الخميس، 19 يوليو 2018

المُرجِفُون في مدينة العلم - القائلون باستواء سطح الأرض - وتفنيد شبهاتهم



كتبه: عزالدين كزابر


مقدمة:
لا نستغرب شرود بعض الناس عن جادة الطريق؛ كل طريق. وتتعدد الأسباب، فمنها الغُربة عنه، ومنها موانع الرؤية من غيوم وخلافه، ومنها عيوب البصر وما ماثله من أسباب في ذات الشارد. وكل هذا وارد، ولا غرابة في وقوعه في آحاد الناس دونما اتفاق وتآلف واجتماع بينهم، ناهيك عن أن يتطور الأمر بينهم إلى الإصرار والمعاندة. فإن اجتمع على ذلك بعض الناس لوجدتهم شرذمة قليلون، وقد اتبعوا عن عماية أو جهالة ضالاً منهم يحسب نفسه على شيء
كل هذا وارد الحدوث، ولا يكاد عاقل من الناس إلا ويقابله في حياته في كل مجال؛ يقابله ويزدريه، ويشفق على أصحابه، ثم لا يقتفيه.

أمَّا أن يأتلف على هذا الشرود آلافٌ من الناس، يجتمعون على تزكية دعاة على باب من أبواب الجهالة العلمية، ينافحون عن سقطاتهم منافحتهم عن الإيمان ضد المنكرين وأهل البدعة والمضلين والمعتوهين ... إلى آخر ما هنالك من مفردات المنتقصين. .. ثم يحتمون بصحيح الإيمان وصادق الوحي في دعم دعاويهم الزائفة، وبراهينهم التالفة .. فهذا ما يستحق التوقف والتفحص، ... لأننا عندئذ نكون بإزاء مرض جديد قد مد لنفسه جذوراً فاستفحلت أو شارفت، ربما عن غفلةٍ من أهل العلم والبيان، أو إعراضٍ وتجاهل مريبان. ومن كان هذا شأنه من ناشر للجهالة باسم العلم فيجب التحقيق في أمره عن كثب، والوقوف على أسباب كلامه وأبعاده وأغواره وما كسب، ومدى خطره وآفاته، كلما طلع علينا أو وثب، ثم بيان عواره وتسفيه أحلامه ومحو آثاره.

ينطبق هذا الوصف أيما انطباق على دعوات نُشرت بالعربية منذ شهور على ألسنة آحاد من الناس، وتبعهم من المعجبين الآلاف؛ وهي القول باستواء سطح الأرض! وأن القمر يضيء بذاته ولا يعكس ضوء الشمس، وأنه ليس هناك جاذبية بين الأجرام، وأن القمر لا علاقة له بالمد والجزر ... إلى آخر ما يتجاوز العشرات من مثل هذه التُّرَّهات.
وربما يستخف بذلك بعض عقلاء الناس، ويقولون: زوبعة تخفت، ولا تستحق الاكتراث ولا التنويه، ولا الخوف منها ولا التعظيم.

نقول: صحيح أن إغفال بعض المسائل والضلال فيها أولى من التشنيع عليها. غير أن هذه المسائل قد استندت إلى أصل عظيم الخطورة، ألا وهو "المعايير الصادقة للعلم" والتشكيك فيها. ولو أهملناها وما شاع من زيغٍ فيها، فإننا سنفقد بالضرورة القدرة على تمييز الصدق من الكذب في أمور الخلق الطبيعي – ناهيك عما دونه في البيان – ثم معاني آيات القرآن ذات الارتباط. ولو فعلنا ذلك نكون قد تركنا بابَ شرٍّ عظيم ينفتح على الناس. وعندها ينعق كل ناعق بما يشاء، ويحتار الناس في تصديقه أو تكذيبه، ثم يفتقدون أئمة العلم وبراهينه، خاصة إذا رأوهم ورأوها قد انخذلت أمام الخادشين في العلم وآليات تحقيقه بزعمهم، في منشأ إفكهم، في أمثال هذه المسألة، وما قد يتبعها. لذا نرى أنه يجب الوقوف بحزم شديد، الآن وفوراً، قبل أن ينتشي أصحاب التضليل العلمي بما يظنوه انتصاراً لهم، على صدقٍ ساكت، أو حَقٍّ مُستحٍ خافت، يفتقر إلى الحجة والبيان. وهذا ليس من خصال المنافحين عن الحق، وإلا كانوا غير أهلِ لمَا حُمِّلوا من أمانة، ولَـلَحقهم عندئذ قول الله تعالى "مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ" (الجمعة:5).

تمهيد:
نبدأ لتحقيق هذا الهدف بمراجعة ممحصة لسلسلة فيدوهات لموقع على اليوتيوب يحمل اسم "ختلة". يبدأ صاحبه بالحديث عن ذهاب الأمريكان إلى القمر، ويستدل بعد سرد نتف من الأخبار والغرائب غير الموثقة بأن هذا الحدث لم يقع أبداً، ولا يعنينا في هذا الدراسة صدق الأمريكان من كذبهم، لأنها ليس مسألة علمية في أصلها، بل خبرية تاريخية، ولم يجتمع عندنا حتى الآن نصاب كافٍ من الأدلة العلمية الخالصة على التصديق أو التكذيب القاطع بهذا الحدث الذي تتناقله المواقع.

وما يجب أن يعنينا حقيقةً هو الظواهر الطبيعية التي لها تفاسير علمية مُحكَمة، والتي ذهب صاحب موقع (ختلة) إلى التشكيك فيها، بل تكذيبها، اعتماداً على تكذيبه للأمريكان، وكأن هذه التفاسير العلمية تفاسير خبرية، متعلقة بهم، تصدق بصدقهم وتكذب بكذبهم. وهو منهج منبت عن العلمية، لأنه يسقط به كل خبر صادق لو حدث وساقه إلينا من قد ثبت عليه الكذب ولو مرة واحدة، هذا رغم أن الحق يقتضي أن يُصدّق الصدق ويُكذَّب الكذب مهما كان مصدرهما، اعتماداً على التحقيق في صدق موضوعه، ودليل ذلك تصديق النبي  في حديث أبي هريرة على ما قاله الشيطان وكان حقاً، حين قال "صَدَقَكَ وهو كذوب". والحق أن الظواهر الطبيعية التي تناولها صاحب الموقع مُفسرة قبل بزوغ نجم الأمريكان أنفسهم، وأنها تحمل أدلتها في نفسها بالتحقيق والبرهان، إلا عند أهل التقليد؛ القاصرين عن درك البيانات، وقوة الأدلة، ومواطن الاستدلال، ودوامغ البرهان. لذلك، سوف نحقق كلام صاحب ذلك الموقع – ومواقع آخرى لاحقاً أتت على شاكلته - فيما يخص تلك الظواهر الطبيعية وتفسيراتها المستقرة وأدلة هذه التفاسير وبراهينها. ثم نحقق في تشكيكاته وتكذيباته لتلك الحقائق وما يسميها هو أدلة قاطعة عليها. ثم نتفحص التفاسير التي يقدمها بديلا عن ذلك، والتي سنرى أنها تعود بنا بل إلى عصور الأساطير؛ عصر ما قبل التاريخ المُدَوّن وليس فقط ما قبل تاريخ العلم الرصدي والتجريبي؛ والذي يحق لنا أن نؤرخه بظهور الاسطرلاب المستوي والكروي والذي بزغ فيهما المسلمون بجدارة فائقة ونالوا فيه السبق. وإن كان ظهور التلسكوب وحلوله محل الاسطرلاب يعد العلامة الفارقة في ظهور علم الفلك الحديث، إلا أن هذا الكشف أيضاً ما كان ليظهر دون صناعة العدسات، والتي قامت قوانينها على بصريات ابن الهيثم. أي أن المسلمين فتحوا أبواب العلم الحديث، ثم يجيء من ذريتهم اليوم من ينتصب متباهياً ليغلقها من حيث لا يعلم شناعة ما تقترفه يداه، وبماذا يستشهد في ذلك؟! .. يستشهد بالقرآن!!! ... لذلك نُذَكِّرهم ونُذكر من يُعجَب بكلامهم بقول الله تعالى "فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ .."(الزمر:32) حيث أن الآية تعم كل صدق، وكل مكذب بهذا الصدق، حتى وإن كان عن غفلة منه، وكل من استشهد على صدق كذبه بالله، نعوذ بالله من ذلك. ولئن تحرينا عما ألجأ صاحب الموقع المذكور إلى التورط في تكذيب صدق علمي دامغ على نحو ما سوف نرى، لوجدنا أنه ببساطة ليس من أهل الاختصاص، وكان أولى به أن يأتمر بأمر الله تعالى لكل مؤمن "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ"(الإسراء:36)

ويمكننا أن نوجز انطباعاتنا عما سنجده من استدلالات صاحب موقع (ختلة) وأمثاله من مواقع، حيث تتوزع هذه الانطباعات بين الفكاهة، والشفقة، والحسرة، والحزن، والغضب، والانزعاج، ثم الحَمِيّة العلمية – المحمودة بإذن الله

- أما الفكاهة، فلكونها من عجائب الاستدلالات الفاسدة والمعهودة من غير المتخصصين عندما يُفتون فيما لا يعلمون.
- وأما الشفقة، فلكون صاحب الاستدلالات حسن النية على ما يبدو، وجاد كل الجدة فيما سعى إليه، إلا أنه يعاني من فقر معرفي حاد فيما ندب نفسه له
- وأما الحسرة، فهي على ضياع الجهد والوقت في أمثال هذا النزاعات الفارغة
- وأما الحزن، فيرجع إلى ذلك العدد الهائل من المطلعين على هذه الاستلالات الفاسدة ثم تأييدهم لها، والذي يكشف عن سهولة انسياق العوام وراء الأضاليل
- وأما الغضب، فهو لإقحام آيات القرآن في استدلالات فاسدة بينة الفساد، مما يمثل طامة كبرى بحق القرآن، وبما يلزم معه تبرأة القرآن مما يلحقه من لصق الأباطيل به، وتحذير المتجرئين على ذلك من التمادي في جُرمهم ووجوب توبتهم وعودتهم إلى رشدهم
- وأما الانزعاج، فيرجع إلى ما سيؤول إليه حال المسلمين من الوضع السيء الذي هم عليه إلى ما هو أشد منه سوءاً؛ ذلك لو أن هذه الأضاليل شاعت بينهم وجرى تصديقها ونشرها والدفاع عنها
- وأما الحمية العلمية، فهو الانبعاث إلى صد هذا الشر الزاحف ومقاومته بكل حجة علمية رصينة أوتيناها. هذا ونستعين بالله تعالى وحده، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

يُتبع ،،،