السبت، 30 يناير، 2016

الفصل (ط1) - خالد منتصر- كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه

كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه
المدرسة الرعناء
الفصل (ط1): خالد منتصر

         بقلم: عزالدين كزابر
بسم الله الرحمن الرحيم
تصادف اليوم 30 /1/ 2016 أن التقيت في تجوالي بمعرض الكتاب الدولي بالقاهرة بـ (خالد منتصر). وهو من الشخصيات التي كنت قد نويت أن أستعرض آراءها في مسائل التفسير والإعجاز العلمي في القرآن، وذلك في فصل خاص به في كتاب (براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه)، ولكن للأسف في باب (المدرسة الرعناء)، لأني قسمت الكتاب إلى مدارس حسب اتجاهات الشخصيات المشمولة، وكنت قد جمعت من المادة العلمية ما يسمح باستيفاء رأي خالد منتصر، واستكناه مراداته من كلامه، غير أن موعد نشر هذه المادة لم يتيسر بعد لانشغالي بما رأيته أهم (أقصد كتاب: فتاوى شرعية في النظرية النسبية الذي ما زلت منشغلاً به).
ولما قابلت خالد منتصر اليوم، وجدت أنها فرصة سانحة لمواجهته بأهم ما أخالفه في كلامه من آراء. فاقتربت منه، ومددت يدي أصافحة وقلت: الأستاذ خالد منتصر، أليس كذلك؟! ... (وكان وفي يده ثلاث أو أربع كتب ينوي شرائها، أحدها على الأقل كان عن الحرية؛ حرية الفكر)،
فأجاب: نعم أنا.
قلت: أيسمح وقتكم بالحوار وتبادل أطراف الرأي؟! .. إلا إذا كنتم مشغولين .. أو في عجلة من أمركم.
قال: نعم، يسمح، ولا انشغال هناك، ولا استعجال.
قلت: تابعت بعض لقاءآتكم ... ... وأراني أختلف معكم.
قال: لا بد من الخلاف، هذا شيءٌ طبيعي. .. .. وفي أي موضوع تختلف معي؟!
قلت: في علمية القرآن.
فكر قليلاً، ثم قال: تقصد (موضوع الإعجاز العلمي)؟!
قلت: لا، ... ليس الإعجاز العلمي، ولكن مبدأ (علمية القرآن)
قال: أوليس هو هو؟ ... فإن لم يكن، فما (علمية القرآن)؟! .. لأننا يجب أن نحدد الاصطلاحات!
قلت: يقع الإعجاز العلمي من علمية القرآن ....  مثلما يقع اليقين العلمي من العلم الحديث. ... بمعنى أن الإعجاز العلمي هو سقف النظر العلمي في القرآن، مثلما أن الحقائق العلمية التي ترسَّخت وثبتت هي سقف النظر البحثي العلمي الحديث. ومثال لذلك، "كروية الأرض"، والتي دار الجدل حولها طويلاً أصبحت من اليقينيات بعد أن تدعَّمت بالأدلة وازداد رجحانها شيئاً فشيئا، ثم أصبحت يقينا دامغاً بعد رؤيتها رؤية العين كرة لا يغالط في أمر كرويتها أحد (يؤبه لكلامه). .. وكذلك علمية القرآن، يترجح فيهه الآراء بالدرس والتأويل، وخاصة أن القرآن ليس كتاب عقيدة فقط، بل فيه المحكم والمتشابه. فأما المحكم فهو الدامغ المعنى وأكثره في العقيدة، وأما المتشابه، فهذا ما كان فيه الأمر بالتدبر، وإعمال الفكر، وترجيح الآراء، وهذا هو مناط (علمية القرآن). لذلك، فمن يرى أن القرآن كتاب عقيدة فقط، فقد أخطأ، وأذكر أن عباس العقاد كان يُسمى القرآن (كتاب العقيدة)، يُريد بذلك النهي عن البحث العلمي في القرآن على شاكلة البحث العلمي الحديث ، وقد رددت عليه في ذلك.
قال خالد منتصر، (فيما يبدو دليل اعتراض): ولكن القرآن نزل منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، ولم نرى هذا المنحى إلى بعد أن جاء الغرب بكشوفهم العلمية، فإن كان ما تقوله صحيحاً، فأين كانت هذه النظرة العلمية قديماً قبل أن يكتشفها الغرب. .. اذكر لي مثالاً واحداً فقط  يدلل على أسبقية علماء المسلمين في اكتشاف شيء قبل الغربيين (يزكي كلامك).
أجبته، وقلت: حكمك هذا الذي تنفي فيه أسبقية أهل الإسلام على الغربيين في كل المسائل العلمية ليس إلا استقراء ناقص. ولا تستطيع التمسك به إلا إذا قمت بمسح شامل لكل التراث الإسلامي، ثم تخلص منه في النهاية إلى ما تريد نفيه، وهو أن القرآن لم يُعن المسلمين على فهم/اكتشاف علمي لم يكونوا يعلمونه.
قال خالد منتصر: إذاً أعطني أنت مثالاً واحداً ينفي كلامي، .. وليكن في مسألة كروية الأرض، ... هل توصل أحد من المسلمين قبل كوبرنيكوس إلى أن الأرض كروية؟[1]
فكرت لبضع ثواني، ثم أجبت من محض ذاكرتي البعيدة نسبياً، وقلت: (ابن تيمية)
قال خالد منتصر: ابن تيمية الذي كفر الكيميائيين؟!!!
قلت: أنا لا أتكلم هنا عن شخص ابن تيمية، وإنما أرد على سؤالك عن مثال لمن قال من المسلمين بكروية الأرض، .. بحسب طلبك .. ثم أن هناك فرق بين قولك بأن ابن تيمية قد كفَّر الكيميائيين، أو أنه ربما خَطَّأهم أو ذمَّهم لما كان سعيهم في تحويل المعادن كالنحاس إلى ذهب ... فالفرق كبير بين هذا الموقف من ابن تيمية (أقصد باعتباره أنه موقف ممدوح) .. وما قلته أنت.
ثم أردفت وقلت: وإليك تفصيل ما قاله ابن تيمية (من محض الذاكرة):
سأل سائل ابن تيمة يستفسر عن الدعاء، وكيف أن في الدعاء يتوجه الداعي إلى السماء. وإذا كانت الأرض كروية، فمعنى ذلك أن الإنسان المتوجه إلى السماء من أحد جهات الأرض سيكون مقلوباً بالنسبة لإنسان آخر يتوجه إلى السماء أيضاً بالدعاء في الجهة المقابلة من الأرض. فكيف يتوجه كل منهما إلى الله تعالى بالدعاء وهما مقلوبان أحدهما بالنسبة إلى الآخر؟! ... بمعنى آخر، كيف يكون سماء أحدهما إلى أعلى وسماء الآخر إلى أسفل؟! ... هذا هو السؤال!
فأجاب ابن تيمية على السؤال بالمعنى الآتي،
قال: يتوجه الداعي بدعائه إلى السماء في العلو، وما يقابل العلو هو السُفل (الأسفل) والأسفل ليس سفلاً مطلقاً، بل السفل إلى المركز. فالرجلان الداعيان تتقابل أرجلهما إلى مركز الأرض، وهذا هو سفل كل منهما، وتتجه أيدهما إلى العلو الذي هو خارج محيط الأرض جهة السماء .. هذا هو معنى جواب ابن تيمية .. وهو قول صريح في القول بكروية الأرض .. (يُراجَع نص كلام ابن تيمية من مصدره في الحاشية [2] أسفل)
فماذا قال خالد منتصر!!!!
قال: هذا كلام أدبي !!!!
قلت ماذا؟! ... كلام أدبي! ..
قال: نعم، هذا ليس بكلام علمي!
قلت: وكيف حكمت على لاعلميته، ومتى يكون علمياً ولا يكون أدبياً .. إن العبارات والمعنى الذي جاء به ابن تيمية يتطابق مع ما شرحته .. إنه كلام علمي بكل المقاييس ... وينفي خلافاً ظاهراً يقع فيه عوام الناس الذين كانوا يتوهمون علواً مقدساً يتوجهون ناحيته بالدعاء، ويرون خلافه غير ذلك، ولهذا استشكلوا كروية الأرض، .. علماً بأن ابن تيمية ليس أول من قال بكروية الأرض، إلا أنه زاد على من قبله بدمجه مع النصوص في الفهم الإسلامي للكون في عصره دمجاً بارعاً... (وكان ابن تيمية من العلماء المحققين، ولم يلتبس عليه الأمر، وحلل المسألة تحليلاً بارعاً، وأكد على صحة القول وأنه لا يتعارض مع أي معلوم من الدين بالضرورة، مثل التوجه بالدعاء إلى السماء، وشرح معنى السماء والأرض، والعلو والسفل، والمحيط والمركز.) (تراجع الحاشية [2]).
أصر خالد منتصر على أن هذا الكلام من ابن تيمية كلاماً أدبيا، وليس علمياً .. وكرر نفي علميته عدة مرات، رغم طلبي منه بيان علة "لا علميته" المزعومة منه، رغم وضوح كلامه وصراحته وبيانه الذي لا يختلف عليه اثنان، إلا أن طلبي لم يلق منه إلا النفي اللفظي، دون أي حُجة تبين ما هو الفرق بين العلمي والأدبي. ولماذا كان كلام ابن تيمية أدبياً وليس علميا!
قلت له: يمكنني أن أحاورك إلى آخر مدى إلاّ أن تقول لي أن الشمس التي تتجلى في الخارج (وكنا داخل أحد صالات العرض والمسماء بصالة [ألمانيا (ب)] ليس الشمس، وإنما هي القمر، وإذا قلت ذلك، فسوف أفارقك على الفور، ولن أتحمل منك أي إضافة.
قال: لا أرى إلا أن كلام ابن تيمية الذي جئت به كلاماً أدبياً، وليس علمياً أبداً، فهو لا يقصد كروية الأرض، وكلامه محض كلام أدبي.
قلت له، ألا تراجع نص كلامه لتحكم عليه أهو علمي أم أدبي كما تقول. كيف بك تصر على نفي علمية كلام صريح كما أخبرتك به دون حتى قراءة النص للتثبت من صحة حكمك عليه.
قال: أتقصد أني جاهل إذاً؟!
قلت: لا، .... (وأمسكت بأحد الكتب المعروضة)، فأنا مثلاً أجهل ما في هذا الكتاب، وكذلك أنت تجهل ما لم تقرأ من كتب! ... فكيف تحكم عليها دون تحقيقها، بل تزعم مزاعم لا معيار لك فيها، وتنفي ما لا تعلم عدم وجوده؟!
قال: إذا فاعتبرني جاهلاً إذاً بابن تيمية.
قلت: اعترفت إذاً على نفسك.
ومع هذه الجملة الأخيرة ... أشرت له بيدي مبتعداً عنه .. أريد فراقه .. وقد تجمع حولنا عدد من الناس، يتابعون الحوار وخاصة في هذه العبارات الأخيرة. .. وذهبت بعيداً عنه .. أَتَعَجَّب في نفسي من إصراره المناقض لكل منطق، وكل منهج، وكل حوار عقلاني .. وهو ما كنت أستبشره من الحوار، وخاصة بعد كل هذه الضجة الإعلامية التي يثيرها على شاشات الفضائيات مما يسميه حرية الفكر واستخدام العقل ... وكل هذه الدعايات الجوفاء.. ووصل الأمر إلى أن خيبة أملي فيه تعاظمت حتى تحطمت ... ورأيت بأم عيني فيه الجحود الجدلي، ... ورأيت فيه الجدل السوفسطائي ... ورأيت الأحكام المسبقة ... ورأيت التحيز ... ورأيت النفور مما يكره قلبه .. وهو الذي لايُطل على الفضائيات إلا بالتنفير من أحكام القلب .. فإذ بمنهجه قلبي نفوري لا عقلانية فيه ... ولا حرية فكرية ترتكن إلى أي رصانة فكرية ... بل محض لجوء مزمن إلى خلاف الحق .. حتى لو كان الحق في بيانه مثل الشمس في رابعة النهار. وعندها تذكرت قول الله تعالى - في وصف عناد المنكرين للحق بعدما يتبين- يواسي نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى "فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ".


*******************

مناقشة الأفكار المغلوطة لخالد منتصر حول العلاقة بين القرآن والعلم:



يستكمل بيان الأخطاء المفاهيمية التي وقع فيها خالد منتصر ....




[1]  الجدير بالملاحظة هنا أن كوبرنيوس لم يشتهر له القول بكروية الأرض، بحسب ما توهمه خالد منتصر، أو زل لسانه به ربما، لأن كروية الأرض كانت معروفة في عصره بالفعل، بل ومعروفة قبل عصره عند العرب قبل أن تنتقل علومهم إلى الأوربيين ومعها كروية الأرض، ولم يكن أغلب الأوربيين إلا واهمين بتسطح الأرض وهو ما أصبح شاعاً عندهم باسم Flat-Landers ؛يتندرون على حالهم وتخلفهم فيما يسمونه بالعصور المظلمة. أما ما اشتهر لكوبرنيكوس فهو القول بدوران الأرض حول الشمس، في مخالفة صريحة لمعتقدات الكنيسة والثقافة السائدة في عصره، والتي تقول بثبوت الأرض ودوران الشمس والكواكب حولها. وكان المسلمون يظنون أيضاً بدوران الشمس والقمر حول الأرض وأنها ساكنة، إلا أن القول بدوران الأرض والكواكب حول الشمس لم يكن معدوماً عندهم، إلا أنه كان غير مدعوم بأدلة تقويه وتُشجع على تبنيه، .. وهو نفس الحال الذي ساد فيما بعد كوبرنيكوس في أوربا لأنه لم يأت بأدلة دامغة على ذلك، ولم يكن كلامه إلا فرضيات، ولم يتم تبنيها إلا بعد حوالي 100 عام عندما  استقوت قوى الاحتجاج الرياضي، تزايدت الكشوف الفلكية، وظواهره التي يستعصي دمجها مع تصور سكون الأرض.


[2] أَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: إذَا كَانَ (الفلك: [ويقصد السماء التي تدور حول الأرض فيما يظهر للرائي]) كُرَوِيًّا وَاَللَّـه مِنْ وَرَائِهِ مُحِيطٌ بِهِ بَائِنٌ عَنْهُ فَمَا فَائِدَةُ: أَنَّ الْعَبْدَ يَتَوَجَّهُ إلَى اللَّـه حِينَ دُعَائِهِ وَعِبَادَتِهِ؟ فَيَقْصِدُ الْعُلُوَّ دُونَ التَّحْتِ فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ وَقْتَ الدُّعَاءِ بَيْنَ قَصْدِ جِهَةِ الْعُلُوِّ وَغَيْرِهَا مِنْ الْجِهَاتِ الَّتِي تُحِيطُ بِالدَّاعِي وَمَعَ هَذَا نَجِدُ فِي قُلُوبِنَا قَصْدًا يَطْلُبُ الْعُلُوَّ لَا يَلْتَفِتُ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً فَأَخْبِرُونَا عَنْ هَذِهِ الضَّرُورَةِ الَّتِي نَجِدُهَا فِي قُلُوبِنَا وَقَدْ فُطِرْنَا عَلَيْهَا. فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا السُّؤَالُ إنَّمَا وَرَدَ لِتَوَهُّمِ الْمُتَوَهِّمِ أَنَّ نِصْفَ الْفَلَكِ يَكُونُ تَحْتَ الْأَرْضِ وَتَحْتَ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ؛ فَلَوْ كَانَ الْفَلَكُ تَحْتَ الْأَرْضِ مِنْ جِهَةٍ لَكَانَ تَحْتَهَا مِنْ كُلِّ جِهَةٍ فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْفَلَكُ تَحْتَ الْأَرْضِ مُطْلَقًا وَهَذَا قَلْبٌ لِلْحَقَائِقِ؛ إذْ الْفَلَكُ هُوَ فَوْقَ الْأَرْضِ مُطْلَقًا. وَ " أَهْلُ الْهَيْئَةِ " يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ مَخْرُوقَةٌ إلَى نَاحِيَةِ أَرْجُلِنَا وَأُلْقِيَ فِي الْخَرْقِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ - كَالْحَجَرِ وَنَحْوِهِ - لَكَانَ يَنْتَهِي إلَى الْمَرْكَزِ حَتَّى لَوْ أُلْقِيَ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ حَجَرٌ آخَرُ لَالْتَقَيَا جَمِيعًا فِي الْمَرْكَزِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ إنْسَانَيْنِ الْتَقَيَا فِي الْمَرْكَزِ بَدَلَ الْحَجَرَيْنِ لَالْتَقَتْ رِجْلَاهُمَا وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا تَحْتَ صَاحِبِهِ؛ بَلْ كِلَاهُمَا فَوْقَ الْمَرْكَزِ وَكِلَاهُمَا تَحْتَ الْفَلَكِ؛ كَالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ رَجُلًا بِالْمَشْرِقِ فِي السَّمَاءِ أَوْ الْأَرْضِ وَرَجُلًا بِالْمَغْرِبِ فِي السَّمَاءِ أَوْ الْأَرْضِ: لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا تَحْتَ الْآخَرِ وَسَوَاءٌ كَانَ رَأْسُهُ أَوْ رِجْلَاهُ أَوْ بَطْنُهُ أَوْ ظَهْرُهُ أَوْ جَانِبُهُ مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ أَوْ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ وَإِذَا كَانَ مَطْلُوبَ أَحَدِهِمَا مَا فَوْقَ الْفَلَكِ لَمْ يَطْلُبْهُ إلَّا مِنْ الْجِهَةِ الْعُلْيَا؛ لَمْ يَطْلُبْهُ مِنْ جِهَةِ رِجْلَيْهِ أَوْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا أَنَّ مَطْلُوبَهُ مِنْ الْجِهَةِ الْعُلْيَا أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ؛ فَلَوْ قُدِّرَ رَجُلٌ أَوْ مَلَكٌ يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ أَوْ إلَى مَا فَوْقَ: كَانَ صُعُودُهُ مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ أَقْرَبَ إذَا أَمْكَنَهُ ذَلِكَ وَلَا يَقُولُ عَاقِلٌ إنَّهُ يَخْرِقُ الْأَرْضَ ثُمَّ يَصْعَدُ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ وَلَا أَنَّهُ يَذْهَبُ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا أَوْ أَمَامًا أَوْ خَلْفًا إلَى حَيْثُ أَمْكَنَ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ يَصْعَدُ لِأَنَّهُ أَيُّ مَكَانٍ ذَهَبٍ إلَيْهِ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَكَانِهِ أَوْ هُوَ دُونَهُ وَكَانَ الْفَلَكُ فَوْقَهُ فَيَكُونُ ذَهَابُهُ إلَى الْجِهَاتِ الْخَمْسِ تَطْوِيلًا وَتَعَبًا مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ. وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُخَاطِبَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَإِنَّهُ لَا يُخَاطِبُهُ إلَّا مِنْ الْجِهَةِ الْعُلْيَا مَعَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ قَدْ تُشْرِقُ وَقَدْ تَغْرُبُ؛ فَتَنْحَرِفُ عَنْ سَمْتِ الرَّأْسِ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ دَائِمًا لَا يَأْفُلُ وَلَا يَغِيبُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟ . وَكَمَا أَنَّ الْحَرَكَةَ كَحَرَكَةِ الْحَجَرِ تَطْلُبُ مَرْكَزَهَا بِأَقْصَرِ طَرِيقٍ - وَهُوَ الْخَطُّ الْمُسْتَقِيمُ - فَالطَّلَبُ الْإِرَادِيُّ الَّذِي يَقُومُ بِقُلُوبِ الْعِبَادِ كَيْفَ يَعْدِلُ عَنْ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الْقَرِيبِ إلَى طَرِيقٍ مُنْحَرِفٍ طَوِيلٍ. وَاَللَّهُ تَعَالَى فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَى الصِّحَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ إلَّا مَنْ اجْتَالَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَأَخْرَجَتْهُ عَنْ فِطْرَتِهِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْهَا. (الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا قَصَدَ السُّفْلَ بِلَا عُلُوٍّ كَانَ يَنْتَهِي قَصْدُهُ إلَى الْمَرْكَزِ وَإِنْ قَصَدَهُ أَمَامَهُ أَوْ وَرَاءَهُ أَوْ يَمِينَهُ أَوْ يَسَارَهُ؛ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الْعُلُوِّ كَانَ مُنْتَهَى قَصْدِهِ أَجْزَاءَ الْهَوَاءِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَصْدِ الْعُلُوِّ ضَرُورَةً سَوَاءٌ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ هَذِهِ الْجِهَاتِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهَا. وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ قَالَ: أَقْصِدُهُ مِنْ الْيَمِينِ مَعَ الْعُلُوِّ أَوْ مِنْ السُّفْلِ مَعَ الْعُلُوِّ: كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: أُرِيدُ أَنْ أَحُجَّ مِنْ الْمَغْرِبِ فَأَذْهَبُ إلَى خُرَاسَانَ ثُمَّ أَذْهَبُ إلَى مَكَّةَ؛ بَلْ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ أَصْعَدُ إلَى الْأَفْلَاكِ فَأَنْزِلُ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ أَصْعَدُ إلَى الْفَلَكِ مِنْ النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى؛ فَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا فِي الْمَقْدُورِ لَكِنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مِنْ جِهَةِ امْتِنَاعِ إرَادَةِ الْقَاصِدِ لَهُ؛ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْفِطْرَةِ فَإِنَّ الْقَاصِدَ يَطْلُبُ مَقْصُودَهُ بِأَقْرَبِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ مَعْبُودَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَإِذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ عَلَى غَيْرِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ كَانَ سَيْرُهُ مَنْكُوسًا مَعْكُوسًا. وَ " أَيْضًا ": فَإِنَّ هَذَا يَجْمَعُ فِي سَيْرِهِ وَقَصْدِهِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ بَيْنَ أَنْ يَتَقَرَّبَ إلَى الْمَقْصُودِ وَيَتَبَاعَدَ عَنْهُ؛ وَيُرِيدَهُ وَيَنْفِرَ عَنْهُ فَإِنَّهُ إذَا تَوَجَّهَ إلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ عَنْهُ أَبْعَدُ وَأَقْصَى وَعَدَلَ عَنْ الْوَجْهِ الْأَقْرَبِ الْأَدْنَى كَانَ جَامِعًا بَيْنَ قَصْدَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ؛ فَلَا يَكُونُ قَصْدُهُ لَهُ تَامًّا؛ إذْ الْقَصْدُ التَّامُّ يَنْفِي نَقِيضَهُ وَضِدَّهُ. وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ...](مجموع فتاوى ابن تيمية/ تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم/ جزء 6/ ص568-570)