الخميس، 11 سبتمبر، 2014

الفصل (هـ7) – محمد البغدادي - كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه

كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه
الفصل (هـ7) محمد البغدادي

بقلم: عزالدين كزابر
بسم الله الرحمن الرحيم
في سياق تقديمه لترجمته كتاب "منطق البحث العلمي" لكارل بوبر، عدّد محمد البغدادي[1] الإشكالات المنهجية في الفيزياء في الأولوية المتنازع عليها بين التجربة والنظرية، وفي الاتساق المفقود سواء في النظريات الرياضيات أو الفيزيائية، وفي النظريات الفيزيائية وتبدلاتها، ثم قال[2]:
"لا يمكن للمرء في هذا السياق إلا أن يشعر بمزيج من الشفقة والأسى أمام محاولات بعض دعاة الدين، والمسلمين منهم على وجه الخصوص، إلباس الدين لباس العلم. وهي محاولات يائسة لأن الدين تعريفاً لا يخضع للفحص والتمحيص، ولا يُتحقق منه، ولا يمكن بالتالي تفنيده أو دحضه جزئياً أو كلياً، خلافاً للعلم. لا يعي هؤلاء الدعاة أنهم في محاولتهم العلمياتية البائسة إحاطة الدين بهالة العلم التي هو في غنى عنها إنما يهبطون بالدين إلى مستوى الفرضية ويرفعون عن أسسه طابع الحقيقة المطلقة وطابع الأزلية، وهما مفهومان لا يمتان إلى العلم بصلة."
نقول: من أغرب ما يمكن أن نقرأ عن الدين – ونقصد بذلك "الإسلام" باعتباره المقصود بالدين إذا تكلم عنه المسلمون – أن يقال أنه، بالتعريف، لا يخضع للفحص والتمحيص، ولا يُتَحَقَّق منه، ولا يمكن بالتالي تفنيده أو دحضه جزئياً أو كلياً" – ونقول: من أين جاء المتكلمون بهذه الغرائب في تعريف الدين، وكيف يتبع الإنسان شيئاً عارياً عن تحقيق المصداقية والتفنيدية، ولا يُحكِّم حواسه وعقله فيما يعرض له، إلا أن يكون بلا عقل، يُساق ولا يسأل إلى أين ولماذا؟! – بل ربما أنه أضل، كما قال تعالى "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ"(الأعراف:179).
وكيف يعتقد مسلم أن الإسلام وكتابه المجيد يوافق هذا التعريف، في الوقت الذي تعيب نصوص القرآن على المتبع غيره على غير هدى؟! –كما قال تعالى " قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ"(البقرة:170).
وإذا كانت الدين – كل دين – يوافق هذا التعريف، فعلامَ تقوم حجة الله تعالى على خلقه فيما أنزل من دين ؟! - وكيف يكون هناك دينٌ حق ودينٌ باطل؟! ثم ثواب وعقاب؟َ وجنة ونار؟! – وكيف يمكن التمييز بين دعوى ودعوى، تنتسب كل منهما إلى حقٍّ تدّعيه؟ - هل الهندوسية والبوذية كالإسلام في التحقق والتفنيد؟ - فلماذا يسلم الناس إذاً، ولماذا ينتقلون من دين إلى دين؟ - هل الأديان مدارس في الرياضة الروحية، يتساكر فيها الناس، فأيهما يُسكر الروح أكثر يتدين به؟! - فليكن الخمر إذاً أحق الأديان بالاتباع!
إن الذي ينفي مصداقية الحق ومهلكة الباطل في الدين، من فحص وتمحيص وتحقق وإثبات وتفنيد، يفتح باب الباطل على مصراعيه فيلجه الناس إلى مصارعها، لا يجد في ذلك منه حرجاً!
الحقيقة أن المتكلم أعلى يستخدم هذا الادعاء لغرضه الذي يقول فيه، "لا يمكن .. تفنيده (أي الدين) أو دحضه جزئياً أو كلياً، خلافاً للعلم". وذلك لكي ينفي علمية الدين، ومن ثم ينفي اشتراكه مع العلم في وجوب التحقق، لأن التحقق هو معيار الصفة العلمية. فكان نفي التحقق علة التفريق بين الإسلام وبين العلم. إذ كيف يُدّعى حديث الإسلام عن العلم، والعلم تحقيق والدين لا تحقيق فيه بزعم الزاعمين؟! .. لأنه إن كان محققاً، كان علماً لا محالة .. فنفي التحقيق غرضه الحقيقي هو نفي العلمية!!!
وإن ظن المتكلم أنه يُخيِّل على الغُفْل من المسلمين هذه الحجج بزعم أن دينهم فوق العلم، لانه لا يتطلب تحقق، ومن ثم تفنيد، يهدد بنيته ومصداقيته، فهذا باطل؛ لأن التحقق من الأديان واجب بما فيها الإسلام. والإسلام لا يخشى من الفحص والاختبار، بل يدعو الناس جميعاً جهاراً نهاراً إلى النظر فيه والتحقق منه؛ كما قال تعالى "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا"(النساء:82)، وكما قال تعالى "قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"(القصص:49).
أي أن المتكلم غير مهتم على الحقيقة بتقييم الدين (الإسلام) بقيمته العلمية الصادقة، إلا أنه لا يقبل أن يُشاكل الدين العلم في التحقق، وهو الأمر الذي يهبط بقيمة الإسلام سواءاً بسواء مع غيره من أي دين! .. إذ لا فرق إذاً بين الأديان جميعاً؛ لأنها محض إيمان. .. فإن آذى هذا المعنى المسلمين، فليقل لهم إن دينهم فوق العلم، وأنه أزلي، وأنه حق مطلق ... ومثل هذه الألفاظ المبهجة .. والفارغة في نفس الوقت من أي مصداقية، ما دام أنها أيضاً غير قابلة للتحقق والمعايرة، وتصح على البوذية كما تصح على الإسلام. ... وهكذا يؤذي المتكلم الإسلام من حيث يوهم الناس أنه يعظمه! .. وربما يكون هو نفسه واقع في هذا الوهم العلمي دون أن يدري!!!
ثم يأتي المتكلم بوصف مشروع التفسير العلمي بأنه [محاولات علمياتية بائسة بإحاطة الدين بهالة العلم التي هو في غنى عنها، وأن أصحابها يهبطون بالدين إلى مستوى الفرضية ويرفعون عن أسسه طابع الحقيقة المطلقة وطابع الأزلية وهما مفهومان لا يمتان إلى العلم بصلة.]
نقول أن هذا التصور غير صحيح. فأصحاب التفسير العلمي يبدأون بما يبدأ به كل مؤمن حقاً، بأن القرآن حق بكل معنى الحقيقة، وحقيقته واقعية لا خيالية، حسية لا سحرية، ويفيد العلم المفيد في كل ما يخبر به، فالحقائق المطلقة وأزليتها – في نغمة المتكلم أعلى- كلمات تعمل على رهبة السامع والقارئ، وغرضها التمييز والفصل بين القرآن من جهة وبين مقولات العلم، التي هي – بحسب المتكلم- نسبية ومحلية في الزمان والمكان من جهة أخرى مباينة.
والمقارنة الصحيحة – عند العقلاء- ليست بين نصوص القرآن ونصوص العلم، ولكن بين فهم الإنسان لنصوص القرآن، وفهمه للظواهر الكونية، وفي نصوص بشرية علمية معيارية لكلا الطرفين. فالعلاقة إذاً قائمة بين نسبي ونسبي، وليست بين مطلق ونسبي. وتظل العلاقة في الترجيح بين المقولات دائرة بما يرسخ الراجح من الفهم، ويستبعد المرجوح منه في النهاية، وفقط عند هذه النهاية لكل مسألة على انفراد – على نحوٍ منطقي - يمكن الوصول إلى ما فيها من إعجاز علمي يتكشف بنفسه. وعلى ذلك يُعد منطلق التفريق بين القرآن والعلم – عند المتكلم أعلى- تفريق جائر، قد زل به تقديره، ويبقى التفسير والإعجاز العلمي صحيح، وقد زاغ عن حقيقته المتكلم.
يقول: 
"ذكرت في كتابي العلم والمجتمع (بالفرنسية عام 2000) بموقف ساخر لابن خلدون في حديثه عن أنصار ما يعرف باسم الطب النبوي، وأشرت إلى "الفرق الجوهري" بين العلم والدين، بين موضوعات نظرية علمية ما، وأركان الدين. فالمبادئ كلها أو بعضها (يقصد في العلم) تُنقض وتُعارض، وتبنى نظرية جديدة تفسر الواقع على نحو أفضل من النظرية السابقة. ويعترف المجتمع بالجميل لمن قام بذلك ويعبر عن تقديره له بمختلف الأشكال. ولكنه يستحيل معارضة ركن من أركان الدين من غير الخروج عنه والتعرض إلى الاتهام بالكفر."
نقول: لا يخفى على القارئ الحصيف ما في هذه العبارة من تلبيس، فالقول بأن التفسير العلمي يتناول أركان الدين خلط في المعاني، ويشبه هذا الوصف ما رأيناه من عباس محمود العقاد عندما تناول الحديث عن التفسير العلمي ووصف القرآن بأنه كتاب العقيدة. هذا رغم أن الآيات الكونية ليست من آيات العقيدة، ولا هي من أركان الدين، بل من آيات تصور الكون والمخلوقات. وهذه الآيات لا تُودي بصاحبها إلى التهلكة إن جانب الصواب فيها معذوراً، بخلاف آيات العقيدة وأركان الدين، والتي تتناول فقط ما يجب أن يعلمه المسلم ضرورة من دين الله.
ولكشف المزيد من خلط المعاني نورد العبارة الآتية: [يجب تنمية حماس الشباب وفتوته وحركته الفاعلة لمستقبل واعد في شعب ما، ثم نقول أن الحكمة المكنونة – في مأثورات - شيوخ هذا الشعب، ركن ركين وعماد ثبات قيم هذا الشعب. ثم يأتي من يقول: إن هذا الحماس الشبابي ينال من الحكمة المأثورة، ويفند أركانه، وعليه يجب تعطيل هذه الحركة الشبابية، وتقويضها، بل ومحقها] .. وكذلك يقول القائل أعلى ما معناه: [التفسير العلمي لآيات القرآن يعبر عن فتوة القرآن وبقائه الواعد للناس ينافح عن نفسه بعميق المعاني التي لم يكن يعلمها الناس. وفي القرآن مُحكمات تُعبِّر عن الحكمة المأثورة في ما هو شهادة أو غيب. ثم يقول قائل: التفسير العلمي – بحركته المتقلبة المتحمسة- ينال من أركان الدين المتمثلة في حكمته المأثورة.] .. ومثلما أن المستهدف إعدام حركة الشباب في الأمة يقضي على مستقبلها، فكذلك من يستهدف القضاء على التفسير العلمي في القرآن، يقضي على حيوية هذا الدين، وحداثته الباقية، وفيض ينبوعه الدائم، من حيث يظن أنه يحفظ على الدين أركانه، .. ومن حيث يظن أنه (في مثال الشباب وأمته) يحفظ على الشعب حكمته.
أما عن ابن خلدون وما قيل حول كلام له ساخر في التفسير العلمي (في صورة الطب النبوي)، فنسترجع ما قاله ابن خلدون، قال[3]: [الطب المنقول في الشرعيات .. من الوحي .. إنما هو أمرٌ كان عاديا للعرب، ووقع في ذكر أحوال النبي من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل فإنه إنما بعث ليعلمنا الشرائع ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات. وقد وقع له في شأن تلقيح النخل وما وقع فقال: "أنتم أعلم بأمور ديناكم". فلا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع. فليس هنالك ما يدل عليه. اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني فيكون له أثر عظيم في النفع وليس ذلك في الطب المزاجي (يقصد نظرية الأمزجة المشهورة في زمنه في طبائع العلاجات) وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع في مداواة المبطون بالعسل. والله الهادي إلى الصواب لا رب سواه.]
وإذا كان هذا الكلام لابن خلدون هو الذي اعتمده محمد البغدادي ليقرر به أن ابن خلدون قد سخر ممن يقول بأن في القرآن أو السنة أي دلالة على العلوم التي يكتشف البشر شيء من أسرارها، فكان عليه أن يورد كلاماً آخر لابن خلدون أيضاً، قال فيه[4]: [واعلم أن أصل الأمراض كلها إنما هو من الأغذية كما قال في الحديث الجامع للطب وهو قوله: "المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء، وأصل كل داء البردة". فأما قوله المعدة رأس الدواء، فالحمية: الجوع، وهو الاحتماء من الطعام. والمعنى أن الجوع هو الدواء العظيم الذي هو أصل الأدوية. وأما قوله: "أصل كل داء البردة"، فمعنى البردة إدخال الطعام على الطعام في المعدة قبل أن يتم هضم الأول.]
وعلينا إذاً أن نقرن بين مراد ابن خلدون في عبارته الأولى (التي وصفت بالساخرة من التفسير العلمي) والثانية التي هي إعمال عملي منه للتفسير العلمي. ويبدو لي أن هذا الاقتران بين العبارتين له مغزى عميق، خلاصته، أن ابن خلدون حين انتقد ونهي، كان نهيه عن الركون إلى الدين (القرآن والسنة) في استخلاص العلوم دون ممارسة أسباب الخبرة العملية التي تأتي العلوم ثمرة لها، وحين علل وفعَّل، فقد فعَّل الاهتداء بهدايات الدين (قرآن وسنة) باعتبار آياته علامات على الطريق يعلم بها المهتدي صحيح طريقه من ضاله، ويعلم به المرتاب صدق القرآن من كذب غيره من الأديان التي نالها التحريف كثيراً أو قليلا.
وإذا تذكرنا أن جوامع الكلم لا تُعلم تفصيلاتها إلا بإسقاطها على مشاهد الواقع المجرّب، كذلك آيات القرآن العلمية، لا يُدرك مرادها إلا بمعاركة الواقع واختباره، والسياحة العلمية العملية في جنباته. وهذا هو التفسير العلمي الممدوح. أمّا من لا يعرف معنى الداء والدواء والحمية والبردة، فأنى له يفهم حديث النبي أعلاه!. .. وكذلك من كان لا يعلم ما النازعات، وما الذاريات، وما العاديات الموريات الضابحات، وما مستقر الشمس ... إلخ .. ولم يعاين مشاهدها ودلائلها .. فأنَّى له يفهم الآيات الكريمات المنزلات، فيما أخبر الله تعالى عنها وأقسم بها؟!. وأقصى ما عنده أن يقرنها بمعاني قريبة منه، ظاهرة له، سواء شابهت الحق أو لم تشابهه، صدقت عليه أو لم تصدقه. فإن حفظت لنا أسفار التفاسير الكثير من هذا النوع، أما ينبغي لنا أن نُمحِّصها بجديد المعارف الـمُدقَّقة، ورصين البراهين المحققة؟! .. من يقل لا، فإنما يقطع على الناس سبيل العلم بمعاني كتاب ربهم، ويقترف إثماً من حيث يظن أنه يفعل الحسنى!!
ثم أن العلاقة بين (علوم البشر المتبدلة – بحسب ما ينتقص منها محمد البغدادي – ومعاني آيات القرآن)، ليست بعيدة عن العلاقة بين (النظريات العلمية في مقابل التجربة/الرصد) وذلك فيما أورده محمد البغدادي نفسه من عبارة كارل بوبر، .. قال بوبر[5]: [ونحن إذ نقول إن النظرية وحدها وليست التجربة، إن الفكرة وحدها وليس الرصد، هي التي تدل على التطور العلمي وتفتح له الطريق نحو معارف جديدة، فإننا نقول أيضاً أن التجربة تحفظنا من السير على طريق لا تثمر شيئا، وتساعدنا على ترك الخطوط غير السالكة، وتشجعنا على أن نضع الكشف عن كل ما هو جديد نصب أعيننا.]
أي أن نظرية بلا تجربة ورصد ضرب في عماية، وتجربة ورصد بلا نظرية (معانى غير متصورة)، وكذلك يكون التنظير العلمي بلا وحي مرشد من الله، ضرب في عماية (كما هي العلوم الغربية تائهة ضائعة) وآيات من القرآن بلا تنظير (معاني غير متصورة وآيات مُعطلّة)!!!
وإذا كانت النتيجة السابقة في الفهم استخرجناها مما تضمنه كلام ابن خلدون المعارض والمؤيد في آنٍ واحد للتفسير العلمي، باستخدام قاعدة انفكاك العلة، إلا أننا لا نرى حرجاً في معارضة كلام ابن خلدون في مسألة التبرك الإيماني، حين قال: [لا ينبغي أن يحمل شيء من الطب الذي وقع في الأحاديث المنقولة على أنه مشروع. فليس هنالك ما يدل عليه. اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك وصدق العقد الإيماني فيكون له أثر عظيم في النفع وليس ذلك في الطب المزاجي، وإنما هو من آثار الكلمة الإيمانية كما وقع في مداواة المبطون بالعسل.]
وذلك لأن الله تعالى قال (في مسألة العسل): "فِيه شِفَاءٌ للنَّاس"، ولو كانت المسألة محض تبرك، لما عم بها الناس، ولخصَّ بها المؤمنين، بل المتقين!
ويستكمل محمد البغدادي كلامه ويقول: 
"ترى ماذا سيقول ابن خلدون إلى الذين يحاولون اليوم أن يجدوا في الإسلام منشأ كل النظريات الفيزيائية والرياضية مهما بلغ التعارض بين هذه النظريات؟ - هل يعون أن محاولاتهم هذه لا تفيد العلم كما لا تخدم في أي حال من الأحوال الدين الذي يدعون أنهم يريدون الدفاع عنه؟"
نقول: القول بأن في الإسلام منشأ كل النظريات الفيزيائية والرياضية غير صحيح. والصحيح أن في القرآن نصوصاً تهدي الباحثين إلى الحق، وتتحدى رؤساء العلم من الناس في أكبر ما يبرعون فيه، وتحتوي آيات القرآن علامات على طريق الحق بنور العلم والفهم، ومن ذلك أن القرآن إذا تكلَّم عن ظواهر كونية فهو يقول فيها الحق، سواء وافق نظريات البشر، أو فارقها. وإن خالفها بيقين أو رجحان، فهي باطلة – وأيضاً – بيقين أو رجحان.
فالمسألة ليست اتباع القرآن وسوقه ليوافق العلم البشري! ,, وكيف يكون ذلك شأن القرآن وقد نهى البشر في آياته عن اتباع غيرهم على غير بصيرة؟! أينهي البشر عن فعل ثم ينسبه إليه الغافلون؟! ما لكم كيف تحكمون؟!– ومن ظن ذلك ففهمه خاطئ، أو عابث، أو مضلل.
ولكن القرآن يتحدث أيضاً عما يتحدث عنه العلم، فكلامه إذاً أهدى في العلم بهذه المعلومات من دون شك. وإذا تآلف علمٌ صادق من منطوق كلام الله تعالى ومنطوق صنعته سبحانه، الذي هو العلوم البشرية الصياغة إن صدقت في مدلولاتها، فلا بد أن يفيد ذلك أهل الدين فيزيدهم إيماناً، أي دراية بصدق الوحي ودلالة الوجود والخلق على الخالق، كما يكون الدين بذلك أكبر حجة على المتشككين والجاحدين، وأهدى للمنقبين عن الحق في الوجود، وفهم الآيات المنزَّلات.
يستكمل محمد البغدادي ويقول: 
"وقلت في هذا الكتاب أيضاً – يقصد الكتاب الذي ذكره أعلى، بعنوان: العلم والمجتمع (بالفرنسية عام 2000) - متحدثاً عن دور الجامعة، ما يلي: "ويبدوا لي أن العرض الذي قدمناه عن تطور العلوم الطبيعية في الفصل الأول يُعلِّمنا أمرين على الأقل؛ أولهما أننا لا نصل إلى أي شيء على نحو نهائي وقطعي، وأنه لا وجود لحقيقة مطلقة وأن الفكر الميكانياتي المدعي بتنبؤ مستقبل الكون قد زال من دون رجعة، وعلى زملائنا في العلوم الإنسانية التأمل بإمعان أكبر في هذا الواقع والتواضع في نقاشهم والتخلي عن الحجج القطعية."
نقول: هب جدلاً أن العلم قد نفى القطعيات المطلقة، فإن فعل فلن يستطيع أن يقطع بالعبثية المطلقة (لأن نفيه إنما هو نفي لمبدأ القطعية، سواء في الإثبات أو في النفي)؛ فلا بد إذاً أن تكون أحكامه بين هذا وذاك. وذلك هو الترجيح بين الظنيات. أي أن تؤول المسائل إلى راجح وأقل رجحان ومرجوح، وهادي وأقل هدى وضال. وهذا هو حكم الله في التفاضل بين ما يعرض للإنسان، فيقول تعالى: "إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ"(الإسراء: 8). فما من شأن يعرض للإنسان، إلا ويكون حكم الله فيه، أمراً كان أو تفسيراً (أي معنىً) أهدى - أي أقرب - إلى الحق الذي يشكك صاحبنا بطلاقته، وترجع المفاضلة - في اسماء التفضيل- لقدرات الـمُفسر المحدودة دوماً في استخلاص المعاني، وليس لطلاقة النصوص في إصابة الحق، وهذا هو معنى قول الله تعالى "وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا"(الفرقان:33)، فالمعنى في ذات النص "حقٌّ دامغ"، وفي أفهام العلماء الراسخين "أحسن تفسيراً" مما عداه. فأي حرج إذاً في المفاضلة بين فهم البشر لكلام الله تعالى في شأن خلقه سبحانه – وهو العليم بما خلق – وفهم البشر لما خلق الله؟! .. أوليس في هذا دليل – إن تم تحري الدقة العلمية – على جواز مقاربة فهمنا لكلام الله تعالى لدلالات خلقه المكنونة في ذات الخلق، والمكتشفة بالبحث والاجتهاد؟! ... أللهم إلا عند من هو بعيد عن فهم كلام الله تعالى (القرآن) أو فهم دلالات خلقه سبحانه (الظواهر الطبيعية والأحوال الواقعية)، أو كلاهما، ثم يلقي على الناس انطباعاته المستنكِرة الموهومة، الخالية من أي تحقيق، والتي إن فعل، ينطبق عليه قول من قال (الإنسان عدو ما يجهل)!!!
والخلاصة: أننا مطالبون بالأرجح، ولسنا مطالبين باليقين، وذلك كما قال ، حين سُئل: من أعلم الناس، قال: [أعلم الناس أعلمهم بالحق إذا اختلف الناس][6] – وفي رواية [.. أبصرهم ..][7].

 المؤلف 


[1] مترجم كتاب "منطق البحث العلمي" لكارل بوبر.
Karl Raimund Popper (1902-1994); The Logic of Scientific Discovery.
أستاذ الفيزياء والرياضيات في جامعات دمشق والرباط وديجون بفرنسا. مؤسس ومدير مختبر الفيزياء النظرية في الرباط (1972-1998)
http://www.aot.org.lb/Home/publication_popup.php?ID=49&h=1&MediaID=1
[2] مقدمة المترجم – محمد البغدادي - لكتاب "منطق البحث العلمي"، كارل بوبر، المنظمة العربية للترجمة، توزيع مركز دراسات الوحدة العربية، 2006، ص 29.
[3] ابن خلدون، المقدمة، ص 493-494. (نسخة إلكترونية)
[4] ابن خلدون، المقدمة، ص 415.
[5] كارل بوبر، منطق الكشف العلمي، ص 288.
[6] شعب الإيمان للبيهقي، المكتبة الشاملة.
[7] جامع بيان العلم وفضله للقرطبي،