السبت، 10 يونيو، 2017

العين الحمئة، بأوصافها الثلاثة: الحارة والطينية والمتفجرة غضبا، تتحقق في جزيرة الحرّة El Hierro غرب جزر الكناري

العين الحمئة، بأوصافها الثلاثة: الحارة والطينية والمتفجرة غضبا، تتحقق في جزيرة الحرّة El Hierro غرب جزر الكناري

بقلم: عزالدين كزابر
جزيرة الحرَّة El Hierro والنشاط البركاني للعين البركانية على ساحلها الغربي مع لفظها للطين الحار في عرض البحر
بسم الله الرحمن الرحيم
في معرض مراجعتنا لمن كفر بالقرآن وسعى جاهداً لإلصاق فاسد المعاني بآياته، افتراءاً وجهالة، ومنها غروب الشمس، والتي وجدها ذو القرنين تغرب في عين حمئة، عندما وصل إلى أقصى المعمورة غربا، وقد سعى الكافر الأعجمي بكل ما أوتى من تلفيق تخبيصي باللغة العربية، واستخفاف بقرائه، ليضع على لسان القرآن والعرب المعاصرين وقتئذ أن المقصود من (تغرب في عين حمئة) أن الشمس تغور في العين الحمئة إلى جوف الأرض! – يريد أن يلصق تهمة خطأ علمي بالقرآن أخزاه الله - .. هذا وقد فندنا هذه المزاعم التلفيقية الخائبة في دراسة بعنوان (دحض الافتراءات على علمية القرآن - موقع غروب الشمس وطلوعها).

نقول في معرض هذا التفنيد، ظهرت لنا شواهد وقرائن على موقع أرضي يحقق مواصفات العين الحمئة، وقد تَرَجّح عندنا بقوة أنه الموضع الذي انتهى إليه ذو القرنين في رحلته الغربية، والتي قررها القرآن في قول الله تعالى "حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا"(الكهف: 86)


هذا وقد تناولت كتب التفسير تأرجحاً في معنى كلمة (حمئة) بين أنها حارة، أو طينية. وجاء الراجح من آراء المفسرين أن العين الحمئة تجمع بين هذين المعنيين. وبعد أن ترجح عندنا الموقع الذي سنأتي على ذكره بعد قليل، وجدنا أنه يحقق لمعنى (حمئة) معنىً ثالثاً لم نكن منتبهين لاحتمال أن يراد بالكلمة في سياق الآية، ولم نرى أحداً من اللغويين أو المفسرين قد تناوله، ولو بالاحتمال في سياق الدلالات االمتوقعة. وربما أنهم استبعدوه سريعاً لأنه يرتبط بالعاقلين فقط، على المشهور في اللغة؛ وذلك حينما يقال أن فلان رجل (حمىء) أي: سريع الغضب، أو يتناوب عليه الغضب المتفجر بلا قدرة على التحكم فيه. والحاصل أن هذه العين (مثل جنسها من العيون البركانية التي تُسمّى في أدبيات جيولوجيا الأرض وجغرافيتها بـ Hot Spots) يتحقق لها هذه الصفة أتم تحقيق، وليس الغضب غضب إرادي من عاقل، بل غضب طبيعي احتقاني متفجر من تحت قشرة الأرض بين وقت وآخر.

وتظهر اللحظات الأخيرة من الفيديو السابق احتقان وفوران طبيعي للعين الحمئة المقصودة، وكيف أنها تجمع بين كونها حارة، وكونها طينية، وكونها حمئة (في حالة احتقان أو غضب).

والآن، ما هي الشواهد، والقرائن على أن هذه العين هي العين الحمئة (بدرجة عالية من درجات الترجيح):

1- أنها تقع في أقصى جزيرة من جزر الكناري والتي تمثل أقصى غرب العالم القديم، وتبعد عن ساحل المغرب بحوالي 62 ميل في داخل المحيط، كما بالشكل الآتي. 
موقع جزر الكناري من المغرب، وموقع جزيرة الحرّة El Hierro منها

وكان يقطن هذه الجزر في القديم من الأمازيغ من يُسمّى بالجوانش Guanche، ومازالت هناك تماثيل لملكوهم/محاربيهم علىها  حتى يومنا هذا كما هو واضح من الصورة الآتية.


تماثيل محاربي الأمازيغ على جزر الكناري التي تحتلها أسبانيا
   
2- أن اسم هذه الجزيرة الحالي بالأسبانية – منذ أن احتلت أسبانيا جزر الكناري – هو El Hierro ، وهذا الاسم لا يخطئ عاقلان في أن منطوق الاسم عربي صريح؛ وهو: (الحارَّة) أو (الحَرّة). وقد أَلِف العرب تسمية البقاع التي تتفجر منها العيون البركانية وتبرد صهارتها باسم (الحَرَّة)، ومثلها ما كان يحيط بالمدينة عهد النبي صلى الله عليه وسلم - وما زال إلا ما تدخلت فيه يد الإنسان - وكانت تعرف بالحرَّات، وكانت تلف المدينة من ثلاث جهات: الشرق والجنوب والغرب، لهذا حفر النبي والمسلمون الخندق شمال المدينة، في غزوة الخندق، لأن هذه الحرَّات كانت تمثل حاجزاً طبيعياً لا يستطيع الكفار دخول المدينة من خلالها بخيلهم وعتادهم، ولم يكن أمام الكفار إلا دخول المدينة من الشمال، لذلك حفر المسلمون الخندق شمال المدينة، فأصبحت ممتنعة عن الدخول. (الدخول من الجنوب بين الحرات كان ممكناً بصعوبة، وكانت قبائل اليهود (بنو قريظة) تقطن جنوب المدينة ولا بد للمار من الحرات أن يمر عبر مساكنهم) لهذا عاهدهم النبي على عدم إمرار الكفار من جهتهم، وقد أوشكوا على نقض عهدهم لولا أن الله سلم، وأوقع بين الكفار واليهود فاختلفوا كما جاء في حديث "خذّل عنا".

3- أن أقرب جزيرة لجزيرة (الحرّة El Hierro) من بين جزائر الكناري السبع تسمى بالأسبانية La Goera ولا يخطئ عاقلان على أن منطوق الاسم هو (الجُميرة) ومعناها (الجمرة الصغيرة)، أنظر الشكل.


جزيرة الجميرة La Gomera وكيف ينطبق اسمها العربي على شكلها

والسبب في اسمى الحرّة والجميرة أن جزر الكناري جميعاً جزر بركانية انفجرت من جوف الأرض، ومن قاع المحيط، وتناثرت أشلاء الباطن الأرضي في صورة صهارة بركانية تراكمت في الماء وعلت حتى طفت فوق السطح (طيناً أسودا)، وبردت وأصبحت جزراً أرضية تعيش عليها الأحياء لخصوبة تربتها. (وتتكرر هذه الظاهرة في مواقع كثيرة على الأرض وتسمى Hot Spots أو العيون البركانية الحارة). أنظر الشكل الآتي وفيه مواقع العيون البركانية الحارة hotspots على مستوى العالم، ومنها موقع جزيرة الحرّة El Hierro.


مواقع العيون البركانية الحارة hotspots على مستوى العالم

4- أن جزيرة الحرّة El Hierro التي رشحناها بعينها بأن ذو القرنين قد رآها – أو رأي محيطها المتفجر أمام الشمس عند غروبها - هي الجزيرة الأحدث في مجموعة جزر الكناري، وذلك لأن العين البركانية المتفجرة أسفلها تنجرف غرباً. وما نشأ بسبب هذه العين البركانية من جزر قديمة (على الجانب الشرقي والأوسط من الجزر) لم يعد نشطا، وقد بردت تماماً. أما النشط من هذه الجزر فهو الواقع فوق البقعة النشطة بركانياً في القاع، والتي تتحرك غرباً. وهو واقع مألوف في العيون البركانية الحارة hot spots من حيث انزياحها الدئم، ويحدث نفس الشيء في جزر هاواي، حيث أنها جميعا جزر بركانية، وتنتظم الجزر وراء بعضها حول خط مستقيم بمثل اتجاه انزياحها البطيء، ويقع أنشطها عند قاعدة سهم يشير لاتجاه حركة اليابسة فوق العين البركانية الواقعة أسفلها كما في الشكل الآتي، وفوقه تماماً تتأجج العين البركانية من وقت لآخر.


5- أن جزيرة الحرَّة El Hierro لها اسم أمازيغي نقلت المصادر أنه (العين). ويبدو أنها كانت تسمى (العين الحارة) من بقاء اسم "الحارة" أو "الحرَّة" منطوقاً إلى يومنا هذا، ثم خفف الاسم كما هو معهود الأسماء جميعاً في التخفيف وأصبحت الحارة أو الحَرَّة، وقد حفظت الأدبيات (القاموس الكبير في اللغة الأمازيغية Gran diccionario guanche) التسمية التاريخية؛ أي: إسم العين [1].

6- أن جزيرة الحرَّة El Hierro نشطة منذ نشأتها قبل ( 1.2 مليون عام)[2] ويتواصل نشاطها من وقت لآخر، حتى أنها تُسمَّى جزيرة البراكين، ووقع آخر نشاط لها سنة 2011 (الشكل الآتي)، وقد أُجبر السكان على الإخلاء. ومع كل نشاط تتفجر العين الحارة Hot Spot أسفلها وفي محيطها من قاع المحيط. ومع انزياح القشرة الأرضية تنزاح العين انزياح بطيئ ومتواصل غرباً، وبما يخرج معه صهارة جديدة تتسع به مساحة الجزيرة على الدوام. وذلك إلى أن تهدأ العين البركانية فترة كافية يكون لها بعد ذلك نشاط بركاني، فتنفجر مكونة جزيرة جديدة.


الخبر التلفزيوني لانفجار العين البركانية الطينية على طرف جزيرة العين الحرَّة El Hierro يوم 9 نوفمبر 2011


video

نشاط العين الحارة سنة 2011 بحافة جزيرة الحرَّة وخروج الطين الحار من باطن قاع المحيط حيث العين البركانية

النتيجة

تأتلف هذه الشواهد والقرائن على ترشيح جزيرة الحرَّة El Hierro على أنها الموقع الأرض الأقصى جهة الغرب والذي وقف ذو القرنين قبالته – وحل على القوم الين كانوا يقطنون هذه المنقطة (الجزر) – وحيث كانت الجزيرة وقتها في حالة نشاط بركاني متقد، تتفجر غضباً بإخراج ما في باطن الأرض، فيختلف مع ماء المحيط فيظهر على وجه الماء طيناً حاراً متقداً متفجراً غاضبا (عين حمئة).

هذا والله تعالى أعلم.

ملاحظات:

1- ربما تتحق بعض القرائن التي ذكرناها في جزر الأزور Azores (وهي أيضاً جزر بركانية)، غير أنها تقع غرب البرتغال وداخل المحيط الأطلنطي بأكثر من 1500 كم. ونفس الشيء يقال على جزر هاوي، ولكن هذه أبعد احتمالاً لأنها تقع في عمق المحيط الهادي بأكثر من 4000 كم غرب كاليفورنيا.

2- حي (أو منطقة) الجُمَيرة في دبي في الإمارات العربية المتحدة، إسمها الأصلي والراجح هو (القميرة). وأصل الإسم هو بياض رمالها حتى أن البحارة كانوا يرونها مضيئة كضوء القمر ليلة البدر وهم في عرض البحر، فسموها القميرة، وهي عادة لغوية أن تنطق القاف جيم مثل (القريشي حين تنطق الجريشي، والقاضي حيث تُنطق الجادي). ولا علاقة لاسم (الجميرة في دبي) بـ بالجمر ولا الأرض الحارة، مثلما هو الحال في جزيرة الجميرة la Gomera في جزر الكناري.

__________________
[1] https://en.wikipedia.org/wiki/El_Hierro#cite_ref-5.
- Osorio Acevedo, Francisco (2003), Gran diccionario guanche : el diccionario de la lengua de los aborígenes canarios, Tenerife: Centro de la Cultura Popular Canaria.


[2] Carracedo, Juan Carlos; Day, Simon (2002). Canary Islands. Terra. p. 2. ISBN 978-1-903544-07-5.