الثلاثاء، 26 يوليو، 2016

الشرق - عمدة الاتجاهات الجغرافية القديمة - وإعادة اكتشاف معنى (يمين) في القرآن

دراسة للتحول من اتجاه الشرق إلى الشمال كمرجعية جغرافية معاصرة ودلالات الألفاظ المكانية في الثقافتين العربية واللاتينية: التوقيت والكيفية والآثار
د. عبدالله بن حسين القاضى 
شاركه في جمع مادتها وتحليلها: عزالدين كزابر
بسم الله الرحمن الرحيم 
الملخص:
واجهت الباحث إشكالية اختلاف السياق الثقافي التاريخي عند إعادة قراءة التراث الجغرافي المبثوث في المصادر العربية. وتمثلت علة هذه الإشكالية في اختلاف دلالات الألفاظ الجغرافية المقصودة من قبل مؤلفيها عما هو شائع في الثقافة العلمية المعاصرة. ويستدعي ذلك ضرورة محو الارتباك ودعم التواصل مع المراجع بأنواعها وما تنقله من رسم صورة حقيقية لما كان عليه الحال. هذا فضلاً عن الدعم الوثيق والمتبادل بين تلك الدلالات والمقاصد القرآنية والنبوية في نصوص القرآن والسنة. وباعتمال الفروق الدلالية تبين لنا أن مقاصد الدلالات الجغرافية قد اختلفت اختلافاً جوهرياً. ومن أهم ملامح هذا الاختلاف ما جاء في التوجيه الجغرافي حيث كان الشرق– ولفترة ممتدة من التاريخ القديم- هو الوجهة الرئيسة وما عداه تابع. وفي موضوع التوجية الجغرافي فقد عانت الألفاظ العاملة في نفس الحقول الدلالية التخطيطية والجغرافية الأقرب فالأقرب وتأثرت من فروق المعاني بما يستوجب إعادة البحث عن مقاصدها حسب سياقاتها في زمنها. وبمراجعة ما تيسر من التراث العالمي في أصول التوجيه الجغرافي تبين أن التجربة الإنسانية تتشابه في اعتبار الشرق قبل غيره الوجهة الأولى. وربما يرجع هذا التشابه إلى وحدة البيئة الإنسانية التي أملت على الإنسان أولويات دون غيرها حسب تقنيات كل عصر. وباستفراغ الوسع في تبعات هذا الكشف، تبين لنا بُعد آثاره على كل من اللغة في دلالاتها الجغرافية وكيف تطورت، وعلى التفسير وأهمية إعادة النظر فيما تناوله من آيات تتعلق بالجهات الجغرافية، وعلى التاريخ وتفاصيل بعض أحداثه مثل قصة موسى في سيناء وقصة أصحاب الكهف وجنتي سبأ ومواقعها. هذا فضلاً عن تفاصيل طريق هجرة النبي r والتصور الجغرافي عند العرب. ودون مراعاة هذا التصورالأول للاتجاهات الجغرافية لا بد وأن يُخطئ كل من اللغوي والمفسر وعالم التاريخ والآثار. ولا يعصمهم جميعاً من هذا الزلل إلا أن يتصوروا وضع الشرق في صدارة خارطة الأرض كما كانت في أذهان الناس في تلك الأزمان.

المقدمة:
لا يخلو إنسان كائناً من كان من تصور للعالم مهما تفاوتت ثقافة هذا الإنسان من رقي علمي إلى تدنٍ أمِّي. فهذا بعدٌ. ومهما عاش في حياة بدائية أو حضارة عامرة زاهية، وهذا بُعدٌ ثانٍ. فتصور الوجود المحيط بالإنسان – سواء صح هذا التصور أو فسد - لازمة من لوازم حياته الفكرية لا تنفك عنه. وليس ضرورياً أن يتكلم كل إنسان أو يخوض في غمار الأفكار التصورية حتى يُنسب له تصور ما. فهذا عند أغلب الناس قيمة فكرية تُختزن في لا وعيه، تُغذيها الثقافة وأنماط الأفكار في البيئة المحيطة، والتي منها جميعاً نشأت هذه القيمة. وهذا التصور للعالم يعمل كمرجع إحداثي يسقط عليه ما استجد من أفكار. ويعمل هذا المرجع التصوري للعالم عند أغلب الناس عمل المتحكم في ضبط جديد الأفكار والمعلومات. وعند قلة منهم والذين يتحلون بالجرأة فقط تعمل الأفكار والمعلومات الجديدة على التبادل مع هذا المرجع التصوري فيتبادلان الشد والجذب حتى يغلب أحدهما على الآخر. فإما أن يستوعب المرجع التصوري القديم جديد الأفكار فتذوب فيه ولو بتشويه معالمها. ومن أمثلة ذلك الفكر الروماني الوثني الذي استوعب المسيحية بصفتها معلومات جديدة أتت بها المسيحية المنقولة فشوه معالمها وصبها في قالب قديم عُدّل بها وتشوهت به. وإما أن تتفاعل الأفكار والمعلومات الجديدة مع ذلك المرجع فتُهذب منه ما لا يستقيم معها فيتعدل بسببها وينشأ عن ذلك مرجعاً جديداً. ومن أمثلة ذلك الإسلام الذي أصلح فاسد الأفكار القديمة عن العالم والأحداث وعلل الوجود وغاياته. ومثلما ينطبق هذا التحليل على الديانات بصفتها ثورات عقائدية على تصورات فاسدة للوجود- هذا إن كانت إلاهية المصدر- ينطبق أيضاً على النظريات العلمية العاصفة بصفتها ثورات على الأفكار العلمية البالية التي اصطدمت بمعلومات أشد قوة وأكثر امتناعاً عن السقوط والذوبان فيها. ومن أمثلة ذلك نظرية دوران الأرض أمام الشمس بصفتها ثورة على ما كان مظنوناً من انتقال حقيقي للشمس في كبد السماء بين مشرقها ومغربها.
قد يُنظر إلى هذه الفوارق التصورية للوجود عند الإنسان بصفتها دالة غير مستمرة تتعرض لقفزات أو وهدات فكرية – باعتبار صلاحها أو فسادها - في بعد آخر هو الزمن. وليس هذا بمجال الإنكار ولا محل للنظر في هذا البحث. ولا كون التصور الوجودي للإنسان دالة في ثقافته وبيئته في رقيها أو سقوطها الحضاري. كل هذا وارد وليس بمستغرب ولا مستنكر. إنما المستنكر في هذا كله هو عدم مراعاة هذه التبدلات التصورية للوجود بين الثقافات المتعاقبة عبر أزمان عانت من ثورات ثقافية أو علمية أو دينية. بعبارة أخرى نقول: إن تناول سياقات ثقافية قديمة بمرجعية تصورية حديثة بالبحث والدراسة يشوه التاريخ ويطمس حقائقه ويقف حجر عثرة أمام فهم أحداثه ويقطع التواصل الثقافي به حتى ولو تم ذلك في حضور رباط ديني متصل. فالحاصل أن الحضور الثقافي في عصر ما يكتسب زخم ذلك العصر، فإذا ما نقلته عنوة إلى عصر آخر، عانى من فقدان الاتزان نتيجة اختلاف زخم العصر الجديد عن سابقه. تماماً مثلما يفقد الإنسان اتزانه عند نقله من سكون إلى حركة فجائية أو العكس. ويستدعي الأمر المرور بمرحلة انتقالية ممتدة بما يكفي للتقليل من آثار تغير زخم الحركة. وهذا يماثل فترات التبدلات الثقافية في العالم وما يعتريها من ارتباك حضاري بين حماة الماضي وفرسان المستقبل.
قد لا يختلف اثنان على هذا أيضاً ولا يعترض عليه معترض. إنما قد ينشأ الاعتراض على مناطه الذي نسعى لتجليته. ومناط هذا التبدل التصوري للوجود – أياً كانت علة تبدله - هو الإشكالية التي نقترب من تعريفها وتعنينا في أطروحتنا هنا. وتلك هي كيفية الجمع بين حضارتين اختلفتا في بعض آلياتهما اللغوية والفكرية. وهاتان الحضارتان يرتبطان بوشيجة واحدة – هي دين الله المنزل في كتابه - لا سبيل إلا لبقائها واستمرارها ربما لحضارات متتالية لا نعلم عددها حتى يأذن الله. هذه الوشيجة الواحدة هي الإسلام وتراثه الممتد من جهة، والتراث التاريخي واللغوي والأثري الإسلامي وغير الإسلامي من جهة أخرى. فامتداد الإسلام أربعة عشر قرناً في صورة ثقافة مدونة ومعتقدة في آن واحد جعل منه حدثاً فريداً في الحضور الإنساني لم يتكرر من قبل على ما نعلم. وهذا الامتداد التاريخي بجانب تميزه وتفرده، يعرضه إلى أخطار التبدل الدلالي في المفاهيم الثقافية عبر تلك المراحل الزمنية المتطاولة نتيجة التبدلات الحضارية عبر تاريخه.

هدف البحث:
يهدف البحث إلى تناول مثال حي للتبدل الدلالي في ألفاظ الاتجاهات الجغرافية والمكانية عبر الزمن. يعاني فيه من يحمله ويتعهده من تغير في الطور في كل جيئة وذهاب بين الجانبين الحضاريين عبر المرور على هذا التبدل. هذا بافتراض أنه تبدل وحيد فريد. وتزداد الأزمة الفكرية إذا تعدد وتنوع. وكأنما نريد – برغبتنا في تجاوز هذه الأزمة - صناعة كائن جديد يستطيع السباحة في جوف المياه، فإذا خرج منها نريد له أن يطير في جو السماء، وإن عاد عاد، وهكذا دوماً وقتما يشاء.
إن هذا الحال المستغرب هو حال من يعيش بين ثقافتين لا مناص من الجمع بينهما[1]. فالأولى فيها تراثه الذي كُتب بها دينه ومعتقده الذي حياتُه من حياتِه، والثانية حياته التي عليه مغالبة إقصائه منها،  واقتحام أفكارها، ومراعاة معاييرها واصطلاحها وعرفها.
والشاهد من هذا التبدل الحضاري جمع من المفاهيم والدلالات المصاحبة تدور حول التصور الوجودي على الأرض. وعمدة هذا التصور هو التوجه الجغرافي، أو لنقل القبلة الجغرافية التي يُنسب إليها باقي الاتجاهات. ومن خلف الاتجاهات تأتي الأحداث من حيث هي حوادث في الزمان والمكان. مثل حادثة أهل الكهف حينما تزوارت فيها الشمس عن اليمين! فأي يمين هو؟ وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال! شمال ماذا؟ - ومثل حادثة مملكة وملكة سبأ وما فيها من جنتين عن يمين وشمال! فأي يمين وأي شمال؟ - ومثل حادثة موسى وجبل الطور، وجانب الشاطئ الأيمن! فما هو يمناه وما يُسراه؟ - وإذا تناولنا القيمة التي عَظُمَت في الإسلام من حيث افترق فيها الحق وامتاز وانكشف فيها الباطل وتميز. فما علة الخير في اليمين والأيمن وارتباط الشر بالشمال حتى أصبح من المُحَكّمَات في أهم أحداث الكون اللاحقة، وذلك يوم أن يُؤتى المرء كتابه بيمينه أو بشماله، فيكونا فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. فما علة هذا التوقيف الراسخ بين يمين أيمن وشمال أشأم.
ويدور حول اليمين والشمال جمع من ألفاظ اللغة الثابتة في حقل ممتد من الدلالات التابعة مثل: شرق وغرب، وجنوب وشَمال. ومثل أعلى وأسفل، وأمام وخلف، وفوق وتحت، .. إلى غير ذلك مما سيتناوله البحث من ألفاظ تبدلت أرديتها الدلالية بقدر ما تغيرت ثياب الناطقين بها، حتى أنهم قد لا يفهمون مراد بعضهم بعضاً إذا نطقوا بمثلها، مثلما أنهم لا يتعرفون على صورهم إذا تراءت لهم في غير ألبستهم التي ألفوها. وهذا حاجز لُغوي في التواصل التفسيري لكتاب الله تعالى بين كنوز في التفسير لا يُؤتى بمثلها، وبين حملة اللغة الذين نسوا أو غفلوا عن بعض جذورها، أو أناء بهم حمل تداعياتها الدلالية على ما فيها من بحر ألفاظها. وهي التي كثيراً ما أقر أصحابها استحالة الإحاطة بها، حتى نقرأ للشافعي رحمه الله تعالى "لا يحيط باللغة إلا نبي"[2] – يقصد العربية. فما البال بما يأتي به الزمان في الدلالات من ظلال.
لهذه الدواعي وما يلزم عنها يجيء هذا البحث ليلقي ضوءاً كثيفاً على حدث تاريخي تبدل فيه جمع من الدلالات الجغرافية ومعها ما نأمل ألا يكون أعراض أزمة تواصل حضاري بين حاضر الأمة وتاريخها اللغوي والثقافي والحضاري.

هيكل البحث:
لهذا البحث أربعة أركان رئيسة يسعى إلى تحقيق أهدافه في كل منها، وهي على الترتيب التالي:
1.     تحقيق في حداثة التحول إلى اتجاه الشمال الجغرافي كمرجعية أصلية.
2.     تحقيق في قدم اتجاه الشرق وسيادته التاريخية على الاتجاهات الجغرافية الأخرى.
3.     توضيح لمفهوم طول الأرض وعرضها وانتقاله إلى التخطيط الجغرافي المعاصر.
4.     العلامات الأرضية والاستدلال بها على الاتجاهات الجغرافية.

منهجية وفائدة البحث[3]:
لما كان غرض البحث إثبات دعواه في الأركان الأربعة المبينة عاليه بما يسوقه من أدلة لُغوية وتاريخية وآثار مكتوبة، فإن غرض الدراسة بالفعل هو غرضٌ تفسيري يبرر الأسباب ويقوي القناعات بتحقق هذه الأركان حيثما إستُدل عليها.
ومن حيث فائدة الدراسة فإنها ذات شقين، الأول منهما يهتم بفهم التحول الدلالي الناتج عن التطور الحضاري الذي حدث في حقل أهمية الاتجاهات الجغرافية. أما الشق الثاني فيتمثل في القيمة التطبيقية العملية لنتائج الدراسة لكل من اللغويين والجغرافيين وعلماء التاريخ والآثار ومفسري القرآن الكريم وغيرهم من الدارسين في مجالات أخرى عانت من مثل ما عانت منه تلك المجالات الثلاثة من تطور الدلالات الجغرافية.
ومن حيث علاقة الدراسة بزمن المادة المعروضة فهي ذات شقين أيضاً: الأول أنها دراسة حالة على دلالات مادة لُغوية في حقل متخصص في الاتجاهات الجغرافية مستقطع في فترة زمنية محددة في تاريخ البشرية تم خلالها استيعاب التبدلات التي احتوت مادة الدراسة لترى ماذا ألم بها من تغيرات مع الزمن.
والدراسة هي دراسة تاريخية مقارنة حيث تستعرض منظورين من المفاهيم الجغرافية في وضعين تاريخيين مختلفين. وتبرر الانتقال بين هذين المفهومين بما لابسهما من تغيرات حضارية.

1- تحقيق في حداثة التحول إلى اتجاه الشمال الجغرافي كمرجعية أصلية:
ربما لا يشك العامي فضلاً عن المثقف أو المتخصص أن خط الشمال-الجنوب الجغرافي كان دائماً كذلك، وأنه ما كان زمانٌ قبل الآن إلاّ ويعهد الناس أن هذا الاتجاه الرئيس هو سيد الاتجاهات. وأنه استمد هذه السيادة من واقع أهميته وظهوره بما لا يختلف عليه أحد منذ الزمان القديم الذي لا يُعلم بدايته.
والحقيقة أن هذا غير صحيح. بل الصحيح والموثق أن خط الشمال-الجنوب الجغرافي مفهوم حديث لم يَسُدْ إلا في القرون القليلة الأخيرة. وأن هذا المفهوم قد تطور تدريجياً على الراجح على ما سنثبت ذاك. والمُحَقَّق أن هذا الخط الجغرافي خط وهمي على سطح الأرض. فكيف أمكن للقدماء أن يعرفوه أو يُقدروه؟! إن حدود معرفة القدماء – أي القرون الوسطى وما قبلها – كانت تقول بأن الأرض محاطة من جميع الجهات بالبحر. أي أن البحر يحيط بها من كل جانب. ومن ثم سُمي في الثقافة العربية بـ "البحر المحيط". وهو ما نختصره نحن الآن بـ "المحيط".  حتى أنه في اللغات الأوربية كان يُسمى أيضاً بالنهر العظيم المحيط[4] أو ما كان يُترجم سابقاً بالأوقيانوس ومن ثم لاحقاً أخذ في الإنجليزية إسم أوشن Ocean (شكل 1).
شكل 1: خريطة العالم لهيكاتيوس الإغريقي 517ق.م[5] وتمثل المعتقد القديم بإحاطة البحر باليابسة على النحو الظاهر. وليس لوضع أوربا في الخريطة إلى أعلى من مدلول جغرافي في تلك الفترة التاريخية


1-1 قُطبي الأرض وحداثة المواضعة عليهما:
كما أنه لم يكن هناك قطباً شمالياً ولا جنوبياً. إذا أن لفظ القطب باستخدامه الدراج في "القطب الشمالي" و"القطب الجنوبي" – أي الموقعين الذي يمر بهما محور دوران الأرض من جهتيها – هو نفسه لفظٌ حديث. فالقطب[6] هو قطب الفلك، أي الموقع من السماء قرب الجدي الذي يدور حوله الفلك - أي تدور حوله السماء بما فيها من نجوم - لما بين ذلك وبين قطب الرحى من شبه (شكل 2).


 

وأقرب النجوم المرئية بوضوح إلى ذلك الموقع هو النجم القطبي. حتى أنه في اللغات الأوربية ارتبط اسم كل من ذلك الموقع وإسم النجم القريب من حيث الجذر؛ أي قطب الفلكPole[7]  والنجم القطبيPolaris[8] . ومثله القطب الجنوبي، وهو الذي يدور حوله الفلك من الجهة المقابلة من السماء. ومن ثم فهما موقعان في السماء وليسا على الأرض. وهما دقيقان لا يميزهما إلا أهل الهيئة – أي الفلكيون – بالاصطلاح القديم. ولم يكن للأرض في أذهان العصور الوسطى وما قبلها من دوران للأرض حتى يُعلم له محور. ومن ثم لم يكن هناك في الأذهان ذلك الخط الوهمي الذي نقدره بدوران الأرض حول نفسها. أمّا كيف ظهر مفهوم الشمال والجنوب الجغرافيين وطغى بالصورة التي أصبح عليها فهذا يعود إلى ما عُرف بالثورة الجغرافية.

1-2 الثورة الجغرافية[9]:
لما كان نطاق حركة الإنسان مُتعين بما يأمن به معرفة طريق العودة، كان أقصى ما يصل إليه الإنسان على الأرض ما يُصَوِّرُه – أي يرسمه ويقدره- عليها من علامات تستبين نهاراً. وكانت النجوم هي سيدة الموقف ليلاً بأبراجها التي لا تتغير أشكالها وإن تغيرت مطالعها ومغاربها، ولهذا قال تعالى "وعلامات وبالنجم هم يهتدون"(النحل: 16). فكان نطاق الحركة هو تتابع العلامات الأرضية نهاراً، والوجهات ليلاً. أي مواقع متتابعة يعرف المسافر منها اللاحق بالسابق وهكذا حتى يصل لمقصده. وقد رسخ هذا المفهوم لدى العامة حتى أنه عندما كان يُطرح السؤال: كيف تبحر السفن؟ كانت الإجابة الشائعة التي تسمعها من هنا وهناك أنها تحتضن الشواطئ[10]. وذلك كناية عن تتابع المواقع التي يعتمد عليها البحارة ومثلهم المسافرون في معرفة طريقهم.
كان الدافع وراء الخوف من الضياع في البحار والفيافي، ومن ثم عدم السفر لأبعد مما يُعلم، هو عدم العلم بمحدودية الأرض، وأنّ شرقها يتصل بغربها، وأن بحرها المحيط قابل للاجتياز. ولمن عَلِم بمحدودية حجم الأرض كان الخوف من الضياع في بحارها والغرق بين أمواجها هو الهاجس الدائم، حتى أن العرب كانوا يُسمون المحيط الأطلنطي بـ "بحر الظلمات"، كناية عن الرهبة والجهل بما وراءه، إذ إن كل بحر في الليل مظلم، أما هذا فهو ظلمات بعضها وراء بعض!

1-3 البوصلة: التقنية العربية فيما وراء البحار:
كيف إذاً تغيرت الأمور وزادت الجرأة وتجشم البحارة عناء السفر البعيد في البحار دون خوف وفيما لا تتابع فيه من علامات؟ إنها البوصلة، وجاء من أسمائها لدى العرب: بيت الإبرة[11]، الحُك[12]، والبركل[13]، أو اختصاراً الإبرة[14]. وقد اشتهر لدى الغرب أن مخترع البوصلة هو فلافيوجيويا Flavio Gioia[15] المولود في مدينة أمالفي الإيطاليةAmalfi[16]، والحقيقة – كما تشهد بذلك زيغرد هونكه المستشرقة الألمانية[17] - أن فلافيو قد عرف هذه الآلة عن طريق العرب، بل إنه لم يكن أول شخص في بلاد الغرب عرفها. وتستدل هونكه على ذلك وتقول: "من المعلوم أن الصينيين كانوا يعلمون منذ زمن بعيد أن الإبرة المغناطيسية تشير دوماً إلى الشمال (جاء في "قصة الحضارة" لـ "ول ديورانت" أنها كانت تشير إلى الجنوب[18]). ولكنهم في حديثهم نفسه، لم يستدلوا على استعمال البوصلة إلا بواسطة "غيرهم". ولما كانت السفن التجارية تصل في ذلك الوقت – في القرن الحادي عشر – إلى المحيط الهندي، يُرجح الرأي القائل بأن هؤلاء "الغير" هم العرب بالذات. وثمة مصادر عربية تؤكد استعمال العرب للبوصلة في ذلك العصر. وفي عام 1269م نقل بطرس فون ماريكورت Petrus Von Maricourt عن العرب مباشرة معلوماته عن المغناطيس، وعن كيفية استعمال البوصلة. وأدخل استعمالها في أوربا في رسالته Epistole de Magnete (شكل3).
وأضافت زيغرد هونكه: "وبعد خمسين عام – أي حوالي عام 1320م – اكتشف إيطالي من أمالفي البوصلة كما زعموا. وتقع أمالفي هذه إلى جانب البندقية، أولى المدن البحرية التي كان لها تجارة مزدهرة مع العرب الأصدقاء. هذا، ولئن كان عصر تلك المدن الذهبي قد ولى الأدبار، إلا أن سكانها في عصر فريدريك الثاني كانوا يُعتبرون أكثر تجار جنوبي إيطاليا وبحارتها رزانة ووعياً، ومن بينهم فلافيو جيويا.  وقد تلقى علومه في الشرق نفسه، وحسّن في الآلة العربية – حسب زعم بعضهم – إنقاذاً لسمعته التي فضحها التزوير والادعاء، وقدمها للغرب كأحسن ما تكون أداة تؤدي أكبر الخدمات في بحار العالم وتوصل السفن إلى شواطئ بعيدة "[19].


وجاء في "قصة الحضارة"[21]: وأقدم ما ورد عن الإبرة من حيث فائدتها للملاحين هو ما جاء في كتاب أُلّف في أوائل القرن الثاني عشر الميلادي وهو يعزو استخدامها في هذا الغرض إلى البحارة الأجانب- وأكبر الظن أنهم من العرب- الذين كانوا يسيرون سفنهم بين سومطرة وكانتون. وأول إشارة معروفة لنا عن البوصلة في أقوال الأوربيين هي ما ذكر عنها في قصيدة لجنيو ده بروفن.
وفي موضع آخر يقول ول ديورانت: "وظهرت البوصلة البحرية، التي لا تعرف بدايتها على وجه التحقيق، في سفن المسيحيين حوالي عام 1200م وجعل الملاحون الصقليون استعمالها مستطاعاً في المياه الهائجة بتثبيت الإبرة الممغنطة فوق قطب متحرك"[22].
ويمكننا القول بأن تلك الفترة – أي فترة ظهور البوصلة – فترة الانقلاب، أو لنقل الانفتاح أو الثورة الجغرافية والتي تلت بالذات عام 1280م كما قيل[23]. وفي هذه الفترة اتصلت المدن البحرية البعيدة بالقريبة وأصبحت البوصلة سيدة البحار، ولا تخلو منها سفينة تمخر عباب البحار. أي تعلقت الأبصار بها دائماً. وأصبح مؤشرها يتجه إلى قبلة جديدة في البحر. وأصبحت عُرفاً سرعان ما انتقل إلى البر. وأصبح اتجاهها الشمال-الجنوب ذي مركزية اتجاهية، بعد أن لم يكن من قبل. فماذا كان الشمال والجنوب يعنيان قبل ذلك؟

1-4 الشمال والجنوب قبل البوصلة:
لم يأت في القرآن الكريم أي ذكر لاتجاه الشَّمال (بالفتح) بمعنى الشمال الاتجاهي، بينما نجد أنه أتي بـلفظ الشِّمال (بالكسر) بمعنى الشِّمال المقابل لليمين كما في قوله تعالى "إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد"(ق 50: 17) أو بمعنى النذير بسوء المآل كما في قوله تعالى "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال، في سموم وحميم"(الواقعة 56: 41). كما أنه لم يأت في كتاب الله تعالى أي ذكر لاتجاه الجنوب بلفظه.
وجاء في لسان العرب[24] "الريح الشَّمَال" أي باعتبار الشَّمال إسماً للريح. وجاء "إذا هبت الشَّمال" أي الريح الشَّمال. أي أنها لما استقلت آلت إلى ما هي إسماً له، أي تلك الريح. وقال صراحةً: "والشَّمال: الرِّيح التي تَهُبُّ من ناحية القُطْب". ويزيد ابن الأعرابي الأمر وضوحاً بقوله: مَهَبُّ الشَّمَال من بنات نَعْشٍ إِلى مَسْقَط النَّسْر الطائر. أي من اتجاه الشمال المعروف الآن إلى الجنوب المعروف الآن أيضاً حيث تتميزان بهتيك النجوم في السماء. "وقال ثعلب: الشَّمَال من الرياح ما استْقْبَلَك عن يَمِينك إذا وَقَفْت في القِبْلة". والواقف في القبلة يكون ظهره إلى الشرق أنظر (شكل 4)) ومن ثم تكون الشَّمال من الرياح ما تأتي من جهة الشمال المعروف لنا وهو في الحقيقة إسم تلك الرياح. وقال أيضاً: والشَّمَالُ ريح تَهُبُّ من قِبَل الشَّأْم عن يَسار القِبْلة. وجلي هنا أنه إذا كانت الشام (الشأم) عن يسار القبلة فإن ذلك لا يكون إلا إذا كان ذلك لمن كانت وجهته إلى الشرق. وقيل مشمول : ضربته ريح الشمال حتى برد.


وخلاصة "الشَّمَال" أنه لم يكن أبداً اسم اتجاه، ولم يكن لاتجاه الشمال المعروف لنا الآن إسمٌ خاص، سواء كان الشَّمَال أو غيره.
وعن الجنوب جاء في لسان العرب[25]: [والجَنُوبُ: ريح تُخالِفُ الشَّمالَ تأْتي عن يمِين القِبْلة. (ونلاحظ مرة أخرى أن يمين من كانت وجهته إلى الشرق) وقال ثعلب: الجَنُوبُ مِن الرِّياحِ: ما اسْتَقْبَلَكَ عن شِمالك إذا وقَفْت في القِبْلةِ، أنظر (شكل 4). وقال ابن الأَعرابي : مَهَبُّ الجَنُوب مِن مَطْلَعِ سُهَيلٍ إلى مَطْلَعِ الثُرَيَّا. وقال الأَصمعي: مَجِيءُ الجَنُوبِ ما بين مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الشمس في الشتاءِ. وقال عمارةُ: مَهَبُّ الجَنُوبِ ما بين مَطلع سُهَيْل إلى مَغْرِبه. وقال الأَصمعي أيضاً: إذا جاءَت الجَنُوبُ جاءَ معها خَيْرٌ وتَلْقِيح، وإذا جاءَت الشَّمالُ نَشَّفَتْ (ومن هنا التفاؤل بالجنوب أي باليمين لما يأتي به من الخير، والتشاؤم بالشمال لما يأتي به من الشر). وجاء في التهذيب: والجَنُوبُ من الرياحِ حارَةٌ، وهي تَهُبُّ في كلِّ وقْتٍ، ومَهَبُّها ما بين مَهَبَّي الصَّبا والدَّبُورِ مِمَّا يَلي مَطْلَعَ سُهَيْلٍ. وجَمْعُ الجَنُوبِ: أَجْنُبٌ. وفي الصحاح: الجَنُوبُ الريح التي تُقابِلُ الشَّمال. وحُكي عن ابن الأَعرابي أَيضاً أَنه قال: الجَنُوب في كل موضع حارَّة إلا بنجْدٍ فإنها باردة.]
وهكذا خَلَى لفظ "الجنوب" من أي دلالة على أنها إسم موضع أو جهة بعينها، بل هي إسم الرياح التي تأتي حارة من ناحية اليمن أو ما يوازيها، إلا نجدٍ فإنها باردة. وربما ذلك لارتفاعها.
ولم يكن ذلك منظوراً عربياً فقط، بل تكرر عند غير العرب. فها نحن نقرأ لمن يؤرخ للملاحة والاتجاهات الجغرافية في أوربا ويقول[26]: [إن التأثر بالرياح أعطى الإنسان مؤشراً تقريبياً على الاتجاهات. وليس من المستغرب أن نجد أن أسماء الرياح الدائمة أصبحت أسماء عين الاتجاهات التي تهب منها تلك الرياح. ففي نصف كرة الأرض الشمالي، تأتي الرياح الباردة من الشمال، وتأتي الرياح الدافئة من الجنوب. لذا نرى الكلمة اليونانية Boreas والتي هي إسم للرياح الشمالية الباردة، تُصبح علماً على عين اتجاه الشمال. ومثلها تصبح كلمة Notus التي هي إسم الرياح الدافئة الجنوبية، علماً على اتجاه الجنوب. وتصبح كلمة Zephyr التي هي إسم الرياح الغربية المعتدلة علماً على اتجاه الغرب، وتصبح كلمة Apeliotes التي هي إسم الرياح الشرقية الجافة علماً على اتجاه الشرق].
والأشد من ذلك أن اجتمع التأثر بالرياح وأسمائها والبوصلة وأفضالها في أن اصطبغت آلة البوصلة باتجاهات وأسماء الرياح الثمانية الشائعة، الأربعة المذكورة أعلى، وأربعة بينية. فيصبح المجموع ثمانية. وهذا هو نظام الرياح المنحوت على برج الرياح في أثينا (شكل 5).


ونخلص من ذلك بالنتيجة البينة بأن لفظي "الشمال" و"الجنوب" في العربية، ومثلهما Boreas، Notus في اليونانية لم يكونا أسماء اتجاهات في الأصل، وإنما أسماء رياح. ولم يكن لاتجاههما من أفضلية على غيرهما من اتجاهات الشرق والغرب بدلالة عموم تسمية الاتجاهات بما يأتي منها من رياح. فلا امتياز ولا أولوية ولا سيادة كانت هناك لاتجاه الشمال. حتى أن خرائط العصور الوسطى وما قبلها لم تكن تميز الشمال دون غيره كما هو الحال في (شكل 7). وأن الحال قد اختلف في رسم الخرائط بوضع الشمال أعلى كما هو في (شكل 8) فقط بعد شيوع استخدام البوصلة.



2- تحقيق في قدم الشرق وسيادته التاريخية على الاتجاهات الجغرافية الأخرى:
2-1 الشرق والمشرق:
قد تهب الرياح كثيراً وقد لا تهب. وقد تظهر النجوم وأبراجُها وقد تحجبها السحب أياما طوال. أما الشمس فلا يجهل أحد من الناس مشرقها. فهو إما متنعم بدفئها أو متأذي من لهيبها أو مستظل من حرها. وإن غابت ألفاظ الاتجاهات في القرآن فيما يخص الشمال والجنوب فإنها لم تغب بالنسبة للمشرق والمغرب. وقد تكرر لفظ الشرق ومشتقاته دلالة على اتجاه شروق الشمس؛ أي الشرق الاتجاهي أكثر من 12 مرة. كما أن كلمة المغرب ومشتقاتها قد وردت 12 مرة أيضاً. لكل هذا كان الشرق بصفته مفتاح الضياء الذي تأتي به الشمس ذو سيادة على غيره من الاتجاهات. فلا يتفاضل أحد ولا يختلف اثنان في معرفة الشمس وموضع شروقها، ولا يفتقر إلى ذلك إنسان. فهي بينة حتى للأعمى إذا أراد استشعار اتجاه حرارتها خلال رحلتها في كبد السماء. وإن كانت مطالع الشمس – أي مشارقها – تتغير، فإنها تتغير بحساب يسهل على الناس تتبعه. فضلاً عن ارتباط هذا التغير بفصول السنة. فإن علم في أي فصل هو علم من أين ستشرق الشمس غدأ، وإن علم مشرقها، علم في أي فصول السنة هو. وبلغ من أهمية ووضوح وبيان الشمس ومشرقها أن جاء التشريع باتخاذها ميقات لمواعيد الصلاة الواجبة على كل مسلم، بل ومواعيد الإمساك والإفطار في الصيام، بل إن اتجاه قبلة الصلاة تتعين بها وبدقة عالية لأهل كل بلد.
لكل ما سبق كان المشرق عمدة الاتجاهات. فهل من آثار لهذا الاتجاه الفريد في حياة الإنسان، عربياً كان أو أعجمياً؟ نعم، إن الآثار في ذلك لتنوء بحاملها، ويكفينا بالقليل هنا – وهو كثير- ما يقنع به المرء الذي غابت عنه هذه الحقائق.

2-2 أدلة اعتماد الشرق مرجعية جغرافية:
نبدأ هذه الأدلة باستحضار آلة الإنسان البدنية التي خلق الله تعالى له فيها ما يعينه على تمييز الاتجاهات الأولية نسبة إلى أعضاء جسمه، ثم نناقش أدلة من التراث العربي، ونُتْبِع ذلك ببعض الأدلة من أصول اللغات الأوروبية.

2-2-1 أدلة منطقية نابعة من العلاقة الفطرية للإنسان وبنيته العضوية بالاتجاهات الجغرافية:
2-2-1-1 إذا ولَّى الإنسان وجهه شطر الشرق ومد ذراعيه على امتدادهما أمكنه تعيين اتجهاهين متعامدين، الأول (أمام (شرق)- خلف (غرب)) والآخر (يمين (جنوب)- يسار (شمال)) كما هو موضح في (شكل 9) الذي يحدد نظام بسيط لتحديد الاتجاهات يعتمد على وضعية الإنسان (يمينه ويساره وأمامه وخلفه) إذا نظر إلى الشمس. وبالعودة إلى أدلة اعتماد الشرق جهة رئيسة نستطيع أن نضع تلك الوضعية التلقائية للإنسان في قلب تلك الأدلة.

2-2-1-2 من اليسير أيضاً أن نفهم العلاقة بين اليمين واسم اليمن، والشمال واسم الشام أو الشأم كما كانت تسمى. فكما هو موضح في (شكل 9) السابق، و(شكل 10) فسوف نلاحظ أن اليمن هي يمين المنطقة العربية، والشام هي شمال المنطقة العربية. وذلك بالطبع بحكم العرف بتوجيه الإنسان وجهه شطر الشرق. وليس بمستغرب أن يكون الارتباط في التسمية إلا ناتجاً عن هذا الوضع الجغرافي. وهذا ما سيجيء الاستدلال عليه في ثنايا مقتطفات من التراث العربي تؤكد نصوصها على هذا المعنى.

2-2-1-3 أهل اليمن وكونهم أصلاً لأهل المدينة وما للأنصار فيها من فضل، وما مدح رسول الله r به قلوب أهل اليمن يكشف مزية كبيرة لأهل هذه البلاد، ويجعل من الانتساب إلى جهتهم من التفاؤل والخير. كما وأن رياح الجنوب وما تأتي به من خير وتلقيح – كما قال الأصمعي ونقله ابن منظور- بُشرى لمن حُملت إليه. أما جهة الشام وما كان يأتي من جهتها من أخطار الروم وحلفائهم من العرب، وما قد يكون من شر الدجال الذي سيخرج من تلك الجهة من نذير شؤم وتشاؤم، وما لريح الشمال من إتيان غير مُرحب به تنشف به الأبدان والثمرات. بل إن الألفاظ شام، وأنها كانت تُكتب شأم وقد حُذفت الهمزة للتخفيف، ليس بمستغرب أن تكون أصلاً الشؤم والتشاؤم في آن واحد. ومن هنا فمدح اليمين وما ينتسب إليه وذم الشمال ومتعلقاته قد يقوم على هذه الجذور، لا لطيرة أو ما شابه، بل لرمزية وفرقان في الإسلام بين خير وشر. ولا يمس أهل الشام الآن من هذا شيء بعدما أسلمت، مثلما لا يمس مصر ومكة المكرمة شيء من أفعال فرعون وعباد الأوثان في مكة قبل الإسلام.


2-2-2 أدلة من التراث العربي:
2-2-2-1 جاء في كتاب "مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى" تعريفاً لـ : (أهل اليمن) يقول التعريف[31] "هو كل ما كان على يمين الكعبة من بلاد الغور، والنسبة إليه يمني". وبالنظر إلى خريطة الجزيرة العربية (شكل 10) نجد أن اليمن لا تكون عن يمين الكعبة إلا إذا تمثلنا الكعبة كالشخص الواقف في مواجه الشمس، فيكون يمينه في بلاد اليمن، ومن ثم فلا مناص من أن يكون الشرق هو الوجهة المحذوف ذكرها. وما حُذف ذكره دل على شيوعه وأنه العرف والمفهوم.



2-2-2-2 جاء في كتاب "فضائِل بَيْت المقدّس وفضائِل الشّام" للمكنَاسي في شرحه اللغوي لكلمة شام: "شام بلا همزة وشأم بهمزة وشآم بمدة، سمي شاماً لأنه عن يسار الكعبة كما سمي اليمن لكل ما كان عن يمين الكعبة من بلاد الغور. ويقال: إن أول بيت بني في الدنيا الكعبة، وكانت قبلة الأنبياء عليهم السلام، فلما خرج نوح من السفينة تفرق أصحابه، فمنهم من أخذ نحو يمين الكعبة، ومنهم من أخذ نحو يسارها فسمي الموضع باسم الجهة المأخوذ منها"[32].
2-2-2-3 جاء في كتاب "مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام" لشهاب الدين المقدسي عن الشام قائلاً: "إنما سميت شاماً لأنها عن شمال الكعبة، كما سمي اليمن كل ما كان عن يمين الكعبة من بلاد الغور"[33].
2-2-2-4 جاء في كتاب "صفة جزيرة العرب" لأبي محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني (عن جبل السراة)، يقول[34]: [ أما جبل السراة الذي يصل ما بين أقصى اليمن والشام فإنه ليس بجبل واحد وإنما هي جبال متصلة على نسق واحد من أقصى اليمين إلى الشام في عرض أربعة أيام في جميع طول السراة يزيد كسر يوم في بعض هذه المواضع وقد ينقص مثله في بعضها فمبتدأ هذه السراة من أرض اليمن أرض المعافر...]. نلاحظ عبارة "من أقصى اليمين"، والحكاية عن جبل السراة، أي جبل السروات كما هو معروف الآن، والممتد من اليمن إلى الشام ويمثل سلسلة جبال الحجاز. والدلالة واضحة في أن أقصى اليمين هنا لابد حتماً وأن يكون الشاخص باعتبار وجهته إلى الشرق، فيمينه يبدأ من اليمن مثلما جاء في الأدلة السابقة.
2-2-2-5 جاء في كتاب أخبار المدينة[35]: (عن بناء مسجد النبي r بالمدينة) أنه [في البداية لم يُسطح المسجد فشكوا الحر فجعلوا خشبه وسواريه جذوعاً شقة شقة، وضرب لبنه من بقيع الخبجبة، وهو عن يسار بقيع الغرقد عند بئر أبي أيوب بالمناصع.]
وبمراجعة (شكل 11) يتبين موقع "المناصع" وكيف أنها إذا كانت على يسار بقيع الغرقد فلا بد أن يكون ذلك لمن ولّى وجهه شطر الشرق. وحيثما لم يُذكر دل ذلك على أنه مفهوم عرفاً وأنه تقليد القوم في ذلك الوقت.
إن هذه الأدلة لتقطع بأن اليمين واليسار لا يفيدان إلا إذا تعينت وجهة بعينها. وما كان من وجهة تتفق فيها تلك الآثار بمواقعها المعروفة إلا ويكون اليمين هو يمين للناظر إلى الشرق، واليسار أو الشمال شماله وهو على هذا الحال. وإذا صح هذا قِيس عليه. بمعنى أنه إذا جاء من الآثار في كتب التاريخ أو السيرة أو الحديث وأشكل على الراوي الاتجاه ألحقنا به ذلك العرف. أي اعتبار الشرق هو الوجهة التي يُنسب إليها. فيكون كل يمين لا ذكر لنسبته صراحة أو ضمناً منسوب إلى الشرق، وكل شمال أو يسار غير منسوب فتكون نسبته إلى الشرق. وإن قيل خلف أو وراء أو دُبُر أو ما في معناه كانت النسبة أيضاً لمن ولّى وجهه شطر الشرق.


2-2-3 أدلة من أصول اللغات الأوربية:
معلوم في اللغة العربية الفعل "توجه" أو "ولّى وجهه" كما قال تعالى "فولي وجهك شطر المسجد الحرام"(البقرة: 144). ومنه "الوِجهة" التي يتوجه إليها الإنسان أو يوجه شيئاً تجاهها. ومجازه "التوجه"، وهو حمل المعنى على ما كان غير مكاني مثل التوجه الثقافي، والديني، والفني، إلى غير ذلك.
ويقابله في الإنجليزية orient للفعل توجَّه، و orientation للإسم الحقيقي "توجُّه" أو "وِجْهَه" أوالمجازي، بلا فروق دلالية واضحة عن العربية. هذا بالإضافة إلى أن Orient إذا جاءت إسماً فإنها تعني "الشرق" أو "المشرق" بلا اشتراك مع معاني أخرى.
وبالبحث عن جذر هذه الكلمة في اللغات الأوربية[37] وجدنا أنها كذلك في الإنجليزية المتوسطة والفرنسية القديمة Middle English, Old French. وقد نشأت هذه اللغات في القرون الوسطى. أما في اللاتينية فكان شكلها oriens بمعنى orient وتعني الشمس المشرقة أو الشرق وقد جاءت من الفعل oriri ومعناه ترتفع أو تقوم أو تولد to arise, be born.
والآن: ما معنى ذلك؟ - إن كامل جذور الكلمة تعود إلى الشمس وارتفاعها، أي أن التوجه الذي أصبحت orient تحمل معناه إذا قيل على الحقيقة يعود إلى التوجه ناحية المشرق. وكأن معنى "التوجيه" إن كانت ترجمة لـ orientation هو نفس معنى "التشريق" في اللغة العربية. ولو فعلنا نفس الشيء في العربية لقلنا "شّرِّق" ونريد منها "تَوجَّه". ألا يدل ذلك على أن جهة الشرق كان سيد الاتجاهات لدى أوربا مثلما أنه كان كذلك لدى العرب؟



2-4 التغير الزمني في المرجعية الجغرافية الأصلية من الشرق إلى الشمال:
نُلخص في (شكل 12) ما نتصور أنه سيرورة تاريخية تحولية لهذا التبدل: فالشرق كان سيد الاتجاهات الجغرافية حتى اكتشاف واستخدام البوصلة كآلة توجيه ملاحي أساسية بواسطة العرب كما استشهدنا على ذلك. كما أن لفظي "الشمال والجنوب" لم يكونا إلا أسماء رياح. ومن ثم استعيرا إلى الدلالة على الجهات التي تأتي منها تلك الرياح والتي بدت أهميتها بسبب البوصلة. فكانا الشمال والجنوب الجغرافيين.  ويوضح (شكل 12) تصور للتوقيت الزمني (التقديري) للتحول من الشرق إلى الشمال كاتجاه أصلي (الثورة الجغرافية عام 679هـ/1280م)، هذا ويجدر الإشارة إلى أن هناك تحول آخر حدث في حدود عام 493هـ/1100م وهو التحول من "الشمال والجنوب" كأسماء الرياح إلى أسماء جهات (إشارات الغزالي في إحياء علوم الدين عن البلاد الشمالية والجنوبية عام 1100م).
فالحاصل أنه من خصائص اللغات الحذف حيث يُفهم المحذوف دون التصريح به. ومن ذلك قول الله تعالى "واسئل القرية التي كنا فيها"(يوسف: 82). والمقصود إسأل أهل القرية. وإن كان هذا يعرف أيضاً بالمجاز، إلا أنه من باب حذف المعلوم. ومثل ذلك حاصل هنا في قضية الشمال والجنوب وأنهما أسماء رياح. ولما أُريد التعبير عن الإتجاه الذي تجيء منه رياح الشمال كان الأصل أن يُقال جهة رياح الشمال، وبالعرف والألفة في ذلك الوقت بأن الشمال لا معنى لها إلا أنها أسماء رياح، حُذفت منها كلمة رياح وأصبح التعبير بـ "جهة الشمال". كما وأن الحذف وارد مع التأنيث كما في "إذا هبت الشَّمال" وعندئذ يكون المقصود عين الرياح الشَّمال كما قال ابن منظور في لسان العرب. وعلى هذا المنوال نفهم ما جاء في إحياء علوم الدين للغزالي (500 هـ) قوله[38] [في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية كاليمن] أن المقصد بالبلاد الشمالية  "البلاد التي تأتي من جهتها رياح الشمال"، ومثلها البلاد الجنوبية. ونفهم أيضاً ما جاء في رحلة ابن جبير(578 هـ) وقوله[39] في كيفية الطواف: [وأول ما يلقى بعده  (أي ركن الحجر الأسود) الركن العراقي، وهو ناظر جهة الشمال. ثم الركن الشامي، وهو ناظر جهة الغرب. ثم الركن اليماني، وهو ناظر جهة الجنوب.] أن المقصود الجهة التي تأتي منها رياح الشمال والجهة التي تأتي منها رياح الجنوب. وأن إسم الرياح استعير للدلالة على الجهة. كما نفهم أيضاً ما جاء في لسان العرب في مادة (قطب) حيث يقول ابن منظور(نقلاً عن ابن الصلاح، المحدث الشهير): [القُطْبُ ليس كوكباً، وإِنما هو بقعة من السماءِ قريبة من الجَدْي. والجَدْيُ: الكوكب الذي يُعْرَفُ به القِبلة في البلاد الشَّمالية]. ونفهم من ذلك أيضاً البلاد التي تأتي من جهتها رياح الشمال.

3- مفهوم طول الأرض وعرضها وانتقاله إلى التخطيط الجغرافي المعاصر:
3-1 طول الأرض وعرضها في الفكر القديم وانتقاله إلينا:
يرتبط بالاتجاه الرئيس اعتبارات أخرى غير النسبة إليه. ونقصد بذلك اعتبارات تخص هندسة المساحة التي يجري وضع الاتجاهات عليها. فالحس الهندسي يربط دائما الاتجاه أو المحور الرئيس بأطول المسافات الممكنة على السطح المراد إخضاعه للاتجاهات شريطة أن يتماثل الشكل حوله، سواء بشطر الشكل أو بتدويره حول المحور المختار (أنظر شكل 13). فإن انتفى التماثل حول أطول اتجاهات الشكل كان ما يليه أولى إذا تحقق له التماثل.
  
وإذا انتبهنا لهذه الاعتبارات ولاحظنا الأدلة التالية لأدركنا دليلاً نوعياً جديداً يعزز ما وصلنا إليه.

3-2 أدلة اعتماد ما للأرض من طول وعرض:
3-2-1 جاء في كتاب "المسالك والممالك" لإبن خُرْدَاذْبَه[40]:  "والأرض مقسومة بنصفين بينهما خط الاستواء. وهو من المشرق إلى المغرب. وهذا طول الأرض. وهو أكبر خط في كرة الأرض. وعرض الأرض من القطب الجنوبي الذي يدور حوله سهيل إلى القطب الشمالي الذي يدور حوله بنات نعش".
3-2-2 جاء عن طريق الهجرة في السيرة النبوية[41]: [قال ابن اسحاق ‏‏:‏‏ فلما خرج بهما دليلهما عبدالله بن ارقط، سلك بهما اسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل، حتى عارض الطريق اسفل من عُسفان، ثم سلك بهما على اسفل امج، ثم استجاز بهما، حتى عارض بهما الطريق، بعد ان اجاز قديدا، ثم اجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخرار، ثم سلك بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا‏‏‏‏]. أنظر طريق الهجرة باللون الأخضر (شكل 14).

هناك إذاً طولاً للأرض، وذلك على امتدادها بين المشرق والمغرب. وهناك عرضاً، وذلك ما تعارض مع طولها. وقد حمل على هذا التوهم المكاني لطول الأرض من مشرقها إلى مغربها افتراض أقوام كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى من أقصى الشرق[42] وحتى الغرب، وكذلك تماثل الأرض حول خط الاستواء. حمل هذا التوهم الإنسان على اعتبار المحور الرئيس للأرض ليكون هو خط الشرق-الغرب، وأنه هو الطول (شكل 15). وأن الخط المعترض عليه أي الشمال-الجنوب هو العرض.


ومن حيثيات هذا التوهم ما جاء في الأثر[43] من أنه [عُثر على وصف تخطيطي للعالم يُنسب إلى عبدالله بن عمرو بن العاص فاتح مصر، جاء فيه"صورت الدنيا على خمسة أجزاء كرأس الطير والجناحين والصدر والذنب. فرأس الدنيا الصين ،وخلف الصين أمة يقال لها واقٍ واق. ووراء واقٍ واق من الأمم ما لا يحصيها إلا الله. والجناح الأيمن الهند، وخلف الهند البحر وليس خلفه خلق. والجناح الأيسر الخزر وخلف الخزر ماشك ومنشك. وخلف ماشك ومنشك يأجوج ومأجوج من الأمم ولا يعلمها إلا الله. وصدر الدنيا مكة والحجاز والشام والعراق ومصر. والذنب من ذات الحمام إلى المغرب. وشر ما في الطير الذنب". وبقيت هذه الرواية رائجة في مصر حتى زمن المقريزي]. أنظر (شكل 16). وسواء صحت الرواية أو لم تصح، فإنها تعكس تصور الناس للاتجاهات على الأرض. ومن البين أن اتجاه الطائر - الممثل برأسه – يكون ناحية الشرق.  


وهذا التوهم بطول الأرض وعرضها لم يقتصر على ذلك الزمن الذي كان اتجاه الشرق – الغرب هو الاتجاه الرئيس، بل إنه مرتبط بالاتجاه الرئيس حيثما يُعمل به ولو على خلاف الدلالات الأصلية المنقولة. فالناس الآن يظنون أن خطوط الطول على الأرض هي التي تمتد بين قطبي الأرض الشمالي والجنوبي كما في (شكل 17) وأن هذا تابع لأن طول الأرض الذي هو ملازم للاتجاه الرئيس المعمول به هو الشمال-الجنوب.
والحقيقة أن خطوط الطول الممتدة بين القطبين هي فعلاً خطوط الطول. ولكن طول ماذا؟ إنه الطول الذي تسيره وأنت تواجه الشمس شرقاً من مرجع ثابت. فإذا انتقلت من خط طول (صفر) إلى خط طول 30 فأنت مشيت في اتجاه طول الأرض 30 درجة. أما إذا مشيت على خط الطول نفسه فأنت لم تقطع شيئاً في اتجاه طول الأرض، بل إنك تنزاح جانباً – أي عرضياً – أي تنتقل على خط العرض. أي تمشي بعرض الأرض (شكل 17).

إن خطوط الطول والعرض لا تعني بامتدادها أن الطول على امتداد الخطوط والعرض كذلك، بل إنها خطوط تساوي الطور Constancy of Phase. مثلما هو موضح في (شكل 18) فالانتقال على أي من تلك الخطوط لا يفيد شيئاً إلا أنك لا تعاني تغيراً في الضغط. فإن أردت الحركة في اتجاه زيادة الضغط أو نقصانه فعليك الانتقال من خط إلى خط أعلى منه قيمة أو أقل. أي متعامداً عليه. وهذا هو الحال مع خطوط الطول والعرض. فالطول الحقيقي المراد منها هو الحركة بتعامد على تلك الخطوط، فإن فعلت فأنت تتجه شرقاً أو غرباً مثلما هو الحال في القديم. ألا يُلاحَظ من ذلك أن معاني الطول والعرض، مثلها مثل دلالات التوجه Orientation وأن المقصود منها التشريق، قد نُقلت من القديم بما تحمله من معاني كما هي دونما أن ينتبه الناس إلى تلك الحقائق!


3-2-3 كان توجه الخرائط في القرون الوسطى إلى جعل الشرق أعلى الخريطة. ثم تم الانتقال إلى جعل الشمال أعلى الخريطة باكتشاف وانتشار استعمال البوصلة في الملاحة بشكل مكثف. وذلك كما لاحظنا من الانتقال من الخرائط قبل البوصلة (شكل 7) والخرائط بعد البوصلة (شكل 8). غير أنه كان يحدث أن ترسم الخرائط بشكل مختلف، بحيث أنك تستطيع تدويرها من أي جهة بغرض نفي فائدة الجهة عن العلاقات النسبية بين مواقع الخريطة. فنرى في ( شكل 19) خارطة للبحر المتوسط والغرب إلى أعلى ومنه نعلم أنه لم يكن مقصوداً.
إلا أن معظم خرائط تلك الفترة كانت من حيث التوجيه شرقية الوجهة إلاّ ما تعدَّل بظهور قيمة الشمال بما أتت به البوصلة من أهمية ملاحية. كما في مجموعة الخرائط الآتية (شكل 20).
4- العلامات الأرضية والاستدلال بها على الاتجاهات الجغرافية:
4-1 الاتجاهات والمواقع الأرضية المميزة لمنطقة الحجاز:
يُلاحظ كثيراً في السيرة والتراث، وحتى في القرآن الكريم، تعيين العلاقات الموقعية النسبية بعلامات أرضية. فما دام البحر دائماً غرب جزيرة العرب فالنسبة إلى البحر أو الساحل تعني دائماً النسبة إلى الغرب. ومثل ذلك نلحظه في الأمثلة الآتي:

4-1-1 العلو والعالية وأعلى وفوق تعني الشرق، السافلة وأسفل والغور والساحل تعني الغرب:
4-1-1-1 جاء في التفاسير: البغوي والقرطبي والبيضاوي والنيسابوري والكشاف وغيرهم: في قوله الله تعالى "إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم"(الأحزاب 33: 10): معنى (من فوقكم) من أعلى الوادي من قبل المشرق وهم بنو غطفان. (ومن أسفل منكم) من أسفل الوادي من قبل المغرب وهم قريش. (شكل 21)

 4-1-1-2 كما جاء في تفسير قوله تعالى[46] "إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم"(الأنفال 8: 42)، أن العدوة الدنيا هي جانب الوادي. والدنيا هي مما يلي المدينة، والقصوى هي مما يلي مكة. "والركب أسفل منكم" يعني ركب أبي سفيان وغيره. كانوا في موضع أسفل منهم إلى ساحل البحر فيه الأمتعة. (شكل 22)


4-1-1-3 جاء في صحيح البخاري: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثني معن قال: حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل من الثنية العليا (وفي رواية: دخل مكة من كداء، من الثنية العليا التي بالبطحاء)، ويخرج من الثنية السفلى[48].

4-1-1-4 وجاء: حدثنا الحميدي ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة، دخل من أعلاها، وخرج من أسفلها.

4-1-1-5 وجاء في كتاب "عمدة الأخبار" للعباسي[49]: قال البيهقي عن ابن اسحاق: فلما خرج رسول الله r (يعني إلى تبوك) ضرب عسكره على ثنية الوداع ومعه زيادة على ثلاثين ألفاً من الناس وضرب عبدالله بن أبي عسكره على ذي حدة (بالحاء المهملة) أسفل منه نحو ذباب.

4-1-1-6 وفي نفس الكتاب[50]: (السافلة): تقابل العالية، والمدينة منقسمة إليهما. وأدنى العالية في السنح على ميل من المسجد. فما نزل عنه فهو السافلة. ولا تختص السافلة بما في شامي المدينة اليوم لأن النبي r أرسل ابن رواحه بشيراً لأهل العالية بنصرة بدر، وزيد ابن حارثة لأهل السافلة. قال أسامة ابن زيد: فجئت زيد بن حارثة وهو واقف بالمصلى وقد غشيه الناس. فإتيان بشير السافلة للمصلى دليل على ما ذكرنا.

4-1-1-7 وجاء أيضاً[51] عن (الصفراء): وادٍ قرب المدينة... في طريق الحاج، سلكه رسول الله r غير مرة، وبينها وبين بدر مرحلة، وماؤها عيون كلها، وهي فوق ينبع مما يلي المدينة. وماؤها يجري إلى ينبع.(شكل 23)



4-1-1-8 وجاء أيضاً[53] عن (العالية): تأنيث العالي. إسم لكل ما كان من جهة نجد من المدينة من قراها وعمايرها إلى تهامة. وأما ما كان دون ذلك من جهة تهامة فهي السافلة. وقال قوم: العالية ما جاوز الرمة إلى مكة. وأهلها عكل وتيم. ...، ومن أهل الحجاز ما ليس بنجدي ولا غوري وهم الأنصار ومزينة، ومن خالطهم من كنانة. وقال أبو منصور: عالية الحجاز أعلاها بلداً وأشرفها موضعاً، وهي بلاد واسعة. وإذا نسبوا إليها قالوا علوي والأنثى علوية على غير قياس.

4-1-1-9 وجاء[54] (الكلام عن حي من أحياء المدينة يسمى الفرع فيه مساجد لرسول الله r) روى الزبير أن رسول الله r نزل الأكمة من الفرع فقال (من القيلولة) في مسجدها الأعلى ونام فيه، ثم راح فصلى الظهر في المسجد الأسفل من الأكمة.

4-1-1-10 وجاء[55] عن (عُلْو المدينة): جاء في حديث الهجرة: أن رسول الله r لما قدم المدينة نزل من عُلْو المدينة في حي يقال له بنو عمر بن عوف. قال ابن حجر، كل ما كان من جهة نجد يُسمى العالية، وما في جهة تهامة يُسمى السافلة، وقباء من عوالي المدينة. واُخذ من نزول النبي التفاؤل له ولدينه بالعلو.

4-1-1-11 وجاء[56] عن (العوالي): جمع عالية ويطلق على أعلى المدينة المنورة حيث يبدأ وادي بطحان. والقدماء يذكرون أنها قرية أو ضيعة، وبينها وبين المدينة ثلاثة أميال. ولكنها اليوم تتصل بالمدينة.

4-1-1-12 جاء عن طريق الهجرة في السيرة النبوية[57]: [قال ابن اسحاق ‏‏:‏‏ فلما خرج بهما دليلهما عبدالله بن ارقط، سلك بهما اسفل مكة، ثم مضى بهما على الساحل، حتى عارض الطريق اسفل من عسفان، ثم سلك بهما على اسفل امج، ثم استجاز بهما، حتى عارض بهما الطريق، بعد ان اجاز قديدا، ثم اجاز بهما من مكانه ذلك، فسلك بهما الخرار، ثم سلك بهما ثنية المرة، ثم سلك بهما لقفا ( شكل 24)‏‏.‏‏]

4-1-1-13 جاء في وصف هضبة هرشى[58]: [قال عرام: هرشى هضبة ململة بأرض مستوية لا تنبت شيئاً، أسفلها ودان[59] على ميلين مما يلي مغيب الشمس، يقصعها المصعدون من حجاج المدينة، ويتصل بها عن يمينها. بينها وبين البحر خبت وهو رمل لا ينبت غير الأرطى[60].] ويلاحظ بجلاء أن أسفل تؤدي معنى جهة الغرب. أي أن ودّان أسفل هرشى أي على جهة الغرب منها.

فهذه أدلة العالية والسافلة وما في مقامهما مما يدل على ما كان شرقياً وما كان غربياً مما بين نجد شرقاً وحتى ساحل بحر القلزم (البحر) الأحمر غرباً. ونظراً للأن غالب أحداث السيرة كانت في هذه المنطقة، فقد كثرت الآثار بذلك. أما جهة الشرق من نجد فالأمر يختلف. إذ أن هضبة نجد تنحدر ناحية الشرق وحتى تصل إلى الخليج العربي مثلما أنها تنحدر وتسفل غرباً حتى ساحل البحر الأحمر كما رأينا. أي أنه في شرق نجد لا يحمل العالية والسافلة على الشرق والغرب كما رأينا في غربها. لذا لا نجد أن هذا كان عرفاً لُغوياً غير أننا نجد اصطلاحين عرفيين آخرين هما الشَرِف والشُّرَيْف استخدما في تلك المنطقة ليدلا على الموضع العالي (غرباً) والأسفل منه (شرقاً).

4-1-1-14 وفي هذا المعنى جاء في كتاب المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، لـ محمد محمد حسن شراب[61] عن (الشرِف): الموضع العالي، قال الأصمعي الشرِف كبد نجد. ... ما كان مُشرقاً فهو الشُرَيْف، وما كان مُغرباً فهو الشرِف.

 ومما سبق يتضح أن يميناً تعني الجنوب، وشِمالاً تعني الشَّمال بالفتح. والعالية والسافلة تعنيان الشرق والغرب فيما بين نجد وساحل البحر الأحمر، في حين أن الشَرِف والشُّرَيْف تعنيان الغرب والشرق في شرق نجد. فهذه هي الجهات الأربعة في الثقافة العربية الأولى، والتي ينبغي اعتمادها كمرجعية جغرافية في اللغة والسيرة والتفسير والتاريخ والآثار.



4-2 الاتجاهات والمواقع الأرضية المميزة للمنطقة عند بني إسرائيل:
ومثل هذا العرف والتقليد نجده في غير العربية. فنقرأ[62] عن تاريخ بني إسرائيل وأنه مكتوب في التوراة عن الاتجاهات الرئيسة الأربعة بدلالة المواقع الجغرافية المميزة للمنطقة: فالشَّمال في التوراة اسمه "تصافون" Tsafon، والشرق اسمه "كيديم" Kedem، والجنوب اسمه "نجف" Negev، وهذه أسماء المناطق الصحراوية المحيطة. أما الغرب فهو البحر واسمه "يم" Yam كما هي بالعربية. وهذه الأسماء كانت أسماء الاتجاهات نفسها إذا أريد عين الاتجاه. وكما قيل[63] أن النبي سليمان كان يتكلم بها في أسفاره حتى لو أبعد الرحيل عن عين تلك الأسماء.

5- الخلاصة والدروس المستفادة:
مما سبق يتضح أن النظر للأشياء والتعرف عليها من الناحية المكانية كان منسوباً لجهة الشرق والتي كانت ينظر إليها إلى الأعلى بدلا من جهة الشمال. اتضح ذلك من خلال البحث في النصوص والعبارات الموجودة في كتب القرون المتقدمة في التراث العربي والأوروبي. لقد نجح البحث في إبراز التحول الذي حدث في المرجعية الجغرافية الأصلية حيث احتلت جهة الشمال مكان جهة الشرق في صدارة الاتجاهات الأصلية الأربعة، لقد أصبح الشمال مسيطراً بعد اكتشاف البوصلة التي سهلت معرفة جهة الشمال. وكأن التحول من الشرق للشمال كان بمثابة مكافأة للبوصلة. لقد ناقش البحث مفهوم طول الأرض وعرضها وانتقال ذلك المفهوم إلى التخطيط الجغرافي المعاصر، وأخيراً أوضح البحث مفهوم التباين في العلامات الأرضية في العصور القديمة وكيف كان يستدل بها على الاتجاهات الجغرافية خاصة الشرق والغرب.
عموماً. ليس الغرض من إبراز التحول الذي حدث في قيمة الاتجاهات الأصلية إعادة الأمور إلى ما كانت عليه في الماضي وإنما هو لفهم ما سبق تدوينه وتوثيقه، فضلاً عن التوصل إلى عدد من الدروس المستفادة للباحثين في مجالات عديدة منها مجال اللغة العربية والتاريخ والآثار وعلوم تفسير القرآن وغيرها.

5-1 الدروس المستفادة في اللغة العربية
من الدروس المستفادة في اللغة العربية تصحيح الشائع من الدلالات في ألفاظ الشَّمال والجنوب واليمين والشِّمال والعلاقة التاريخية بين هذه الألفاظ وباقي ألفاظ الاتجاهات وعلى الأخص الشرق والغرب. ثم التأكيد على أهمية دراسة التطور التاريخي للألفاظ في قسمي المعاجم العربية وفقه اللغة، وكيف أن إغفال هذا الجانب يطمس كثيراً من الحقائق والمقاصد التي رافقت النصوص اللغوية التراثية. كما ينبغي إبراز التطور الدلالي الذي يُخَصِّصْ العموم، ويعمم الخاص، وينقل الدلالة من المجاز إلى الحقيقة، وإلى حدوث ظواهر المهمل والمتروك والمنتقل والعرف الاصطلاحي في العلوم المختلفة وقدر ما تحيد به هذه الآليات اللغوية بالألفاظ عن مدلولها اللغوي القديم.

5-2 الدروس المستفادة في التاريخ والآثار:
لما كانت اللغة هي وعاء حفظ النصوص التاريخية والأثرية. فلا بد أن الغفلة عن مقاصد اللغات التي رافقت كتابة النصوص المنقولة له تأثيرٌ سلبيٌ على فهم المحدثين لحوادث التاريخ وما حُفظ من آثار يُستدل عليها من النصوص.
ومثال هذا الالتباس وما ينتج عنه من خطأ ما ذُكر بنصه[64] (عن جبل ثور): [نُصَّ في السيرة وتناقل الجغرافيون أنه بأسفل مكة. وهذا خطأ، والصواب أن جبل ثور يقع في الجنوب العدل من المسجد الحرام على قرابة ثلاثة أكيال.] وبتحقيق هذا الخطأ ينكشف تماماً أن علته تعود إلى تقدير جبل ثور بأسفل مكة. وهذا لا يكون إلا لمن يعتبر الشمال إلى أعلى الخريطة ويقع الجنوب بالفعل إلى أسفل تلك الخريطة أي إلى الجنوب. ولو أنه اعتبر الشرق إلى أعلى لما أخطأ حيث أسفل هنا تكون غرب مكة. ومن ثم فـ أسفل في عرف الدلالة القديمة هي الغرب، في حين أنها الجنوب في عرف المعاصرين. وهذا هو التحقيق كما ينبغي. ولو تنبه كُتَّاب السيرة والجغرافيون لما أردنا إظهاره هنا في هذا البحث لما التبس عليهم الأمر.
كما أنه في نفس السياق يمكن التدليل على ما عساه أن يجلي الفهم حيال العديد من النصوص وعلى سبيل المثال ثلاثة من الآثار التي ورد ذكرها في كتاب الله تعالى وهي: قصة أهل الكهف، وشيء من تفاصيل جبل الطور في سيناء، وجنتي سبأ أيام سليمان عليه السلام.

5-3 الدروس المستفادة في تفسير كتاب الله تعالى
لما كان أي مساس باللغة العربية وفهمها ينعكس حتماً على نصوص القرآن، فإن إعادة اكتشاف دلالات مغفول عنها أو مُهملة له أهمية كبرى في تفسير ما قد يشتبه من الآيات المرتبطة بتلك الدلالات. وفي تلميحات سابقة أثرنا وجود عددٍ من الألفاظ التي نعيد اكتشاف دلالات قديمة لها وتمثل مفاتيح محورية لفهم بعض آيات القرآن على نحوٍ أمثل. ومن أهم هذ الألفاظ ما كان على جذر "ي م ن"، و جذر "ش م ل".
______________________________________
المراجع
[1]          صحيح البخاري.
[2]          صحيح مسلم.
[3]          كتب التفاسير: البغوي والقرطبي والبيضاوي والنيسابوري والكشاف وغيرها.
[4]          لسان العرب، ابن منظور.
[5]          السيرة النبوية، ابن هشام.
[6]          إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي.
[7]          الرسالة، الشافعي.
[8]          الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين السيوطي.
[9]          رحلة ابن جبير، ابن جبير.
[10]      مطالب أولي النهي في شرح غاية المنتهى، الرحيباني.
[11]      مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام، شهاب الدين أبو عمرو بن تميم المقدسي.. تحقيق أحمد الخطبي دار الجيل بيروت بدون تاريخ.
[12]      مخطوط: فضائل بيت المقدس وفضائل الشام. إبراهيم بن يحيى بن أبي حفّاظ المكناسي. نسخة المكتبة الوطنية في مدينة تيرانا. عاصمة ألبانيا يلفت نظره قسم مخصوص فيها بالمخطوطات الشرقية والإسلامية
[13]      صفة جزيرة العرب، لسان اليمن الحسن بن أحمد بن يعقوب الهمداني، تحقيق محمد بن علي الأكوع الحوالي، أشرف على طبعه حمد الجاسر. دار اليمامة 1977م.
[14]      أخبار المدينة، لمحمد بن الحسن بن زبالة، جمع وتوثيق ودراسة صلاح عبدالعزيز زين سلامة، مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، 1424 هـ.
[15]      المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، إعداد وتصنيف محمد محمد حسن شراب، دار القلم، دمشق، الطبعة الأولى 1411-1991.
[16]      عمدة الأخبار في مدينة المختار، للمحقق العلامة الشيخ أحمد بن عبدالحميد العباسي المتوفي في القرن العاشر الهجري، توزيع المكتبة العلمية، بدون تاريخ.
[17]      بلاد العرب، الحسن بن عبدالله الأصفهاني، تحقيق حمد الجاسر والدكتور صالح العلي. دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، الرياض. الطبعة الأولى، الطبعة الأولى 1388 (1928).
[18]      الجغرافيا العملية والخرائط، د. أحمد نجم الدين فليجه، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، طبعة ثانية
[19]      المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية، عالية نجد، سعد بن عبدالله بن جنيدل، سلسلة نصوص وأبحاث جغرافية عن جزيرة العرب رقم 20، منشورات دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، السعودية.
[20]      على طريق الهجرة، عاتق بن غيث البلادي، دار مكة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1413هـ-1993م.
[21]      المسالك والممالك، ابن خرداذبة.
[22]      صورة الأرض، ابن حوقل.
[23]      قصة الحضارة، ول دورانت.
[24]      شمس العرب تسطع على الغرب، المستشرقة الألمانية زيغرد هونكه، الطبعة الثامنة، دار الجيل، بيروت 1993.
[25]      اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، تأليف إدوارد فنديك، كتاب مشهور. استخرجه واضعه من فهارس (20) خزانة من خزائن الكتب العربية في العالم. وأشرف على طباعته العلامة الشهير محمد علي الببلاوي نقيب الأشراف بمصر (ت1931م) وساهم في ترتيبه وتنسيقه والزيادة عليه ليكون عوناً لتلامذة المدارس المصرية. وذلك تلبية لطلب أحمد نظيم بك، ناظر المدرسة الخديوية في القاهرة. (نسخة إلكترونية: موقع الورّاق على الإنترنت)
[26]      "عربي بين ثقافتين"، زكي نجيب محمود. الطبعة الثالثة، دار الشروق، 1993.
[27]      "دلالة الألفاظ"، ابراهيم أنيس. الطبعة السادسة، 1986.
[28]      "وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى"، نور الدين علي بن أحمد السمهودي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الرابعة 1984.
[29]      "معجم ما استعجم"، أبو عبيد البكري، نسخة إلكترونية.
[30]      "الملاحة وعلوم البحار عند العرب"، أنور عبدالعليم، سلسلة عالم المعرفة، العدد 13، الكويت، 1979.
[31] Amir D. Aczel. The Riddle of the Compass, Harcourt, Inc., 2001.
[32] Neuman W.L., Social Research Methods, Qualitative and Quantitative Approaches, Forth Edition, by Allyn and Bacon, 2000.
[33] Taylor, Eva G. R. The Heaven-Finding Art: A History of Navigation from Odysseus to Captain Cook. London: Hollis and Carter, 1956.
[34] The American Heritage® Dictionary of the English Language, Fourth Edition copyright ©2000 by Houghton Mifflin Company. Updated in 2003. Through www.thefreedictionary.com. 

________________________________________

الهوامش

[1]  أنظر في ذلك "عربي بين ثقافتين" – لزكي نجيب محمود. رغم أن الثقافتين اللذين يعنيهما في هذا الكتاب هما ثقافة الإسلام العربي، وثقافة الغرب الأوربي. وما نًعنى به هنا ثقافة قرون الإسلام الأولى وثقافة قرونه المتأخرة.
[2]   "الرسالة" للشافعي، "الإتقان في علوم القرآن" للسيوطي ص 157. وجاء أيضاًً في " المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب " للسيوطي نقله عمن قال: " لغة العرب متسعة جداً، ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلة وقد خفي على ابن عباس رضي الله عنهما معنى فاطر".
[3] “Social Research Methods, Qualitative and Quantitative Approaches”, Neuman W.L., p.37
[4] Middle English ocean, from Old French, from Latin Oceanus, from Greek Okeanos, the god Oceanus, a great river encircling the earth. The American Heritage® Dictionary of the English Language, Fourth Edition copyright ©2000 by Houghton Mifflin Company. Updated in 2003. Published by Houghton Mifflin Company.
[5]  المصدر: الجغرافيا العملية والخرائط، أحمد نجم الدين فليجه، ص 14. ولم يكن وضع الخريطة الاتجاهي من أهمية خاصة لأن تكون أوربا أعلى بما يوحي بأن الشمال أعلى. بل كانت الخرائط قديماً كثيراً ما يتم تدويرها لتلائهم اهتمام راسمهما أو مستخدمها. أنظر في ذلك (شكل 6) لاحقاً حيث وضع اتجاه الشرق إلى أعلى، وفي (شكل 17) وضع اتجاه الغرب إلى أعلى.
[6]  لسان العرب، مادة قطب.
[7] Middle English, from Old French, from Latin polus, from Greek polos. The American Heritage® Dictionary of the English Language.
[8] Polaris, polar (star), from Latin polus, pole. The American Heritage® Dictionary of the English Language.
[9]  The Riddle of the Compass, p.xi.
[10] Ibid, p.9.
[11]  رحلات المراكب العمانية بين عمان وبلاد السواحل، حسن صالح شهاب، مجلة نزوى، العدد 16.
[12]  شمس العرب تسطع على الغرب، زيغرد هونكه، ص 47.
[13]  اكتفاء القنوع بما هو مطبوع، إدوارد فنديك، ص 88.
[14]  "قصة الحضارة، ول ديورانت 2/ 1343.
[15] The Riddle of the Compass, p.63.
[16] Ibid, p.53.
[17]  شمس العرب تسطع على الغرب، ص 47-49.
[18]  قصة الحضارة، ول ديورانت، ص 2/1343. وذكر أنها كانت تستخدم في بناء الهياكل.
[19]  زيغرد هونكه، مرجع سابق.
[20]  قصة الحضارة، ول ديورانت، ص 48.
[21]  قصة الحضارة، ول ديورانت، ص 2/1343
[22]  قصة الحضارة، ص 6/5346-5347.
[23]  The Riddle of the Compass, p.xi 
[24]  لسام العرب، مادة "شمل".
[25]  لسان العرب، مادة "جنب".
[26] The Heaven-Finding Art, Taylor E.G.R., A History of Navigation from Odysseus to Captain Cook. Quoted in The 
         Riddle of the Compass, p.41-42. (الترجمة للباحث)
[27] The Riddle of the Compass, p.41.
[28] Ibid, p. 43.
[29]  الجغرافية العملية والخرائط، أحمد فليجة، ص17.
[30]  المرجع السابق، ص23، وقال المولف ص22: من المميزات الأخرى لهذه الخرائط البحرية – مثل الخريطة في (شكل 7) – وضع الشمال في أعلى الخريطة متأثرين -  أي واضعيها- في ذلك بالبوصلة.
[31]  نسخة إلكترونية للكتاب، موقع http://www.al-eman.com/ على الإنترنت.
[32]  المصدر: http://www.sahab.net/forums/showthread.php?t=300765.
[33]  مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام، شهاب الدين أبو عمرو بن تميم المقدسي.. تحقيق أحمد الخطبي دار الجيل بيروت بدون تاريخ. ج1. ص 85 ـ 86.‏
[34]  صفة جزيرة العرب للهمداني، ص99.
[35]  أخبار المدينة، لمحمد بن الحسن بن زبالة، ص 77.
[36]  جزء من خريطة للمدينة المنورة مطبوعة سنة 1371هـ.
[37] The American Heritage® Dictionary of the English Language, Fourth Edition copyright ©2000 by Houghton Mifflin Company. Updated in 2003.
[38] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، ص 756.
[39]  رحلة ابن جبير، ص 33.
[40]  المسالك والممالك، لابن خرداذبه ، ص 3.
[41]  السيرة النبوية، لابن هشام، المجلد الثالث، ص3/171.
[42]  جاء في "الجغرافيا العملية والخرائط"، لأحمد فليجة،
[43]  المرجع السابق، نفس الصفحة. ص27 ويُلاحظ في هذه القصة تصويرها للأرض أو لليابسة المعمورة على صورة طائر يمتد بطوله من الشرق حيث الرأس إلى الغرب حيث المغرب. ويفترض احتمال وجود أمم لا يحصيها إلا الله كناية عن توهم احتمال ذلك لأن الشمس تطلع عليهم مثل غيرهم. وهذا يعضد توهم الطول أكثر من العرض على اتجاه الشرق، سواء من حيث عدد الأمم التابع لطول المسافات المفترضة في جهة الشرق، أو من جهة صورة الطائر الذي يمتد بطوله على اتجاه الشرق – الغرب.
[44]   "صورة الأرض"، ابن حوقل، ص 194.
[45]  المصدر: برنامج Google Earth.
[46]  أنظر تفسير القرطبي.
[47]  المصدر: برنامج Google Earth.
[48]  أنظر أيضاً: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، لـ محمد محمد حسن شراب، ص78.
[49]  كتاب "عمدة الأخبار في مدينة المختار" للشيخ: أحمد بن عبدالحميد العباسي، ص 320. نقلاً عن السيرة النبوية لابن هشام، الجزء الخامس، ص 199.
[50]  ص 344.
[51]  ص 354.
[52]  المصدر: خريطة المدينة المنورة، "خرائط الفارسي"
[53]  ص 364.
[54]  ص 389.
[55]  ص 201.
[56]  ص 203.
[57]  السيرة النبوية، لابن هشام، المجلد الثالث، نسخة إلكترونية.
[58]  وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، السمهودي، ص 1326.
[59]  ودان (بفتح أوله وتشديد ثانيه): قرية من أمهات القرى، ...، ليست بالكبيرة على شاطى البحر (الأحمر). أنظر: معجم ما استعجم، لأبي عبيد البكري. في مادتي: هَرْشَى، و ودَّان.
[60]  قال أبو عبيد البكري في معجمه أن الأرطى حطب، قد تدبغ فيه أسقية اللبن خاصة.
[61]  ص 149.
[62] The Riddle of the Compass, p.40.
[63] Ibid, p.40.
[64]  على طريق الهجرة، عاتق البلادي، ص 254.