وإذا سوى مفسر للقرآن بين خبر "مستقر الشمس" المراد في القرآن، وطرق علاج العرب لمرضاهم، يريد بذلك تعطيل الآيات عمَّ تأباه نفسه من معاني، بتوهينها، لا تنطلي حجته في التسية بين مختلفين على أحد. ويُدان منطقه بقدر ما في حجته من انكسار!
يتابع ويقول:
إنه من خصائص القرآن انه يقدم مؤشرات منهجية كونية للخليقة والتكوين حين يتحدث عن التخليق الكوني للإنسان والنفس، فيما تعرض له سورة الشمس من متقابلات كونية متفاعلة جدلياً، وبما يجعل حرية الإرادة الإنسانية والاختيار من أصل التكوين، فلا نعود لمناقشات "المعتزلة والأشاعرة والجهمية" في الجبر والاختيار، ولكن لا يفصّل لنا القرآن الجوانب العلمية التطبيقية لهذا التفاعل الجدلي الكوني في سورة الشمس، فهذا عمل علماء الطبيعة، وكلهم من أبناء الحضارة الغربية، وليس بينهم من يكتب في الإعجاز العلمي للقرآن.
نقول: قول القائل أن خصائص القرآن كذا وكذا .. وأن القرآن لا يفصل كذا أو كذا .. فيقرر المتكلم ما ينبغي للقرآن أو يقوله لنا .. وما لا ينبغي! ... قول يتجاوز صلاحيات الإنسان، .. الذي هو ليس إلا مُستقبِل لمراد الله في كلامه العلي. وهذه الجرأة على تسوير معاني القرآن تسويراً جامعاً مانعاً جرأة بالغة ..، وتحكُّم صارخ ..، ومُصادرة لم تُعطَ لأحدٍ من البشر. وأيما قائل في القرآن بمثل هذا التحكم، لابد وأن يُسقط تصوره العقلي المقيد بفهمه وزمنه وثقافته على القرآن. وهذا الموقف عينه نراه في مواضع أخرى يدين المتكلم عليه آخرون، فكيف يرتكب هو ما يُدين؟!
وإذا نسب القائل كلامه لمعاني في سورة الشمس بما سمَّاه متقابلات كونية متفاعلة جدلياً، وقال:
جدل الإنسان المركب مع جدليتي الغيب والطبيعة فقد خرجت به عن المعطيات الوضعية الطبيعية الضيقة للعلوم البايولوجية والسايكولوجية مؤكداً على تركيبه الكوني المطلق "باعتبار تخليقه نتيجة التوالد الجدلي لتفاعل كل الظواهر الكونية من :
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا(1)وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا(2)وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا(3)وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا(4)وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا(5)وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا(6)
ثم النتيجة:
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)
الشمس / ج 30
وهذا تبرير لوجود الإنسان وكأنه ضرورة، كان يجب أن تقع! وهذا تقرير تَحَكُّمي أيضاً ومصادرة على مراد الله تعالى من خلق الإنسان! .. وفي وقت قال الله تعالى فيه "إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا"(النساء:133). .. فهل هؤلاء الآخرين ليس لهم وجود باعتبار نفي المبدأ الجدلي لوجودهم! .. أم باعتبار المشيئة الإلاهية؟! .. بالتأكيد أنها المشيئة. ..
وكما صادر الكاتب على مرادات الله في معاني آياته، في منهجية كونية لا تفصيل فيها، صادر أيضاً على خلق الله للإنسان – والكون – وكأن وجودهما ضروري، وكأن الخلق كان في حالة صدور وانبثاق جدلي (تفاعلي سببي)، لا إرادة ومشيئة. وكلامه في ذلك يشبه كلام فلاسفة اليونان ومن ردده وراءهم، وذلك حين تحدثوا عن العلة الأولى، وما يتبعها من علل وينبثق عنها من معلولات. .. وهو كلام مردود، وتخرص مفضوح .. لم يجز أن ينطق به إنسان .. فضلاً عن أن يكون ممن يؤمن ويقرأ القرآن .. ويعلم أن الله تعالى يخلق العلل والجدليات – الأسباب – حسب مشيئته ... حتى لو سماها (حاج حمد) (لاهوتاً) يريد أن يسورها، حين قال[9]
ركزت على ضرورة فهم الأبعاد الغيبية دون لاهوت .. أما جدل الطبيعة الذي ركبته ضمن الجدلية الثلاثية مع الغيب المتحرر من اللاهوت فقد طرحته ضمن مفاهيم "حلقة فينا" التي طرحت أبستمولوجيا المعرفة في علوم الطبيعة وليس مصادرة إنجازاتها باسم " التأصيل الإسلامي " لها .. 
، .. فنقول نقضاً لتلك الجدلية المزعومة في تناولنا للمعاني الغيبية، ما قاله الله تعالى .. "اللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ"(الرعد:41).
ثم يقول (حاج حمد) تحت عنوان: (العلوم البحتة والإحالة المادية)[10] :
كذلك من المؤشرات المنهجية القرآنية الكونية الظواهر المتعاكسة في قانون الطبيعة فحين يفترض علمياً أن ينتج عنصران مختلفان نتاجاً محدداً نجد أن التفاعل بين عنصري الماء " الواحد " والتربة " الواحدة " يؤدي إلى تنوع وتعدد لا متناه ، ليس دليلاً على إعجاز علمي ولكن كدليل على كونية الخلق حيث تتفاعل عناصر الكرة الأرضية بكافة منظومتها الفضائية دون أن يقول لنا القرآن كيف؟ فذاك عمل علماء الطبيعة.
ونجد الآيات الدالة على نتاج متعدد ومتنوع ولا متناه من تفاعل عنصرين آحاديين مختلفين في سورة الرعد:  وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(4)  الرعد / ج 13. فالتربة واحدة ( قطع متجاورات ) والماء واحد ( بماء واحد ).
كما نجد تناقض ذلك في سورة فاطر حيث ينتج عنصران مختلفان نتاجاً واحداً مشتركاً: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(12)  فاطر / ج 22.
وفي الحالتين لا يعطينا القرآن القوانين العلمية التطبيقية ولا النظريات فهذا كما قلنا عمل العلماء، وإنما يعطينا مؤشرات منهجية على كونية الخلق لنتجاوز الإحالة الفلسفية لقوانين الطبيعة باتجاه المادية، فالتخليق الإلهي يمضي كونياً لأبعد من ضوابط "التشيؤ الطبيعي" التي لا يدرك كونيتها المطلقة الإنسان وبما يمضي لاستخراج الحي من الميت والميت من الحي وإلى لا متناهيات التعدد والتنوع بحيث تستحيل الإحالة الفلسفية الوضعية والمادية للعلوم الطبيعية وهذا ما تقترب منه الآن أبستمولوجية المعرفة العلمية النسبية والتفكيكية المعاصرة. وهذه هي مهمة "إسلامية المعرفة ".
نقول: هذه الفقرة – إذا ما حققناها تحقيقاً علمياً- نجدها مليئة بالتجاوزات.
فقوله: [حين يفترض علمياً أن ينتج عنصران مختلفان نتاجاً محدداً نجد أن التفاعل بين عنصري الماء "الواحد" والتربة "الواحدة" يؤدي إلى تنوع وتعدد لا متناه.] قول غير صحيح. فالتربة ليست واحدية العنصر، بل هي جنس يشمل الكثرة، مثلما أن جنس الإنسان يشمل الكثرة المتعددة والمختلفة فيما بينها. لهذا نص كلام الله تعالى على واحدية الماء ولم ينص على واحدية التربة، عندما قال سبحانه " يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ".
وأما قوله أن هذا [دليل على كونية الخلق حيث تتفاعل عناصر الكرة الأرضية بكافة منظومتها الفضائية] فكلام شديد الغموض! .. ولنا أن نسأله: ما هي "كونية الخلق"؟ حتى يستشهد عليها؟! .. إذا كانت هي سنن الخلق، فلا مراء في ذلك .. ولم يدعي مسلم خلاف ذلك، ولنا أن نسأل أيضاً ما هي "منظومة الأرض الفضائية"؟! ... هل هي بيئة الأرض التي هيأها الله تعالى للنبت والزرع والمهاد والفرش لأهلها، فهذا أيضاَ لا جديد فيه إلا فبركة الاصطلاحات!!
وأما قوله: [... دون أن يقول لنا القرآن كيف؟ فذاك عمل علماء الطبيعة.]
فكأنه أراد الرد على من يزعم أنه على القرآن أن يقول لنا كيف في كل صعيره وكبيرة! .. وهذا ما لم يزعمه أحد! لأننا نستقبل القرآن لنعلم مراد الله تعالى في خبره وأمره .. ولا نشترط ولا نتحكم ولا نُصادر. .. ونعلم أن التنقيب في الخلق لنعلم الكيفية التي عليها الخلق أمر إلهي، مثلما نعلم أن التنقيب في كلام الله – أي تدبره – لنعلم خبره وأمره ونهيه، هو أيضاً أمرٌ إلهي. .. فإن وقفنا على إجابة "كيف" في كلام الله، أنمنع عنه الفهم لأن بعضنا أبى إلا أن تكون إجابة "كيف" في الخلق وليس في الوحي! ... مصادرة متكررة من (حاج حمد)، لا نرى من يوافقه عليها على النحو الذي أراده.
وأما قوله: [كما نجد تناقض ذلك في سورة فاطر حيث ينتج عنصران مختلفان نتاجاً واحداً مشتركاً: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا
فغير مُسلَّم به أيضا! .. كما أن قوله "تناقض" كان ينبغي أن يكون "ما يُعاكس ذلك". فلم يكن الأول سنة كونية حتى ينتفي معكوسها، بل إن حدوث الأمرين جميعاً، على ما بهما من انعكاس، لدليل على القدرة والثراء والإبداع، وليس دليل على تناقضات تخدش السببية، .. وهو ما يفهمه القارئ البسيط من كلام (حاج حمد)! .. ثم ما هي الغرابة في أن يكون اختلاف الماء ما بين عذوبة وملوحة سبب يمنع أن نأكل منهما جميعاً لحماً طرياً ونستخرج حلية جميلة. فإذا كان تفاوت الملوحة بين مائين سبب لذلك، فالتفاوت بين البر والبحر أشد!! .. بل إذا راعينا جو السماء وما فيه من طير طيب اللحم .. لكان التفاوت أغرب. .. فما هي حجة (حاج حمد) في تفاوت قريب .. مع مثل هذه التفاوتات الأبعد .. وكيف يصيغ لنا من هذا التفاوت المتعدد [المؤشرات المنهجية القرآنية الكونية الظواهر المتعاكسة في قانون الطبيعة] ويقصر عليها عطاء الله للأفهام، رغم أن هذه المؤشرات تدخل أيضاً مع غيرها ضمن معاني التفسير العلمي عند أصحابه دون مصادرة لكلياتها دون تفصيلاتها، ولا تتأبى على منهجهم، المستنطق للآيات المتلوة مع الكونية، بكل ما من شأنه بيان الغامض، وكاشف المكنون!
ثم يقول: [وفي الحالتين لا يعطينا القرآن القوانين العلمية التطبيقية ولا النظريات فهذا كما قلنا عمل العلماء] فنستغرب له أيضاَ، إذ ما الذي يمنع علماء – الطبيعيات والأحياء وو..- أن يقرنوا كلام الله بخلقه، وإذا كان (حاج حمد) قد تأوّل شيء من الآيات على نحو إجمالي، فهناك الكثير من الآيات التي تحتمل التفسير والتأويل التفصيلي، إذا قرنّاها مع ما تُشير إليه، ومن أمثلتها قوله تعالى "وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا، فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا، فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا"، وقوله تعالى "وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا"، وقوله تعالى "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى"، وقوله تعالى "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا"، و ... إلى ما لا نعلم له آخر!!! .. ومن ظن أن الآيات المتلوة مكتفية بذاتها في تفصيل ما تتكلم عنه، فمثل مثل من ظن أن إقامة الصلوات تستغني عن معرفة الليل والنهار، والنور والظل. وكلا الأمرين لا يقول بهما إلا عاجز عن الفهم، أو ناكص عنه، .. مُتأبٍ عليه!!!
يستكمل (حاج حمد) ويقول[11]
إن جهد "إسلامية المعرفة" لا زال ناشئاً ويتفرع إلى كل العلوم ليرتقي بها مــن "الوضعية" إلى "الكونية" وهذه الرؤية الكونية هي بديل اللاهوت والوضعية معاً، ولها ضوابطها التي تخرجها من الإطار الميتافيزيقي للتفكير وفق منهجية قرآنية علمية منفتحة على كافة المناهج المعرفية والأنساق الحضارية البشرية، ومن هنا تأتي قيمة القرآن ككتاب كوني يتسع لكل المناهج، وقيمة الإسلام كدين عالمي ليستوعب التعدد والتنوع.
يدعو (حاج حمد) في هذه الفقرة إلى تطوير تصور خاص لإسلامية المعرفة، يُسمِّيه "الكونية" يفارق ما ذمّه أعلى من "إسلامية معرفية تفسيرية". وهو لا ينسب "الكونية" هنا إلى "الكون المخلوق"، بل ينسبها إلى الكينونة بكلياتها، أي "ما لا حد له من المعاني". ثم أنه ينكص بهذه الكونية عن اللاهوت، أي الغيب المكنون، ويختلق جدلية – أي آليات سببية – يتوهم أنه تضيف فهماً لا يستطيعه الفهم اللاهوتي، رغم خلو كلامه من أي معنى إضافي معقول!! .. كما أنه يتجاوز عن الوضعية المجردة – أي السببيات الطبيعية، ويظن أنها تهبط بقيمة آيات الله تعالى، إذا ما عولجت الآيات بمعيتها.
كما أن القارئ يُفاجأ بوضوح تصريحه بأن هذه الكونية [لها ضوابطها التي تُخْرِجها من الإطار الميتافيزيقي للتفكير] علماً بأن الميتافيزيقا ليست صفة للتفكير، بل صفة للموضوعات التي يعرج عليها التفكير. أي الموضوعات الغيبية، مثل الملائكة، والجنة والنار، والقيامة .. والحساب والثواب والعقاب!! .. وهذه موضوعات لا يمكن أن يتجاوزها أي تفكير ديني، مهما ادعى أصحابه التجديد فيه. إذ أنهم إن فعلوا فلابد أنهم يتكلمون عن شيء آخر غير دين الله، كأن يكون دين يختلقونه، فيجعلون ميتفيزيقاه فيزيقا جديدة، لا هي غيبية (لاهوتية) ولا هي واقعية وضعية – كما صرّح هو بذلك أعلى - ! ... بل شيئاً جديدا (لا يمكن اقتناصه)، و (لا وصفه)، ... وهما الصفتان اللتان طغت على كتابات أبو القاسم حاج حمد!!! وجعلت لمنتقديه موقفاً واحداً وهي أنهم لا يفهمون مراده من كلامه!!![12].
ثم يفاجئنا (حاج حمد) بوصفه أن منهجيته الكونية تلك [منهجية قرآنية علمية منفتحة على كافة المناهج المعرفية والأنساق الحضارية البشرية، ومن هنا تأتي قيمة القرآن ككتاب كوني يتسع لكل المناهج، وقيمة الإسلام كدين عالمي ليستوعب التعدد والتنوع] ...!!! وهو تصريح يُريبُنا في وجود أي شخصية مميزة لمنهجية قرآنية كونية، في وقت يسمح لها بأن تتسع لكل المناهج، وتنفتح على تنوع غير منحصر من المناهج المعرفية والأنساق البشرية المتعددة. .. وهي أنساق متنافرة فيما بينها كما هو معلوم، فكيف بها تنطوي تحت منهجية قرآنية كونية واحدة! ؟!!! وهذا ما جعل أحد منتقديه[13] يعيب ذلك المنهج، ومعه كل الحق عندما قال فيه[14]: [(بحسب منهج أبو القاسم حاج حمد) فإن كل مسلم يمكن أن يقرأ القرآن وفق مزاجه وثقافته، ويُحمّل آياته من الرموز والإشارات حسبما يشتهي، وينتهي الأمر إلى إلغاء النص نفسه، إذ لا يمكن إعماله ما دامت ألفاظه لا تحمل مدلولات محددة واضحة.]
في مسألة الجمع بين القراءتين: (قراءة كتاب القرآن وقراءة كتاب الكون)، يقول (حاج حمد) كلاماً في غاية الأهمية السلبية!، يقول[15]:
الجمع بين القراءتين ليس كما ذهب إليه البعض ، قراءة في كتابين: الأول كتاب القرآن والوحي، والثاني كتاب الكون المتحرك، بحيث تفضي قراءة القرآن إلى الكليات وتفضي قراءة الكون إلى التفاصيل، ثم تفضي بنا القراءتان إلى الإيمان، ففي هذا القول تبسيط لحقيقة هذا المنهج، وتضييع له بذات الوقت.
أي أن (حاج حمد) ينفي أن تكون القراءتان على هذا النحو الذي شرح، ونحن نوافقه على بساطة هذا التصور للقراءتين، وعلى كونه ليس التصور الأشبه بالحق، ولكننا أيضاً لن نوافقه على رؤيته للقراءتين، والتي سيطرحهما الآن: حيث يُتابع ويقول: 
فالإنسان بالقراءة الثانية (يقصد في كتاب الكون) يتعرف على الظواهر الطبيعية ويقرأ قوانينها ويتعرف على التاريخ والتوزيعات الجغرافية والبشرية وكافة أنواع العلوم، مثله في ذلك مثل أي إنسان آخر في كل مكان في العالم،و وفي أي مدرسة أو جامعة.
أما القراءة الأولى (في كتاب القرآن) فإنها ليست معنية بذلك، ولا تبحث في القرآن عن دالة أو دلالات لهذه الظواهر فيما يسمونه التفسير العلمي في القرآن، وإنما تبحث القراءة الأولى في أمرٍ آخر هو (الإرادة الإلهية المرتبطة بالحكمة) في كل ذلك ومن كل ذلك، والمؤشرات الدلة على ما يتجاوز قدرات العلم البشري، كمؤشرات وليس كمعرفة، فما جئنا به في سورة الرعد أو سورة فاطر أو عن العسل أو اللبن أو النفس، إنما هي (مؤشرات) للدلالة على اللامتناهيات الخَلقية، وليست مساقات تحصيل علمي، فللتحصيل العلمي شروطه الموضوعية العلمية، فلا نكون كمن يسأل الرسول عن الأهلة، فذاك دخول للبيت من غير أبوابها.
(إن) مقاربة فهم الإرادة الإلهية عبر القراءة الأولى من القرآن، والمتحققة في ظواهر الوجود وحركتها، مكانها وزمانها، لا تعني فقط كما فهم البعض مضاهاة القرآن ككتاب مقروء بالكون ككتاب متحرك. وهذا ما يزعجني فيما انتهى إليه الذين تناولوا كتاباتي حول الجمع بين القراءتين منذ عام 1979 وإلى اليوم.
قلنا أننا لا نوافق (حاج حمد) على هذا التصور، والسبب أننا ننسحب من موقف الشهود على القرآن والكون، الذي يضع (حاج حمد) نفسه فيه، ومن يدعوهم إلى تبني منظوره، ونتخذ لنا موقفاً أقل تواضعاً، ونقصد بذلك موقف "الأمي"[16] المولود معرفياً لتوِّه، نستقبل فيه المعرفة ببراءة تامة، ودون أي تصورات مسبقة ولا متحيزة.
ونقصد بذلك أننا نسعى إلى قراءة القرآن، وقراءة كتاب الكون، دون أي منظور فلسفي نمتطيه، أو رداء منهجي نكتسيه! .. ويكون مرشدنا في ذلك لا شيء إلاَّ الفهم الأمثل، أي الفهم الذي لا يوقعنا في حرج عقلي. أي الفهم الذي لا ينبغي أن يكون فيه اختلاف، كما قال تعالى "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا"(النساء:82).
فإذا فعلنا ذلك، لم نجد حرجاً في أن نكتسب معرفة رصدية تحليلية عن الشمس مثلاً – بالقراءة الأولى في كتاب الكون – ونضيف إليها في موضوعها – بقدر ما يُسفنا التدبُّر- كسباً معرفياً قرآنياً عن الشمس أيضاً، بالقراءة في كتاب الوحي. ويتراكم عندها لدينا معرفتان عن نفس الموضوع، ومن مصدرين صادقين لا ريب فيهما عند المؤمنين.
فإن فعلنا ذلك، لوجدنا أننا قد وقعنا على ذخيرة معرفية يتيسر فيها التحقق، وتتلاقح فيها الأدلة، وتبثق عنها النتائج، وعلى أفضل حال مما لو اكتفينا بأي من المصدرين المعرفيين، كلٌّ بانفراد.
وما يجري في مسألة الشمس، يجري في كل مسألة تلوح لنا، أو تفرض نفسها علينا. كالنفس والعقل، والخبز والحب، والسلم والحرب، والأرض والسماء، وو ... إلخ.
ولا نرى ما يمكن أن يمنعنا من طرق أبواب المعرفة على هذا النحو بغرض الإحاطة العلمية إلا أن نجهل أسباب كسبه، ضعفاً من عند أنفسنا، أو قَدَرَاً لم يُيسره الله تعالى لنا، كما قال سبحانه " وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ"(البقرة:255).
وإذا افترضنا خصماً معاندا، عن منهجه يدافع، أو لطريقتنا كاره، فهل يمنعنا هذا الخصم أن نفهم ما فهمنا إن فهمناه؟! ... لا يستطيع، ... لأننا إن فهناه حقاً سنستطيع الدفاع عنه، وإن لم نستطع، فما فهمناه حق فهمه، وعلينا عندها أن نُعيد دراسته.
 وعلى ذلك، فما قاله (حاج حمد) من أن قراءة القرآن لا تفضي إلاَّ إلى (الإرادة الإلهية المرتبطة بالحكمة) فلا سند له إذا استقل بالغرض غير محمول على تفصيل. فمقام العلم بهذه الحكمة مقام المقاصد الكلية لقراءة القرآن، مثلما أن حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال مقاصد الشريعة. ومن أنكر معنىً مفيد عن الشمس أو القمر أو النجوم أو السماء أو الأرض أتى في كتاب الله تعالى يعضد رصداً ونظراً وتحليلاً لواقع دامغ ... إلخ، احتجاجاً واكتفاءاً بـ (الإرادة الإلهية المرتبطة بالحكمة)  كان كمن أنكر شمول الشريعة لبيان المواريث، احتجاجاً واكتفاءاً بمقاصد الشريعة. .. ولأن هذا الأخير مردود الحُجة، فكذلك الأول.
يوجز (حاج حمد) نقده للأسلمة التفسيرية للمعرفة ويقول[17]:
حين يجنح بعض الوضعيين لاستلاب العلم باتجاه الشيئية، بما في ذلك تحويل الإنسان إلى شيء، وتجريد العلم من كونيته، ندخل جميعاً في البوتقة الظلامية، فيأتي الدين مجدداً ليسترد بضاعته بنفي الوضعية عنها، وهذا هو أساس إسلامية المعرفة، أي المعرفة الكونية غير الوضعية.
 ينتقد (حاج حمد) بذلك التصور المادي الصِّرف للكون، الذي يقول [أن كل ما في الكون ليس إلاّ أشياء، وأنه ما من شيء يحتجب وراء الأشياء]. ويدعو (حاج حمد) إلى أن "إسلامية المعرفة" يجب أن تُجاوز المعرفة المادية الشيئية، إلى كونية شمولية كلية، فيها المرئي وغير المرئي، والحسي وغير الحسي، والفيزيقي والميتافيزيقي، والشهادة والغيب، ومن ثم، يتجاوز الدين المادية، أي الوضعية النافية لما وراء المادة. ومن وراء ذلك يُعرِّف (حاج حمد) "إسلامية المعرفة" بأنها الفلسفة الكلية التي يتشربها قارئ القرآن الناظر في الكون، بلا تفسير ولا تأويل، وبلا إسقاط لمعاني الآيات على وقائع أرضية متعينة دون سواها. والخلاصة أن "إسلامية المعرفة" عنده، هي "رؤية" نزوعية شمولية مهيمنة على نفس الناظر في معاني القرآن والآشياء، ودون أي إسقاطات، تنال من قيمة كونية القرآن!!! وتتأكد هذه المعاني أيضاً من كلامه الآتي[18]:
حين يسترد الدين المعرفة العلمية إليه باتجاه الكونية، ويُبرئها من الوضعية، يكون قد قام بعملين مزدوجين في كلٍّ واحد، فمن ناحية يُدين الصراع اللاهوتي المسيحي مع العلم، ومن ناحية أخرى يُدين توجهات الوضعية في العلم، فلا تكون المعرفة بعد ذلك إلا إسلامية مبرئاً الدين من اللاهوت، بذات الوقت الذي يبرئ فيه العلم من الوضعية. .. فمشكلة الوضعية أنها قيدت العلم بمخططها، الذي رفض التعامل مع الظواهر التي لم ترتقِ أدواته للتعرف عليها، وقياسها مختبرياً، وفي حمى رفضه لها يتناسى أنها ظواهر حية، في حين أن مهمة العلم الدائمة أن يتعرف على ما لم يتعرف عليه بعد، وإلا أصبح العلم مالكاً للحقائق، وكف أن يكون علما.
ونلاحظ أيضاً في هذه الفقرة أنه كما يبرئ الدين من الوضعية (المادية)، إلا أنه – وعلى غير المتوقع - يزيد بتبرئة الدين مما سماه اللاهوت. وارتكن في ذلك إلى ذريعة الصراع اللاهوتي المسيحي مع العلم. وكأن الإسلام لن يتحصن من مثل هذا الصراع إلا بالتبرُّء من اللاهوت!!! .. وكأن اللاهوت – سواء كان مسيحياً أو إسلامياً – مُعتقد أو مذهب أو دوجما ينبغي أو يجب التحرر منه!! .. وإذا كان يقصد من "اللاهوت": الكهنوت، فقد صدق في المعنى دون اللفظ، وإن قصد "تحقيق أمر الله وشريعته" على الأرض على ما أمر سبحانه وقضى في وحيه، فلم يصدق في كليهما؛ اللفظ والمعنى، على خلاف ما أمر الله تعالى.
ثم لخص (حاج حمد) الدور الذي ينبغي أن يقوم به الإسلام – حسبما يرى - في قوله[19]:
هنا تقف إسلامية الممعرفة بكامل أطرها المنهجية لتطرح البديل المتجاوز للوضعية في عصر العلم والعالمية، حيث نعيد فهم ديننا، وفي هذا الإطار بوصفه (عالمية خطاب) و (حاكمية كتاب) و (شرعة تخفيف ورحمة) بتوجه إلى كافة مجتمعات العالم المعاصر باستيعاب وتجاوز لكافة المناهج المعرفية والأنساق الحضارية، وبما يؤمّن التداخل بالوعي مع إشكاليات العالم المعاصر والتي لا تجد حلاً موضوعياً لها إلا بانتقال الإنسان من سجن الوضعية إلى آفاق الكونية عبر كتاب كوني هو القرآن بالذات.
ولنا أن نتساءل:
ما هي آفاق الكونية؟! !!! ...
وكيف يتم التداخل بالوعي مع إشكاليات العالم المعاصر دون تفسير علمي تفسيري لآيات القرآن في تلك الإشكاليات؟! !!! ...
وكيف سيتم بـ (الكونية) المذكورة تجاوز كافة المناهج المعرفية والأنساق الحضارية دون مواجهة بين نسق تلك (الكونية القرآنية) وغيرها من أنساق؟! ... 
وهي أسئلة لا يمكن تحقيقها في الواقع إذا خلع (حاج حمد) موضوعية الآيات عن متعلقها من أحداث، وهام بها في كونية أقرب ما تكون في معناها إلى المذاهب الصوفية أو الفلسفية!!
وقال أيضاً – مدحاً في الإسلامية الكونية للمعرفة - التي يقترحها[20]:
إسلامية المعرفة بمدادها الكوني أكبر من الشمولية لأنها ليست وضعية، فكونيتها المطلقة تمنع شموليتها، ولهذا تستوعب إسلامية المعرفة كافة المناهج المعرفية ثم تتجاوزها، وكافة الأنساق الحضارية ثم تتجاوزها. وذلك بحكم عالمية الخطاب وكونية القرآن، وحاكمية الكتاب، وشرعة التخفيف والرحمة. فالنظام الذي يتأسس على إسلامية المعرفة هو نقيض الشمولية بمنحاها الوضعي، وكذلك بمنحاها اللاهوتي والكهنوتي. فإسلامية المعرفة (الكونية) خصم لكل ما يستلب الإنسان خارج كونيته.
هل يقصد (حاج حمد) من استلاب الإنسان تقييد حريته، وامتلاك زمامه، وحبس إرادته؟! .. وما هو اللاهوت الذي يمكن أن يفعل ذلك؟! .. هل هو المذاهب الدينية التي تُؤطِّر حياة أتباعها حسب مدوناتها وأدبياتها المورورثة .. إن كان يقصد ذلك فقط أصاب بعض الحق. ولكن هذا الـمُبتغى السامي ليس حكراً على ما يسمَّى (الكونية) ونحن نسعى جاهدين لاستخلاص حدّا لهذه (الكونية)، وهو الأمر الذي بدى شاقاً حتى بعد قراءة أكثر من ألف من الصفحات التي دونها (حاج حمد) .. فلماذا لا يصرح بمراده بدلاً من سك اصطلاحات تفارق الجاري لها من استعمال، ولا يستطيع إظهار مراده منها إن كان قد تعين في تصوره الشخصي!! .. ولماذا يكتب برمزية مُريبة تحذف النقاط من فوق حروفها، وقد جاء الله تعالى في محكم كتابه العزيز بالبينات الساطعات، وجاء رسوله الكريم بالفصاحة وبليغ البيان؟!
كما أن (حاج حمد) هو القائل أيضاً من قبل[21]:
إن إسلامية المعرفة كرؤية كونية لا تستهدف خلاص العرب والمسلمين فقط وإنما خلاص العالم كله وفق مفهوم عالمية الإسلام وليس بالمنطق الآحادي الشمولي، خلاص العالم من اللاهوت الذي زيف الأديان الرئيسية بداية من اليهودية والمسيحية وخلاص العالم من الوضعية التي ظنها أوجست كونت (1795/1857) بداية "القطيعة المعرفية" في الفكر الإنساني مع الفكر اللاهوتي الخرافي ويليه الميتافيزيقي.
ومنه نلاحظ وسْمُه للفكر الّاهوتي – والذي لم يقترن من قبل إلا بالمسيحية – بأنه خرافي، بعد أن مد الاصطلاح ليشمل الإسلام. ومعلوم أن ما يقابل اللاهوت في المسيحية يتأرجح في الإسلام ما بين علم العقيدة و علم الكلام. فهل هذا الفكر العقائدي الكلامي في أصول الدين الإسلامي هو ما يصفه (حاج حمد) باللاهوت الخرافي؟!.. أم أنه يذم تناول العقيدة فهماً ودفاعاً، تناولاً العقل كما كان يفعل أصحاب علم الكلام، ويقصرها على النقل؟! .. ولكنه لم يكن في حاجة إلى وسمه باللاهوت ليؤدي هذه الرسالة. .. وأياً كان غرضه، فقضية الاعتقاد لا يمكن إهمالها نقلاً وعقلاً، وإلا لغى فيها المتفلسفة والملحدة بما يشوش على المؤمنين إيمانهم .. ويبدو لنا أنه أراد بـ "اللاهوت الخرافي" التصورات العقدية الغير مدعومة من نص قرآني، أو بيان نبوي، وبما يخدش الاعتقاد الصحيح في الله تعالى، ثم حَمْل الناس عنوة أو زجراً على الاعتقاد بها، مثلما يفعل أصحاب التجسيم، أو التعطيل، ومن ثم يكون لعبارته [اللاهوت الذي زيف الأديان] معنى منسجم مع وصفه له بأنه [خرافي]. وإن كان هذا هو مراده، .. فلم لم نره يضع البديل الأنجع فيما سماه (الرؤية الكونية) لعلم العقيدة الصحيحة والخالية من اللاهوت الخرافي؟! .. أو أنه ربما وضعه في أي من كتاباته المستفيضة ولم ننتبه له!!!
وإذا تساءلنا: كيف يمكن التمييز بين القرآن والتوراة – مثلاً – في أهلية القيام بهذا الدور الكوني، أو ما عساه أن يدعيه مدّعي لاحق بالنبوة والرسالة؟! ... ورغم أن السؤال يفرض نفسه علينا لغياب أي عنصر تمييزي للقرآن عن ما سواه في احتجاج (حاج حمد)، إلا أننا لم نجد لمثل هذا السؤال إجابة – علماً بأن هذه العبارات المقتبسة له قد جاءت جميعاً تالية مباشرة لعنوان أسبق هو (لماذا القرآن وليس الكتب السماوية الأخرى؟ - ص 210) ... ولم نجد في إجابته (حاج حمد) عليه أي حُجّة ملزمة على غير المسلمين في تمييز دين الإسلام عن غيره في أداء مهمة لا يمكن لأديانهم القيام بها!! – إلا من محاولة عاجزة ص229 - ... فأين عالمية الرسالة والكونية الشمولية التي ادعاها (حاج حمد)، إذا غابت عن هذه العالمية حجته .... والتي ما نراه إلا أنه غيّبها بتحليله الذي أسقط منه علمية الإسلام متمثلاً في التفسير العلمي للقرآن، وإعجازه العلمي، وهي العلمية الاحتجاجية التي افتقر منهجه إليها، وجاءت بما فرّق به بين إسلامية المعرفة (التي سماها الكونية)، وقد نفى عنها (التفسير العلمي) باعتباره بدعة؟!
ويبدو أن ما يطرحه (حاج حمد) – يرحمه الله – كان مشروعاً ديناً عالمياً يستوعب الكتب السابقة بمحتواها في تعددية كونية، وذلك بما يُستقرأ من كلامه السابق الذي قال فيه: [..لا تستهدف خلاص العرب والمسلمين فقط وإنما خلاص العالم كله وفق مفهوم عالمية الإسلام (والذي ربما يقصد به الإسلام الإبراهيمي) وليس بالمنطق الآحادي الشمولي (الذي ربما يقصد منه الإسلام الـمُحمّدي)] وكلامه الآتي، الذي يقول فيه على نحوٍ أشد صراحة[22]:
إن الجهد الذي طرحته هو المدخل الذي يحقق لنا التدامج بين المشروع الديني العالمي، ومتطلبات التعددية والتنوع في عصر العولمة. فنحن نضع جدل الصيرورة الكونية، بديلاً عن جدل الوضعية، ومع إدراك تام لفوارق النسق بين المراحل الدينية المختلفة، والمستويات التي أجريت فيها، منذ آدم وإلى محمد، عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، لأننا إذا لم نتفهم هذه الخلفيات كلها، فسيصعب علينا فهم حقيقة ما يجب أن نفعل.
ويستحضر هذا الموقف من (حاج حمد) في ذاكرتنا ما دعى إليه روجيه جارودي من مناداته لدعوة إبراهيمية[23] تعم المؤمنين بالأديان السماوية الثلاث أو أن يلتقوا عندها، وهذا حيود بيِّن عن مرامي نصوص القرآن من أن هذه الدعوة، والتي سمَّاها الإسلام: "الحنيفية"، جاءت خالصة مخلّصة في الإسلام. ونتساءل: هل تأثر (حاج حمد) بدعوة جارودي في كلا المسألتين: الدين الإبراهيمي العالمي، واللاهوت المغضوب عليه في صورة الأصولية السلفية؟! .. التشابه كبير بين رؤيتي هذين المفكرين، إلا أنها قد تكون توارد خواطر .. وأياً كان الأمر، .. فرؤيتيهما محل نظر.
وتحت عنوان (تطبيق إسلامية المعرفة على الواقع الموضوعي): جاء (حاج حمد) بعدة أمثلة، كما في هذا التطبيق الذي يقول فيه[24]
إسلامية المعرفة الكونية تؤكد على "العائلية" كأساس للوحدة الاجتماعية وليس الفردية، "العائلية" المستمدة من زوجية الخلق كله، في المادة وفي النبات والحيوان والإنسان ومتقابلات النظام الفلكي: "وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ"(الذاريات:49)
ولا نرى تطبيقه إلا تأويلاً للآيات، تستهدف ربما المقاصد الكلية من ورائها، رغم أن (حاج حمد) عارض أي تفسير أو تأويل كما رأينا في أول فقرة في هذه الدراسة. فلماذا سيعارض مبدأ التفسير والتأويل، ثم يستخدمه؟! .. وكيف لا يفسر أو يؤول ثم يستفيد من آيات القرآن؟! .. هل هناك من وسيلة أخرى، .. هل هي ما سماه (الجمع بين القراءتين) .. على نحو خاص ربما .... وكيف يقرأ القرآن ويفهم منه معنى ثم يقول أنه ليس بتفسير ولا تأويل؟! .. وما هي ضوابط هذه القراءة بما يميزها عن التفسير أو التأويل ؟! .. وكيف تنضبط هذه القراءة المزعومة، فلا يتذرع بها كل من له هوى في معاني يزعمها في القرآن، يذيعها ثم يقول أنها قراءته التي لا تفسير فيها ولا تأويل؟!!
ويتأكد معنى القراءة (المقاصدية) البديلة للتفسير والتأويل عند (حاج حمد)، بصريح كلامه في تطبيق آخر، يقول[25]
بمنطق الجمع يبن القرءتين، يمتد السياق إلى البنائية السياسية المركبة عليها، فلا تنابذ ولا صراع، ولو تقنن بالديمقراطية، وإنما السلم للناس كافة بلا دعاوى وصراعات: "وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ"(البقرة:204-208)
وفي الوقت الذي يفهم (حاج حمد) من آيات القرآن على النحو الذي تعرفنا عليه باسم "القراءة المقاصدية"، التي هي فهمه للجمع بين القراءتين؛ القرآنية والكونية، نراه يعارض القراءة التفصيلية التي يقصر عليها معنى التفسير والتأويل، يقول[26]:
هناك من يماثل (الجمع بين القراءتين) تراثياً بمفهوم العلاقة بين (القرآن ككون مسطور والوجود ككون منثور) إنطلاقاً من أن الله سبحانه لم يُفرط في الكتاب من شيء، بحيث يتنزل النص دائماً على الواقع. في حين أن منهجنا يصعد بالواقع إلى النص، ويعيد قراءة النص بطريقة إبستمولوجية ضمن شمولية القرآن المعرفية والمنهجية، وليس عبر (التقابل الثنائي) بين بعض آيات الكتاب وموضوعات في الوجود، فنقول أن هذه الآية في الكتاب المسطور تقابل هذا الموضوع في الكون المنثور، أو كما يفعل مثلاً أنصار التفسير العلمي (الإعجازي) لآيات القرآن في مقابل الاكتشافات العلمية.
فالقضية هنا (منهجية) وليست (تماثلية) بالمنطق (الثنائي)، ولذلك نستبعد تماماً مفهوم (الجمع بين القراءتين) بالمنهج التراثي الثنائي التقابلي. ولهذا حرصنا على التأكيد بمقولة (أن القرآن في إطلاقيته يعادل الوجود الكوني وحركته) بمنطق جدلي. فيتجه العملي الفلسفي إلى اكتشاف المنهجية الكونية المعادلة للمنهجية القرآنية في (كلية واحدة) لإعطاء منظور (الفلسفة الكونية) بأبعاده الجدلية الثلاثة، وبمنطق تحليلي يأخذ بكافة المحددات النظرية العلمية، من صيرورة وتغير نوعي ونسبية ولكن، خارج توظيفاتها الوضعية. وكما تفعل الإبستمولوجيا العلمية المعاصرة والمفتوحة تماماً خارج التوظيفات الوضعية أيضا.
هذه القراءة المنهجية – بتعبير (حاج حمد) – أو المقاصدية بتعبيرنا، غير ممتنعة من حيث المبدأ، بل هي مندوب إليها بالمعنى المقاصدي، كتلك التي استنبط منها الشاطبي المقاصد الخمسة للشريعة، .. والتي لم يستنكرها علماء المسلمين، بل استحسنوها، وعضدوها، ومن ثم، فهي مشمولة في دراج علوم الشريعة وتفسير القرآن، .. أما وأن (حاج حمد) يقصر عليها فهم آيات القرآن، ويمنع القراءة التفصيلية، التي يسميها الثنائية، ويستنكرها، فهذا ما يمكن أن يتولد عنه إشكال كبير في الفقه الإسلامي، لأن جُل مسائله يُصنّف في هذا النوع التفصيلي الثنائي، بل إن تعريف الفقه ينص صراحة على ذلك، كما ورد في عدد كبير من علماء الإسلام، فنجد أن واحداً من أشهر تعريفاته، أنه[27]: [العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية] .. ولا مراء في أن الأحكام الشرعية في القرآن هي من هذا النوع. وإذا كان الأمر كذلك، فسوف يؤدي كلام (حاج حمد) إلى تفكيك الفقه الإسلامي، وهدم بنائه بإنكار وضعية الأحكام وتفصيلاتها في استنادها إلى نصوص الآيات على نحو تقابلي صريح.
وربما تكون قراءة (حاج حمد) المنهجية أو المقاصدية أقرب إلى أصول الفقه، وبما لا تستبعد القراءة التفصيلية كما ذهب هو، فيكون إسهامه بذلك واقعاً في بسط القراءة الأصولية الفقهية، إلى موضوعات حضارية في الاجتماع والاقتصاد والسياسة، .. أي في فيما وراء حمى الفقه التقليدي وأصوله والمتعلق بالمكلَّفين.
 وإذا تساءلنا، ما هو الدافع وراء موقف (حاج حمد) هذا الذي رأيناه؟! .. وإذا استعرضنا مقولته التالية، فسنجد أن دوافعه كانت فلسفة قِبلية صاغ على أساسها معالجته أو قراءته للقرآن، يقول[28]:
هناك إمكانية القول بتماثل ما بين التوسطات الجدلية بين المطلق والنسبي والموضوعي، ومقولات الأمر والإرادة والمشيئة، بالمنظورات التراثية (الذت والصفات والأفعال الإلهية). غير أن مظنة التماثل هذه لا تأخذ بالقدر الكافي مفهومنا في التوسطات الجدلية النافي للسلب، سواء على مستوى جدل الإسنان أو جدل الطبيعة، إذ يقود مفهومنا إلى نتيجة مؤداها أن الله سبحانه (أزلي) فوق المطلق، في حين تتحقق الإطلاقية على مستوى الإنسان والكون وعلى مستوى الوحي القرآني أيضا.
فالإنسان مخلوق ممتد، أي سرمدي حيث بدأ وجوده بالموت وبدأت حياته بالماء، ثم يستمر سرمدياً. وكلك الموت سرمدي يبدأ بالرتق ثم يستمر سرمدياً حين تبدل الأرض غير الأرض والسموات غير السموات.
قد تبدو هذه الرؤية متماهية مع (عرفانية)، أو (إشراقية)، غير أن الفارق بينها وبين العرفانية والإشراقية يكمن في (الفلسفة الكونية – والتوسطات الجدلية – والجمع المنهجي بين القراءتين – وإطلاقية الإنسان والكون).
فالعرفانية تنتهي بالضرورة – الاستدلاية – إلى (تأليه) الوجود، أو التوحد أو الحلول، غير أننا نأخذ بمنطق كوني جدلي مختلف، (فالأزلية الإلهية) تحول دون العرفانية، وهي أزلية لا تتماهى حتى مع المطلق، وإلا أفنته في حال التداخل معه، وذلك ما ظهر من الأزلية في حال التجلي لموسى والجبل.
فالأزلية تعبير عن "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ" فليست قابلة للحلولية أو حدة الوجود، ولكنها أزلية غير مفارقة، إذا تملك قوى التفاعل الجدلي مع المطلق الإنساني والكوني "وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" عبر التوسطات الجدلية "إِنَّمَا - أَمْرُهُ - إِذَا أَرَادَ - شَيْئًا/ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"(يس: 82). فالله الأزلي ليس مفارقاً بالثنائية "رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ" وليس حالاً في الوجود.
ورغم أن هذه الفقرة محل نظر ومراجعة، إلا أنه يتبين منها معنى "الإطلاق" الذي يُصنِّف إليه (حاج حمد) كل من: الإنسان والكون و(الوحي القرآني)! .. رغم أن القرآن كلام الله تعالى، ولا يجوز مساواته أو مضاهاته مع الإنسان والكون في رتبة واحدة. الأمر الذي كان بستدعي إلحاق كلام الله تعالى به سبحانه، وليس بشيء من خلقه؛ إنساناً كان أو كوناً.  
وهذا الإطلاق الذي ينادي به (حاج حمد) يجعل من المتقابلات الثنائية المتعينة تفاصيل تخدش الإطلاق، .. فكان عليه ان ينفيها، وإلا اختلت بها فلسفته القِبلية، أو بالأحرى نظريته. لذا رأى أن يصف قراءته للقرآن بـ (الكونية) أقرب من أن يقرأه بالتفسير أو التأويل، فجاءت قراءته أقرب إلى المقاصد، منها إلى التفسير. ولكنها تشتط أحيانا وتصل إلى رمزية موغلة، فكان من أمثلة ذلك الإيغال في الرمزية قوله[29]:
تؤدي القراءة المنهجية للقرآن إلى تحديد فحوى الدلالات الوسيطة والرمزية في لغته، بحيث يوضع عنها الالتباس والغموض، كمثال ما يرد من حروف في مطالع بعض السور، وهي الأربعة عشر حرفاً الأصلية في الأبجدية دون تنقيط، والتي تفصل المحتوى القرآني على ضوء الموضوعات الكلية، هي ثلاثة موضوعات كلية رئيسية تتفرع إلى أحد عشر علما. فالموضوعات الرئيسية تشمل التوسطات الجدلية في الفعل الإلهي (المطلق=الأمر=أ) و (النسبي=الإرادة=ل) و (الموضوعي =المشيئة=م). ثم يتفرع كل موضوع رئيسي إلى العلوم التي يتضمنها، فالموضوعي يتضمن (ن=الجمع بين القراءتين)، والنسبي يتضمن (علم الرؤيا=ر) والمطلق يتضمن (علم الروح=ع) و(الوحي=هـ).
وهذه مجرد أمثلة تنسحب على كافة الأحد عشر علما. وتقتضي دراسة هذه العلوم ثلاثة مجلدات يحتوي كل مجلد منها على الأصل وتفرعاته. وهذه الدراسة ترتبط بمحددات منهجية دقيقة جداً، ولا علاقة لها بأي تأويل أو عرفانية. ... ثم أن هذه الدراسة هي مدخلنا إلى (الفلسفة الكونية) وإلى مطلق الوحي كمعادل موضوعي لمطلق الإنسان ومطلق الكون في مرئياتها واللامرئياتها، فالكونية المطلقة تتجاوز الوضعية والموضوعية معا، وتستوعب ثم تتجاوز كافة المداخل والمحددات النظرية العلمية لأنها تأخذ بمنطق الصيرورة الزمانية في التكوين اللامتناهي في المكان.
وأقرب وصف لها المنحى في التفسير الرمزي هو الغنوصية - كما وصفه (محمد عمارة) تماماً، حين قال [30]،[31]: [هذه ألوان من التفاسير شديدة الغرابة – بل هو تفسير صوفي باطني، فنحن نقرأ لابن عربي حيث نجد أشياء ذات خيال بديع، ولكن لا علاقة له بهذا الدين، ومعروف أن هناك نسقاً باطنياً عرفانياً، بل وغنوصياً .. ونحن نعرف كيف بدأت الغنوصية ونشأت في الديانة الشعبية الاسرائيلية، والأفلاطونية الحديثة، والمذاهب الفارسية وكيف أفسدت المسيحية، وكيف حاولت أن تفسد الإسلام .. ونظرية وحدة الوجود إلى آخر هذه النظريات المهروفة ..] .. بل وصل الأمر إلى الحد الذي قال فيه (محمد عمارة): [مثل هذا الفكر إذا ارتبط بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي فأعتقد أن الكثيرين الذين يحرصون على علاقتهم بالمعهد يجبرون ويُدفعون دفعاً إلى قطيعة معه.] .. وقال أيضاً في نفس المعنى[32]: [لا بد أن أقول أن بيني وبين هذا الفكر قطيعة فكرية ومعرفية، لأن هذا الدين الذي نتدين به مسئولية، ولا بد أن نكون صرحاء.].
و في الحقيقة لا تخرج قراءة (حاج حمد) للقرآن أيضاً عن إمكانية تصنيفها ضمن التفسير والتأويل، وإن كانت على نحو كلياتي، أو شمولي، أو تعميمي، أو (كوني – كما سماها هو)، وفي بعض منها على الأقل كما رأينا من تطبيقاته أعلى، ولكنها تهبط إلى أشباه التفاسير العلمية في بعضٍ آخر منها، حتى ولو كانت جانحة، كما نرى منها في مثل قوله[33]:
ضمن كلية القرآن نأخذ في الاعتبار الآيات التالية التي تفك وحدة الزمانية-المكانية التي تم فيها الخلق:
1) "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ"(الأنعام:2)
فالآية هنا تنص على (الأجل) كعنصر توقيت زماني يمتد ما بين الطين وإلى التكوين البشري.
2) "يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ"(الانفطار:6-8)
فهناك أجل مُسمّى بين الطين والخلق البشري، وفي هذا الأجل المسمى/تسوية ثم اعتدال، والتسوية تنصرف إلى معنى التكوين، غير أن اقترانها بالاعتدال تعني مضمون الشكل، أي السابق على الاعتدال، ثم تعدد الصور الإنسانية بمؤثرات التكوين الطبيعي الموضوعي (ما شاء=مشيئة) والتركيب لا يعتكد الاستنتاج الدارويني، بحصر الإنسان في سلالة القرد، ولكن (في أي صورة ما شاء ركبك). ..
 ، وكذلك قوله[34]:
"اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (الطلاق:12)، فكل نتاج هو ثمرة كونية متفاعلة وليس محكوماً فقط بتفاعل العناصر الموضعية الجزئية التي تخضع مطلقاً للمختبر الأرضي المحدود. بما في ذلك خلق الإنسان وقواه العقلية والنفسية، وتنوع وتعدد الظواهر الطبيعية، فكل ما في الأرض هو نتاج تفاعل كوني بين اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر "يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ"
فهذا أيضاً شكل من أشكال التفسير العلمي، بل وفيها من الاستطرادات غير المدعومة، وتفتقر إلى الاتساق والاستدلال، وتزعم لاتناهي غير محدود وغير نسبي، وكل هذا يقلل من قيمتها التفسيرية (العلمية) ويجعلها محض رأي ضعيف أو فضفاض في أحسن أحواله. فلِمَ يعادي (حاج حمد) التفسير العلمي الذي يغرق فيه أحيانا، وعلى نحو غير منهجي على خلاف زعمه، حتى وإن جعل له من العمومية والإطلاقية ما سماه به (الكونية)! بل حتى وإن أعقب قوله السابق بما قال فيه[35]:
هنا تفترق الفلسفة الكونية القرآنية والتي تأخذ بهذا التفعيل الكوني في إنتاج الظواهر، المرئية وغير المرئية، عن الفلسفات الوضعية الجزئية، ويختلف بالتالي المنظور الكوني للقوانين الطبيعية ونظرياتها. فالفلسفة الكونية إذ تأخذ بالضوابط العلمية في دراسة خصائص المواد وتفاعلاتها إلا أنها لا تقبل بهذه الضوابط كأساس معرفي مطلق للتصور الفلسفي الكوني، فالقوانين العلمية على مستوى التفاعل الكوني تأخذ بمنطق اللاتناهي والإطلاق وبما هو فوق التعميم وبأكبر من النسبية والاحتمالية.
ونستغرب .. لهذه الأقوال لـ (حاج حمد)، فمن أين جاء بأن القوانين العلمية على مستوى التفاعل الكوني تأخذ بمنطق اللاتناهي والإطلاق، وبما هو فوق التعميم من النسبية والاحتمالية؟! .. هذا كلام لا سند له، وإطلاقات من التعبير لا يمكن القبض على صدقها، فضلاً عمّا فيها من خلل وزعم باللاتناهي وما هو أكبر من النسبية والاحتمالية .. .. إن أشد فلاسفة العلم غلوّاً في التفلسف لا يذهبون إلى هذا الحد في وصف القوانين العلمية، .. بل يضعون نطق صلاحية القوانين في إطار تصديق التجريبيات والرصد. ومن شذ عن ذلك بإطلاقات غير متناهية، فسرعان ما ينكشف لا-علمية كلامه، وتجاوزه الحدود المعتبرة في التنظير القيم، إلى شرود ميتافيزيقي، لا يفضي إلى شيء. فكيف يستشهد (حاج حمد) بالشارد من القول، على قيمة القوانين العلمية، فتكون ذريعة لتعالي (فلسفته الكونية القرآنية – حسبما يُسميها) على تلك القوانين، في وقت أن فلسفته أكثر اتصافاً والتصاقاً بما شوه به صورة التقنين العلمي الذي يتعالى عليه!!!
وإذا كان في كلام (حاج حمد) الكثير من  التصريحات التي لا نقبلها، إلا أنه يشاركنا ونشاركه القول حول رحابة المعاني القرآنية، وراء حدود معارفنا دائماً، وتكشفها مع مرور الزمن وتحول المتشابه فيها إلى محكم، يقول[36]:
كما حفلت الطبيعة بما كان يبدو لغزاً، وكما أحيط السلوك الإنساني بكثير من الأسرار ثم تكشَّفت الأمور تدريجياً عبر تطور المعارف البشرية وتطور أساليب الاستقراء، هكذا يكون المرء مع المادة القرآنية، عبوراً من البسيط (ولقد يسرنا القرآن للذكر) إلى المعقد (منه آيات متشابهات)، وكذلك إلى ألف لام ميم.
نقد إسلامية المعرفة وعزو لغياب المنهج:
ينتقد (حاج حمد) تجارب إسلامية المعرفة نقداً شديداً ويكاد يتهمها بالفشل في آداء رسالتها، ويعزو ذلك إلى خلوها من المنهج الذي ترتكن إليه، وبما يبرر به (المنهج الكوني) التي أتى به ويدعو إليه إنقاذا للموقف، يقول[37]:
يتراوح الشارحون لبدايات هذا العلم والمعقبين عليه، في النظر إليه كمدخل معاصر لما تُستحسن من علوم وفلسفات "حديثة"، بهدف استصحابها في الدراسات الإسلامية الجارية، مع تأصيلها، باتخاذ مرجعيات لها في التراث الإسلامي.
لهذا عوملت إسلامية المعرفة حتى من قبل المؤلفين فيها ككم مضاف لذات التراكمات التراثية، ولكن بلغة العصر السائدة اليوم، فجاءت الدراسات والأوراق لتبسيط مفاهيم حول "الوسطية" أو التوفيق (أو) التلفيق بين الدين والعلم، أو بين المفاهيم السياسية الإسلامية والغربية، وتم "ابتداع" علم نفس إسلامي، وعلم اجتماع إسلامي، وعلم اقتصاد إسلامي، وتنمية إسلامية، ولازال الجهد ممتدا، بمنطق الإضافة إلى التراكم التراثي الكمي والاستصحاب (باصطلاح أصول الفقه).
بهذا لم يتم النظر إلى إسلامية المعرفة كمنهج علمي يتميز "بتجديد" "نوعي" "مميز" عن مناهج التراكمات السابقة. وموازي في جدته النوعية للعلوم والفلسفات الحديثة ومكافئ لها.
وبموجب هذه النظرة التي حكمت إنتاج إسلامية المعرفة اتفقت معظم الكتابات التحليلية النقدية الحديثة على أن إسلامية المعرفة هي محض "تركيب تلفيقي" بين علوم وفلسفات معاصرة، ورؤى دينية تاريخية، لا تمت بصلة "لأدوات المعرفة" التي أنتجت العلوم والفلسفات الحديثة.
فإسلامية المعرفة – في تقدير هؤلاء – ذات جذور لاهوتية تخطاها الفكر الوضعي الحديث، وتخطاها بعدها الفكر الماورائي للطبيعة أيضاً، وأن مآلات إسلامية المعرفة – في أحسن الحالات - هي "قلب المؤمن" ولا سبيل لها لابتداع العلوم المعاصرة التي تدعيها من فلسفة وعلوم الطبيعة والإنسان والمجتمع ولا غيرها.
وبهذا يُحْكَم على إسلامية المعرفة بأنها محاولة تلفيقية ساذجة وبدائية لإحياء مقولات أيديولوجية ذات مضمون فكري تاريخاني أحدث التطور العلمي المعاصر معه "قطيعة معرفية".
وبالذات أن مصطلح العلم science ومبادئه ونظرياته التي تقوم على التجريبية لا تنسب إلى دين وقومية، فليس هناك نظرية معرفة إيطالية أو أسبانية، كما أنه ليس هناك نظرية نسبية في الفيزياء الإيطالية دون غيرها من الفيزياء الألمانية، وليس هناك نظرية جاذبية صينية بخلاف نظرية الجاذبية اليونانية، وتبعاً لذلك ليس هناك علم اجتماع صيني وآخر هندي، أو علم نفس مسيحي أو يهودي أو بوذي أو كونفوشيوسي.
هؤلاء يعتمدون في محاجتهم "الموضوعية تماما" هذه على نفس الكتابات الصادرة عن شراح إسلامية المعرفة، سواء في علم الاجتماع أو التاريخ أو فلسفة العلوم الطبيعية، والتي عرضنا لنمطيتها، سواء على مستوى استعارة الألفاظ، أو التوفيقية أو الوسطية أو التأصيلية.
فهذا النوع من الشروحات والكتابات إذ جرد إسلامية المعرفة عن أي منهج ضابط لها، فإنه قد شوّه مناهج الآخرين أيضاً سواء في العلوم الطبيعية أو الإنسانية، وذلك حين قارب ووفق، وحتى أصَّل بلا منهج.
فمهما كانت "نسبية" ما تتمظهر به المقاربات مع نتاج المناهج الغربية وما يحتمل التأصيل تراثياً، فإن ميزان هذه النسبة المفترضة – يجب أن يخضع مسبقاً لمعرفة دقيقة بمنهجية إسلامية المعرفة والمنهجيات الأخرى، كل في داخل نسقه وتركيبه.
من بعد معرفة وإدراك ذلك، إدراكاً علمياً وفلسفياً، تؤخذ المقاربات – إن وجدت – بمنطق  الاستيعاب ثم التجاوز  - كما يؤخذ التأصيل بمنطق منهج إسلامية المعرفة في التجديد النوعي وليس الاجتهاد التراكمي.
فقد جاءت تلك الدراسات "توفيقية" و "تلفيقية" و "وسطية" و "استعارية" و تأصيلية" وما شابه ذلك نتيجة افتقارها أصلاً لمنهج معرفي محدد في النظر لإسلامية المعرفة، ولاستخدام "أدوات معرفية" واضحة لإعادة فهم القرآن والسنة النبوية، وتحديد الموقف من تاريخانية التراث الديني بخلاف القرآن، والموقف المنهجي من الحضارة الأوربية الغربية. فالناظر لنوعية الدراسات التي نسبت لإسلامية المعرفة لا يجد فارقاً كبيراً بينها وبين الاجتهادات الجزئية لمرحلة فكر الإصلاح والنهضة (1839 / 1840) وكذلك مرحلة التنويرية السابقة ما بين القرنين الرابع والثامن الهجري في العصر العباسي، وبعض اجتهادات فلاسفة وفقهاء الأندلس والمغرب، بل أن تلك الكتابات (كانت) أكثر "جهدا" و"عقلانية" مما انتهت إليه بعض كتابات إسلامية المعرفة المعاصرة، والتي لا تتناسب مع متغيرات زمانها ومكانها.
جمع (حاج حمد) في هذه الفقرة الطويلة سيل من الاتهامات والانتقاصات لإسلامية المعرفة من مصادر خارجة عليها، ولم يبدو واضحاً أنه مؤيد أو معارض لها، لكنه أعاد الإشكال إلى المنهج، فهل إذا اعتمد المعنيون والمنخرطوت بممارسات إسلامية المعرفة منهجه (الكوني) .. هل كانت تلك الإشكالات التي أثيرت في وجه إسلامية المعرفة لتزول؟! . .. لا نظن. .. فمنهجه لم يكن إلا منهجاً فلسفياً، وإن ضمّن فيه ما سماه تطبيقات، إلا أنها غير ذات ثمار يمكن بها أن تصنع مساقات علمية ذات نتائج معرفية يمكنها أن تنازل بها المساقات المعرفية الغربية المستقلة عن إسلامية المعرفة.
وقبل أن نُدلل على عدم جدوى منهج (الكونية) للـ (حاج حمد)، علينا أن نحلل تلك الاتهامات والانتقاصات التي ساقها (حاج حمد) أعلى ضد إسلامية المعرفة، حتى ولو كانت بإسم آخرين، وأنه إن كان من إشكال، فهي في المنهج والتطبيق جميعاً الذي سارت عليه أسلمة العلوم، وأنه حسب تقديراتنا لن يكون العلاج في منهج (حاج حمد) ولا طريقته في تطبيقاته:
وإذا تفحصنا تلك الاتهامات والانتقاصات المثارة أعلى ضد أسلمة العلوم، نجدها تتمحور حول ما قيل أعلى من أنه [اتفقت معظم الكتابات التحليلية النقدية الحديثة على أن إسلامية المعرفة هي محض "تركيب تلفيقي" بين علوم وفلسفات معاصرة، ورؤى دينية تاريخية (ذات جذور لاهوتية)، لا تمت بصلة "لأدوات المعرفة" التي أنتجت العلوم والفلسفات الحديثة (أي: تخطاها الفكر الوضعي الحديث). ومن ثم: جاءت تلك الدراسات "توفيقية" و "تلفيقية" و "وسطية" و "استعارية" و تأصيلية" وما شابه ذلك، نتيجة افتقارها أصلاً لمنهج معرفي محدد في النظر لإسلامية المعرفة]
ومعنى ذلك أن محاور الطعن في إسلامية المعرفة هي:
1- أن إسلامية المعرفة ليست إلا تركيب تلفيقي من محتوى ديني، ومحتوى علمي وضعي.
2- أن المحتوى الديني ليس إلا رؤى تاريخية ذات جذور لاهوتية.
3- أنه ما من صلة تربط بين المحتوى الديني والمحتوى العلمي الوضعي.
4- لم يوجد منهج معرفي محدد في النظر لإسلامية المعرفة.
ويمكننا التدليل على أن إسلامية المعرفة من حيث المبدأ – وليس التطبيقات الأولية – بريئة من هذه الطعون.
فالقول بأن المحتوى الديني ليس إلا رؤى تاريخية ذات جذور لاهوتية، رقم (2) أعلى، غير صحيح، حتى وإن ظهرت اصطلاحات "الخلق"، و"الإبداع"، والإحكام، و"الغائية"، و"الحكمة"، والتي نألف لها مقابلات وتشابهات في العلوم الوضعية مثل البزوغ emergence، و الاتساق consistency، و الوظيفية functionality، والارتقاء evolution، والحكمة intelligence، حتى وإن غفل عن العلاقة بينهما من أنكر بدايةً وجود الإله، سبحانهن أو أعرض عن ذكره، فضلّ الطريق الأرحب للعلم والفهم.
أن المتشابهات من آيات القرآن لم ينغلق تفسيرها على ما جاءت به كتب التفسير التراثي. حيث أن تلك التفسيرات لم تكن أكثر من محاولة الأولين لفهم هذه الآيات وتدبرها، وبقدر ما وسعتهم ثقافتهم. فإذا تم التعرف على علاقات صريحة بين هذه الآيات وظواهر طبيعية لم تكن معلومة من قبل، يسقط الطعن رقم (3)، وذلك بعد تكشّف متعلقهما الكوني بالرصد والنظر التحليلي، لم يكن المحتوى القرآني المتمثل في التفسير الجديد والداخل في إعادة تركيب الفهم العلمي لتلك الظواهر، لم يكن محض أثر تاريخي، ولم يكن محض كلام لاهوتي في مسائل غيبية بعيدة عن التناول والتحقيق، كما قيل في الطعن رقم (2). وإذا كان المنهج المتبع في خمسين عاماً في إسلامية المعرفة غير مثمر على نحو صريح أو مشهور، فليس هذا بدليل على انعدام المنهج الأصوب، لأن خمسين عاماً من تنقيح أفهام الناس ليست شيئاً في تطور الفهم الإنساني، خاصة وأن القرآن يتطلب من قرائه التدبر، والنظر الكيفي، وهذا يتجلب التأهل والممارسة وانتقاء مناهج متبدلة والاستمساك بما يحقق النتائج المثلى، وهذا ولا شك يتطلب زمناً. وخلال هذا الزمن، وحتى يستوي الأمر على منهج جيد، يتعثر الباحثون، وقد توصف أعمالهم بالمحاولات التلفيقية، أو التوفيقية أو الاستعارية أو التأصيلية .. ولا غرابة في طرق كل باب لاختبار ما وراءه، وطرح المحاولات وتلقي الآراء والانتقادات .. ولا يُغلق الباب أمام العلم والتعلم والبحث والتنقيب، وإلا لكان باب العلم دق أغلق قبلنا بما لا ندري من زمن!
أما المنهج الذي نراه أمثل من كل ما قرأنا عنه من مناهج حتى الآن، فهو في أبسط توصيفاته (حل معادلتي القرآن والكون فيما اشتركا في النطق به، وكل ما يلزم عنه ضرورة أو احتمالاً بقدره) وهذا المنهج قد أثمر عددا من النتائج الإيجابية، سواء في الإثبات أو في النفي. فأما الإثبات فقد أدرجناه تحت عنوان [أطروحات جديدة في التفسير العلمي] وأما النفي فقد أدرجناه تحت عنوان [أطروحات متهافتة في التفسير العلمي]، هذا بخلاف عشرات المسائل القابلة للمعالجة على نفس المنهج، وبرؤى واعدة، سواء على المستوى التفسيري الجديد، أو على مستوى الاستبصار بـ - بل والاكتشاف لـ - تفاصيل علمية واقعية لم تكن معلومة أو محسومة.
أما منهج (الكونية) الذي جاء به (حاج حمد) فهو منهج فلسفي وليس علمي، وهو كما وصفه صاحبه وقال فيه[38]:
قضية أسلمة المعرفة هي بحث العلاقة الجدلية التي تربط ما بين الغيب الإلهي والإنسان والطبيعة، وهي علاقة "تداخل" وليس علاقة "تضاد"، ولكنها أيضاً ليست علاقة "حلول".
يعطي القرآن الكريم والمكنون والمجيد فهماً محددا لهذه العلاقة بوصفها فعلاً إلهيا على ثلاث مستويات مركبة: أولها: الفعل الإلهي في عالم "الأمر المطلق": (عالم يماثل في أمره المتعالي قول العبد الصالح للنبي سليمان لما طلب عرش ملكة سبأ: "قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ"(النمل:40)
وثانيها: الفعل الإلهي في "عالم الإرادة النسبي": وهو عالم مماثل يأخذ في إرادته مشاركة الإنسان بقدراته: "وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا"(الأعراف: 60)
وثالثها: الفعل الإلهي في عالم المشيئة الموضوعي، حيث جدل الإنسان وجدل الطبيعة ومناهج الاستقراء والاستدلال "لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ"(يس:40).
....
وليس بين هذه العوالم للفعل الإلهي انفصال، وإنما وصل وليس "حلول"، حيث تتولد المشيئة والتشيؤ عن الإرادة، وتتولد الإرادة عن الأمر: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"(يس:82)
فمهمة إسلامية المعرفة البحث في علاقة هذه العوالم الإلهية الثلاثة للفعل ببعضها من ناحية وتأثيرها المتصل بالكونية المطلقة والإنسان المطلق عبر صيرورة من ناحية ثانية ليتاكد الحضور الإلهي بقيومية دائمة في الوجود الكوني وحركته.
وكما هو واضح أنه أولى بمثل هذا الكلام الفلسفي أن يُدرج ضمن "علم الكلام" التاريخي، حتى وإن كان بلسان اصطلاحي جديد، لأنه أسلوب حكائي لا يمكن أن يحسم أو يرجح قولاً أو رؤية أو تفسيراً في أي مسألة، إلا إذا عالجها معالجة تفسيرية ترجيحية أو حسمية، ولكن كيف وقد نفي صاحب هذا الكلام القيمة عن التفسير والتأويل العلمي، وهي الآليات الوحيدة للفهم على مستوى المنهج، فأنَّى له أن يستدل على شيء بدونهما؟!
ولنرى إلى أي حد سخر (حاج حمد) من التفسير العلمي، بل وبما وراء الواقع، وحدود اللياقة، نقرأ له يقول[39]
أما الذين يصرفون الأسلمة إلى "طب نبوي" و "أعشاب إسلامية" و"سيارات إسلامية" و "كيمياء إسلامية" و "مصارف إسلامية" فليسوا من الأسلمة في شيء، وكذلك الذين يصرفونها إلى "الوسطية" وما يشابهها.
فإسلامية المعرفة ليست معنية نهائياً بالقوانين العلمية التطبيقية، والتي هي نتاج مشترك لكافة الحضارات الإنسانية منذ العصر الحجري وإلى الثورة الفيزيائية المعاصرة والمركبة الفضائية، فليس هناك "سيارة إسلامية" أو زجاج إسلامي وإنما هناك "منهج فلسفي" يوازي المناهج الفلسفية الأخرى، فماركس لم يدّعِ أن هناك "عجلة ماركسية"، وكذلك لا ندعي نحن كذلك في إسلامية المعرفة، فليس هناك "كيمياء" إسلامية أو "ميكانيك" إسلامي.
فإسلامية المعرفة لا تعني "تشييخ" المعرفة بوضع "عمامة" على رأسها، أو "نقصر" جلبابها، و "نحف" شاربها، ونطلق لحيتها.
إنها ببساطة: "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"(غافر:56-57)
نقول أنه برغم ما قرأناه لتوِّنا من معاندة "الإسلامية التفسيرية للمعرفة" بأشد معانيها سذاجة، وهي الشكلية الإسلامية، والتي لم نسمعها من قبل، ويدِّعيها أحد في حدود علمنا، أللهم من المتهكمين عليها، من عند أنفسهم، حتى وإن وجدنا في النصوص ما قد يتمسح به الساخرون، مثل قوله تعالى "صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً"، والتي إن فعلوا لكانوا أبعد الناس عنها فهماً، إلا أننا سنجد (حاج حمد) يُقر بعد قليل صراحةً، بالفعل الاستحواذي للحضارة الغربية – وبكل محمولاتها الفلسفية والاستعمارية – في إطار السلوك الإنساني التسلطي. وهو كلام يُناقض قوله السابق بحيادية العلم، وأنه لا علاقة له بالجنسية والقومية والاعتقاد والجنس واللون والعرق واللغة .. إلخ. فكيف يثبت هنا للغرب الاستحواذ الحضاري الأيدلوجي بكل الوسائل بما فيه صبغة العلم المحايد – في نفسه- بالأيدولوجيا الغربية، في وقت نفي من قبل عن العلم الغربي أي لونية جنسية، حين قال لا يوجد علم إيطالي ولا فيزياء صينية ولا ... إلخ، ثم يأتينا ويقول أن ي  يعتبر معايرة العلم بالمعايير القرآنية حيدة به عن حياديته، بدلاً من أن ينتبه إلى أن معايرته بالقرآن الذي هو كلام خالق الكون، عودة به إلى حياديته الحقة، وتبرأته من الاستحواذ الغربي عليه وتطهيره من أيديولجيته؟!
يقول[40]:
(قانون الاستحواذ العضوي الحضاري) .. كل حضارة وعبر التاريخ .. تسعى لجعل العالم على صورتها، ذلك منذ أن أنشأت الهلينية مراكزها في الشرق الأوسط، وهذا ما يماثل في عصرنا الحديث تزامن انتشار الحركات التبشيرية بالمسيحية مع الغزو الاستعماري الأوربي، ثم سرعة انتشار اللغات الأوربية في العالم الثالث، وبالذات الانجليزية والفرنسية.
قد فرضت علينا أوربا أن نزرع ما تريده، وأن نُكيف مصير حاصلاتنا الطبيعية والزراعية على ضوء أغراضها الصناعية، وأن نكيف حياتنا على استهلاك منتجاتها وأن نبني نظمنا الدستورية والسياسية والاقتصادية وفقاً لمصالحها، فالعالم كله يجب أن يتحول إلى صور أخرى للمركز المهيمن، وبطريقة إرادية منظمة يضمن بها المركز المهيمن سيطرته على الهوامش.
نقول: أوليس العلم أحد أركان الحضارة وأهم مؤسسة من مؤسساتها، فكيف لا ينطبق عليه ما ينطبق على غيره من وسائل الاستحواذ على الشعوب، واضطرارها للدوران في فلكه حول الحضارة الأم المنتجة له؟! .. وما يؤكد ذلك قوله هو نفسه[41]:
قد أعد الله سبحانه وتعالى القرآن ليواجه هذه الأزمة في مرحلة دخول البشرية طورها العقلي الثالث، من بعد انحسار العقليتين الإحيائية والثنائية المتقابلة. فالحضارة العالمية في مرحلة الاستحواذ العضوي شبه الكامل على العالم ستفرض منطقها المنهجي المعرفي وستستهدف أول ما تستهدف الدين الإسلامي والقرآن نفسه بحكم موروث التغاير المنهجي بين العرب وأوربا ومن هنا تنبع ضرورة العمل ومنذ الآن في مجال أسلمة المعرفة وفي إطار الطور العقلي الثالث أي طور المنهجية والمعرفية وبأفق عالمي.
وبرغم هجوم (حاج حمد) على التفسير العلمي، إلا أنه إذا بدأ في محاولة أي فهم لآيات القرآن فهماً موضوعياً، سواء أصاب فيه الحق أو جانبه، لا يجد بُداً إلا أن يفسر الآيات تفسيراً علمياً، بمعنى أن أسلمة العلوم التطبيقية التي قدمها (حاج حمد) ليست إلا تفسيراً علمياً لا شك فيه! .. ونفرأ هنا – ملخص - تفسيره لـ (يأجوج ومأجوج)[42]بعد أن حلل المسألة وقدم حيثياتها (حول قول الله تعالى عن ذي القرنين "حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا، قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا، فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا"(الكهف:93-97).
قال (حاج حمد):
القوم لا يفقهون قولاً، وفي ذلك الزمن الغابر إنما تمضي عقولهم بتمثل الظواهر تمثلاً أحيائياً، يؤلهونها في ذاتها. فوجهوا الخطاب بصورة العاقل إلى ظاهرتين طبيعيتين قاهرتين لأراضيهما الزراعية في ذلك الأخدود الجبلي الضيق. الظاهرة الأولى وهي (مأجوج)، والمأجوج هو (الماء) الذي يتموج فيصبح ماءاً ممجوجا، بالغ الاندفاع، وهو الطوفان أو الفيضان المحمول بقوة الأعاصير. ثم هناك الظاهرة الثانية وهي (يأجوج) والمتأجج يكون ناراً عاصفة كثيفة تلقي بحممها عليهم فلا يستطيع الإنسان مداناة لهيبها، فالقوم لا يكادون يفقهون قولا، يشيرون بذعر إلى هذه القوى الطبيعية الهائجة التي لا تقرب، براكين، وحمم، وفياضانات وعواصف فخاطبوها بلغة العاقل " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ "، وخاطبوها بلغة الجمع، فعوضاً عن الإشارة إليهما بأن يأجوج ومأجوج مفسدان، جاءت العبارة (مفسدون) لتعدد ظواهر القوى الطبيعية المائجة والمتأججة، وساق القرآن نفس صيغة الجمع للدلالة على تلك الظواهر " فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ " فقد حبس لذلك السد الحمم السائلة فلو كان ترابيا ولم يكن حديدياً لنقبته الحمم البركانية. وقد تضمنت الآيات الإشارة إلى الطبيعة البركانية لذلك الأخدود الجبلي حيث طلب ذو القرنين منهم (زبر الحديد والقطر) وهي مواد ترتبط بجيولوجية تلك الأرض البركانية.
إذن، فيأجوج ومأجوج هي قوى الطبيعة الثائرة، من مصدري الماء والحمم، تنهال على شعوب ما بين السدين، ولوقفهما يكون السد من زبر الحديد والقطر فلا يظهره الماء بالعلو عليه فيفيض إلى ما دون، ولا تنقبه حمم البراكين في أسفل الوادي الأخدودي.
وإذا استعرضنا مثالاً ثانياً لتفسير (حاج حمد) العلمي، الذي ينكره نظرياً ويطبقه عملياً، فسنجده يتكلم (حاج حمد) عن النظرية النسبية – على نحو يتشتت معه القارئ، وتتخبط المعاني، وتزلق الدلالات، وتتوالى الأخطاء! .. لهذا نكتفي بمقتطفات من كلامه في ذلك، تشير إلى ما وراءئها من كثرة لا فائدة فيها، تصل إلى عدة صفحات متناثرة.
يقول[43]:
المطلوب حين أسلمة معرفة النسبية أن نأخذ بهذه النظرية للكشف عن مؤثرات اختلاف التركيب للظاهر الكونية في المجموعة الشمسية كلها حين يتم إنشاء الظواهر الكونية الأعقد بما فيها النفس، فحيث ما كان الوجود وظواهره، هناك قوانين ثابتة، تطبق في القمر وتطبق في الأرض، ضمن مجالها، والنسبية هي فقط اكتشاف نسبية قوانين الأرض الطبيعية إلى قوانين القمر وكلاهما ثابت في مكانه (ونسبي) في علاقته بالمجال الآخر، فلا معنى للفلسفة الاحتمالية أبداً ولا معنى لمفهوم العلم الاتفاقي.] ويقول أيضاً[44]: [العلوم الطبيعية عجزت حتى الآن عن فهم "النفس" ومتعلقاتها من خلال بحوثها البيولوجية والفيزيائية فالداروينة .... (وفي البحوث الفيزيائية قال:) عجزت نسبية أينشتاين عن فهم منعكسات تغير القوانين الثابتة في كل مجال كوني عن مجال آخر بما يسهم في تطوير الخلق البايولوجي والفيزيائي إلى مدى "النفس".
 - ويبدو أنه سعى أيضاً إلى أسلمة معرفة "المكان والزمان" على طريقته، أي طريقة (الأسلمة الكونية): يقول[45]:
... مفهوم (المكان) علم فرعي من علوم عالم المشيئة، أي التأليف بين القراءتين. كذلك يأتي مفهوم (الزمن) في اقترانيته بمفهوم المكان كعلم متفرع من (التوحيد بين القراءتين) في عالم الإرادة، ..
ونلاحظ تمييزه بين (التأليف) و (التوحيد) بين القراءتين: أي القراءة القرآنية والقراءة الكونية .. علماً بأنه يميز ويفرق تفريقاً حاسماً بين (التأليف) و (التوحيد)، باعتبارهما اصطلاحان يدلان على (المشيئة)، و (الإرادة) ... أما (المشيئة) فيقصد بها السنن الكونية الطبيعية (أي قوانين الفيزياء على مانراها تفعل فعلها)، ولذلك نسب إليها المكان، أي باعتباره  مخلوقاً خلقاً مادياً. وأما (الإرادة) فيقصد بها مرحلة أو حالة تعلو على الوجود الكوني الطبيعي المخلوق، تتمثل فيها الإرادة الإلاهية، قبل أن تتشيأ في مشيئة مادية، وقد نسب (الزمن) إلى هذه المرحلة أو الحالة الفوق مادية. ومن الواضح جداً أن هذا التفسير لمعاني المكان والزمان تفسير باطني أو غنوصي .. ولا فائدة فيه في الحقيقة لأنه لا يقدم ولا يؤخر في فهمنا ... فضلاً عن أنه ربما يضللنا عن الحقيقة. .. وأقصى ما يمكن جَنْيُه منه فهو أن [(الزمان) غير مخلوق مثل (المكان)، وأنه أعلى رتبة وجودية منه]. وكان يمكن قول هذا الرأي فقط بهذه العبارة فوق الخط السابق، وباعتباره تفسيراً علميا – وهو رأي جيد إن دعَّمه بتبريرات طبيعية موضوعية – دون هذا التشويش المعرفي! لاصطلاحات غامضة، وملتبسة مع مضامين قرآنية شائعة، تُفارق ما اصلح عليه (حاج حمد) مع نفسه، وقد اجتهدنا لاستخلاصها من ثنايا كلامه الغامض.
- كما أننا نجد لـ (الحاج حمد) كلاماً – مما يُدرج في التفسير العلمي، الفاسد للأسف - عن التمييز بين طبيعة كونية وطبيعة أرضية، وعن لاتناهي في الصِغر والكِبر، يقول[46]:
ترشدنا القراءة الأولى – يقصد قراءة القرآن – بمنهجها الكوني على أن قانون الظاهرات الطبيعية وتخليقها وجعلها وصيرورتها لا يخضع بالمطلق للقوانين التطبيقية الحتمية التجريبية فقط، ولا لقوانين النسبية والاحتمالية فقط، وإنما لتفاعلات كونية وليست أرضية، هي التي أوجدت حالات التنوع والتعد اللامتناهيين في كون لا متناهي في الكبر: بما في ذلك خلق الإنسان نفسه: "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ"(غافر:56-57). فإعادة تقييم فلسفة العلوم الطبيعية تشكل مساقاً كاملا في إسلامية المعرفة بداية من تحليل ما ورد في سورتي "الرعد" و "فاطر" حول مصدرية هذا اللاتناهي في التخليق والصيرورة.
ولنا ملاحظة أولى هنا، وهي أن هنا شيئين يجعلان من لفظ (كون) عند (حاج حمد) شيئاً مفارق لما نفهمه نحن من "الكون" الذي يعني السموات والأرض، الأول: قوله (تفاعلات كونية ليست أرضية) وهو تمييز يشبه تمييز الفلاسفة القدماء عن وجود طبيعتين في الخلق، الطبيعة الأولى هي طبيعة الفساد ومكانها تحت فلك القمر، ويقصدون بها الطبيعة الأرضية التي نعهدها، والتي يغلب عليها الميل الدائم إلى الفساد، والذي أمكن التعرف علي نفس هذا الملمح في الفكر العلمي الحديث – دون قصره على ما تحت فلك القمر – بما يُسمَّى زيادة الأنتروبيا، على الدوام. أما الطبيعة الثانية فهي الطبيعة الكونية، أي طبيعة الأشياء، وهي تخص ما فوق فلك القمر، وهذه الطبيعة تخص السماء والنجوم والكواكب والأبراج النجمية .. إلخ، وكان الفلاسفة يظنون أن هذا العالم الفوقي لا فساد فيه، ولذلك سموه بإسم يضاد الفساد، وكان ها الاسم هو (الكون) أي غير الفاسد، أو باقي الكينونة لا يهرم. .. والسؤال هو: هل عاد (حاج حمد) ليُميز بين التفاعلات الكونية (السماوية أو الفوق سماوية) والتفاعلات الأرضية، عندنا  قال: (تفاعلات كونية ليست أرضية)؟! .. إن كان يقصد ذلك، بعد أن وحَّدت قوانين نيوتن بين طبيعة ما في الأرض وطبيعة ما في السماء من نجوم وأجرام – ودللت التجارب على صدقها –! .. لإن كان يقصد ذلك، فهي كارثة معرفية كبرى! .. إما إن كان معنى (كوني ) عنده يشير إلى (وجود شمولي لكل ما خلق الله تعالى) فلنا أن نتساءل عن قول (حاج حمد): (قانون الظاهرات الطبيعية وتخليقها وجعلها وصيرورتها لا يخضع بالمطلق للقوانين التطبيقية الحتمية التجريبية فقط، ولا لقوانين النسبية والاحتمالية فقط، وإنما لتفاعلات كونية وليست أرضية) ونقول: من أين أتى بهذا الكلام، وما الذي يجعل الظواهر الطبيعية على الأرض تتطلب فيزياءاً  كونية وليست أرضية؟! ... ونرى أنه كلامه هذا إنتكاسة علمية وعودة ارتدادية، تعاكس صيرورة الكشوف العلمية، وتشوش على معنى (كوني) وتجعل منه وجوداً غامضاً وله تأثير على ظاهرات الأرض يشبه ما كان المنجمون يقولونه، ويربطون به بين أحوال النجوم ومزاجات الناس وأقدارهم وحظوظهم .. وهي أيضاً عودة غير محمودة لما قبل العلم الحديث بل لما قبل الإسلام الذي سبق العلم الحديث في نبذ هذه الترهات!!!
أما الملاحظة الثانية، فهي في تصريح (حاج حمد) باللاتناهي، وقوله: (تفاعلات كونية وليست أرضية، هي التي أوجدت حالات التنوع والتعد اللامتناهيين في كون لا متناهي في الكبر)، وقوله (إعادة تقييم فلسفة العلوم الطبيعية تشكل مساقاً كاملا في إسلامية المعرفة ... حول مصدرية هذا اللاتناهي في التخليق والصيرورة). ويبدو لنا أن استشهاده بقول الله تعالى " لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ " هو مرجعه للقول باللاتناهي، لأنه لم يأت بغيرها في هذا السياق. وإن كان الأمر كذلك، فلا نراه قد وُفِّق في هذا القول، وفي المرجعية التي استند إليها. بل إن قول الله تعالى " وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا "(الجن:28) يجعل كل شيء متناهي العدد، وهو أمر بالغ الظهور في الفكر العلمي الحديث، حيث أن اللاتناهي لا يدخل فقط إلى بالمعنى التقاربي الرياضي، أو بالمعنى النسبوي، أي التقريبي تبسيطاً للحسابات، وليس بالمعنى الوضعي التقريري كالذي أراده (حاج حمد) أعلى.
وفي قدح (حاج حمد) في شكلانية الأسلمة التفسيرية للعلم، ومدخل المقارنات والمقاربات يقول[47]:
قد يبدو للبعض أن القول بأسلمة المعرفة هو من قبيل سحب الانتماء الذاتي للدين على كافة الموضوعات بغض النظر عن عمومتها العالمية وذلك لشرعنة الانجاز الحضاري البشري – أياً كانت مصادره – واستلابه دينياً، أي بمنطق الاحتواء اللاهوتي الشكلي واللفظي.
ويستمد هذا التصور دلالته في اتهام (أسلمة المعرفة) من النهايات المأساوية لفكر (المقاربات) الديني الذي ساد بداية مرحلة عصر النهضة تحت ضغط الحضارة الأوربية، حيث تمت مقاربة الاشتراكية بالعدالة الاجتماعية في الإسلام، ومقاربة الشورى بالدستورية النيابية، ومقاربة مفهوم التقدم بالتمدن. وكذلك النهاية المأساوية لفكر (المقارنات) حين عقد المقارنة بين المرأة في الإسلام مثلاً والمرأة في الغرب.
وقد رد عليه جمال الدين عطية – رئيس تحرير مجلة المسلم المعاصر منذ نشأتها- وقال[48]:
[تناول الأستاذ أبو القاسم بالمقارنات والمقاربات أنا أوافقه على نقد هذا الاتجاه إذا كان المقصود منه محاولة جذب الإسلام إلى مذهب من المذاهب لإجراء المقارنة معه، ولكن هذا لا ينفي وجود مقارنات صحيحة ومفيدة، والمنهج المقارن لا يمكن أن نستغني عنه، أو أن نلفظه على أساس الاستعمال السيء من بعض الكُتّاب .. كذلك الإشارات التي أشار إليها في عدم قدرة البدايات التجديدية لمحمد عبده والطهطاوي .. ، فأنا أظن أنه من الظلم لهؤلاء أن نحكم عليهم خارج الإطار الزمني الذي كتبوا فيه ما كتبوا، ولا بد أن نعطيهم حقهم في المحاولة، وإلا سيأتي بعد أبي القاسم من يُشير إلى محاولته ويقول عنها كذلك ما قاله هو عمن تقدمه.]
كما رد عليه أكرم ضياء الدين – رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة – وقال[49]:
[والكاتب – أي: محمد أبو القاسم حاج حمد - له اطلاع على مناهج البحث، ومع ذلك فهو يهاجم منهاج المقارنات الذي يعتبر في العلوم الاجتماعية مثل التجربة في العلوم الطبيعية ولا زال معمولاً به في أحدث المناهج/ ولا يرفض العقل منهج المقاربات ولا المقارنات إذا حدث دون تعسف.]
ونقول: إن فكر المقاربات والمقارنات أن نجد خيراً في دين غيرنا أو منهجه أو مُنجزه، وقد زينه الـمُزينون، فإذا نظرنا في ديننا أو تراثنا، وجدنا مثله أو أفضل منه، وقد غفلنا عنه، أو ألفناه حتى نسيناه، أو غفلنا عنه، أو خبأه الله تعالى لزمانٍ لاحق، لم يكن قد حان أوانه .. لو كان الأمر كذلك لكان عيد الفطر وعيد الأضحى من المقاربات في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، عندما قال: (كان لكم يومان تلعبون فيهما وقد أبدلكم الله بهما خيرا منهما: يوم الفطر، ويوم الأضحى)، بل إن أمر المقارنات ليتعدى ذلك إلى المقارنة بين الدنيا وزينتها والآخرة وجائزتها، ويكفي أن نقتفي أثر قول الله تعالى "خَيْرٌ وَأَبْقَى" في كل آيات القرآن، وهو من أساليب التفضيل، والتفضيل كما هو معلوم مقابلات أو مقارنات، ومثال ذلك قوله تعالى "وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ"(القصص:60). ثم أن آليات الفهم والاختيار والترجيح بين المتنافسات من الأفكار والأفعال تقوم جميعاً على المقابلات والمقارنات، ومن كل الأطراف المتنافسة، ألم يقل أصحاب الربا " إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا" وهي مقارنة يستشهدون بها ظنوا في طرفيها التساوي، فأبطل الله تعالى حجتهم وقال سبحانه "وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا" والله تعالى لم يحرم الربا إلا لفساده، حيث قال في موضع آخر "وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ"(الروم:39) لأنه من أكل أموال الناس بالباطل. فكيف يستوي الربا والبيع؟! .. والنتيجة أيضاً فوق المقارنة، بل فوق المفاضلة، وخلاصتها أن البيع خير، والربا شر. لأن المقاربة أو المفاضلة تكون بين خيرين أو بين شرين، وقد أتى بها أصحاب الربا يزعمون المساواة، فكذبوا وفضح الله تعالى كذبهم. .. ونكاد أن نجد منهج القرآن في فضح الهابط والزائف والمخادع والمغتر هو منهج المقارنات والمفاضلات، من مثل قوله تعالى "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ"(الإسراء:9)، وقوله تعالى "قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"(القصص:49) .. والخلاصة أن محاولة (حاج حمد) في تسخيف منهج المقاربات والمقارنات والمفاضلات يصادم آليات رصينة في الفهم والعلم والمنطق، والاختيار بين الأصوب من المناهج، بل وصميم منهج القرآن الذي أثبت هذا المنهج في مواضع كثيرة تفوق الحصر، حتى أصبح مرتكز الحجة بين الحق وما هو دونه.
هذا وقد واصل (حاج حمد) كلامه وقال[50]:
ففشل فكر (المقاربات) الذي أراد أن يردم الهوة بين المسلمين والحضارة الغربية، وكذلك فشل فكر (المقارنات) الذي أراد توسيع الهوة، ومع تزايد تأثير الغرب في الواقع الإسلامي، كل ذلك أوجد حالة من القلق الفكري لدى بعض القيادات الإسلامية مما دفعها للقفز فوق منطق المقاربات والمقارنات لتتبنى (أسلمة) هذا الزاحف الغربي، فتحتويه بدل أن يحتويها وقد عجزت أمامه. ولا يكون الاحتواء في مثل هذه الحالة إلا شكلياً لأنه يتم ضمن حالة (دفاعية) قائمة على منطق العجز الحضاري من ناحية، وحالة (سلبية) مصدرها خوف الاحتواء من ناحية ثانية.
أيما طرفين يُفاضل بينهما، إما أن تكون المفاضلة حقيقية في تميُّز أحدهما تميزاُ حقيقياً، أو تكون المفاضلة زائفة يستبين زيفها لأهل الخبرة والعلم. لذا، لا يُنكر مبدأ المفاضلة في ذاته، بل فيما تبين من زيفٍ فيه إن ثبت، أو خيرٍ فيه أن استبان. والإشكال في احتجاج (حاج حمد) أعلى هو في إنكاره فقكر المقاربات والفاضلات ابتداءاً والتشنيع عليه، واتهام أصحابه بسوء النوايا – من العجز والقلق، ودواعي القفز والاحتواء - دون معالجة ولا تحقيق ولا تقييم. أي أن كلامه يستهدف محض الطعن. ولو أراد منكر للقرآن أن يطعن فيه بمثل هذا الاستباق الخاوي من دليل، لما كان عليه إلا أن يقول أن الإسلام بجملته ليس إلا مقاربات ومقارنات مع التراث اليهودي والمسيحي، وأن صاحبه – صلى الله عليه وسلم، نزَّهه الله وحفظه وعصمه عن قول الكذابين – لم يفعل إلا أن أراد التحرر في زحف اليهودية والمسيحية على العرب، فانتابه القلق الفكري واندفع للقفز فوق منطق المقاربات والمقارنات مع العقائد اليهودية والمسيحية وقصص أنبيائهم وتبنى أسلمة الزاحف (الكتابي) ليحتويه وقد عجز أمامه بما كان من عقائد الجاهلية، فجاء بحالة (شكلية) من عقائد أهل الكتاب سماها (الإسلام) يتم ضمن حالة (دفاعية) قائمة على منطق العجز الحضاري أمام الحضارة الرومانية المسيحية في شمال الجزيرة العربية، وحالة (سلبية) مصدرها خوف الاحتواء !!! .. أليس هذا هو نفس الأسلوب الذي رصّه (حاج حمد) ضد إسلامية المعرفة؟! .. إنه هو بعينه، إلا من تغيير الأسماء، وبلا احتجاج في صميم الدعوة .. ولأن هذه الحجة (المطابقة لحجة (حاج حمد)) ضد النبي صلى الله عليه وسلم، والإسلام المتمثل في القرآن، ليست إلا حجة زائفة بدليل القرآن ذاته وهيمنته على الكتاب كله، وأنه يعلو على قدرات البشر، بما ينسف اقتباسها الشكلي مما لدى أهل الكتاب، .. فكذلك حجة (حاج حمد) الكلامية وليس البرهانية، يسهل نسفها بقليل من القيم العلمية التي يمكن أن يأتي بها التفسير العلمي في إطار أسلمة حقيقية للمعرفة السننية، وليس للعلم الغربي الذي صاغ بعضها صياغة مختلطة الحق والباطل .. تماماً كما هو الأمر في اختلاط ميراث أهل الكتاب بالتزييف والبطلان، وكيف أن الإسلام جاء فطهر حقه من زيفه، ويقينه من باطله، فكان فرقاناً إلى يوم الدين.
 وأخير في تناوله للمنهج يقول[51]:
إن الضابط المنهجي يعني القانون الفلسفي أو المبادئ الفلسفية الناظمة بتحديد واضح للأفكار، فالمنهجية تقنين للفكر، ودون هذا التقنين يتحول الفكر إلى تأملات وخطرات انتقائية قد تكون عبقرية ومشرقة جداً وذات جدوى في كثير من الأحيان وتصلح للمواعظ والمجادلة الحسن ولكنها لا تكون منهجية. فمنهجية الأفكار أو تقنينها بالمنهج تماثل حالة توليد القوانين من الطبيعة، فإذا لم تستند أسلمة المعرفة إلى منهج، إلى ضابط قانوني للفكر تتحول فعلاً إلى خطرات تأملية انتقائية. فلكل فكر في حاضرنا العالمي المعاصر منهجه الضابط والمنظم، فإذا كان هذا المنهج مادياً في تصوره للكون، ينتج أفكاراً لا تكون إلا مادية، تغلق الوجود وحركته على قانون التركيب عبر وحدة المتضادات بشكل جدلي مادي، وفي كل الاتجاهات العلمية من الطبيعة وإلى الإنسان، وإذا كان هذا المنهج لاهوتياً – ولا أقول دينياً – يتصور الوجود وحركته في إطار الغيبية المطلقة، ولا يحق له – ضمن منهجه هذا ولو أراد – أن يتفوه بكلمة عن الحرية أو الاختيار وإلا فارق المنهج المحدد والناظم للأفكار وأصبح انتقائياً وتوفيقياً وليس من سمات المنهج أن يتقبل أي توفيقية أو انتقائية تماماً كالقانون في الظاهرات الطبيعية، فلا يمكن أن نقول أن الحرارة تمدد الأجسلم ثم نقول بذات الوقت أن الأجسام تتمدد بذاتها، وهذه هي أزمة الفكر الانتقائي في كل أشكاله بما يشمل إولئك الوضعيين الذين قبلوا الأخذ بفلسفة العلوم الطبيعية ثم رفضوا نتائجه المادية في التاريخ والمجتمع والأخلاق. وكذلك هي أزمة كثير من مدارس المتكلمين الإسلاميين الذين قالوا بالجبرية واضطربوا في تحديد مسئولية الإنسان عن أعماله أو الذين قالوا بالاختيار واضطربوا في مطلق الهيمنة الإلهية، أو الذين قالوا بالاثنين معاً.
إن المنهجية لا تقبل التوفيق ولا التوسط، فهي قانون محدد لإنتاج الأفكار، وحين نقول بالأسلمة المنهجية للمعرفة فإننا لا نغفل هذا القانون الصارم، ونسد أمامنا – منذ البداية وأمام الباحثين أيضاً ذلك النمط من (الراحة العقلية) التي تأخذ من الأمور أوسطها وتوفق بين ما يبدو متعارضا بانتقائية واضحة.
نقول: المنهج في دراسة طائفة من المسائل – حتى لو عمت كل مسائل الفكر- لا يأتي من انطباعات أو تأملات أو عقل كلي أو مجرد، كما قال (حاج حمد). ولكن منهجهه هو نفسه لم يخرج عن التأمل. فلا هو صادر عن نصوص قرآنية صدوراً ضرورياً ولا استدلالياً، وخاصة في تقسيمه الثلاثي في العوالم الثلاثة التي تكلم عنها: الأمر والقدرة والمشيئة، ورتبها تنازلياً من عالم الغيب إلى عالم الشهادة. فهذا التقسيم نفسه تأملي، لن يتيسر له أن يقيم له حجة على شكليته، ولا مضمونه إلا على نحوٍ غامض، والمنهج لا يكون أبداً غامضاً، وإلا اقتصر على خواص، وأصبح مضنوناً به على غير أهله، باصطلاح أبو حامد الغزالي!
 ولا يُخطئ القارئ لكلام (حاج حمد) السابق أنه مَعْنِي فيها بمنهج لأي كلام يقال، وهذا أمرٌ جيد لا شك فيه، ولكنه ليس بدليل على الإتيان بأي منهج حتى يكون خير من اللا منهج. فكل مذهب ديني من عشرات المذاهب العابثة، وكل نظرية علمية من عشرات النظريات العلمية الهابطة لها منهج مُدّعى، فهل يبرر ذلك تبني أي من تلك المذاهب أو النظريات ليكون للمرء مذهب أو نظرية ذات منهج، ولكي يسير الإنسان على منهج ويهرب من حياة فكرية لا منهج فيها، أم أن عليه أن يختبر تلك المنهج، ويرى أصولها وآلياتها وثمراتها وأدلتها وحبكتها وصرامتها، كي يُقَيِّم منها الصحيح، ويدرأ عن فهمه منها الغامض الملتبس؟!
وإذا أتينا إلى ما ردّه (حاج حمد) في هذه الفقرة من مناهج ثلاثة سماها، هي: اللاهوتية، والوضعية، والتوفيقية، وذلك كي تخلو الساحة لمنهجه الكوني الي يدعو إليه، فلا نرى أنه قد وُفِّق في ذلك، لأن المقارنة المتوقع له أن يجريها كان ينبغي لها أن تكون لمناهج منافسة لمنهجهه. ولكن اللاهوتية ليست إلا منطق العُباّد لا النُّظار، وهؤلاء لا منافسه معهم على شيء، والوضعية ليست إلا منهج الليبراليين المنكرين للغيب والماورائيات، وكون القرآن حجّة ملزمة على الإنسان، وهؤلاء أيضاً ليسوا أهل للمناظرة بعد إنكارهم لدور القرآن ونصوص آياته على مراد الله تعالى في خبره وأمره. أما التوفيق والتوسط، فليس بمنهج، بل هو محض سلبية، وجد أصحابها ميراث من غير الزمان فأقروه وحفظوه، وميراث من غير المكان فقبلوا ويكن لهم أن يردوه. فلا هم قابلوا ولا وازنوا ولا ناصروا أي من هذين الميراثين المفروضين عليهم بلا اختيار منهم. ولو أرادوا فلم نرهم تأهّلوا، ولا تزودوا، ولو أرادوا الأسلمة لأعدوا لها عدة، ولكنهم قعدوا مع القاعدين. ... ولو سقطت من القيمة العلمية هذه المناهج الثلاثة: اللاهوتية، والوضعية، والتوفيقية، لما زكّى ذلك المنهجية الكونية التي يدعو إليها (حاج حمد)، لأنه لم يستوفي بعد ويشمل كل منهجية محتملة، فلعل غير ما ذكر وأتى به أصدق مما ذكر!

المؤلف 


[1] محمد أبو القاسم حاج حمد (1942-2004)، مفكر إسلامي سوداني، اعتمد على التثقيف الذاتي، ولم يحصل على شهادات عليا بسبب ارتباك مواصلة الدراسة والقبض عليه في المظاهرات في شبابه. يشتهر بأنه صاحب الإسلامية العالمية الثانية، ويرجع ذلك لكتابه (جدلية الغيب والانسان والطبيعة - العالمية الاسلامية الثانية)، وكان له مشاركات في منهجيات – غير قياسية – في أسلمة العلوم، منها كتاب "إبستمولوجية المعرفة الكونية"، وكتاب "منهجية القرءان المعرفية"، ومؤلفات أخرى والعديد من المقالات.
[2] "جدلية الغيب والإنسان – العالمية الإسلامية الثانية"، ص11.
[3] محمد أبو القاسم حاج حمد، "منهجية القرآن المعرفية – أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية"، دار الهادي، 2003، بيروت، ص 65.
[4] "محمد ابو القاسم حاج حمد..جدلية الغيب و الانسان و الطبيعة العالمية الاسلامية الثانية"، دار الهادي، 2004، بيروت، ص 12.
[5] منهجية القرآن المعرفية ، ص 65-66.
[6] تنسب إلى "وضاح نصر". http://www.alzakera.eu/music/vetenskap/Biologia/bio-0009-4.htm
[7] محمد أبو القاسم حاج حمد، "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة -العالمية الإسلامية الثانية، دار الهادي، 2004، طبعة ثالثة، ص 12.
[8] حـاج حمد، محمد أبو القاسم، إسلامية المعرفة : هل هي تصور ثيولوجي وأيديولوجي للإسلام أم أبستمولوجي ؟  (بيروت : 30 ربيع الثاني 1424 هـ، الموافق : 30 يونيو ( حزيران ) 2003 م، أعاد نشرها ضمن " محمد ابو القاسم حاج حمد..ابستمولوجية المعرفة الكونية ، دار الهادي، 2004، ص 87"
[9] محمد ابو القاسم حاج حمد..ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص 75.
[10] محمد ابو القاسم حاج حمد..ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص 88.
[11] محمد ابو القاسم حاج حمد..ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص 89.
[12] محمد ابو القاسم حاج حمد..منهجية القرءان المعرفية، ص 269-317.
[13] د. أكرم ضياء العُمري، رئيس قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
[14] محمد ابو القاسم حاج حمد..منهجية القرءان المعرفية، ص 313.
[15] محمد ابو القاسم حاج حمد..ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص 206-207.
[16] على النحو الذي فهمناه من معنى (الأمي) وخلصنا إليه بعد دراستنا المفصلة (الأمية، وبراءتها من يقين الحساب الفلكي).
[17] ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص 215.
[18] السابق، ص 215-216.
[19] السابق، ص 216.
[20] السابق، ص 214.
[21] السابق، ص 91.
[22] السابق، ص 217.
[23] أنظر: مصطفى حلمي، " اسلام جارودي بين الحقيقه و الافتراء"، دار الدعوة، الإسكندرية، 1996، ص45 وما بعدها. وأيضاً: حوار مع روجيه جارودي (أنا واليهود والصهيونية والإسلام) حوار أجراه في باريس علي الشوباشي، ونُشر بمجلة (التصوف الإسلامي) بمصر العدد (1) السنة (19) [ محرم 1917هـ يونيو 1996م]. على هامش كتاب "إسلام جارودي" ص45.
[24] ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص217-220.
[25] السابق، ص 218.
[26] السابق، ص 256-257.
[27] الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة، مجموعة من المؤلفين، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1424هـ، ص 18.
[28] ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص 257-258.
[29] السابق، ص 262-263.
[30] محمد ابو القاسم حاج حمد..منهجية القرءان المعرفية، ص299-300.
[31] ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص 85.
[32] منهجية القرءان المعرفية، ص 297.
[33] ابستمولوجية المعرفة الكونية، ص 264.
[34] السابق، ص 281.
[35] السابق، ص 281.
[36] السابق، ص 277.
[37] السابق، ص 374.
[38] السابق، ص 379-380.
[39] .. السابق، ص417-418.
[40] محمد ابو القاسم حاج حمد..منهجية القرءان المعرفية، ص 43.
[41] السابق، ص 45.
[42] السابق، ص 150-153.
[43] السابق، ص 227.
[44] السابق، ص 242-243.
[45] السابق، ص 236.
[46] إبستمولوجيا المعرفة الكونية، ص 384-385.
[47] محمد ابو القاسم حاج حمد..منهجية القرءان المعرفية، ص 32.
[48] السابق، ص 312.
[49] السابق، ص 313.
[50] السابق، ص 32.
[51] السابق، ص33-35.