الخميس، 2 أبريل، 2015

النظرية النسبية: فوضى ثقافية، وتهافتات إعجازية

من كتاب: فتاوى شرعية في النظرية النسبية
الفصل الأول: النظرية النسبية: فوضى ثقافية وتهافتات إعجازية
بقلم: عزالدين كزابر

مقدمة:
أثار التأييد الغُثائي الجامح لهذه النظرية قدراً كبيراً من التهافت الثقافي والإعجازي، رغم إشكالاتها، وتناقضاتها، وتشابكها مع غيرها من المعاني التي لا علاقة لها بها. وهو الأمر الذي يستوجب التحقيق العلمي الرصين لإعادة الأمور إلى نصابها. هذا ويرجع كثيرٌ من الخطأ – عند أكثر الخائضين في الحديث عن النظرية النسبية - إلى لفظ "نسبية" الذي هو مشترك بين الشائع في العلاقات النسبية بين الأشياء وبين النظرية النسبية. فلفظ "النسبي" و "النسبية" معانى لُغوية لمألوفات المقارنات الدارجة، فهذا الرجل أبو الولد، والولد إبن الرجل، وهذا أطول وهذا أقصر. أما النظرية "النسبية" (ونقصد النسبية الخاصة، إلا إذا قلنا النسبية العامة) فلفظ اصطلاحي مفارق للمعنى اللُّغوي، وإن استثمره جزئياً. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً[1] - على سبيل المثال - في وصف ما أتت به نظرية النسبية في معنى "الزمن"؛ كان الخلط بين قدر "اليوم" الخاص بكل كوكب من جهة، ومراد النظرية النسبية من افتراق أزمان الراصدين المتحركين بسرعات منتظمة ومتفاوتة من الجهة الأخرى. وتغير طول اليوم على كل كوكب أمر طبيعي لاختلاف كل منهما في سرعة دورانه حول نفسه أمام الشمس. ولا يزيد هذا عن اختلاف وحدات الطول القياسية من دولة لأخرى. فلا حرج أن تقيس الطول بالمتر أو بالقدم. وكذلك لا حرج من حيث المبدأ أن تقيس اليوم بطوله على الأرض أو بطوله على المريخ. ولكن لا سبب إيجابي يدفعنا لهذا الاختيار الأخير، بل هو سلبي بكل المقاييس إن اقترحه أحد. إلا أنه ما من فرق فيزيائي بين هذا وذاك. ويظن كثيرٌ ممن قرأت لهم من المشتغلين بالإعجاز العلمي، بل ومن غيرهم من العلميين، والتراثيين[2]، أن الفرق بين يوم الأرض ويوم الشمس يعود للنظرية النسبية ومقولتها أن كل متحرك يحمل زمنه معه! ويظن آخر أن الزمن ينكمش نتيجة السرعة الكلية (الـمُحصّلة) للشيء المتحرك. فمن ذلك - قول من قال منهم- أن سرعة للقمر أعلى من سرعة الشمس في الكون فالزمن عليه بالتالي أبطأ[3]!. وآخر يقول[4] أن الملائكة تصل للعرش قبلنا لأن الزمن ينكمش عندها أكثر نتيجة فرط سرعتها! وثالث يقول[5] إن الألف سنة انكمشت إلى يوم بسبب السرعة! ويظن آخرون[6] أن النسبية أدخلت الزمن كبعد رابع بعدما كان الأبعاد ثلاثة مكانية فقط، وهذا كلام غير محقق! والصحيح أن الزمن كان بُعداً رابعاً مستقلاَ ورتيباً، فلم يستدع الأمر أخذه بالاعتبار. وما أحدثته النسبية أنه بُعد غير مستقل ولا رتيب، وأنه يقتسم القيمة مع الأطوال في اتجاه الحركة تبعاً للسرعة. أي أن النسبية مزجت بين الزمن والطول في نظامٍ ما، وبدرجة تعتمد على سرعة حركة هذا النظام من وجهة نظر مراقب ساكن. كما نرى من يُطَوّر (زمكانات)! جديدة[7] على نمط (زمكان) النظرية النسبية ويلحقها بكل حادثة ممكنة حتى ولو كانت منامية، ويفسر بها زاعماً- بلا دليل- رؤية يوسف ونوم "أصحاب الكهف"، و"الذي مر على قرية"، والإسراء والمعراج"، بل ويجعل من تقويم القمر زمكان وتقويم الشمس زمكان آخر!. أما الطامة الكبرى فهي أنك تجد من يدعي[8] أن أينشتاين قد استوحى النظرية النسبية من عدد من الأحاديث النبوية التي تكلمت عن تقارب الزمان. هذا ما سنستعرضه في هذا الفصل، ونحقق فيه عن حقيقة علاقة هذه المقولات المتهافتة بالنظرية النسبية وصاحبها.
ما هي النظرية النسبية بإيجاز؟
نظراً لأننا في مرحلة التمهيد لمسائل النظرية النسبية، وتيسيراً على القراء، فلن نفسح المجال لسرد الحيثيات، والتجريبيات، والاستدلالات التي يجب استحضارها لفهم النظرية النسبية، ولكننا لنذكر فقط ما يفهم منه القارئ ما يُعينه على متابعة الموضوع. وسندع التفصيل إلى حين، وبقدر ما نحتاج إليه.
وللإجابة على سؤال: ما هي النظرية النسبية؟ - نقول:
هناك مدخل تقليدي درج عليه العلميون (الأكاديميون) في عرض النظرية النسبية الخاصة يقومون فيه بسرد فَرْضَين أتي بهما أيشنتاين في بحثه المحتفى به عام 1905م[9]. وبعد صياغة هذين الفرضين رياضياً يسعون – كما فعل أينشتاين- إلى تقييد السلوك الفيزيائي أجمعه بهذين الفرضين في صياغتهما الرياضية. وينشأ عن ذلك معادلات فيزيائية – تُسمى معادلات تحويل لورنس - دللت التجارب العديدة على صدقها المعملي.  ويأتي تأويل هذه المعادلات فيما نجده من سلوك غريب من مُخرجات فيزيائية – لازمة عن هذين الفرضين لزوماً ضرورياً - يسترعي دهشة حديثي العهد بالنسبية، وهي نفس الدهشة التي طالت قديمي العهد بها أيضاً، إلا أنهم ازدردوها بلا مذاقٍ ولا مضغ ولا هضم، حياءاً من بعضهم بعضاً، وفقداناً لأي بديل لذلكم الفرضين، ولا لمنظومة التأويل الذي قدمه أينشتاين في ذلكم البحث. ثم تتحول الدهشة إلى تعجب من النتائج بعدما يجد من الوقائع التجريبية ما يوافقها تأويلاً. ثم يُسلِّم المتفرجون بانسجام التأويل والنمذجة الرياضية والتجريب، فيتطور التسليم إلى إعجاب بصاحب النظرية وشدة ذكائه الذي أهلته لاكتشاف هذين الفرضين اللذين نتج عنهما كل هذه الاكتشافات الغريبة كاستطالة الزمن وانكماش الطول، وهي اكتشافات أو مخرجات تهز العقل هزاً أو – لنَكن أكثر صواباً- تهزأ به استهزاءاً. ثم تملك النسبية الخاصة شغاف قلوب الباحثين، والمثقفين، وتتحول إلى أقنوم، ويتحول صاحبها إلى قديس[10]. ونلحظ هذه الأَعراض هنا وهناك، على كل من يعرف النظرية أو يسمع عنها، من العجم والعرب على السواء.
ومن ذلك، ما نقرأه للشيخ نديم الجسر يقول: (لشخص افتراضي يحاوره في النظرية النسبية): [لا تصدق أن عظيماً كأينشتاين يتناقض مع عقله فيُنكر البديهيات]، ويقول د. منصور حسب النبي[11]: [لقد اتفق الناس في عصرنا على أن أينشتاين هو أعلم علماء القرن العشرين لأنه صاحب النظرية النسبية ...]، ويقول محمد عبدالرحمن مرحبا[12]: [نتوج هذا العدد بالكلام عن أينشتاين لما يتمتع به من عبقرية فذة]، ويقول أيضاً[13]: [قفزت نظريته إلى مرتبة النظريات الخالدة، وجعلت أينشتاين في طليعة العظماء الذين يشح بهم التاريخ]، ويقول[14]: [لقد كان أينشتاين لفثة من عالم آخر لا تدركه أبصارنا، عالم بعيد، بعيد جداً. كان يرنو إليه بكيانه كله. وكانت له فيه شطحات وسبحات، وكانت الموسيقى سبيله الوحيد للتنفيس عن ثورة عارمة لا يدركها إلا ذووها. فالموسيقى نشيد العظماء وسلوى الملهمين. غاص في الأعماق فكان الكون له مسرحا ينتزع من غوره الحكمة، وتطلَّع إلى الأبعاد السحيقة، فإذا به يلمح أطيافاً ما تجلت لغير عينيه، وتُملى عليه الصور والفكر كما هي لا تَعَمُّل فيها ولا تَصَنُّع، وانعكس ذلك كله في نفسه الهائمة الساهمة، فانطلقت على سجيتها في كل شيء، صدقٌ في الأداء، ودقةٌ في التعبير، ونصوعٌ في السريرة. لقد استتب له التفكير الذاتي فجعل يعزف من صميمه، من نبعه الخاص، المتدفق، ويسكب منه على الوجود، فيُغنيه ويزيد في ثرائه.] ... !!!
ونقدم في هذا الكتاب مدخلاً مختلفاً للنسبية الخاصة، فيما سنعرضه من تفصيلات لاحقة في أوانها. والسبب لذلك مزدوج؛ الأول، كسر ألفة القارئ ذو الخبرة بالعرض التقليدي للنسبية الخاصة ومن ثم يجدد اعتقاده، أو تساؤله، لا اعتقاده بها، والثاني، كشف حقائق نادراً ما تُعرض إلا عند أهل الخبرة في بواطن ودواعي النظرية النسبية.
وفي إيجاز نقول أن (نظرية النسبية الخاصة)[15]، أتت – في هيكلها الفيزيائي- كمخرج توفيقي بين النظرية الكهرومغناطيسية المتمثلة في حركة الجسيمات المشحونة عند السرعات العالية، هذا من جهة، وظواهر جديدة تتطلب تثبيت سرعة الضوء دائما أبداً كتجربة "مايكلسون مورلي" وتجارب زيادة كتلة الإلكترون مع السرعة المعروفة سلفاً قبل حلول النسبية[16]، هذا من جهة ثانية. وأن أينشتاين ما وضع فرضيه المشار إليهما إلا بغرض هذا التوفيق. وبعبارة أخرة: وجد أينشتاين – وقبله بوانكارييه الفرنسي عام 1904 في تصور قريب - أنه [كي تتفق الكهرومغناطيسية، في صورة معادلات مشتقة منها تسمى معادلات تحويل لورنس، وتلك الظواهر الجديدة، لا بد وأن يضع هذين الفرضين].
وماذا كانت مخرجات هذين الفرضين؟ - كانت زيادة الكتلة مع السرعة، وانكماش الأطوال، واستطالة الزمن. وبما يحقق معادلات تحويل لورنس كما تتطلب الكهرومغناطيسية. وكان لهذه المخرجات تداعيات – لنقل – أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى العلم. وانتشرت هذه التداعيات بين العامة كانتشار النار في الهشيم. وكان أكثرها شيوعاً وغرابةً اختلاف مرور الزمن على الأشياء المتحركة تبعاً لسرعتها. وبغض النظر عن صحة تعميم هذه التداعيات، فقد وجدت أذاناً صاغية متلهفة، وأجهزة إعلامية متشوفة، تستثمر هذه الأخبار بكل ما أمكنها من تقنيات إعلامية.
أما عن النسبية العامة، دون التعريج عليها إلا للتعريف بعلاقتها بالنسبية الخاصة، فهي – وإن خرجت من العباءة المنطقية للنسبية الخاصة تحت دعوى التعميم على كل أنواع الحركة والانتقال من الحركة المنتظمة إلى الغير منتظمة – فقد تطورت سريعاً بدعوى التكافؤ بين الحركة المتسارعة والقوى التثاقلية (الجاذبية)، لتتشكل منها نظرية جديدة في الجاذبية، تُحيل الفعل التجاذبي وتنقُله من المجال المحيط بالكتل المادية – كما كان في نظرية نيوتن – لكي تتصف به – ليس المجالات نفسها - بل هندسة الفراغ الحاوي للمجالات. أي أنها أحالت صفات المادة إلى صفات هندسة الفراغ القائم بدور الوعاء للمادة. وبالتحكم في معاملات رد الفعل بين مقادير الكتل ودرجات الإنحناءات الهندسية للفراغ أتت النسبية العامة بمخرجات فلكية أقرب إلى المرصود من تلك التي أتت بها نظرية نيوتن في الجاذبية؛ مثل إنحناء أشعة الضوء بتأثير كتل الأجرام الكبرى كالنجوم، ودوران أفلاك الكواكب. فكان لها من الاحتفاء ما لم يكن يحلم به أينشتاين نفسه. وكانت تداول الأخبار العالمية بانحناء الضوء – بما يوافق تنبؤآته لحدِّ ما - السبب الأكثر وضوحاً في شهرة أينشتاين العالمية أكثر كثيراً من شهرته بسبب النسبية الخاصة.
ونخرج من ذلك إلى أن النسبية الخاصة والعامة نظريتان دقيقتان ومتخصصتان في مجالين مميزين في الفيزياء الأرضية والكونية. وما تناولاه من أسماء كالطول والزمن والطاقة والتثاقل والانحناء والنسبية ليست ألفاظاً عامة، بل اصطلاحات لا يجوز تعميمها إلا في سياق الوصف الفيزيائي الذي صيغت له. كما أن محاولة فهم النظريتين وتفهيمها للعامة من الناس ولو على سبيل التثقيف، لها من الخطورة والتهويل الضار، إذا لم تُفهم الأسس التي دعت إليها، والتداعيات التي نتجت عن النظريتين. ويُعد الحديث عنهما مُفرغتين من معانيها الحقيقية من قبيل بث "المضنون به على غير أهله" إلى غير أهله، وذلك بتعبير (أبي حامد الغزالي).
___
(1-1): أمثلة من الفوضى الثقافية في "النظرية النسبية":
إنا لَنَأْسى أشد الأسى على وقوع فوضى عارمة وتشويش بعيد في معاني النظرية النسبية، في ثقافتنا العربية المنشورة – باعتبار أنها الإنجاز الأهم لأينشتاين، وأن ذكره مجرداً بعملٍ ما، إنما يؤول إليها دون غيرها، ونمر هنا على أمثلة عديدة لهذه الفوضى والتشويش:
1- استنكر الشيخ نديم الجسر[17] وجود أي غرابة أو مصادمة بين نتائج النسبية وبدائه العقول المستقاة من الفطرة الطبيعية التي تشربها الإنسان من تجاربه الحياتية، مثل رتابة الزمن، واستقلاله عن المكان وآليات الحركة فيه، .. إلخ، ناهيك عن معاني آيات قرآنية وتصور إيماني لازم عنها كتلك التي صدّرنا بها هذا الكتاب في مقدمته! .. ويسهل علينا جداً تفنيد تصور الشيخ نديم الجسر المؤيد لمنطقية النظرية النسبية وذهابه بعدم تصادمها مع أي ضرورات: اتساقية في الطبيعيات أو الإيمانيات.
- فمن استدلالاته الخاطئة، قوله[18]: [كلما زادت الكتلة زادت الطاقة، وكلما فنيت الطاقة من جسم نقصت كتلته، وبهذا صارت المادة شيئا قابلاً للفناء] .. ظناً بأنه فناء للعدم!! . ثم ترحيبه بهذه النتيجة الخاطئة ظناً بأنها تحل ما كان مظنوناً بمخالفته للإسلام ونصه الذي ذكره في الصفحة التالية[19]: [لا شيء في الطبيعة يُخلق، ولا شيء يَفنى] ثم قوله [ذلك المبدأ الذي كان يتحكم في عقولنا، ويُعسِّر علينا الإيمان بالخلق من العدم .. هذه النسبية قد قربتنا بكل هذا إلى الإيمان وقربتنا إلى الله!!!]. والصحيح أن النسبية أعادت صياغة هذا النص الذي كان يطبق على كل من المادة والطاقة بانفراد، إلى نص يؤول إلى كينونة واحدة هي (المادطاقة mass-energy) وما زال النص (القانون) كما هو على هذه الكينونة الجامعة!. فإن كان لدينا منها شيء فهو إما مادة صرف، أو طاقة صرف، أو مزيج منهما. ولا يمكن أن تفقد مجموعهما أبداً. .. وهذا لن يفي بمُبتَغَى الشيخ إذا سمع به، ولكنه واقع تجريبي شملته النسبية في نتائجها، ولا بأس به مع الإسلام، لأنه سنة طبيعية خُلق الله الوجود عليها على ما نراه، مثلما خلق الأحياء على سنة التزاوج. وأن القاضي يحكم به، ولا يقبل من زاعم يزعم أنه جاء بطفل بلا أبٍ وأم، أو بأحدهما واحد. وهذا كله حديث مقيد بالسنن ولا علاقة له بالمعجزات.
- ومن استدلالاته الخاطئة أيضاً، قوله[20]: [الزمن نفسه يختلف إدراكه عند شخصين يقف أحدهما في كوكب والثاني في آخر باختلاف سرعة كل واحد من الكوكبين، لأن الزمن هو تعاقب الحركات .. وبهذا أصبح قياس الزمن نسبي.] لأنه لا علاقة بين الزمن على الكواكب المختلف وحداته، عن الزمن في النسبية الذي يختلف مروره تبعاً لسرعة من يُسب الزمن إليه من قبل راصد حركته، وسوف نفصل الأمر في هذه المسألة التي تكررت مراراً من أغلب الخائضين في النسبية.
ومن استدلالاته الخاطئة، قوله[21]: [الزمن .. أي عنصر السرعة يتحكم في (طول) المادة وفي (كتلتها) وفي (طاقتها) وبالتالي في مدة بقائها وفنائها. ..] حيث ينقلب هذا التقرير إلى تناقض إذا علمنا أن هذا التقدير يختلف بين من يرصد تلك المادة وهو متحرك معها أو غير متحرك معها. ومن ثم لن يتفق راصدين مختلفي الحركة على أي واقع تقريري واحد مطلق لذات المادة من كتلة أو طول أو عمر، وهي مشكلة عويصة لم يجد لها النسبويون (المتخصصون) مخرجا حتى وقتنا هذا. .. ومن هذه الملاحظات يتبين أن الشيخ نديم الجسر لم يقف على إشكالات النسبية العميقة، والتقط منها الجماليات الأخاذة التي يُروّجها الإعلام العلمي، والكتب الثقافية الأجنبية ذات النفع التجاري.
2- ونقرأ لـلدكتور (زكي نجيب محمود) ما يُمجّد به فلاسفة ومفكرين وُلدوا في القرن التاسع عشر، فيقول[22]: [إنها لظاهرة تلفت النظر في تاريخ الحياة العقلية، وأعني أن يلد القرن الماضي: هيجل، وماركس، ودارون، ونيتشه، وشوبنهاور، وفرويد، وأينشتاين ليُضيفوا إلى الدنيا ثماراً فكرية هي من أغنى ما شهدته في تاريخها من ثمار .. (ثم يذكر أهم ثمرة لكل مَن ذكر من أسماء، وعندما أتى على أينشتاين، قال:) ومن أينشتاين، تغيَّرت صورة العالم من حتمية إلى نسبية احتمالية، فتغيرت صورة العالم تبعاً لذلك.]
وهذه العبارة عن أينشتاين غير صحيحة بالمرة، أما الصحيح فهو أنه غَيَّر صورة العالم في عيون أهله – الذين تَلَبَّسُوا بإنجازات العلم الحديث قلباً وقالبا - من الإطلاق إلى النسبية، وهما نقيضان لا يجتمعان في شيءٍ واحد من وجهٍ واحد، فنَقَلَ بالفعل أفهامهم من الأول إلى الثاني، بغض النظر عن قيمة هذه النقلة، وتداعياتها على العلم الطبيعي، ثم الأدبي والاجتماعي والنفسي، وللأسف كانت هذا النقلة إلى الأسوأ وما زالت. أما الزوجين النقيضين؛ (الحتمية والاحتمالية)، فقد وقع أيضاً الانتقال من أولهما إلى ثانيهما، ولكن لم يكن لأينشتاين أي دور في ذلك، والحق أنه كان معارضاً لهُجران أو نُكران الحتمية أشد المعارضة إلى أن مات، وقال في ذلك قولته الشهيرة: [إن الله (سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا) لا يلعب النرد]، أما أصحاب هذا التحوُّل من الحتمية إلى الاحتمالية، فجماعة من علماء الفيزياء الذين طوّروا النظرية الكمومية في عشرينيات القرن العشرين، والذي حمل تفسيرهم لها بعد ذلك إسم (تفسير كوبنهاجن)، وأهمهم: نيلز بور، وهايزنبرج، وماكس بورن، وباولي. والحق أن النظرية النسبية نظرية كلاسيكية حتمية، ثم جاء الجمع بينها وبين الاحتماليات الكمومية بطريقة اصطناعية تأليفية على يد بول ديراك سنة 1928، وأقصد بذلك أنه جمع بين معادلات النظرية النسبية والمعادلات الكمومية جمعاً قسرياً، وخرج بمعادلة حملت اسمه (معادلة ديراك)، ثم طورها إلى نظرية متكاملة بعد ذلك عدد من علماء الفيزياء في أربعينيات القرن العشرين هم (توموناجا، وشفِنجر، وفاينمان، ودايسون)، وحملت اسم (الكهروديناميكا الكمومية quantum electrodynamics)، ولم يكن لأينشتاين في ذلك أي دور. بل ظل بعيداً عن كل ذلك منذ العشرينيات، وحتى وفاته سنة 1955م. والحقيقة، أنه لا توجد أي علاقة استدلالية، ولا تعاضدية، ولا تناغمية بين مفاهيم النسبية التي أتى بها أينشتاين، ومفاهيم الاحتمالية التي أتت بها مدرسة كوبنهاجن، وتم تزويج الفكرتين لصناعة تلك النظرية بشكل اصطناعي فج، وعلى سبيل الاضطرار.
والخلاصة هي أن حديث زكي نجيب محمود عن النسبية وأينشتاين جانب الصواب، وخلط بين مختلفات.
3- وإذا انتقلنا إلى (مصطفى محمود)، فرغم أنه جمع شتات النسبية في كتابه الثقافي الشهير عنها[23] بما يقربها إلى عقول عامة القراء، إلا أنه كان له أيضاً هفوات نسبوية، منها قوله في المقطع الآتي:
video
ونراه يقول في آخر هذا المقطع: [سنتحول في الجنة إلى أجسام نورانية. والأجسام النورانية لها سرعة تساوي سرعة الضوء، ومن ثم يتباطأ عندها الزمن ويقف تماماً، ونصبح أبديين، أي بلا نهاية في الزمن، وهذا هو الخلود] !!!
نقول أن هذه العبارة لا علاقة لها بالنسبية، بل هي محض تشابك أفكار من النظرية النسبية التي تتكلم عن (فوتونات) الضوء الذي دائماً أبداً له سرعته المعهودة. ولكن ما أن يُضطر الفوتون للوقوف، يمتصه الجسم المادي الذي أوقفه، على صورة طاقة يكتسبها ذلك الجسم، وتنعدم تلك الفوتونات. ومن ثم تفقد تلك (الأبديه – التي تقول بها النسبية) التي كانت مُلازمة لحركتها، بمعنى أنها ليست أبدية خلودية كما فهم مصطفى محمود، فإذا عُلم هذا ينهار ذلك التصور التي قال به مصطفى محمود من أبدية لا عدم بعدها، والتي ألحقها بما سماه "أجسام نورانية"! .. كما أن القول بأن أجسام الـمُخَلَّدِين في الحياة الآخرة ستكون من طبيعة نورانية، قولٌ لا أصل له في دين الإسلام، ولا يمكن الاستدلال عليه من ربط أبدية الزمن (الخلود) بسرعة الضوء اعتماداً على النسبية الخاصة. كما أن النسبية لا علاقة لها إلا بما هو متحرك، فإذا ما قاربت سرعته سرعة الضوء، حتى تكاد تساويها، رآها الراصدون ذات كتلة متعاظمة بلا نهاية. فكيف تكون أجسام نورانية في وقت يلزم عن هذه النورانية أن تكون بلا نهاية في كتلتها؟! ... كما أنها لو وقفت لفنيت وانعدمت وتحولت إلى طاقة يتغذي بها ما أوقفها، فهي إذاً غير واقفة ولا متحركة بسرعة الضوء! ... طلسمات فكرية لا سند لها من أي وجه.
4- ونقرأ للدكتور جمال الدين الفندي يقول[24]: [ربما استطعنا أن نلمس معاني نسبية الزمن وكونه غير مطلق من العديد من آيات الذكر الحكيم مثل: 1- " تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ .. – الآية (المعارج-4)، 2- "وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ"(الحج-47)، 3- " قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ"(المؤمنون: 112-113)]
نقول: رغم أن هذه الآيات ترتبط بالفعل بالنظرية النسبية، كما سيتبين لنا لاحقاً في فصول هذا الكتاب، إلا أن هذا الارتباط على خلاف ما قصده الدكتور الفندي من قوله (معاني نسبية الزمن وكونه غير مطلق). فقوله هذا دعم صريح للنسبية في حديثها عن الزمن، وللأسف جاء بلا أدنى تحقيق. ولا ندري ما الذي حمل علمائنا الأجلاء أمثاله على هذا الانجراف في تيار النسبية الجارف، الذي فتن علماءنا حتى قبل مثقفينا!!
___
والآن: سننتقل إلى مسائل بعينها تناولها – الإعجازيون وهواة العلم الحديث – من منظور النسبية بشقيها الخاص والعام، وجنحوا أشد الجنوح في زعمهم باقترانها مع آيات القرآن؟
1- قال د. منصور حسب النبي[25]- عفا الله عنه:"لقد اكتشف العلماء حديثاً أن الزمن نسبي وليس مطلقاً لأنه يتوقف على المكان الذي نعيش فيه ونقيس منه الزمن، وعلى سبيل المثال فإن لكل كوكب يومه وعامه الخاص طبقاً لسرعة دورانه حول نفسه وحول الشمس، ولهذا فإن الزمن مرتبط بالحركة أو المكان. فإذا أخذنا كواكب المجموعة الشمسية بترتيب بعدها عن الشمس وهي عطارد، الزهرة، الأرض، المريخ، المشترى، زحل، يورانوس، نبتون، بلوتو ... نجد أن اليوم مقاساً بمدة دوران الكوكب حول نفسه بالتقويم الأرضي هو على الترتيب: 59 يوماً، 243 يوماً، 24 ساعة، 24.5 ساعة، 10 ساعات، 10 ساعات، 11 ساعة، 16 ساعة، 6 أيام.
كما أن السنة ممثلة في مدة دوران الكوكب حول الشمس بالتقويم الأرضي هي على الترتيب: 88 يوماً، 225 يوماً، 365.25 يوماً، 687 يوماً، 12 سنة، 29.5 سنة، 84 سنة، 165 سنة، 248 سنة.
وعلى هذا فإننا لو قارنا بين عمر طفلين مولودين في لحظة واحدة، أحدهما على الأرض والآخر فرضاً على المشترى، فإن الأول يصل إلى سن الستين بينما يكون عمر الثاني 5 سنوات من سنوات كوكب المشترى."
نقول: لا علاقة لهذه الفقرة بالنظرية النسبية من قريب أو بعيد، رغم أن الإشارة في "اكتشف العلماء حديثاً أن الزمن نسبي وليس مطلقاً" تشير بالفعل إلى النسبية الخاصة وحديثها عن نسبية الزمن، لأنه ببساطة لم يحدث أن تكلم عن ذلك غيرها!!!.. كيف إذاً تكلمت هذه الفقرة عنها في الظاهر دون أن تكون قد تكلمت عنها في الحقيقة!!
إن ما حدث هو أن صاحب المقالة ظن أن كل ما ذكره من اختلاف وحدات الزمن على الكواكب المختلفة هو مقصد النسبية الخاصة، أو أنها تشمله! والحقيقة أن ذلك غير صحيح! إن اختلاف طول السنة بين الأرض والمشترى من حيث المبدأ لا يفترق عن اختلاف طول السنة القمرية عن السنة الشمسية. بمعنى أن طول السنة (أو اليوم أو الساعة أو الثانية أو ماشئت من وحدات يخترعها الإنسان) هو وحدة زمنية اصطلاحية. ولا مشاحة في الاصطلاح إذا فهمت المعاني كما قال عُقلاء العربية قديما. بل إن الأمر لا يخص في ذلك عين "الزمن". بل إن افتراق وحدات الطول من متر في فرنسا إلى قدم في بريطانيا لا يعني أن الرجل في بريطانيا أطول ثلاث أضعاف الرجل في فرنسا. أو أنه إذا انتقل إلى هناك سينخفض طوله إلى الثلث! فكما أن هذا خطأ فاضح لمن لا يفهم وحدات الطول والتحويل بينها، أو حتى العملات البنكية والتحويل بينها، فكذلك في الزمن على الكواكب. إن طول الثانية على الأرض هو هو طولها على غير الأرض. والدليل على ذلك أنها تُعرَّف الآن بدلالة تردد الأطوال الموجية التي لا تعتمد على كوكب دون غيره. والإنسان الذي يعيش 60 عاماً على الأرض، إذا انتقل إلى المريخ عند ميلاده – لو كان على المريح فرصة للحياة الإنسانية الطبيعية - فسوف يشيخ هناك إلى عمر الستين (من السنين ذات الطول الأرضي) المسجلة على ساعته اليدوية كما هو حاله على الأرض. ويقال مثل ذلك على أي كوكب آخر، حتى ولو كان المشترى. وإذا كانت سنة المشترى 12 سنة أرضية، فهذا يعني أن عمره هناك إثنى سنة مشترية. ولا غرابة في ذلك لأن الاختلاف ليس إلا في طول الوحدة الزمنية، مثلما أن طول نفس الإنسان 180 وحدة طول فرنسية (سم)، فإن طوله 6 وحدات طول إنجليزية (قدم). فأي غرابة في ذلك؟! .. وأي علاقة لذلك بالنسبية! .. اللهم لا علاقة، والأمر ليس إلا سوء فهم.
أما مقصد النظرية النسبية (بحسب تأويل أينشتاين لها) في مسألة اختلاف الزمن فمختلف تماماً. إنها تقول: لو تحرك شيءٌ ما بالنسبة إليك بسرعة كبيرة، وحاولت أنت (بصفتك راصداً له) أن تقيس معدل مرور الزمن المار على ذلك الشيء المتحرك، لكانت النتيجة التي تصل أنت إليها أن الزمن عليه يُبطئ (أي يستطيل) عليه. وأنه كلما زادت سرعته بالنسبة إليك كلما أبطأ الزمن عليه أكثر. وأن هذا التباطؤ سينال كل ما يتعلق بذلك الشخص من عمليات وأحداث حيوية، وأنه سيشيخ أبطأ مما لو ظل على الأرض. وإذا وصلت سرعته إلى سرعة الضوء كان رصدك للزمن عنده أنه توقف. هذا هو ما تقوله النظرية النسبية الخاصة تماماً.
2-ونسمع من مصطفى محمود في الربط بين نسبية المواقيت والنظرية النسبية خلطاً صريحاً وشبيهاً بما قاله د. حسب النبي أعلى:


video

وهذا الكلام في أطوال أيام الكواكب لا علاقة له بالنظرية النسبية أبداً.
3- ونعود للدكتور حسب النبي فنجده يقول[26]:"يشير القرآن الكريم إلى نسبية الزمن في إعجاز علمي رائع بقوله تعالى:
"وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ"(الحج: 47)
وبهذا فإن اليوم في ملك الله قد يمثل ألف سنة مما نعد على الأرض، ويمكن النظر إلى هذه الآية الكريمة على أنها إشارة إلى السرعة الكونية العظمى، أي سرعة الضوء (أنظر ص 414-317) -[هذه إحالة من صاحب العبارة إلى كتابه]"
نقول: في هذه العبارة خطأين، الأول أن القرآن لا يشير إلى نسبية الزمن في هذه الآية الكريمة، ولا غيرها، على النحو الذي نادت به النسبية الخاصة. وقد رأينا هذا الخطأ يتردد أيضاً على لسان مؤلفين متخصصين، فهذا الدكتور جمال الدين الفندي يقول[27]: [ربما استطعنا أن نلمس معاني نسبية الزمن وكونه غير مطلق من العديد من آيات الذكر الحكيم مثل: 1- " تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ .. – الآية (المعارج-4)، 2- "وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ"(الحج-47)، 3- " قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ"(المؤمنون: 112-113)] وهو أيضاً قولٌ غير مُحقَّق.
ونستكمل التعليق على عبارة د. حسب النبي، ونقول: أن الخطأ الذي وقع فيه كان في نسبة يوم إلى الله تعالى غير يومنا الأرضي، ونسبة السنة إلى الأرض. وهو من نفسه نوع الخطأ الذي فرق فيه حسب النبي بين يوم على كوكب الأرض ويوم كوكب المريخ، وقد كشفنا التباسهما أعلى. بل الصواب أن اليوم في هذه الآية هو يوم أرضي شمسي كما عهده العرب وغيرهم، والسنة هي سنة أرضية قمرية أيضا– على نحو ما سنرى لاحقاً في التفسير الراجح لهذه الآيات. ثم أن هذا المعنى الأخير هو الذي دافع عنه د. حسب النبي بنفسه وبشدة في الصفحات التي يحيل إليها هو، وسنرى تفصيلها لاحقاً. أما الخطأ الثاني: فهو أنه يستشهد لنفس الآية الكريمة بمعنيين متنافيين. إن صح أحدهما بطل الثاني، وإن صح الثاني بطل الأول. وإن كانت هذه هي دعوى القائلين بأن القرآن حمال أوجه قد تصح جميعاً حتى لو تعاندت المعاني أو تفاوتت، فهذا ما يجب أن نستنكره. ويشبه قولهم هذا أن يراهن الرجل على كل أحصنة السباق، فيضمن الفوز بظنه، حتى ولو خالف أنظمة السابق. وهو أمرٌ يتعارض مع صرامة معاني القرآن، ويُعد تلاعباً ممن ينصرون آراءهم بحشرها مع آراء أخرى يستحون من القول بخطئها، فيغضب عليهم آخرون، وكل هذا على حساب صرامة معاني القرآن وتفرد الحق فيها، بلا أي شراكات باطلة.
ولكي يتضخ بجلاء خلط الدكتور حسب النبي في المعاني، نعيد آخر ما قاله أعلى وما يليه: [وبهذا فإن اليوم في ملك الله قد يمثل ألف سنة مما نعد على الأرض ... حقاً إن اليوم عند الله سبحانه وتعالى عند الله تعالى يمثل مرحلة زمنية وأن إشارته سبحانه إلى خلق الكون في ستة أيام لا تتعارض مع العلم الحديث مادام اليوم الإلهي يمثل مرحلة زمنية أو طوراً من الأطوار قد يمتد آلاف أو ملايين أو بلايين من السنين .. "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ"(ق:38)]
وفي هذه العبارة يدعم قائلها ما سماه "اليوم الإلهي" وأنه قد يأتي بمعنى مدة طويلة ألف سنة .. أو بلايين. وبذلك يُوحِّد معني "اليوم" بين الآيتين: (السجدة:5) و (ق:38) على أن تأويلهما واحد، وهو أن اليوم مدة زمنية طويلة. علماً بأنه قد أتى في كتابه (ص323-324) في تأويل الأيام الستة في آية (ق:38) على أنها عمر الكون 13.5 بليون سنة. ومنها حسب طول اليوم 13.5/6 = 2.25 بليون سنة. ورغم أن هذا التأويل الأخير مقبول في الآية (ق:38)، إلا أنه غير مقبول في (السجدة:5). لأن لفظ "اليوم" كغير من ألفاظ القرآن التي يتعين معناها بسياقها، وليس بمعنى معجمي وحيد فريد لها. ويدخل ذلك ضمن "علم الوجوه والنظائر". وإذا تعين للفظ الواحد في الموضع الواحد وجهاً للمعنى بعينه بأدلة رصينة، امتنع عنه باقي الوجوه. أما ما يفعله د. حسب النبي فيحمل على لفظ "اليوم" نفس المعنى لليوم في (ق:38) بما قاله في العبارة السابقة رغم اختلاف زمن اليوم ما بين ألف إلى مليارات السنين، وفي نفس الوقت سيؤكد في (ص 414-417) على حمل اللفظ بعينه في آية (السجدة:5) لمعنى اليوم الأرضي ذي الساعات الأربع والعشرين! – كما سنرى لاحقا.
4- يقول د. منصور حسب النبي[28]:"من روائع القرآن الكريم في نسبية الزمن قوله تعالى: "وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"(الكهف25-26)، وهذه إشارة إلى أن 300 سنة شمسية تعادل 309 سنة قمرية بالنسبة لسكان الأرض. وبهذا سبقت الآية علوم الفلك والحسابات الفلكية. ونظراً لأن الزمن نسبي فإن الآية تستطرد في إعجاز علمي بالغ بعبارة "قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا" إذا كيف يتسنى لنا دون التسليم بأن القرآن يقصد بهذه العبارة ظاهرة نسبية الزمن أن ننفي وجود تناقض ظاهري بين الإخبار في الآية بعدد السنوات التي أمضاها أصحاب الكهف في كهفهم، وبين التصريح مرة أخرى بأن الله وحده هو الذي يعلم العدد الحقيقي لتلك السنوات، ألا يعني ذلك أن عدد السنوات المقصودة يختلف حتماً من مكان إلى آخر في هذا الكون المملوء بالحركة، والذي يختلف فيه الزمن باختلاف حركة الراصد والمرصود ومكانهما؟ وهذا مما لا يعلمه علماً شاملاً إلا الله سبحانه وتعالى، لأنه محيط بالمكان والزمان."
يؤكد مثال الفرق بين السنة الشمسية والسنة القمرية ما ذهبنا إليه من أن صاحب هذا الكلام قد خلط بين فروق التقاويم ونسبية الزمن المقصود من النسبية. وإذا كان القرآن يؤكد بالفعل على نسبية التقاويم، فهو عند صاحب الكلام يدعم نسبية الزمن التي أتت بها النسبية، وإذا انفكت علة هذا عن ذاك عنده فهل يسحب مقولته في حق القرآن وتأييده لنسبية الزمن. يبدو أن محاولة الدعم الإضافي الذي ساقه صاحب الكلام من قول الله تعالى " قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا " على نسبية الزمن يقطع الطريق على ذلك. ولا يسعنا من قراءة المقالة وإعادة القراءة إلا الخروج بحكم اختلاط حابل نسبية الزمن بنابل بنسبية التقاويم بشباك التأويل القرآني الطائع لكل تأويل يبتغيه مبتغ. وهذا التشويش والارتباك – وهو ما يتنافي مع الرسوخ في العلم في الذين وصفهم الله تعالى - تؤكده المقالة التالية التي نلحظ فيها التردد عما سبق من تصريحات في دعم الآيات لنسبية الزمن.
5- قال د. حسب النبي[29]: ملحوظة: "الآية الكريمة: "وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ"(الحج: 47)، والآية الكريمة: "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ"(السجدة: 5). .. قد تشيران إلى النسبية وانكماش الزمن بحيث أن الألف سنة انكمشت إلى يوم واحد على أساس المفهوم النسبي للزمن إذا اعتبرنا اليوم في هاتين الآيتين يوماً من أيام الله لا يعلمها إلا هو سبحانه. لكنني أشير هنا إلى أبحاث جديدية شرعية وفيزيائية قد تمت لتقديم تفسير علمي جديد يؤدي إلى حساب سرعة الضوء من منطوق هاتين الآيتين"
ويبدو التردد واضحاً في قوله "قد تشيران"، أي "ربما تشيران" وذلك بعد الحديث في صفحات طويلة عن أن آية (الحج:47) تشير بالفعل. كما وأن إبتداء الفقرة  بكلمة "ملحوظة"، وقوله "أشير هنا إلى أبحاث جديدة" ما يدعم أن هذه الفقرة قد أضيفت لاحقاً على انفراد في وقت متأخر من كل التصريحات السابقة لها. وكأن تلك الأبحاث الجديدة قد أربكت دعم صاحب المقالة لما كان يصرح به. وبدلاً من سحب كلامه السابق باعتباره باطلاً، سعى إلى الجمع بينه وبين الجديد. وهو سلوك مستغرب كما أشرنا من قبل لتنافي القولين. أما الأشد استغراباً فكان أن كلا التأويلين يدعمان النظرية النسبية. أي أنه إذا كان "اليوم" في الآيتين يومٌ بألف عام عند الله تعالى على الحقيقة فهو يدعم النظرية النسبية من وجهة نسبية الزمن، وإن كان "اليوم" يوماً أرضياً فهو يدعم النظرية النسبية بالاستدلال من خلال تأويله الرياضي على سرعة الضوء في الصفحات التي أحال إليها، والتي قال فيها أعلى " أشير هنا إلى أبحاث جديدية شرعية وفيزيائية قد تمت لتقديم تفسير علمي جديد يؤدي إلى حساب سرعة الضوء من منطوق هاتين الآيتين" – وسنأتي عليها بالتفصيل في فصل لاحق.  وهكذا نرى لا منهجية واضحة إلا بدعوى التأييد لمن يريد لما يريد. وكأن آيات الكتاب الكريم أصبحت مشاعاً لمن شاء أن يقول بمحض الرأي، حتى ولو جمع بين المختلفات في تفسير الآية الواحدة، وهو المنهج النقيض تماماً لمعنى "العلم".
___
قال د. زغلول النجار[30]: "منذ القدم استخدم العرب المسافة للتعبير عن الزمن بصيغ مثل مسيرة شهر‏,‏ أو مسيرة أسبوع‏,‏ أو مسيرة يوم‏ (‏عادة باستخدام الجمال أو بالسير علي الاقدام‏),‏ وفي النظرية النسبية يستخدم الزمن كالبعد الرابع للأبعاد المساحية الثلاث وقد سبق بعض متصوفة المسلمين من أمثال محيي الدين بن العربي‏,‏ ألبرت أينشتاين بمئات السنين في الإشارة الي حقيقة أن الكون وجود مادي في كل من المكان والزمان‏,‏ كما سبقه يالاشارة الي تحدب الكون بتحدب الزمان‏,‏ وهي قضية تعتبر اليوم من أهم نتائج النظرية النسبية العامة‏,‏ بل ان في إشارة القرآن الكريم الي يوم كألف سنة‏,‏ ويوم كخمسين ألف سنة ليمثل أساس النسبية‏,‏ ليس هذا فقط بل إن القرأن الكريم قد اشار الي سرعة الضوء وذلك بقول الحق ‏(تبارك وتعالي‏):‏ "قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ..."(النمل‏:40)‏ وقد استخدم ابن عربي السنة الضوئية بنفس المفهوم الذي تستخدم به اليوم في علم الفلك انطلاقا من هذه الآية القرآنية الكريمة."
نقول: خير مثال على استخدام العرب لصيغ مثل "مسيرة شهر" قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "نُصرت بالرعب مسيرة شهر"(متفق عليه)، ونؤيد هذه المقالة هنا في أن ذلك كان بما جرت به عادة العرب من استخدام الإبل أو السير على الأقدام، ونستبعد قول ابن عربي تماماً عندما أشار إلى أن المسير مسير القمر [مسيرة شهر بسير القمر][31] لأسباب سنبينها لاحقاً. أما القول بسبق ابن عربي لأينشتاين في القول بأن الكون وجود مادي في كل من المكان والزمان، فرغبنا الوقوف على موضع هذا القول وأمثاله من كلام ابن عربي لافتقار المقالة للإحالة إليه. إلا أن العرب يستخدمون الإشارات إلى المكان والزمان في لغتهم بمفردات يجملونها في "ظرف الزمان" و "ظرف المكان" وهذا يقتضي ضرورة احتواء الكون وأحداثه قاطبة في المكان وفي الزمان. غير أن ما أتت به النسبية نفي الإطلاق عن الزمان، واعتماد انسياب الزمن على قدر الحركة في المكان، أي على انسياب المكان، ومن ثم أصبح المكان والزمان وعاءاً واحداً بعد أن كان وعائين متمايزين، وأصبح هذا الوعاء الواحد "الزمكان" مزيجاً من المكان والزمان بما تختلف نسبتة أحدهما إلى الآخر على قدر انسياب المكان. وهذا لا علاقة له بالاستخدام الاحتوائي للمكان والزمان قبل النسبية، سواء عند العرب أو غيرهم. ومن ثم فلا علاقة بين تصور المكان والزمان كمتصل واحد في النسبية وبين ما قبلها. فمبدأ الاحتواء المجرد لم يكن هو المقصود في النسبية، بل كان المقصود المزج بين المكان والزمان في كيان واحد، هو ما حمل اسم "الزمكان".
ولم ننجح – رغم الاجتهاد في ذلك - في العثور على ما  أشارت إليه كلام الدكتور زغلول النجار عن ابن عربي وكلامه عن تحدب الكون بتحدب الزمان. ولا إلى استخدام "ابن عربي للسنة الضوئية بنفس المفهوم الذي تستخدم به اليوم في علم الفلك انطلاقا من قول الله تعالى "قبل أن يرتد إليك طرفك". غير أن وجدنا له قولاً يقول فيه "البصر لا شيء أسرع منه"[32] في التعليق على قول الله تعالى "وما أمرنا إلا واحدةٌ كلمحٍ بالبصر". كما وجدنا له قولاً يقول فيه "ولمنازله (أي منازل الفلك الأطلس) وجميع كواكبه سباحة في أفلاك لها بطيئة لا يحس بها البصر إلا بعد آلاف من السنين كما ذُكر عن أهرام مصر أنها بنيت والنسر في الأسد وهو اليوم في الجدي ونحن في سنة أربع وثلاثين وستمائة"[33]. وهذا القول لا يشير إلى السنة الضوئية، بل يشير إلى أن كوكبات فلك الأطلس تتحرك بالنسبة إلى البروج حركة بطيئة –بالنسبة إلينا- لا تلحظها العين بسهولة إلا بعد ألاف السنين من المتابعة، ومثال ذلك أن كوكبة النسر كان تقع في برج الأسد وقت بناء أهرامات مصر، وانزاحت على التدريج حتى  صارت في عام 634هـ تقع في برج الجدي.
أما عن القول بأن "إشارة القرآن الكريم الي يوم كألف سنة‏,‏ ويوم كخمسين ألف سنة ليمثل أساس النسبية‏" فكلام مجمل غير محقق. هل كلا الآيتين "يوم كألف سنة" و "يوم كخمسين ألف سنة" تشيران إلى النسبية، ومن أي جهة. هل من جهة زمن بزمن آخر ممتد، أم من جهة مسيرة يوم بمسيرة ألف أو خمسين ألف سنة. وما المقصود بأساس النسبية هنا؟!
وأما القول بأن "القرأن الكريم قد اشار الي سرعة الضوء وذلك بقول الحق‏ (‏تبارك وتعالي‏):‏ "قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ"" فهو قول مرجوح، لماذا؟ لأن [الطَّرْفُ: طرْفُ العين. والطرْفُ: إطْباقُ الجَفْنِ على الجفْن][34] فيكون معنى "قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ"، أي قبل أن يرتد جفنك منفتحاً بعد طرفه أي انغلاقه التلقائي، (وهو ما يستغرق زمناً قدره 20-40 مللي ثانية)، أي: [أني آتيك بعرش بلقيس من حيث هو إلى حيث مقامك في زمن لا يزيد عن زمن طرفة جفنيك]. فأين الضوء وسرعته؟! ولو أن الأذن تطرف كالعين، هل كان لارتداد طرفها علاقة بسرعة الصوت! بالطبع لا، وكذلك هنا.
قال د. زغلول النجار[35]: "تم رصد عروج الضوء (إنحناء مساره‏)‏ بين السماء والأرض في سنة‏1919‏ م‏,‏ وثبت بذلك أن الكون كله بما فيه من مادة وطاقة في حالة إنحناء تام‏,‏ وأن أيّا من مختلف صور المادة أو الطاقة لا يمكنه التحرك في الكون في خطوط مستقيمة أبدا‏,‏ وسبحان الذي أنزل في محكم كتابه قبل ألف وأربعمائة من السنين وصف الحركة في السماء بالعروج في سبع آيات متفرقات‏.‏
ويترتب علي ثبات سرعة الضوء إلغاء الإدعاء الباطل بأن الزمان مطلق‏ (‏مطلقية الزمان‏),‏ وإفراغ مفهوم الآنية من معناه‏,‏ مما يفرغ الكون المدرك من آية مرجعية ذاتية فيه‏,‏ بمعني أنه إذا كان في الكون من مرجعية مطلقة فلابد وأن تأتينا من خارج الكون المدرك‏,‏ وليس من داخله‏,‏ وهي مرجعية الوحي الإلهي المنزل من الخالق‏ (‏سبحانه وتعالي‏)‏"
نقول: رغم الاشتراك الواضح بين حركة المادة والضوء – ولا نقول الطاقة – في مسارات منحنية من جهة، والعروج في السماء على نحو ما جاء في كتاب الله تعالى من جهة ثانية، إلا أننا لا نستطيع الاستطراد في هذه المقابلة إلى الحد الذي نقول فيه " أن الكون كله بما فيه من مادة وطاقة في حالة إنحناء تام‏" من مجرد رصد انحناء مسار شعاع ضوئي عند مماسه طرف الشمس – كما تنبأت النسبية العامة - وبدقة أعلى مما يمكن حسابه من نظرية الجاذبية التقليدية. بمعنى أن الدليل محدود والاستدلال غير محدود. وذلك مثلما أستدل على أن الأرض كروية من مجرد انحناء أرضية أحد الأزقة. فبطلان هذا الاستدلال الأخير من نوع بطلان ما نحن بصدده حتى ولو كان الكون منحنياً انحناءاً كلياً. ولكن هذا الانحناء الكلي – والذي لا يكون فيه للكون ضواحي وحواف - يتعارض مع ما أيده صاحب المقالة من كون السماء الثانية تعلو السماء الأولى في سبع سموات متابعات كما جاء في التفاسير المأثورة. وليس غرضنا الخوض في ترجيحات سابقة لأوانها، وإنما غرضنا الاحتراز عن الاستدلالات الواهية والمردودة والمتعجلة بلا تحقيق.
أما القول بأنه "يترتب علي ثبات سرعة الضوء إلغاء الإدعاء الباطل بأن الزمان مطلق‏ (‏مطلقية الزمان‏),‏ وإفراغ مفهوم الآنية من معناه" فهو حكم قاطع الدلالة على بطلان إطلاق/مطلقية الزمان وعلى أن الحديث عن آنية الزمان مفهوم فارغ. وهذا الحكم حكم النسبية الخاصة. فهل أصبح حكم النسبية الخاصة غير قابل للاستئناف؟ - وهل يُزكي القرآن هذا الحكم، فإن كان يزكيه، فأين هذه التزكية. إن أقصى ما يمكن الوصول إليه هو أن "الْأَمْرَ" في قوله تعالى "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ"(السجدة-5) يتحرك بسرعة الضوء، رغم أن هذا لم يستطع أحد تحقيقه إلى الآن كما سنرى لاحقاً في فصل خاص من هذا الكتاب. وحتى لو أمكنّا إثبات ذلك لما أيدت الآيات (السجدة-5، والحج47) بعدُ النسبية الخاصة. فما قيمة ترديد أحكام النسبية الخاصة ببطلان كذا وإحقاق كذا، أللهم إلا إذا اعتبرها د. زغلول النجار حقيقة دامغة، ومرجعية موثوقة للتفسير!
أما إذا كان مَرَدُّ التزكية "أنه إذا كان في الكون من مرجعية مطلقة فلابد وأن تأتينا من خارج الكون المدرك‏,‏ وليس من داخله‏,‏ وهي مرجعية الوحي الإلهي المنزل من الخالق‏ (‏سبحانه وتعالي‏)" وأنه من ثم ينبغي ألا تكون هناك مرجعية (مكانية وزمانية) داخلية كما تقول النسبية الخاصة! فهذا الرأي وإن كان وازعه تقديسي لمرجعية الوحي الإلهي – وهو وازع ندعمه بشدة – إلا أنه تزكية لا أصل لها. فليس هناك أصل في الدين ولا فرع يقول بهذا. وليس القول بوجود مرجعية مكانية وزمانية بما يخدش هذا الوازع. بل إن توجيهات الوحي تآلفت على أن ما في الكون من موجودات صريحة ومجردة مرجعية صادقة في العلم، بل وممتدة عبر الزمن الكوني. قال تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ"(العنكبوت29: 20). وربما لا ينتبه كثيرٌ من باحثينا إلى أن مقولات النسبية الخاصة بنفي المطلقات من مكان وزمان تعني بما تقول نفي عين المطلقات لا نفي العلم بها. بمعنى أنها لا تقول بأننا نجهل العلم بالمطلقات لقصور في قدراتنا ومصادرنا العلمية، بل تقول أن عين المطلقات لا وجود لها. سواء كان ذلك بالنسبة لنا أو لما وراء الطبيعة ممن يُتصور وجوده في المعتقدات. ورغم أن هذا التصريح ضمني إلا أنه لازم من لوازم النسبية لمن فَقِهَها. وهو من نفس جنس مبدأ "اللاتعيين" uncertainty المنسوب لـ هايزنبرج، والذي رفضه أينشتاين نفسه لسبب اعتقادي وقال قولته الشهيرة "إن الله (سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيرا) لا يلعب النرد" لأن هذا المبدأ ينفي مبدأ العلم التفصيلي دون حدود دنياً (ثابت بلانك). وكذلك هنا في النسبية الخاصة، فإنها تنفي مبدأ العلم بالمطلقات بالاقتراب من حدود عليا (سرعة الضوء في الفراغ). ورغم أن أينشتاين عارض مبدأ هايزنبرج لسبب اعتقادي وهو في الخامسة والأربعين، إلا أنه لم يستطع أن يعارض نظريته التي طرحها في مطلع شبابه وهو في السادسة والعشرين، ربما لأنها كانت قد خرجت من يده وفقد السيطرة عليها. لذا لا تلزمنا أقوالهم ولا يجب أن نُأوّل كتاب ربنا لمناصرتها من دون تحقيق يضع عنها أوزارها.
قال د. زغلول النجار[36]:"تؤكد النظرية النسبية أنه فيما عدا سرعة الضوء فكل زمن في الجزء المدرك لنا من الكون هو زمن نسبي يعتمد علي سرعة تحرك الجسم‏,‏ فكلما زادت سرعته‏ (بالنسبة إلي جسم آخر‏)‏ قل إحساسه بالزمن‏,‏ فالنسبة بين زمن صاروخ متحرك في فسحة السماء والزمن علي الأرض تزداد بزيادة سرعة الصاروخ حتي إذا وصلت سرعته إلي ‏99,995%‏ من سرعة الضوء أصبحت سنته تعادل مائة سنة علي الأرض‏,‏ فالزمن علي الأرض زمن خاضع لقياساتنا‏,‏ ومرتبط بالمكان والسرعة أي بالحركة‏,‏ وهو زمن نسبي‏,‏ لأن كل جسم متحرك يحمل زمنه معه‏,‏ وكل ما في الكون من أجرام يجري إلي أجل مسمي‏ (‏الرعد‏:2,‏ يس‏:38). وبتحويل آيتي سورة السجدة‏(5),‏ الحج‏(47)‏ إلي معادلة رياضية‏.‏ حصلنا علي سرعة الضوء حسب الجدول المرفق وهي من المعجزات العلمية للقرآن الكريم أن يشير إلي مثل هذه السرعات الفائقة قبل ألف وأربعمائة سنة‏.‏وتتطابق القيمة المستقاة من هاتين الآيتين القرآنيتين الكريمتين مع القيمة المحسوبة لسرعة الضوء في الفراغ والمتفق عليها دوليا‏ (‏في حدود الخطأ المسموح به في الحساب‏)‏ وسبحان الذي أنزل في محكم كتابه قبل ألف وأربعمائة سنة قوله الحق‏:‏ "يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ"‏.‏‏(‏السجدة‏:5)‏."
نقول: إن الإتيان على تأكيد النظرية النسبية على أن كل زمن – في الجزء المدرك لنا من الكون – نسبي يعتمد على سرعة تحرك الجسم، وأن كل جسم متحرك يحمل زمنه معه ... يحمل معه عدة مرادات لقائله، أولها: أن هذا التأكيد بما يخدم الإعجاز بأحد الصور؛ يوم بألف سنة مثلاً، وكأنَّ ذلك من نسبية الزمن، وما هو منه على ضوء ما جاء في تحليلاتنا أعلى، ثانيها: أنه يؤدي إلى حساب سرعة الضوء من آية (السجدة-5)، ولم نر في المسألة علاقة بين تأويل آية (السجدة-5) بما يؤدي إلى سرعة الضوء من جهة وبين نسبية الزمن من جهة ثانية، في نتيجة تحليلنا لمقولات د. منصور حسب النبي، بل هما توجهان متنافيان لا يجتمعان كما رأينا، ثالثها: أن لهذه النسبية الزمنية علاقة بأيام الكواكب القريبة منا ومنها الأرض، وهو تفسير خاطئ على نحو ما دللنا من قبل، رابعها: أن هذا الإتيان بمرادات النسبية الفلسفية دعم لها من الإعجاز، رغم أن هذا الظنون في المدى الماكروسكوبي محل جدل شديد منذ نشأة النسبية الخاصة، وهو ما توجزه بجلاء "معضلة التوأم" twin paradox. ومسألة علمية عضال مثل هذه، كيف يتسنى لنا استخدامها في الإعجاز القرآني، وهو منها براء. إذ ما من تأييد بيِّن في ذلك يمكن الاستشهاد به. وكل ما كان جدلي من أمور تدعي العلمية فطرحها أولى من ذكرها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ"(البخاري). وما كان من رسول مرسل إلا وكان من شروط صدقه أن يكون رسولاً مبيناً، أي لا جدال ولا ريب في ما يحمل من آيات بل جلاءٌ ووضوح. وهذه المسألة الزمنية النسبوية مسألة جدلية في النظرية النسبية نفسها، فكيف بها تكون جزء من الرسالة الإسلامية المعاصرة لغير المسلمين في صورة الإعجاز العلمي؟! ثم كيف بها وهي تفتن المسلم متوسط الثقافة إذا أربكته بقضية معضلة عند العلماء أنفسهم؟!
___
- أشار (أحمد شوقي إبراهيم[37]، رحمه الله) إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: [نَامَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى حَصيرٍ فَقَامَ وَقَدْ أثَّرَ في جَنْبِهِ ، قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللهِ ، لَوْ اتَّخَذْنَا لَكَ وِطَاءً، فَقَالَ : [مَا لِي وَلِلدُّنْيَا ؟ مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا]، رواه الترمذي ، وقال: حديث حسن صحيح.


video

 فقال الأستاذ أحمد شوقي إبراهيم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (مَا أَنَا في الدُّنْيَا إِلاَّ كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) دلالة على النظرية النسبية، وعيَّن ذلك بأنه دلالة على نسبية الزمن، وأدرج لفظ (ساعة) - تقديراً منه في الغالب - باعتبار أنها فترة الـمُكث تحت الشجرة، لأننا لم نعثر على هذا اللفظ في نص الحديث بعد البحث عنه، على احتمال أن يكون قد وَرَدَ في رواية من روايات أخرى للحديث. ويقصد من ذلك أن عمر الإنسان الممتد عشرات السنين – وكان عمر النبي صلى الله عليه وسلم 63 عاماً – ما هو إلا (ساعة). فكيف يكون هذا العمر ليس إلا ساعة، ولا يكون ذلك دلالة على نسبية الزمن، فهو إذاً من نسبية الزمن. وبالاستطراد – بحسب مراد الأستاذ أحمد شوقي إبراهيم – فلا بد أنه هو هو ما جاءت به النظرية النسبية. ويكون المعنى أن ستون عاماً، أو عمر الإنسان، في نظر الإنسان، هو في الحقيقة ساعة من ساعات اليوم. ورغم أن الحديث الشريف ربما يكون تفسيره أقرب إلى دلالة عبور الإنسان على الدنيا كعابر السبيل الذي يستظل بشجرة ويتركها ويواصل سيره إلى غايته، وبما يوافق الحديث الآخر الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: [كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ](البخاري)، إلا أن هناك توافقاً بين مُراد أحمد شوقي إبراهيم من تأويل الحديث بذلك، مع معاني عدد من آيات القرآن، كما في قول الله تعالى، (حكاية عن حال الكافرين يوم القيامة، فيما يَرون من زمن مُكثهم في الدنيا): " .. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ.."(الأحقاف:35)، وقوله تعالى "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ .."(يونس:45). ونرى أن الانتقال من وصف زمن طويل بزمن قصير لحدث واحد هو عمر الإنسان، باعتبار المعنى النسبي لما بين الزمنين، ومكافأة ذلك بما أتت به النظرية النسبية، يُعد تَسرُّعاً مُرتبكاً ومُربكاً؛ إذ لا وجه لأي علاقة بين هذا وذاك باعتبار الفهم السطحي من معنى النسبة بين شيئين! .. إذ أن مقولات النظرية النسبية مقيدة فيما أتت به بحركة منتظمة نسبية بين أطراف النسبة، ولا يجوز حمل مقولاتها إلا بهذا القيد، فأين يمكن أن نجد ذلك في الآيات المشار إليها؟! ... فنقول بناءاً على ذلك أنه لا وجه للمقارنة!!!
___
وإذا انتقلنا لنقرأ عن تصورات أحد أصحاب الإعجاز العلمي عن تصوراته وتأويلاته عن مسألة الزمن وعلاقتها بسرعة الضوء، فسوف نقرأ ما لا تصنيف له إلا أفلام الخيال العلمي، والمؤلم ان يقرن بين هذا الخيال، وبين المعاني القرآنية، على نحوٍ لا علاقة له بمنطوق ولا معاني النظرية النسبية، سواء صدقت أو لم تصدق! بل الحقيقة أنها تنفي حدوثه حسب آلياتها، وإلا سقطت. ولنرى ماذا يقول!
يقول عبدالدايم الكحيل[38] حول قول الله تعالى "وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا "، يقول: [الآية تتحدث عن يوم القيامة، أي عن حدث سيقع في المستقبل، ومع ذلك نجد أن صيغة الأفعال جاءت في الماضي!!! (وَوُضِعَ الْكِتَابُ) ، (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا)، فهذه أفعال تمت في الماضي مع أن الحديث عن يوم القيامة، فما هو السر؟ ... ]
ثم يقدم الجواب من النظرية النسبية – حسبما يرى! - ويقول:
[عندما نسير بسرعة أكبر من سرعة الضوء فإننا نستطيع رؤية الماضي، وهذا ما يؤكده العلماء اليوم. ... ولذلك يمكن للإنسان أن يرى أعماله الماضية ولكنه لا يستطيع أن يغيرها! وسبحان الله! يأتي القرآن ليتحدث بكل دقة عن هذه الحقيقة فيقول: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) أي أن كل إنسان سوف يرى أعماله وكأنها تحدث في اللحظة الحاضرة، ولكنه لا يستطيع أن يغيرها، وهذا ما يقوله العلماء اليوم عندما يتحدثون عن السفر إلى الماضي، بأن الإنسان يستطيع أن يرى الماضي ولكنه لا يستطيع أن يغيره!] نقول: هذه تصريحات غاية في البعد عن ما أتت به النسبية! .. وإنما تقول المعادلات (إن صدق تأويلها الذي أتت به النسبية) أن ما يسير بسرعة أعلى من سرعة الضوء - رغم أنه افتراض معدوم غير قابل للتفعيل – فإن الزمن يمر عليه وكأن الزمن قد انعكس اتجاهه، فيعود ليعيش أحداثاً ماضية مُنعكسة، الأقرب فالأقرب، فيرى مثلأ ما وقع وانكسر، قد التأم وارتفع!! وليس أنه يرى الماضي كما يُرى التاريخ بمعدل مروره الأمامي كما في الأفلام وتسجيلات الفيديو. أما ما يقوله أصحاب أفلام الخيال العلمي، من انتقال من زمن حاضر إلى غيره (ماضي أو مستقبل) ثم ممارسة حياة طبيعية في أحداثها، فهذا لا علاقة له بالنظرية النسبية العملية، ولا قيمة له عند العلماء إلا محض أوهام الخيال والشطح المفتقر إلى أي أساس علمي يُزكيه، فضلاً عن أن يستدعيه إعجازي لينصر به كلام الله، تعالى الله عن ذلك وبرأ كلامه العلي من هذه التُّرهات.
ويقول: [النظرية النسبية التي وضعها آينشتاين في مطلع القرن العشرين تؤكد بأن الزمن لا يسير بلمح البصر إنما يسير بسرعة كونية هي سرعة الضوء ...] وهو كلام فاسد كل الفساد. فالزمن لا يسير، بل ينقضي، ولا ينقضي بسرعة معينة، بل إن "السرعة" وصف للمتحركات المادية العينية، لما تقطعه من  مسافة لكل وِحدة ينقضي بها الزمن.
ويقول: [القرآن غالباً ما يتحدث عن المستقبل بصيغة الماضي! ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ) [الشعراء: 90-92]. ومع أن الآيات تتحدث عن يوم القيامة أي عن الزمن المستقبل، إلا أنها جاءت على صيغة الماضي: (أُزْلِفَتِ، بُرِّزَتِ، قِيلَ).] نقول أن هذا الأسلوب من تغيُّر في أزمان الكلام هو من السرد القصصي المعهود في كل اللغات الإنسانية، ولو راجع القارئ أي عمل أدبي سيجد ذلك الانتقال بين أزمان الكلام بحسب ما يقتضيه السياق، وبحسب الالتفات من المتكلم إلى مخاطبين مختلفين، أو عن أحوالٍ اختلفت أزمانها.
ويقول: [العلماء يمكنهم .. أن يتصوروا أن رؤية الماضي ممكنة علمياً ولكن ليس بالضرورة أن يروا الماضي، ولذلك فإن هذا البحث هو دليل على أن القرآن لا يتحدث عن أشياء غير منطقية، إنما حديث القرآن هو ضمن المنطق العلمي.]
نقول أن النظرية النسبية التي يستشهد بها تنفي العودة إلى الماضي، وتعده من قبيل المستحيل، لاستحالة تجاوز سرعة الضوء، لأن الكُتل ستصبح لا نهائية الكتلة عند سرعة الضوء إذا وصلت إليها، فإن ما يستشهد به، هو في الحقيقة هو أفلام الخيال العلمي المحض، ولا نصيب له في النسبية ولا غيرها من علم! ثم يستشهد على ماذا؟! .. على أن القرآن لا يتحدث عن أشياء غير منطقية!! أي أنه يستشهد بباطل لينصر به الحق، ولا نرى ذلك إلا أفسد الاستشهادات. لماذا؟ لأن بطلان ما استشهد به سينال الحق فيبطله، فيكون قد أبطل الحق. ولو أنه سكت لكان خيراً له.
___
ونقرأ لكاتب آخر (أسامة علي الخضر)، تأويلات لآيات القرآن، يقيمها على أساس من النسبية الخاصة، يقول[39]:
[يقول جل جلاله "مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ"(الحج:15): .. ندخل في تحليل هذه الآية من منظور النسبية الخاصة ... لنر كيف ذلك! يقول تعالى "مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".  هنا يشير الحق سبحانه إلى من يشك في نصرة الله لصاحب الحق، فيقول: "فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ" إن هذه العبارة إشارة رائعة إلى الصعود في آفاق الفضاء الكوني. .. ثم يقول تعالى "ثُمَّ لْيَقْطَعْ" ... كلمة "لْيَقْطَعْ" بالتأكيد لا تشير إلى القطع المادي مثل الانتحار، .. بل إنه فعل ينسحب إلى نظام المعنويات، نقول مثلاً: [فلان يقطع مسافة بسرعة كذا ..]. حتى القرآن الكريم يستخدم كلمة القطع في نظام الأخلاقيات والمعنويات، مثل قطع صلة الأرحام، وهو فعل معنوي بحت. (و) لنأخذ هذه الشواهد القرآنية؛ يقول تعالى "وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ"(الأنبياء:93)، ويقول جل شأنه "فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ"(محمد:22)، ويقول تعالى "وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ"(الرعد:25). وكل هذه الآيات تؤيد أن كلمة القطع تأتي لنظام المعنويات، وبهذا تنسحب كلمة القطع في الآية السابقة إلى معنى "قطع مسافة" فلكية بأي سرعة كانت،  ومن المدهش أن الفعل غير مقيَّد "ثُمَّ لْيَقْطَعْ" ليعمل الذهن ما شاء له العمل في تصوّر السرعات والمسافات.
ما النتيجة؟ أنك مهما بذلت من سرعة لكي تقطع مسافات شاسعة في الكون وبأي سرعة كانت، فلن تكسب شيئا، لأن طولك سيتقلص، وزمانك يستطيل، وتزداد كتلتك، فستجد نفسك وكأنك ساكن لا تتحرك. وهذه النتيجة نحصل عليها من ختام الآية القرآنية حيث يقول تعالى "فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ". إنه السكون التام.]
نقول: في قول الله تعالى "مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ" هناك حذف عن ما هو المقطوع. وقد بحثنا في أمر الحذف في اللغات فوجدنا سببين:
1- أنه من عادة اللغات – عربية أو غيرها – أن يكون الحذف لما هو مفهوم، أي لِما يمكن فهمه بغير ذكر المحذوف، إذ لو ذُكر كل محذوف لكانت اللغة شديدة الملل، ولطال الكلام ولانصرف السامع عن مقصد المتكلم.
2- أن يكون المحذوف لبدائل تصح جميعاً، فلو ذُكر أحدها، لاختص الكلام به ولظن السامع أن غيره غير مقصود، رغم أنه مقصود بالتواطؤ مع الأول، ويدخل هذا النوع في المتشابه.
والراجح عندنا أن حذف "المقطوع" في قول الله تعالى (ثُمَّ لْيَقْطَعْ) يأتي في النوع الثاني. ويصعب الوصول إلى تفسير ظاهر لهذه الآية إلا بإسقاطات غير مسلم بها بالضرورة، فالقول بأن السبب هو (الحبل) غير ظاهر (وهو التفسير المشهور في كتب التراث)، ومثل ذلك ما جاء به (أسامة علي الخضر) الذي نناقش كلامه الآن، وذلك عندما قال أن "السبب" في " فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ " مركبة أو صاروخ فضائي يصعد بها الإنسان طالب النصرة إلى السماء، وزاد على ذلك أنه أتى بما ظن أنه هو المحذوف وقال أن تمام المعنى هو (ثُمَّ لْيَقْطَعْ مسافة بسرعة كذا) وهو قول بعيد، بل شديد البُعد.
ويأتي هنا التأويل – وليس إلا التأويل – لما يحيط بالآية من تشابه. ونحللها كالآتي:
نقول في دراج اللغة، عندما يطلب ضعيفٌ من نصير قويٍ مساعدة، وعندما تتأخر عنه المساعدة لاستعجاله، فيستبطئها أو ييأس من حصولها، أو يقنط من نصيره، فيقول له النصير القوي الحكيم: [إن يأست من نصرنا لك فانتصر لنفسك بما وسعك جهدك من أسباب حتى ولو اقتحمت السماء وبلغت أقصى قدرتك، ولتنظر عندها أينصرك سعيُك هذا أو لا.] يريد أن يقول له أنك مهما سعيت فلن تنتصر بغير، ولا بغير ما قدرت لنصرتك من قَدَرْ، فاصبر خيرا لك.
ومن الواضح أن المقصود لا هو الانتحار كما شاع في كتب التفاسير، ولا مركبات فضائية بعينها ويكون المقطوع هو سرعات عالية، كما قال (أسامة علي الخضر) .. وبناءاً عليه، فالتفسير الذي جاء به كان تفسيراً في غير محله، وإقحام للنظرية النسبية بلا أدنى داع، ولا مُسوّغ، وأن عبارته التي خططناها باللون الأحمر من كلامه مردودة بجملتها وتفصيلها.
___
الزمكان spacetime؛ إصطلاح جديد نشأ تحت مظلة النظرية النسبية الخاصة، والرياضيات التي عالجتها؛ وخاصة ما سُمِّيَ منها بفضاء (منكوفسكي). لذا فشأن (الزمكان spacetime) شأن أي اصطلاح، لا يجوز استخدامه إلا في إطار "الحد" الذي تواضع عليه المصطلحون له. أللهم إلا إذا تطور لُغوياً وتحمل دلالات جديدة بالمجاز أو بالاشتراك اللفظي أو بالنقل إلى دلالات أخرى أو بغيرها من صور التغير الدلالي. وسبب استحداث هذا المصطلح في النسبية الخاصة، وما حدث بعدها من صياغات رياضية ومفاهيمية، هو أن الوضع السابق على النسبية وإلى ما هو معلوم من تاريخ البشرية، كان المكان والزمان فيه متمايزان. فكان هناك ظرف الزمان القائم باستقلال ودون التأثر  بموضع مكاني بعينه. وكان هناك ظرف المكان، وأيضاً القائم بنفسه دون اعتبار ولا تأثر ولا اعتبار لمرور الزمن. فكان الاستقلال في الوجود بينهما هو العلة في تفرُّد كل منهما عن الآخر، سواءً في المفهوم، أو في تسمية/الإشارة إلى المفهوم. فكانت لفظتي "الزمانط، و"المكان".
ثم حدث ما حدث، .. جاءت النسبية الخاصة فأربكت هذا الاستقلال، ولا نقول أوجدت شيئاً جديداً، بل خلطت بين موجودين بالفعل. الزمان والمكان. لماذا؟ لأنها ببساطة وجدت رياضياً – وهو ما يتحقق تجريبياً للجسيمات الأولية في المعامل وأصبح عرفاً فيزيائياً- أن معدل مرور الزمن على الموجودات في إطار إحداثي بعينه، يتغير بتغير سرعة هذا الإطار إذا راقبه مراقب من خارجه. بمعنى آخر، وجدت النظرية النسبية أن انسياب الزمن على إطار إحدثي قصوري بعينه – أي مكانٍ ما- يختلف عن انسياب الزمن على إطار قصوري آخر – مكان آخر - يفترق عنه في السرعة البينية، وأن هذا الاختلاف لا يقيسه إلا الخارجون عن إطار ما يقيسون. أي أن الزمان المطلق الذي ينساب على أي مكان وكل مكان بنفس المعدل قد زال، ولم يعد هناك لحظة زمنية واحدة في الكون[40]. ومن ثم اعتمد الزمان على المكان المرجعي وحالته الحركية (أي القائس/الراصد). أي أن الاستقلال بين الزمان والمكان الذي كان قائماً قد زال وأصبح هناك اتصال. أي أن الوجود المكاني والوجود الزماني المنفصلين لم يعوداً وجودين منفصلين، بل وجود جديد له مكونان مشتبكان: الزمان والمكان. وحيث أن الزمان كان له بعد واحد، وكان للمكان ثلاثة أبعاد، أصبح الكائن المفهومي الجديد ذي أربعة أبعاد. والجديد في هذا التصور والذي لم يكن قائما، أنك تستطيع أن تتحكم في الأبعاد الأربعة كما كنت تتحكم في الأبعاد الثلاثة المكانية السابقة. فقد كان بإمكانك أن تغير من اتجاه سرعتك فتزيد من قيمة أحد الأبعاد – لنقل في اتجاه س – على حساب البعدين الآخرين، إذا حدث وكان مجموع الثلاثة أبعاد (الإتجاهي) ثابت، كما في حالة الدوران في دائرة بسرعة منتظمة. والآن أصبح بإمكانك بعد المزج بين الزمان والمكان أن تغير من اتجاهك في – ماذا – في الموجود الجديد الذي يجب أن نعطيه إسماً دالاً عليه – وليكن "الزمكان" spacetime – فتُغيِّر من قيمة أحد الأبعاد – وهنا الأربعة – على حساب الأبعاد الثلاثة الأخرى. أي أنه بإمكانك أن تزيد أو تقلل من بُعد الزمن على حساب أبعاد المكان، أي تجعل - مثلاً – انسياب الزمن عليك أبطأ مما كان بأن تفعل ماذا؟ بأن تزيد من معدل انسياب أبعاد المكان بالنسبة لراصد ساكن في إطار تمر أنت عليه. بل يمكنك أن تعدم البعد الزمني تماماً إذا شئت، وذلك إذا استطعت أن ترفع معدل انسياب المكان إلى سرعة الضوء. وفي هذا الوضع لم يعد للزمن مرور عليك! هذا هو عين ما أتت به النسبية. بلا تأييد ولا اعتراض الآن!
هكذا إذاً اختلط المكان بالزمان، والزمان بالمكان في التصور النسبوي، أي المنسوب إلى النظرية النسبية. وهذا هو الوجود الجديد المحيط بنا والذي سُمِّي بالزمكان spacetime. وليس هناك من تطور لُغوي يُشهَد له أو يؤْثَر عن أحد من المتعاملين المحترفين مع النسبية الخاصة وفلسفتها في إنشائه أو استخدامه لهذا الاصطلاح غير ما شرحنا. وعلى ذلك فـ "الزمكان" هو ذلك المركب الوجودي، وفقط ذلك المركب الوجودي من الزمان والمكان لحدثٍ ما إذا كان الإطار الإحداثي الواقع فيه الحدث يتحرك بالنسبة لمراقب ما بسرعة يمكن مقارنتها بسرعة الضوء. ولنكن أكثر تحديداً، نقول: إذا كان الإطار الإحداثي لحدث ما يتحرك بسرعة لا تزيد عن 1% من سرعة الضوء، فلن تستطيل وحدة الزمن بأكثر من خمسة أجزاء لكل مائة ألف جزء. أي أن 24 ساعة لن تستطيل علينا إلا بـ 4.32 ثانية بحسب تقدير مراقب أرضي لنا إذا كنا نركب صاروخاً يتحرك بسرعة 3000 كم/ث. وإذا انتقل نفس الصاروخ بين موقعين على الأرض بينهما 3000 كم، فسوف يستغرق ثانية واحدة، بالنسبة له، لكن مراقب الصاروخ على الأرض سيخبره أن تقديره للزمن على الصاروخ  كان 1.00005 ثانية. أي خمسة أجزء زائدة في الرقم العشري الخامس. والنتيجة التي نريد الوصول إليها من ذلك أن السرعات حتى هذا المقدار لا تتطلب تطبيق النسبية الخاصة، ومن ثم فالأحداث الواقعة على ذلك الصاروخ أو السرعات التي هي دون سرعته لا تستدعي وصفها بما يسمى الزمكان لبطء السرعة النسبي مع سرعة الضوء، هذا بالرغم مع فرط كبرها لدواعي أحداثنا. أي أنه لأي سرعة أقل من 1% من سرعة الضوء ليس هناك زمكان، بل زمان ومكان منفصلين، ويعتبر الإصرار على إلحاق حدث ما في هذا النطاق بـ "زمكان" حذلقة زائدة مثل حذلقة التعيس الذي يريد قياس طوله لأقرب مايكروميتر، فيقول: إن طولي يساوي 1.832,678 مايكروميتر، وهو يقصد 183 سم. كما أن الأمر تقديري، ويمكن أن يستغني بعض المختصين عن فروق النسبية من لا يحرص إلا على قياسات تقريبة، فيصل إلى إهمالها حتى مع سرعات تصل إلى 20-30% من سرعة الضوء.
والآن: ماذا نجد لدى بعض المشتغلين بالإعجاز العلمي بهذا الشأن[41] من غرائب وعجائب:
لنستمع معاً ونقرأ ما كُتب من بحث، ثم نحكم!
يقول (سامي الدلال) تحت عنوان: (التحديد القرآني الدقيق لمرجعية قياس الزمن) [42]: [أقصد (بهذا العنوان) مرجعية الراصد أو المراقب: (ثم يقول): جاء الإعجاز القرآني في هذا الجانب من كونه حدد حالتين تخصان المرجعية الزمنية: الأولى: مرجعية نفسية شعورية متعلقة بالطور العمري للراصد. الثانية: مرجعية كونية متعلقة بما يساعد على تثبيت اللحظة التي يبدأ منها القياس، وهي شمسية أو قمرية أو هما معا. ...
الزمن بين إحداثيين (زمكانين): يمكننا بسهولة ملاحظة إمكانية ازدواجية عمل وحدة "تقدير الزمن في المخ. وهذا يعتمد على عدة مؤثرات. ونميز منها حالتين رئيسيتين تعملان في إحداثيتين (زمكانين) مختلفين، الأولى: الزمكان في حالة اليقظة والثانية الزمكان في حالة النوم، ومثالها الرؤى الواردة في سورة يوسف وهي أربعة.]
يبدو لنا حدوث خلط عند صاحب المقالة بين حدوث واقعة ما، كالرؤية في حالة النوم، أو تحققها في حالة اليقظة، والتي يمكن تسمية مفردها اللغوي (حَدَثاً)، وبين ترجمة كلمة event التي خصصتها نظرية (النسبية الخاصة) لتلك الواقعة التي تتطلب أربعة قيم متمايزة (س، ص، ع، ن(الزمن)) للوفاء بتعيينها مع خضوعها لمعادلات النسبية ومفاهيمها. ولا سبيل للحديث عن أحداث (وقائع) تتطلب استخدام النسبية الخاصة مثل تصادم أشعة كونية مع ذرات الغلاف الجوي مثلاً وبين أحداث أرضية مثل الضغط على مفتاح في لوحة مفاتيح الحاسوب مثلاً، رغم أن كلاهما في اللغة يُسمّى حدثاً إلا أن النسبية غير معنية بهذا النوع الأخير العام، ولهذا تعمدنا وضع حد أدنى لسرعة الأحداث (1% من سرعة الضوء) كي تكون معتبرة نسبوياً، وإلا لكان يكفي فيها أن تكون وقائع حدثت في مكان وزمان طكا هي عادة الأمور قبل النسبية، وليس في زمكانات بالمعنى النسبوي الجديد.
كما أنه لا سبيل لوصف حدث ما طويل الأمد كحركة جسيمٍ بين موضعين في الكون على فترة زمنية ممتدة بصفته حدثاً نسبوياً. بل الحدث في النسبية هو ما يحدث لحظياً في نقطة زمنية بعينها (ن) وفي موقع بعينه (س، ص، ع) ويوصف بهما كمجموعة واحدة (متجه رباعي 4-vector). أما إذا امتد على مدار الزمن، فهو مرور للحدث على خطه الكوني world line. لذا فما ذكره صاحب المقالة وسماه مدة الحدث – كالذي تتحقق فيه رؤية يوسف عليه السلام والتي قدرها بـ 33 سنة – لا تسمى مدة حدث، ولا يجب مضاهاتها إلا بالخط الكوني لأحداث متتابعة، وبشرط أن تتعين أحداثها المفردة كمتجه رباعي نسبوي. فهل هذا يتحقق في 33 سنة هي سيرة يوسف ما بين الجُب وسجود أبويه وإخوته له؟ - فأي علاقة بين هذا وذاك؟! بل أين هو وجه الشبه الطبيعي الفيزيائي بين حدوث وقائع إنسانية لحظية أو ممتدة وبين أحداث events النسبية الخاصة. الشبه الوحيد هو الاشتراك في الجذر اللغوي "ح د ث"!!!
أما الرؤى المنامية وكونها أحداثاً وإدراجها بالمقارنة مع تعبيراتها الذي تحققت عياناً في مقارنة زمكانية نسبوية، فهو تخليط مُحرج. ويُعد إدراجها في الحديث عن النسبية والزمكانات spacetimes بما يبعث على الإندهاش، الذي لا يصاحبه أي تعليق!
قال سامي الدلال (في مسألة نقل عرش بلقيس) [43]: [الإحتمال .. الذي أرجحه. [أن] الذي "عنده علمٌ من الكتاب كان لديه متسع كبير من الزمن لنقل العرش بحسب الإحداثيات الزمنية التي يتحرك في إطار زمكانها.ذلك المتسع من الزمان كان بالنسبة للإحداثيات الزمنية في زمكان سليمان عليه السلام يعادل مجرد طرفة عين. أما "العفريت من الجن" فأيضاً كان لديه متسع كبير من الزمن لنقل العرش بحسب الإحداثيات الزمنية لسليمان عليه السلام يعادل مدة جلوس سليمان قبل أن يقوم من مقامه.
لقد بين الإعجاز العلمي القرآني كيف يمكن للمادة (وهي العرش في مثالنا هذا) أن تنتقل من مكان إلى مكان بما يعادل سرعة طرفة العين، وذلك من خلال نقلها إلى إحداثيات زمكانات جديدة ثم إرجاعها إلى إحداثيات الزمكان الأول التي كانت فيه دون أن يتبدل حال شيء منها، كلياً أو جزئياً.]
أقول: لا يسع القارئ لهذا التفسير الإعجازي إلا الحيرة ما بين معطيات نسبية أينشتاين وزمكاناتها، وتلك "الزمكانات" الـمُستغربة التي يتكلم عنها سامي الدلال. والنتيجة الوحيدة التي يمكن الخروج بها أن صاحب المقالة لا يعني لها على التعيين زمكانات النسبية الخاصة، رغم أنه يستعمل اصطلاحاتها، بل يخمن من جهته زمكانات كونية  يتصورها هو، ومما يؤكد هذه النتيجة استطراده بالقول (في مسألة عرش سليمان)[44]:
[علينا أن نلاحظ أن نظرية أينشتاين بشأن "استطالة الزمن" بين جسمين منطلقين بسرعة كبيرة لا نستطيع إعمالها في مثالنا هذا، ذلك أن تلك النظرية يمكن تطبيقها إذا كان الجسمان ينطلقان في نفس الزمكان. لكن حالتنا هذه أن الزمكان لكل من سليمان عليه السلام وللعفريت وللذي عنده علم من الكتاب يختلف عن الآخر. أي أن لكل منهم زمكان خاص به. وما يؤكد ذلك أننا لو طبقنا معادلة أينشتاين بشأن اشتطالة الزمن لما انطبق على الوصف الذي جاء في القرآن الكريم.
فلو افترضنا أن العفريت أو الذي عنده علمٌ من الكتاب كانت سرعته بحسب زمكان سليمان 0.999999 من سرعة الضوء، ثم طبقنا معادلة أينشتاين لوجدنا أن ....(تطبيق منسوخ غير صحيح ونتيجته أن الزمن الناتج 10 ثواني ستستطيل إلى 23.57 دقيقة[45]).. وهذا الوقت غير كافي لتفكيك العرش ونقله من اليمن إلى فلسطين وإعادة تركيبه مرة أخرى بحسب زمكان سليمان.
إن الإعجاز القرآني هنا يشير إلى أن الإنسان (وما في حكمه من المادة) له زمكان. وأن الجن له زمكان. وأنه توجد زمكانات أخرى منها الزمكان الذي تحرك ضمن إحداثياته الذي عنده علم من الكتاب.
وعندها أقول إن للجن زمكان، وللذي عنده علمٌ من الكتاب زمكان، فهذا لا يعني أنهم يتحركون في أربعة أبعاد فقط، فلربما كان لهم أبعاد في الحركة أكثر من ذلك، لكنني خصصت منها أبعاد الزمكان فقط لأنها هي محل موضعنا.]
أقول: الحديث إذاً ليس عن النسبية الخاصة، ولكنه حديث عن زمان يمر على الجن مرتبط بالمكان عند الجن في وجود سماه صاحب المقالة بالزمكان، مثلما تجمع النسبية بين المكان والزمان. ونفس الشيء فيما يخص الذي عنده علمٌ من الكتاب. ويجب أن نسأل صاحب المقالة، أي دليل أتيت به لهذا التفسير . إن النسبية الخاصة لا تؤيده، بل لا تتعلق به من قريب أو بعيد. بل إن موضوع النسبية ليس إلا ما كان متحركاً بالنسبة لغيره، وبسرعة تقارب سرعة الضوء أو تمثل منها كسراً محسوسا، فإن تحقق ذلك ظهر بينهما من فروق في القياسات الفيزيائية، وما ذكره سامي الدلال لا توجد فيه اي حركة نسبية، ولذلك، لا يمكن نقل مصطلحات ومفاهيم الظواهر النسبوية إليه. إن الجديد الوحيد في هذا التفسير شيئان: أولاً إقحام اصطلاحات النسبية بلا أي سند، وثانياً ما قهرت به النسبية العقل الإنساني المعاصر على قبول اختلاف معدل انسياب الزمن من راصد لآخر حسب متغيراته الفيزيائية وطبقاً لمعادلات مخصصة ومختبرة معملياً. فليس هذا إذاً إعجازا قرآنيا، بل إنه لا يرقى إلى التفسير المقبول فضلاً عن أن يكون إعجازاً!!!. وإن كان من وصف لهذا الكلام، فلن يكون إلا التشويش والفوضى في استخدام اصطلاحات النظرية النسبية، وبما لا يحمل من العلم أي قيمة أو فائدة.
هذا وقد تابع صاحب المقالة تفسيراته على نفس المنوال (سامي الدلال، 2006، ص14 وما بعدها) ليفسر اختلاف مرور الزمن على أصحاب الكهف، ويزيد على ما قرأنا له من تصور تلك الزمكانات الموهومة أن جعل من التقويم القمري زمكان، وللتقويم الشمسي زمكان آخر (الرسم العلوي ص 19)، ويمر على "الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها"، والإسراء والمعراج، وعلى ما يسميه سهم الزمن ليفسر قول الله تعالى "وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا"(الكهف: 49) ليجعل كلمة "حَاضِرًا" هنا بمعنى الزمن الحاضر (ص28) في مقابلة صريحة مع الزمن الماضي والزمن المستقبل، رغم أن هذا المعنى خاص باصطلاح اللغويين لتمييز أزمان الفعل في اللغة. ومعلوم أن معنى "حاضراً" هنا أن أعمالهم في الدنيا جاءت مكتوبة في كتابهم فارتاعوا من ذكراها وقاموا ليحاسبوا عليها. ولو لم يُدْرَج هذا البحث في مؤتمر الإعجاز الثامن الذي تنظمه الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة التابع لـ"منظمة المؤتمر الإسلامي"، لما كنا اعتنينا به. غير أن شموله بالمؤتمر كان بمثابة إجازة له، وهذا ما استوجب الاعتناء به والرد عليه لخطورة الأمر.
___
(5-1): إدعاءات نسبوية في السُنَّة المشرفة وأن أينشتاين قد استقى منها نظريته!:
قال د. عبدالهادي ناصر[46]: [ورد بالسنة النبوية المشرفة ثلاث أحاديث نبوية تتضمن في مدلولاتها جوهر النظرية النسبية لأينشتاين .. ونعتقد أن أينشتاين اطلع عليها وهضمها وفهمها وأوَّلها تأويلاً مقبولاً .. ونورد الأحاديث الثلاثة فيما يلي:
-الحديث الأول: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار" حديث صحيح، أنظر الحديث رقم 7422 في صحيح الجامع. مسند الإمام أحمد، الترمذي
 - الحديث الثاني: عن أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج: وهو القتل" حديث صحيح أنظر الحديث رقم 7428 في صحيح الجامع، مسند الإمام أحمد، البخاري، وسنن ابن ماجه.
- الحديث الثالث: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يتقارب الزمان، ويقبض العلم، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قيل: وما الهرج؟ قال: القتل" حديث صحيح أنظر الحديث رقم 8020 في صحيح الجامع. مسند الإمام أحمد، والترمذي والبخاري ومسلم، وسنن ابي داوود
وموضوع الأحاديث زمان يتقارب .. أو يتكامش .. ويستتبعه سرعات تتزايد .. وفترات الزمان النسبية الكونية تتناقص .. السنة، والشهر، والأسبوع، واليوم، والساعة .. وتُقاس جميعها بدلالة الضوء .. وسرعات الكواكب تسند في الأساس إلى سرعة الضوء!!]
نقول: هنا مغالطات عديدة فيما قرأناه لتوّنا: فالقول بأن هذه [الأحاديث النبوية تضمن في مدلولاتها جوهر النظرية النسبية لأينشتاين] لا سند له البتّة، فجوهر النظرية النسبية توابع تلحق بالجسم المتحرك من كتلة وزمن وطول في اتجاه الحركة إذا قاربت سرعته سرعة الضوء كما يرصدها غير المتحرك. ولا نرى في الأحاديث الثلاث أي إشارة إلى الحركة. وما قيل من أن "موضوع الأحاديث .. سرعات تتزايد" فهو زيادة غير مبررة في نصوص الأحاديث، فأين السرعات التي تتزايد.
أما اعتقاد صاحب الكلام (وهو يقصد به الظن) بأن أينشتاين قد اطلع على هذه الأحدايث وهضمها وفهمها وأولها، وزيادة على ذلك أن التأويل كان تأويلاً مقبولاً !!! فهو من أشد التصريحات التي قرأناها غرابة. فأي سند يلتجئ إليه صاحب هذا التصريح في تصريحه؟ - فإذا كان قد فهم أن العبارات [يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر] قرينة مع مقولات النسبية الخاصة تدعم الظن بأن أينشتاين اقتبس هذه المعاني فهو ظنٌ خاطئ لعدة أسباب: أولها أن النسبية تقول في شأن الزمن أنه يستطيل time dilation؛ أي يُبطئ، أي أن الدقيقة تصبح أطول – لنقل دقيقتين – لا العكس، وإن أصبحت الدقيقتين دقيقة لكان الزمن يتقارب على نحو المعنى الوارد في الأحاديث. وثانيها، أن هذا التقارب الزمني يحدث على الأرض وبما يستشعره أهل الأرض، والنظرية النسبية تقول أن هذه الاستطالة للزمن لا يستشعرها البتة المتحرك بعينه في إطاره الزمني، وإنما يقدرها راصد يرصده بآلات القياس عن بُعد ولا يتحرك معه.
أما القول بأن [موضوع الأحاديث ... أن .. فترات الزمان النسبية الكونية تتناقص .. السنة، والشهر، والأسبوع، واليوم، والساعة .. وتُقاس جميعها بدلالة الضوء .. وسرعات الكواكب تسند في الأساس إلى سرعة الضوء] – فنسأل وبقوة: أين الإشارة الصريحة أو الضمنية في الأحاديث والتي تقول بأن الفترات الزمنية التي تتناقص تُقاس جميعها بدلالة الضوء. وكيف تُسند سرعات الكواكب في الأساس إلى سرعة الضوء!!! إن هذا لا سند له من علوم الفيزياء ولا الفلك ولا الميكانيكا الكونية ولا النسبية الخاصة إطلاقاً. وإذا كانت النسبية العامة - الداخل في صياغاتها المتعددة سرعة الضوء - تصف حركة الأجرام الواقعة في فضاءات تثاقلية وتعطينا سرعاتها، فما علاقة هذه العلاقة بين النسبية العامة وسرعة الأجرام وما نحن بصدده من أحاديث تتكلم عن تقارب الزمان، أي تغير أطوال وحدات الزمن المألوفة في نظام الشمس-الأرض- القمر في مستقبل أيام الأرض وقبل أو قُبيل قيام الساعة.
يتابع د. عبدالهادي منصور ويقول: [الشمس في ثبات نسبي بالنسبة لكوكب الأرض التي تدور حول الشمس وتدور حول نفسها كذلك .. والأرض في ثبات نسبي بالنسبة للقمر الذي يدور حول الأرض!! وراصدُ الزمان ثابتٌ دائماً في مكانه .. أما مكانه فدائماً في حركة كونية ثابتة، أو متزايدة بالنسبة لسرعة الضوء .. بحسب قانون التسخير الرباني!!]
القول بأن [راصد الزمان ثابت دائماً في مكانه] قول مبهم ومربك لغياب معنى الثبات الدائم، ثم التعقيب بأن [مكانه دائماً في حركة كونية ثابتة أو متزايدة بالنسبة لسرعة الضوء] فمتشابك وملغز. وما نتوقعه أن المقصد أن راصد الزمان في المجموعة الشمسية يثبت ثباتاً نسبياً بحسب ثبات الشمس وثبات الأرض النسبيان اللذان ذُكرا أولاً. وإذا كان الأمر كذلك فهي عبارات لا تُضيف شيئاً لما هو معلوم من قياس زمن السنة والشهر الدارجين. أما أن يكون لمكان راصد الزمان حركة ثابتة أو متزايدة بالنسبة لسرعة الضوء، فهذا قول مستغرب، وما من معنى علمي يمكن أن يُحق به. إذ أن نسبة سرعة الأرض والقمر داخل المجموعة الشمسية بعيدة كل البعد عن سرعة الضوء. أما ختم هذه المقالة التي تبدو علمية لما احتوته من مفردات فلكية بخاتمة خطابية، أي أن ذلك كله يتم [بحسب التسخير الرباني] فلا هو يضيف قيمة علمية لم تكون موجودة إلا عند من هو كافر بالله سبحانه خالقاً مدبرا، ولا هي عبارة جاءت في مقام العبرة! ونحسبه من قول الخير الذي يؤثم قائله عليه، إذ أنه يأتي في مقام التدليل العلمي على ما هو خالٍ من المعنى العلمي الطبيعي، أي أنه استثمار لـفضيلة الإيمان بـ (التسخير الرباني) لزيادة القيمة العلمية للمستدل عليه بما في هذا المفهوم من قيمة عقدية.
يتابع صاحب المقالة ويقول: "- ولاحظوا ... أن تعبير "يتقارب الزمان" أدق وأشمل من تعبير (ينكمش الزمان) .. وكلاهما يحمل معه تزايد السرعات النسبية للمتحرك في الكون .. فتزداد سرعة الأرض حول نفسها وحول الشمس .. وتزداد سرعة القمر حول الأرض .. بالمقارنة لسرعة الضوء!! والزيادة بالأرقام تحمل مضمون بناء قانون رباني كوني فلكي ثابت مع نسبية إحصائنا لسنواتنا على الأرض!! فالسنوات.. والشهور.. والأسابيع.. والأيام.. والساعات – تُحسب جميعها بدلالة سرعة المواقع النسبية الكونية.. للشمس، والأرض، والقمر.. أو سرعة موضع راصد الزمان.. منسوبة إلى سرعة الضوء!! -فسرعة موضع الرصد الزماني أينما كانت تحمل معنى الحركة.. فمع الحركة الثابتة المطردة تثبت الفترات المتكررة.. ويقابل ذلك أن سرعة الضوء مرجعية للانتظام أو التسريع أو الثبات!! ومعنى هذا أن الأحاديث النبوية الشريفة أسبق في الحديث عن وحدة الزمان والمكان.. وأسبق في تحديد علاقاتها الرقمية الكونية.. وأسبق لما أوردته معادلات أينشتاين!!"
يقصد أن تقارب الزمان بأن تصبح السنة كالشهر، أن تزداد سرعة الأرض مثلاً حول الشمس لتسكمل دورة كاملة في مدة زمنية قدرها شهر بعدما كانت سنة، ومن ثم فسرعة الأرض أصبحت أعلى مما كانت، أي أن هناك ارتباط قائم بين هذه الزيادة في سرعة الأرض في مدارها وتحول/تقارب السنة إلى شهر. ونفس الشيء يُقال على تحول الشهر إلى أسبوع، والأسبوع إلى يوم، واليوم إلى ضرمة بالنار. وحيث أن أي سرعة هي لا محالة دون سرعة الضوء الثابتة القيمة، فالزيادة في السرعة ستكون حتماً بالنسبة إلى سرعة الضوء. ويخرج من كل ذلك إلى أن هذه العلاقة بين سرعة التابع وزمن دورته وحدت بين الزمان والمكان. أي أن هذه الأحاديث أسبق من معادلات أينشتاين في الحديث عن وحدة المكان والزمان.
نقول إن استطالة (لا تقارب ولا انكماش) الزمان هو ما يحدث عندما تقترب السرعة المرصودة لتصبح جزءاً (لنقل أكبر من 1% وإلى 100%) من سرعة الضوء، وبما يتم رصده من قِبل راصد غير متحرك. والآن؛ مذا يحدث في هذا النوع من التقارب الزمني المعني في الأحدايث المذكورة – يحدث أنه إذا زادت سرعة الأرض – إذا افترضنا جدلاً أنها تتحرك في خط مستقيم- بما يكفي لإنقاص زمن الدورة إلى 1/12 من قيمتها، فسوف تكون 12 ضعفاً لقيمتها الحالية بفرض أن المدار هو هو. أي 12 × 30 كم/ث = 360 كم/ث = 0.12% أي أنها جزء من 1000 جزء من سرعة الضوء. وهذا يتسبب عنه تباطوء في الزمن (وليس تسارع كالحادث في الانتقال من سنة إلى شهر) قدره[47] (0.72) × 10-6 من الزمن الأصلي، أي أن السنة القمرية ستزداد طولاً بمقدار 22 ثانية فقط. فما علاقة ذلك بتقاربها إلى شهر طولاً الذي ورد في الحديث!!! إن هذا التقارب من نوع التغير في زمن دورات الأفلاك وتطورها مع الزمن، أو مع حوادث جسام كمرور جرم هائل قريباً من الأرض يشوش على رتابة حركاتها. فقد كانت السنة الشمسية على الأرض تزيد عن 400 يوم في حقبة سابقة، ووصلت إلى ما هي عليه الآن 365.24 ويستمر هذا الطول في التناقص. ولا توجد أنى علاقة لذلك بالنظرية النسبية، خاصة وأنها معنية بالحركة في خط مستقيم، ومن قِبَل راصد خارجي.
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: "وتأمل معاني قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن تقارب الزمان النسبي!!:
1- تقارب اليوم كالساعة.. وهو بنسبة 1: 24 / يوم ...... التقارب النسبي الأول
- يستتبع التقارب الأول تسارع حركة الأرض (المتحرك الأول) حول نفسها في مواجهة الشمس (الثابت) 24 ضعفاً/ ساعة!!
2- تقارب السنة كالشهر.. هي بنسبة 1: 12 / سنة ...... التقارب النسبي الثاني
- يستتبع التقارب الثاني تسارع حركة القمر (المتحرك الثاني) حول الأرض 12 ضعفاً/ شهر!!
- وهنا مفتاح إشارة ألبرت أينشتاين إلى النسبية.. لأنه لو أخذت الأمور والحسابات في المطلق!! لكان تقارب اليوم كالساعة – يقابله تقارب السنة كالنصف شهر ؟! "- ما دام لكل من المتحركين – الأرض والقمر- مكانه وزمانه.. الذي هو جوهر سرعتهما الكونية المطلقة أو النسبية على حد سواء!! وبتعميم المبدأ فإنه يجب النظر إلى وحدة زمان ومكان (زمكان) كل شيء في الكون!!"
هنا خطأ في تقارب السنة كالشهر. والمعالجة الصحيحة هي ما شرحناها أعلى من أن طول السنة سيتقارب ليصبح طولها طول الشهر. أما القول بأن [هنا مفتاح ألبرت أينشتاين إلى النسبية] وأن النسبة 1: 12 هي النسبة التي كان يُتوقع أن تنتج من النسبية!! ليكون تقارب السنة للشهر كتقارب اليوم للساعة أي 1: 24. فهل أصابت النسبة 1: 24 جوهر النسبية كي نلوم أينشتاين أن نظريته كان ينبغي لها أن تتنبأ بها أيضاً للنسبة 1: 12، ولكنها لما لم تفعل فهو مخطئ في نظريته. وأن العلاقة ليست خطية (أي ثبات النسبة دوماً). إن بين الأمرين، أي موضوع الأحاديث النبوية الواردة، وموضوع النسبية الخاصة بونٌ شاسع في العلة الميكانيكية ومدى السرعات. أي أنهما موضوعان لا يلتقيان ولا يختلفان. فلا في إثبات هذا تصديق لذلك، ولا في نفي ذلك أثر على هذا. وأما القول بأن علة ما سبق هو أن [لكل من المتحركين – الأرض والقمر- مكانه وزمانه الذي هو جوهر سرعتهما الكونية المطلقة أو النسبية على حد سواء!!] فليس بتبرير مقبول أو ذي قيمة، فضلاً عن أن الحديث عن السرعة المطلقة في غير موضعه. إذ أن السرعات جميعاً نسبية، سواء في موضوع الأحاديث أو في النظرية النسبية.
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: [3- وتقارب الشهر الهجري القمري (للمتحرك الثاني) كالجمعة الشمسية (للمتحرك الأول).. هو بنسبية أعم وأشمل حوالي 1: 4 / شهر .. التقارب النسبي العام .. بين المتحرك الثاني، والمتحرك الأول بتسارع بواقع 4 أضعاف/أسبوع!! ..التقارب النسبي العام الثالث -يستتبع التقارب التكراري النسبي العام الثالث: تقارب كل حزمة زمانية شهرية واحدة.. (29,53 يوم للراصد على سطح الأرض .. وهي تكافئ 27,32 يوم للراصد على سطح القمر).. إلى سبعة أيام، بنسبة متوسطة 4: 1 /أسبوع .. وهو مفهوم محصلة تكرارية، أو مفهوم قيمة أسية رياضية!! فالتقارب النسبي الأول ضعف التقارب النسبي الثاني.. أما التقارب النسبي العام الثالث فهو مربع نسبة الإنكماشين النسبيين الأول إلى الثاني.. أي أربعة أمثاله!!
4- التقارب المطلق للجمعة الشمسية كاليوم الشمسي .. هو تقارب تكراري خاص (أزمنة الراصد) – أي أنها التقارب المتكرر لفترات الزمن لمن هو على سطح الأرض.. العلاقة بين الثابت (الشمس)، والمتحرك (الأرض)، والراصد الثابت على الأرض.. وهو بنسبة 1: 7 /يوم!!    التقارب المطلق الرابع - يستتبع التقارب المطلق التكراري الأسبوعي الرابع: تقارب كل حزمة زمانية أسبوعية 7: 1 / أسبوع.. وبالتالي زيادة سرعة منظومة الكون إلى 7 أمثال/ أسبوع.. وهو مفهوم محصلة تكرارية، أو مفهوم قيمة أسية رياضية!!]
في هذه الفقرة عدد من التجاوزات: وتصحيحها كالآتي: تقارب الشهر كالجمعة يقتضي أنه سيكون ما بين هلالين متعاقبين للقمر قدر الأسبوع. وطول الشهر القمري 27.32 يوماً لا علاقة له بالرصد من القمر!!! فالراصد على القمر لا يرى في السماء قمراً، بل يرى الأرض، وهذا الطول 27.32 يوماً إنما هو طول دورة القمر حول الأرض كما يرصده راصداً على الأرض قياساً إلى النجوم. أما نسب التقارب المذكورة فلا عبرة بها ولا قيمة في المقابلة مع مقولات النسبية الخاصة.
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: [5-تقارب الساعة كالضرمة بالنار..!! أي تقارب وحدة الزمان اليومي الساعة إلى وحدة زمان قياس سرعة الضوء (الضرمة – هي أثر النار .. أي الضوء) ..التقارب الكوني الخامس - يستتبع التقارب الخامس: تقارب الساعة إلى زمان سريان الضوء في الكون.. أي إلى مقلوب سرعة الضوء = أساس قياس سرعة الضوء الكونية!!"
المقصود بـ "الضرمة بالنار" زمن اشتعال جمرة من الحطب أُضرمت فيه النار حتى تنطفيء" وهذا يُقدّر بحوالي بضع دقائق. فما علاقة ذلك بسرعة الضوء!!! أي أن الساعة التي هي جزء من 24 جزء من الليل والنهار كما كان شائعاً عند العرب نقلاً عمن قبلهم من العراق والشام أصبح طولها بضع دقائق، أي أن مجموع الليل والنهار انخفض - تقارب – ليكون 24 ضعفاً من هذا الزمن. أي أن الليل والنهار، الذي هو دورة الأرض حول نفسها قد تقاربت بما يجعل زمن الساعة أقل بتلك النسبة. ومرة أخرى، لا علاقة لهذا التقارب أبداً بسرعة الضوء.
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: [والسبعة الواردة في التقارب المطلق الرابع هي (كمثل ما تحت الجذر في معادلة أينشتاين ؟!).. أي كالجذر التربيعي للفرق (التخيلي ؟!) بين الواحد الصحيح والخمسين الكونية النسبية التخيلية؟!. - وتؤخذ الخمسين الكونية النسبية التخيلية من دلالة اليوم والخمسين ألف سنة الواردة في سورة المعارج حول سرعة عروج الملائكة.. "تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة".. منسوبة إلى الألف سنة النسبية التي يتحدد بها سرعة الضوء.. "إن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون"..!! وهو تقارب كوني تكراري نسبي بواقع 50: 1 /يوم شمسي!! بمعنى آخر.. فإن هذا التقارب (السبعة 7: 1) هي كما الجذر التربيعي التخيلي في البناء الرياضي لنظرية ألبرت أينشتاين النسبية؟!]
هذا الكلام مرفوض كُلاً وجزءاً، وما من أصل يُبنى عليه. ولولا أنه يتعلق بكتاب الله لما انشغلنا به، أللهم لنرفع عن أنفسنا الملامة ونبرئ القرآنُ العظيم منه.
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: [من ذلك يتضح أن البناء الرياضي لنظرية ألبرت أينشتاين مستوحٍ تماماً من فقه الأحاديث النبوية الثلاثة سابقة الذكر!! - ويسوق ألبرت أينشتاين حالة تطبيقية حركية خاصة.. إذا سافر أحد في مركبة فضاء سرعتها 99.6% من سرعة الضوء.. فإن زمانه في مركبته ينكمش إلى سنة واحدة .. في مقابل 12 سنة لأهل الأرض..!! -والملاحظ هنا... أن التكرارية الزمانية.. في معادلة أينشتاين.. مأخوذة لفترة زمانية محدودة جداً .. وتقع بين الساعة والسنة؟! مروراً باليوم، والأسبوع، والشهر..؟!]
نقول: هذا قول زائف، فالبناء الرياضي لنظرية أينشتاين لا علاقة له البتة من الأحاديث النبوية المذكورة، ونبرئ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الإدعاءات وخلط الأوراق بما يفتن الناس ويخالف الحق. أما القول بأن المسافر المذكور بالسرعة 99.6% من سرعة الضوء سينكمش زمنه إلى سنة واحدة، فتصحيحه أنه سيتباطأ مرور الزمن عنده كما يرصده أهل الأرض فيمر عليه 12 سنة من سنينهم مرور سنة واحدة، أي أنه سيهرم بمقدار 1: 12 مما يهرمون، أي يظل شاباً، من حيث يُقدِّرون هم مرور الزمن عليه.
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: [-جدير بالملاحظة أن أينشتاين لم يأخذ في الاعتبار تكرارية السنوات والعقود والقرون.. من هنا فنظريته تواجه أزمة حقيقية في تفسير ظواهر كونية مرتبطة بتكرار المدة مع طول مدد الزمان في خصوصية ظاهرتي الاختلال والفساد chaos & corruption؟!]
نقول: وهل أخذ أينشتاين في اعتباره تلك التكراريات السالفة من تقاربات الأحاديث النبوية حتى يتبقى له تركرارية السنوات والعقود والقرون. إن هذا أيضاً من قبيل إقحام النظرية النسبية فيما لم تدَّعيه، ثم محاسبتها عن السهو عما لم تستطرد فيه!"
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: [وتورد السنة النبوية المشرفة حديث رابع عن نسبية خاصة فيها إشارات جازمة لسرعات أعلى من سرعة الضوء!! فعن النواس بن سمعان، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "غير الدجال أخوفني عليكم ... قالوا يا رسول الله! ما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوماً، يومٌ كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قالوا يا رسول الله! فذلك اليوم كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، أقدروا له، قالوا: وما إسراعه في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح.."إلخ الحديث. الإمام أحمد والترمذي ومسلم.. الحديث رقم 4166 في صحيح الجامع. - ومعنى هذا أن هناك إنباءة بكشف نسبية خاصة.. غير نسبية أينشتاين تماماً.. في زمان قادم بسرعات كونية لا ندركها ولا نتصور كنهها حالياً..؟!]
نقول: لا علاقة البتة بين هذه الأحداث على الأرض وبين النظرية النسبية، إنها لا تعني أكثر من أن سرعة دوران الأرض ستكون في حالة اضطراب بدليل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقدير الصلاة في ذلك اليوم الطويل، وليس هناك من إنباءات عن أي نسبيات جديدة ولا سرعات كونية!!!
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: [-الأخطر من ذلك... أن ألبرت أينشتاين قد بنى نظريته على أساس أن سرعة الضوء هي أقصى سرعة يمكن أن يبلغها جسيم متحرك.. وهذه إحدى أزمات نظرية أينشتاين؟! - فثبت علمياً أن شعاع تشيرنكوف لا ينبثق إلا إذا تحركت الإلكترونات داخل مواد بسيطة بسرعة أكبر من سرعة الضوء!!.. وكذا فإن المواد (يقصد الأشعة) السينية تسري داخل المواد المتبلورة بسرعة أكبر من سرعة الضوء!!.. وقانون هابل المطبق في الدراسات الفلكية يدعي أن سرعات النجوم البعيدة تتجاوز سرعة الضوء.. ومن هنا فمعادلات النسبية لألبرت أينشتاين تواجه العديد من المآزق.. أمام تكرارية الزمان. ....]
إن السرعة الثابتة في نظرية أينشتاين هي سرعة الضوء في الفراغ، وليست سرعة الضوء حيثما يكون، نعم إن سرعة الضوء تقل في المواد الشفافة حتى تصل إلى 75% في الماء مثلاً. فإذا انطلقت إلكترونات متعجلة في الماء بنسبة 80% من سرعة الضوء فإنها تكون أعلى من سرعة الضوء في ذلك الوسط، وينبثق عنها أشعة جاما تُسمى بأشعة تشيرتكوف – نسبة إلى مكتشفها. ولا يُقال إن الإلكترونات ناقضت النظرية النسبية في هذا الموقف، لأن النسبية لا تستخدم سرعة الضوء إلا بقيمتها في الفراغ أي القيمة 299972.5 كم/ث، في أي موقف وفي أي وسط. وواضح أن سرعة الإلكترونات المذكورة ما زالت أقل من هذه القيمة، إذا أنها 80% فقط منها. ومن ثم فلا يمثّل ذلك أزمة للنظرية النسبية من هذه الوجهة.
أما القول بأن قانون هابل المطبق في الدراسات الفلكية يدعي أن سرعة النجوم البعيدة تتجاوز سرعة الضوء، فإن كان هذا وارداً من الناحية النظرية، إلا أن عقلاء النسبية يردون على ذلك بأن سرعة النجوم لا ولن تتجاوز سرعة الضوء في بيئاتها (جوارها). وأن اتساع/تمدد السماء يقتضي عدم قياس السرعات إلا في جوار النجوم. أما المواضع السماوية البعيدة نفسها فإنها تتباعد بهذا الاتساع ويصبح قياس السرعات بالنسبة إليها كقياس سرعة من يمشي على أرضية قطار بالنسبة لأرضية قطار آخر يتباعد عنه. ومن ثم فلا إشكال. .. ولا ندافع في هذه النقطة عن النظرية النسبية ضد هذا النقد، بل نذكر ردود أهلها. أما قول د. عبدالهادي: [أن تقييد حركة بحدود سرعة الضوء إحدى أزمات نظرية أينشتاين] فقول غير محقق، وتحقيقه أنها تطيح بالنظرية تماماً لو ثبت أن هناك متحرك يفوق في سرعته سرعة الضوء.
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: "- وسرعة الضوء ذاتها أسست على أساس أن المواقيت الكونية الحالية (ثابتة[48])...أما وقد ثبت عدم ثباتها.. فمعنى هذا أننا أمام نسبية كونية جديدة.. فحال ما تكون نسبة التغير الزماني في فترات قياس اليوم الشمسي في حدود 99.5% فإن المواقيت ستتغير تغيراً جوهرياً؟! وستفشل النظرية النسبية كليةً في تفسير الكثير من الظواهر الكونية.. ومنها مثلاً اليوم السرمدي؟!"
نقول: لا صحة لهذا الكلام، وهو من تداعيات المقاربات الخاطئة التي ذكرها صاحب الكلام، ورددنا عليها. أما اليوم السرمدي، فلا ندري ماذا يقصد به! فقد قيل عن السرمد أنه[49]: [دوام الزمان من ليل أَو نهار. وليل سرمد: طويل. وفي التنزيل العزيز: " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا"؟ قال الزجاج: السرمد الدائم في اللغة. وفي حديث لقمان: جَوّابُ ليل سَرْمَد؛ السرمد:الدائم الذي لا ينقطع.]  فليس هناك إذاً من يومٍ معهود بهذا الاسم!!! ..
فإن كان يقصد أن يظل النهار (سرمداً لا يزول) على البقاع التي هو عليها، واليل كذلك، فهذا يومٌ يمكن أن يحدث على الأرض لو تساوى زمن دوران الأرض حول نفسها، مع زمن دورانها حول الشمس؛ أي لو أصبح طول اليوم تماماً كطول السنة الشمسية. ولو حدث ذلك، وهو غير ممتنع أن يحدث، لما كان له علاقة بالنظرية النسبية أيضاً!!! .. فمن أين تفشل النظرية النسبية بحدوثه؟! ... كلام في منتهى العجب والخطأ.
يتابع د. عبدالهادي منصور، ويقول: [يُستفاد من كل ما سبق أن الأحاديث النبوية والنصوص القرآنية.. هي مرجعية مطلقة.. أما صياغة ألبرت أينشتاين لنظريته.. ما هي إلا مرجعية علمية.. لحالات كونية خاصة.. وهي نظرية مقبولة نسبياً الآن... وهي لا تعدو كونها تفسيراً مرحلياً مقبولاً مرهوناً بنسبية تقارب الزمان.. وبالنسبية الرقمية بين السنوات الشمسية والقمريةّ!!]
نقول: نعم، النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة مرجعية مطلقة، ولكن لا يُعرف هذا الحق مما رأيناه وقرأناه، والذي كان خلطاً وجنوحاً مشينا. أما مقابلة ذلك مع أن النظرية النسبية مرجعية علمية لحالات كونية خاصة، فيُوحي ذلك بأن المرجعية العلمية تختلف عن المرجعية المطلقة، ربما في كونها غير مطلقة العلمية على الوجه الكامل، أو أنها على درجة من النسبية العلمية. وإذا كان الغرض وضع خلاصة تفيد بأن النظرية النسبية شاطرت الأحاديث النبوية في بعض الحق من جراء الاستعراض السابق، فهذا غير صحيح. كما أنه غير صحيح القول بأنها [تفسيراً مرحلياً مقبولاً مرهوناً بنسبية تقارب الزمان.. وبالنسبية الرقمية بين السنوات الشمسية والقمرية].
___
(6-1): أقوال مستنكرة مستقاة من تصورات خاطئة للنظرية النسبية الخاصة:
قال د. عبدالهادي منصور [50]: [سرعة إرسال الطير الأبابيل في قصة أصحاب الفيل في القرآن هي سرعة كونية (قد تساوي سرعة الضوء أو تزيد .. ألله أعلم) ... وكتل الحجارة من سجيل زادت بتأثير سرعة الإرسال الهائلة!!...... يقرر (أينشتاين): ..."أنه من حيث أن الحركة طاقة، فإن الكتلة يمكن أن تتحول إلى طاقة، والطاقة يمكن أن تتحول إلى طاقة (يقصد كتلة)، وهذا القول متطابق مع ما جاء في قصة أصحاب الفيل حيث تحولت كتلة الحجارة السجيلية المرسلة بالسرعة الكونية إلى طاقة تدميرية هائلة!!]
نقول: قال تعالى عن الطير الأبابيل "تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ"(الفيل:4)، وقال تعالى عن الطير أنها "مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ"(النحل:79)، وهو ما نشاهده بأعيينا ونعلمه يقيناً، فلماذا ترمي الطير بحجارة تكتسب سرعة كونية – تقارب سرعة الضوء. أي قانون من فسيولوجيا الطيور يمكنها من هذا، أم أن الأمر يتعلق بمعجزة، فإن كانت معجزة فالأمر منتهي، ولا حاجة لتبريرها طبيعيا. ثم ما الداعي لإستحضار معجزة والأمر قابل للتحقق بما سنّه الله تعالى من قوانين طبيعية. فالحجارة الساقطة بقانون المقذوفات والسقوط الحر، يكسب الحجارة الصغيرة والساقطة من ارتفاعات عالية بالفعل طاقات عالية كافية لتدمير ما تسقط عليه من أجسام حية كالفيل والخيل والفرسان. فما الذي حشر النظرية النسبية فيما يتحقق بلا أي إشكال باستغناء عنها؟!
قال د. عبدالهادي منصور [51]:[الثلاثي الشمس والأرض والقمر يراقبهن الإنسان مستخلصاً توقيتين ... شمس- أرض ومنها التوقيت الشمسي ..  قمر-أرض ومنها التوقيت القمري .. وإذا اتحدت الفترة .. فبحسب أن القمر أسرع حركة في الكون من حركة الأرض، فإن التوقيت القمري الأسرع نسبياً يتقارب زمانه ويكون  أكبر من التوقيت الشمسي .. وتدلنا الآية الكريمة "ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا" عل معنى وحدة الزمان والمكان (الزمكان) .. لذا توحد(ت) الفترة الزمنية .. لراصد الزمان الذي يسكن الأرض .. فإذا مضى زمن قدره 291 سنة شمسية، فيُسجل ذات الراصد لذات الفترة 300 سنة قمرية .. بمعنى أن الأرض تدور حول الشمس بسرعة كونية معينة، والقمر يدور حول الأرض بسرعة كونية نسبية أكبر من تلك التي تدور بها الأرض حول الشمس .. القمر يتقارب زمان وتزداد سنواته .. وبذلك يعبر القرآن الكريم بالسهل الممتنع الدقيق المتناهي في الدقة عن النظرية النسبية كونياً .. ويربط في آياته السابقة بين العلاقات الحركية للأرض والشمس والقمر. ومن هذه العلاقة استنتج العالم الألماني أينشتاين نظريته في النسبية العامة]
القول بأن التوقيت القمري الأسرع نسبياً (300 سنة قمرية مقابل 291 سنة شمسية) يرجع إلى أن القمر أسرع حركة في الكون من حركة الأرض قول مغلوط من جهتين، الأولى: أن فرق التوقيت لا علاقة له بسرعة أو ببطء القمر في المجموعة الشمسية بالنسبة لسرعة الأرض، بل بزمن دوران القمر الشهري حول الأرض بين هلالين متعاقبين بالنسبة لـ 1/12 من دورة الأرض حول الشمس. أما الجهة الثانية، فهي أن سرعة القمر في المجموعة الشمسية بالنسبة لسرعة الأرض لا تكسبها فرقاً زمنياً من وجهة نظر النظرية النسبية الخاصة. وإن كان لهذا الفرق قيمة فلا علاقة له بفرق التوقيت القمري عن الشمسي. والقول بأن "القرآن الكريم يعبر بالسهل الممتنع الدقيق المتناهي في الدقة عن النظرية النسبية كونياً" حسب رؤية صاحب الكلام، فهذا تقوُّل على القرآن بما لا صحة له، ولا دليل عليه. أما إدخال النسبية العامة عنوة هنا، كما أدخلت النسبية الخاصة قبلها، والقول بأن أينشتاين استنتجها أيضاً من العلاقات الحركية للأرض والشمس والقمر فقول يفتقر إلى أي قيمة علمية. 
قال د. منصور حسب النبي[52]: "المادة قد تتحول إلى طاقة في عملية تُدعى التمويج، وأن الطاقة قد تتحول إلى مادة في عملية تُدعى التجسيد، طبقاً لقانون أينشتاين، وبهذا فإن تجسُّد الملائكة وظهورهم على هيئة بشر كما في تجسد جبريل للعذراء مريم، وتجسده لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام على هيئة رجل إسمه يحيى الكلبي أمرٌ مقبول علمياً طبقاً للنظرية النسبية لأينشتاين"
نعوذ بالله العظيم ونستغفره من القول بلا علم، فالحديث عن الملائكة وكيفية تمثلها في الصورة البشرية أمر من أمور الغيب. وما لم يخبرنا به الله تعالى أو نرى كيفيته، فلا سبيل إلى وصفه ولا مقارنته بالنظرية هذه أو تلك. فالله تعالى يقول "يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ"(الفرقان25: 22) أي أنه لا سبيل لنا لرؤية الملائكة – وتشمل الرؤية كل أشكال الرصد الآلي- في هذه الحياة الدنيا، ومن ثم لا سبيل لنعرف أنها تتجسد على نحو تحول الطاقة إلى مادة تبعاً لقانون أينشتاين. يغفر الله سبحانه لصاحب هذا الكلام كلامه ويتوب عليه.
 الخلاصة:
إن ما قرأناه أعلى عن (النظرية النسبية) في ثقافتنا العربية من عدد من المفكرين (زكي نجيب محمود، مصطفى محمود، جمال الدين الفندي، الشيخ نديم الجسر)، ومن بعض المشتغلين بالإعجاز العلمي (أحمد شوقي إبراهيم، منصور حسب النبي، زغلول النجار، عبدالهادي منصور، عبدالدائم الكحيل، أسامة علي الخضر) يمثل في رؤيتنا أزمة ثقافية وإعجازية بالغة التأزم. فالنظرية غير مفهومة من قبلهم جميعاً إلا اشتباها، ومع ذلك فقد تجرأ أغلبهم وسعى سعياً حثيثاً إلى ربطها بكلام الله تعالى. ونستغرب عن سبب الحرص على الخوض في مثل هذه القضايا العلمية بغير ما يكفي من تأهيل، وكم ينحرف المتجاسر على ذلك بمعاني آيات القرآن الكريم في أذهان الناس، وخاصة إن كان هناك بالفعل علاقة بين القرآن وتلك المسألة، فجاء مسعاه الفاسد ليعكرها أو يضل الناس عنها من حيث لا يعلم. لذلك كان علينا أن نمحو هذا العبث الثقافي والإعجازي من الطريق، وبما يجلي الصورة تمام التجلية، ونصبح على نورٍ وبيانٍ صريح. وذلك لنرى إن كان هناك علاقة حقيقية بين النظرية النسبية – إن صدقت – والقرآن، الذي هو الحق المبين من الله العليم الحكيم، أم أن الأمر خلاف ذلك.
هذا والله تعالى أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
   المؤلف                 
عودة إلى فهرس الكتاب: فتاوى شرعية في النظرية النسبية 


[1](منصور حسب النبي، "الكون والإعجاز العلمي في القرآن". الطبعة الثالثة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1996، ص108-109)
[2] ("قضايا فلسفية في العقيدة الإسلامية"، سعدالدين السيد صالح، مطبوعات جامعة الإمارات العربية المتحدة (45)، 1998،
ص 190-192 حيث يرى توافق نسبية الزمن النسبوية مع القرآن بشواهد متعددة غير محققة)، (نديم الجسر - قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن، ط3، 1389-1369، ص 358)
[3] (عبدالهادي ناصر، "نظرات في الكون والقرآن"، المكتبة الأكاديمية.، 1995، ص 246)
[4] (منصور حسب النبي، 1996،ص119)
[5] (منصور حسب النبي، 1996،ص114)
[6] (زغلول النجار، "السماء في القرآن"، دار المعرفة، بيروت، لبنان،1995،159-160)
[7] (سامي محمد صالح الدلال، بحث مشارك بالمؤتمر الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بعنوان "من الإعجاز العلمي في القرآنالزمكانات"، 2006).
[8] (عبدالهادي ناصر،1995، ص 241)

[9] (Albert Einstein, Zur Elektrodynamik bewegter Korper, in Annalen der Physik. 17:891, 1905, (English translation),On the Electrodynamics of moving bodies)
[10] (نديم الجسر، "قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن"، 1969، ص356).
[11] ( منصور حسب النبي، 1996، ص116)
[12] (محمد عبدالرحمن مرحبا، 1981، ص8)
[13] السابق، ص 99.
[14]  السابق، ص 50.
[15] يمكننا أن نجد جذوراً للمفهوم الفلسفي للنسبية عند السابقين لأينشتاين، وخاصة ماخ/ماك Mach الذي كان أينشتاين يقدس أعماله وفلسفته في الميكانيكا. ونجد قبل ماخ [نيتشه الذي عبر عن أزمة العصر بانتهائه إلى العدمية الشاملة وإعلان موت الإله. ... أي أنه رغبة في استبعاد أي بُعد إلهي، ميتافيزيقي، ترانسدنتالي، معياري، عام وشامل، تمت صياغة لاهوت جديد هو "لاهوت موت الإله". أي الحديث عن كل شيء إلا الله، أو "اللاهوت العلماني"، أي تجلي الله في كل شيء إلا في ذاته وأفعاله، - أي – وصف العالم دون اله Death of God Theology. ... ويكون موت الإله لحساب الإنسان كما هو الحال عند فيورباخ عن طريق التأويل، وكما هو الحال في اللاهوت الجديد صراحةً دون تأويل. ... والبحث في الله يكشف الإنسان. فالله وجه إنساني (من أهم ممثلي هذا التيار جابريل فاهانيان، وهارفي كوكس، و بول فان بيرن، و هاملتزون، و ألتيزير، ... إلخ). ولما تم تحطيم الآلهة، والقضاء على كل معيار عام وشامل لم يبقى إلا النسبية في الطبيعة وفي الأخلاق، في الإنسان وفي العالم، وأصبح الإنسان مقياساً لكل شيء. وليس الإنسان العام الموجود في كل زمان ومكان، بل الإنسان المتغير الخاضع للأهواء الموجود في المكان والزمان، والمنتسب إلى العشيرة والقبيلة والمنتمي إلى الععقيدة والمذهب السياسي.](حسن حنفي، ماذا يعني علم الاستغراب، دار الهادي، الطبعة الثانية، 2005، بيروت، ص 154)
[16]  (Hendrik Antoon Lorentz , The theory of electrons and the propagation of light, Nobel Lecture, December 11, 1902)
[17] في كتابه ("قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن"، 1969، ص356-358)
[18] السابق، ص357.
[19] السابق، ص 358.
[20] السابق، ص 357.
[21] السابق، ص 358.
[22] زكي نجيب محمود، ضمن مقالة: "أضداد تتزاحم"، المدرجة في كتاب: "قيم من التراث"، دار الشروق، القاهرة، سنة 2000م، ص236.
[23] وقد سمعت (سنة 1886) من الدكتور (فهمي ابراهيم ميخائيل) (ت1998) أستاذ الرياضيات بكلية العلوم – جامعة عين شمس، أن مصطفى محمود قد لجأ إليه ليشرح له معاني النظرية النسبية، وذلك قبل أن يؤلف كتابه عنها.
[24] (محمد جمال الدين الفندي، "الله والكون"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ، ص399)
[25] (حسب النبي، 1996، ص108)
[26] (حسب النبي، 1996، ص109)
[27] (محمد جمال الدين الفندي، "الله والكون"، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ، ص399)
[28] (حسب النبي، 1996، ص110)
[29] (حسب النبي، 1996، ص114)
[30] (زغلول النجار، جريدة الأهرام، مقال: "من أسرار القرآن" بتاريخ 25/6/2001)
[31] (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2ص833، أو ص 2092)، وربما اقتبس محمد دودح ومنصور حسب النبي  من ابن عربي هذا الرأي في ما هو قاطع مسيرة الأف سنة. ويغلب الرأي بأن مناسبة قياس الزمن بالمسيرة عند العرب في ابتداء هذه المقالة، ما أبداه صاحبها من تأييد هذه الطريقة لـ (دودح وحسب النبي) في محاولة استخراج سرعة الضوء من آية (السجدة-5)، وسنأتي على هذه المسألة بالتفصيل في فصل تال من هذا الكتاب.
[32] (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج1ص820)
[33] (ابن عربي، الفتوحات المكية، ج2ص645 أو 1766)
[34] لسان العرب لابن منظور، مادة "طرف".
[35] (زغلول النجار، جريدة الأهرام، مقال: "من أسرار القرآن" بتاريخ 25/6/2001)
[36] (زغلول النجار، المرجع السابق)
[37] أحمد شوقي إبراهيم كان معروفاً  ببرامجه التلفزيونية على التلفزيون المصري، في ثمانينيات القرن العشرين، والتي كانت تتناول الإعجاز العلمي في القرآن والسنة. وجاء المقطع المدرج أعلى في حلقة من برنامج بعنوان: "أفلا تبصرون" جزء 3، تقديم الشيخ رضا طعيمه. http://www.youtube.com/watch?v=qs49oDvHQV4 الدقيقة 7:22
[39] د. أسامة علي الخضر، "رؤية قرآنية لقوانين الكون"، تقديم مصطفى محمود، المكتب العربي للمعارف، القاهر، 2008، ص109-112.
[40]  (Einstein, “Space-time”, 1926, printed in: [Peter Pesic, “Beyond Geometry: Classic Papers from Riemann to Einstein”, p.163-172, Last Paragraph])

[41] سامي محمد صالح الدلال، "من الإعجاز العلمي في القرآنالزمكانات"، المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، الكويت، الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، 2006.
http://www.eajaz.org/index.php/component/research/item/115-Astronomy-and-Space-Sciences /131-الزمان-والمكان
[42] (سامي الدلال، 2006، ص4)
[43] (سامي الدلال، 2006، ص13-14)
[44] (سامي الدلال، 2006، ص14)
[45] إذا كانت سرعة العفريت 0.999999 من سرعة الضوء بالنسبة لسليمان، فطبقاً لحسابات النسبية الخاصة أن الزمن الذي يمر على العفريت كما يقدره سليمان سيستطيل بمقدار 1/ جذر(1-(0.999999)2)= 707.12 مرة. أي أن 10 ثواني تمر على سليمان ستمر على العفريت 7071.2 ثانية، أي 1 ساعة و 58 ثانية تقريباً.
[46] (عبدالهادي ناصر، " نظرات في الكون والقرآن"، المكتبة الأكاديمية، القاهرة، 1995، ص238)
[47] باستخدام علاقة استطالة الزمن  
[48] كلمة ساقطة في الأصل يجب إضافتها لاستقامة المعنى.
[49] لسان العرب، مادة "سرمد".
[50] (عبدالهادي ناصر،1995، ص237)
[51] (عبدالهادي ناصر،1995، ص246)
[52] (منصور حسب النبي، 1996، ص121)