السبت، 20 أكتوبر، 2012

فضيلة "الأُمِّية" وبراءتها من يقين الحساب الفلكي في رؤية الهلال

 The Virtue of Illiteracy

فضيلة "الأُمِّية" وبراءتها من يقين الحساب الفلكي في رؤية الهلال(*)
عزالدين كزابر


رغم أن الهدف المباشر الذي كننا بصدده قُبيل كتابة هذه الأسطر، كان "فض الإشكال حول دخول الشهر القمري بين الرؤية البصرية والحساب الفلكي"، وذلك في إطار تحقيق المسألة السابعة من كلام د. بوناطيرو[1] في المقال السابق[2]، إلا أننا وجدنا أن الطريق إلى هذا الهدف السامي لا بد وأن يمر أولاً بمحطة فكرية هامة تُعنى بتحرير مفهوم "الأمية"! ... نعم، إن مفهوم "الأمية" قضية محورية في الفصل في مسألة الهلال ودخول الشهر، وينبغي تحقيق هذا المفهوم على وجه مُرضٍ، يبعث الطمأنينة في النفس بما يزول معه الاشتباه بين المعاني، أو كما قال ابن الهيثم[3]: [لعلنا ننتهي بهذا الطريق إلى الحق الذي به يُثْلِج الصدر، ونصل بالتدريج والتلطف إلى الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة، التي يزول معها الخلاف، وينحسم بها مواد الشبهات].
ويعود السبب في محورية قضية "الأمية" في مسألة الهلال، إلى كونها العلة التي نص عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تبرير رؤية الهلال، دون غيرها من طرق، وذلك في تعيين دخول الشهر القمري، كما سيأتي بيانه. وبتفقدنا لهذه المحطة، اكتشفنا أن في "الأمية" الخالصة فضيلة، لمن جعلها من العلماء أساس علمه، وروح أدبه، وحُرم منها من تَعَالَى وتعالَم وأوهمته الظنون. ولم نجد من محسوسات معقولة تقترب من جميل معنى "الأمية" إلا الماء العذب، يجري به نهر رقراق، يرتاده الناس، فيرتوون، ويغتسلون، ومن جداوله يزرعون ويأكلون، وعلى ظهره يرحلون ويرتحلون، وإذا كالَبتهم الهموم، فلهم فيه جمال حين ينظرون. وإن كان ليس بالماء وحده تستقيم الحياة، فكذلك الأمية! فهي أصلٌ يُبنى عليها، وكعبة عقل يُثاب إليها، وفراشٌ وثيرٌ تسكن فيه آلام الفهم بعد طول تجوالِ، ولجج، وجدلٍ، وخصومةٍ، في أيامٍ عاصفاتٍ من الدرس والأفكار. وإن وجدنا علماً وفكراً غير مؤسسين على الأمية، فهما كحياةٍ تأبَّت على الماء أن يكون لها أصلاً، وظنّت أن خمراً معتقاً أو عصيراً مصنّعاً، خيرٌ من ماء فراتٍ يشربه كل ظمآن. ومن سعى خلاف ذلك، بظنِّه، هاجعاً كان أو ضائعاً، وأصبح غنياً عن الماء مستغنياً، فقد غفل عن فضيلة "الأمية". وهؤلاء كثيرون، وفي هذا الوهم غافلون ينعمون! وكنا معهم، .. فانتبهنا وأردنا أن يقفوا معنا على ما وقفنا عليه، مما دعانا إلى ضرورة إفراد هذا الموضوع ببحث ودراسة، فكانت هذه السطور.

علاقة "الأمية" بالأهلة:

جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "[عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.][4]". فجاء النص: "الشهر هكذا وهكذا..." وجاءت العلة: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب". فأهمل بعض المنَظّرين – على نحو ما سنرى بعد قليل - في ذلك: "النص"، وعلَّقوه بالعِلَّة. رغم أن فائدة العلة عند فهم القياس للاعتبار وتعميم الحكم، لا عند الامتثال للنص، والذي هو أولوية مطلقة، وخاصة إذا ترافق معه نصوص حديثية شارحة لا تترك مجالاً للاختيار مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"[5]، وهو يشرح كيفية المعالجة التفصيلية للاختيار بين التسع والعشرين والثلاثين، ومعلوم عند الأصوليين أن صيغة النهي "لا تفعل"[6] هنا للتحريم (وهنا: تحريم ما عدا الرؤية من استدلالات على دخول الشهر). فكيف يمكن تبرير اللجوء للقياس إذا ورد "النص" بهذا الوضوح؟! .... أللهم لا سبيل[7]، ..

تحقيق أقوال من قدّم القياس على النص في حديث رؤية الهلال المُعلّل بالأمية: 


شاهد ذلك أنْ قال أحمد محمد شاكر[8]: [الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللا بعلة منصوصة، وهي أن الأمة "أمية لا تكتب ولا تحسب"، والعلة تدور مع المعلول وجودا وعدما، فإذا خرجت الأمة عن أميتها، وصارت تكتب وتحسب، أعني صارت في مجموعها ممن يعرف هذه العلوم، وأمكن الناس عامتهم وخاصتهم أن يصلوا إلى اليقين والقطع في حساب أول الشهر، وأمكن أن يثقوا بهذا الحساب ثقتهم بالرؤية أو أقوى، إذا صار هذا شأنهم في جماعتهم وزالت علة الأمية: وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده، وأن لا يرجعوا إلى الرؤية إلا حين يستعصي عليهم العلم به، كما إذا كان ناس في بادية أو قرية، لا تصل إليهم الأخبار الصحيحة الثابتة عن أهل الحساب، وإذا وجب الرجوع إلى الحساب وحده بزوال علة منعه، وجب أيضا الرجوع إلى الحساب الحقيق للأهلة، وإطراح إمكان الرؤية وعدم إمكانها، فيكون أول الشهر الحقيق الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس، ولو بلحظة واحدة.][9].
وقد رد ابن حجر العسقلاني على التعليل بمعرفة الحساب في التوقف عن الرؤية وقال رحمه الله تعالى[10]: [المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا الا النزر اليسير، فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير، واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفى تعليق الحكم بالحساب أصلاً، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: "فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الاغماء يستوي فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم".
وجاء كلام أحمد محمد شاكر السابق تأويلاً لكلام ابن حجر هذا، حيث يقول شاكر: " أصاب علماؤنا المقدمون رحمهم الله في تفسير معنى الحديث، وأخطأوا في تأويله، ومن أجمع قول لهم في ذلك قول الحافظ ابن حجر". يريد من ذلك أن الرؤية موقوفة على عدم العلم بالحساب، فإذا ما انتفى عدم العلم، انتفت الحاجة للرؤية، وتقدم الحساب.
وقد يُنظر في هذا التأويل إذا قطع المأول بأن الأمية زائلة عن عموم الأمة في حواضرها وبواديها بما يرفع التيسير الذي هو الرؤية والعودة إلى ما هو أشق وأشكل، والذي هو الحساب الفلكي. ولكن! لا الأمية زائلة عن عموم الأمة، على ما سيأتي تفصيله، في معنى الأمية الذي صُبَّ في قالب عدم الكتابة والحساب دون غيره، والمعنى أوسع من ذلك، ولا خَفَّت إشكالات الحساب الفلكي - القطعي بالرؤية - من عدمها حتى مع عصر الحواسيب العملاقة.، وحيث أنه لا قطع بحدوث هذين الأمرين جميعاً، فلا جواز لقبول تأويل الحديث بتعليق الرؤية.
ثم، كيف يُعلَّق أمرٌ يَسَّره الله، واللجوء إلى الأشد عسراً، ولا يحقق في النهاية الغرض يقيناً. ألا يشبه ذلك ما قال الله تعالى فيه (أي الصيام مع السفر): "فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"(البقرة: 185). فمَنْ على وجه الأرض - من أهل الفتوى والعلم القويم بالدين - يستطيع أن يقول: إن العلة التي هي "العسر" هي المشقة البدنية، وإذا زالت، زال الحكم، ووجب الصوم حتى مع السفر. فما أدراه أن العلة ليست أوسع من ذلك، فيُحَكّم فهمه في العلة ويسقط النص!
وإذا رجعنا إلى الحديث "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا .."، فنتساءل: أي دلالة قاطعة على أن المعنى لا يكون على النحو الآتي: [هذه الأمة أمية لا تكتب ولا تحسب في أمر عباداتها وشريعة ربها، فلا تُحمِّلوا الأمة ما لا يستطيعه عوامُّها، فكما أن الله تعالى قد يسَّر أمر صومها وعيدها بمحض رؤية الأهلة، والتي هي في مقدور جميع أفرادها المكلفين، على حكم الكفاية، كما قال تعالى "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ"(البقرة: 189)، وكما أن الله تعالى قد يسَّر قراءة القرآن، "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ"(القمر:17،22،32،40)، على الرغم ما فيه من أسرار تتابع أجيال العلماء عبر القرون وحتى قيام الساعة في تدبرها والوقوف عليها، لا تنفك لهم عراها إلا بقدرٍ من الله، فكذلك في سائر أمر دينها. فلا تُلجئوا الناس إلى ما هو أشق على بعضهم]. وكأن الحديث بهذا المعنى يضع ضابطاً للمُشَرِّعين في تيسير الأمور. وهذا الضابط استنبطه علماء الأصول بالفعل من هذا الحديث وأمثاله، ألا تجد لهم مثل ذلك في قواعدهم الفقهية من مثل قولهم: "الأمر إذا ضاق اتسع"، و"الضرورات تبيح المحظورات"، و"المشقة تجلب التيسير"... وإذا التزمنا بتأويل أحمد محمد شاكر، لكان الأمر على خلاف ذلك، ولجاء على النحو التالي: "كل أمر يسير على الأمة إذا استطاعت ما هو أشكل منه وأعسر، (من أجل دقة أعلى في التوقيت،  وقد يتبين أنها مزعومة)، فعليها به ولتترك الأيسر"!!!
فإن قيل[11] إن هذا الذي تُسمُّونه الأعسر، إنما هو لأجل الدقة والضبط. قلنا: هذا وهم، فما من أحدٌ من علماء الفلك يستطيع التنبؤ يقيناً بأول رؤية بصرية للأهلة، على نحو ما سنرى!
وإن قيل إن أهل الرؤية مختلفون، قلنا: عليهم أوزارهم في إنزال الأحكام منازلها، والرؤية صحيحة! ألا تراهم اختلفوا في مسائل كثيرة يصعب حصرها! هل نهدمها أو نُبَدِّلها حتى يتفقوا، فليختلفوا وليبق الشرع ناصعاً كالنهار! وليُظْهِرَنَّ الله تعالى الحق ساطعاً، وإن غداً لناظِرِهِ قريب.
وإن قيل[12]،[13] إن "الأمية" قد زالت بما نراه من واقع الحال التعليمي والتقني، وقد شهد بذلك ابن تيميه[14] وابن خلدون[15] وغيرهم. قلنا: إنهما – رحمهما الله - قصدا من "الأمية" أحد الجوانب الأداتية المعيارية، ولم يقصدا عموم معنى "الأمية" الشامل لجانبيها التربوي والأدبي، وهذا ما سنبينه في هذا الدراسة بإذن الله تعالى.
وعلى ذلك، فهذه الدراسة معنية بتحقيق مفهوم "الأمية" من وجوهها المتعددة على أكمل صورة استطعناها، وفي حدود المسموح به من مساحة. وأين يقع من هذه الوجوه كون "الأمية" علِّة الرؤية الصريحة للهلال، وهو الأمر الذي به وحده يتعين دخول الشهر العربي.

الأزمة العميقة في "مفهوم الأمية":


جاءت صفة "الأمية" بعدد من الاشتقاقات في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، على ما هو معلوم. وتحير المُنظِّرون حين تدبروا المراد منها، وخاصة المعاصرون منهم. وسبَّبَت صفة "الأمّية" – ومازالت – حرجاً لهم، لما ظنُّوه بها من أنها صفة ذم وانتقاص! إذ لا أحد من الناس يرضى أن يوصف بأنه أُمّي، بالمعنى الشائع والطاغي من أنه: "الجاهل الذي لا يقرأ ولا يكتب ولا يحسب"، فكيف تكون الأمية صفة من صفات الأمة، وخاصة عند النص بها على نحو قول الرسول صلى الله عليه وسلم "إنا أمة أمية، لا نقرأ ولا نكتب"؟ - أمَّا وصف القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم بـ "النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ"، فقد تم ضبط حِكْمة المعنى لتنتقل هذه الصفة إلى صفة مدح خاص، وإعجاز نبوي، بحكم أنه – صلى الله عليه وسلم - يتلقى الوحي والحكمة من الله تعالى، ومن ثم عضَّد ذلك كونه –صلى الله عليه وسلم- نبي ورسول، وائتلف معه، غير أن هذا المخرج ظل جدلياً بعض الشيء[16].

ومن الشواهد المعاصرة لهذه الأزمة في مفهوم الأمية، ومحاولات الخروج منها ما يلي: 

(1) قيل[17]: [للأمية معنى خاص ومعنى عام: أما المعنى العام فيعني الجهل والضلالة والظلام، وأما المعنى الخاص فهو عدم معرفة الكتابة. ولا ترتفع الأمية عن أحد بمعناها الخاص إلا متى عرف الكتابة، كما أنها لا ترتفع عن أمة بمفهومها العام إلا متى خرجت من الجهل والضلالة والظلام إلى العلم والهدى والنور. ولا يخرجها من هذا إلا نبيٌّ وكتاب. ... ولكن الأمية بمعناها العام ارتفعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الوحي عليه، كما أن الأمية بمعناها الخاص بقيت ملازمة له لأنه لا يعرف الكتابة، ولكن ملازمة الأمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة وكمال وفي غيره نقيصة".
نقول: لا نرى توفيقاً في هذا التحليل، وخاصة أن التمييز بين نوعين من "الأمية"؛ خاص وعام، لا داعم له من لغة أو استدلال عُرْفِي عند أهل اللغة، كما أن ارتفاع "الأمية" عن الأمة – حسب هذا الزعم - ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم ونزول الكتاب، يرفع عن الأمة صفة "الأمية" التي هي علة للرؤية ونبذاً للحساب في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، ومن ثم يدعم قول أحمد محمد شاكر بزوال العلة، ومن ثم إعمال الحساب واعتباره العمدة في ذلك. غير أن نص الحديث لا يفهم إلا في إطار هذا التعليل، ومع ذلك، ولعدم الوقوع في التناقض، أنكر صاحب العبارة الواردة أعلى هذا التعليل بعد ذلك، وسعى لتزكية إنكاره بقوله: [إن حجة القائلين بتعليل الحديث غير صحيحة من عدة وجوه]، ثم عدَّد وجوهاً عشرة لم نجد أوهن منها، يمكن الرجوع إليها لمن شاء. وكان آخرها استدلالاً على أن الأمية في العالم العربي تقترب من أن تكون أعلى معدلات الأمية في العالم، ومن ثم يقيم على أصحاب الحساب الفلكي حجته بأن عليهم بذلك الإبقاء على الرؤية حسب حجتهم في التلازم بين الرؤية و"الأمية"، ولم ينتبه إلى أن هذا الاحتجاج قد هدم حجته القائلة بانتفاء الأمية عن الأمة ببعثة النبي ونزول الكتاب. لذا ارتبكت هذه المحاولة واضطربت أيّما اضطراب، ولم تحقق أمنيتها بإزالة التناقض الكامن في "الأمية" – بما كسبت أفهامُنا - بين النقيصة والفضيلة.
(2) قيل[18]: [هذا الوصف بالأمية لا يعني - في رأينا- الأمية الكتابية ولا العلمية، وإنما يعني الأمية الدينية، أي أنهم لم يكن لهم قبل القرآن الكريم كتاب ديني، ومن هنا كانوا أميين دينيًّا، ولم يكونوا مثل "أهل الكتاب" من اليهود والنصارى، الذين كان لهم التوراة والإنجيل. ومن الأدلة التي نسُوقها للاحتجاج لهذا الرأي أن القرآن الكريم قد وصف فريقًا من أهل الكتاب بالأميين، وذلك في قوله تعالى: "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ"(البقرة: 78-79) فأمية هذا الفريق ليست أمية كتابية؛ لأنه قد أخبر أنهم كانوا يكتبون بأيديهم، وإنما هي أمية دينية، أي جهل بالدين وإنكار له وعدم تصديق].
نقول: لا يستقيم هذا الرأي مع إثبات الأمية في الحديث: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب". إذ لو كانت الأمية دينية فكيف يثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته وينسب نفسه لهذه الأمة متكلماً بلسانها بقول صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية"، وقد جاء لإزالة الجهالة الدينية! ثم ما علاقة الأمية الدينية بنبذ الحساب واعتماد الرؤية فقط للهلال؟! لذا فهذه المحاولة في فهم "الأمية" غير مُوفّقة أيضاً. أما عن الاستشهاد بالأميين من أهل الكتاب كما جاء ذكرهم بالآية، فغير لازم أيضاً، إذ ليس بالضرورة أنهم هم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، فالعبرة بأميّتهم كانت مرتبطة بـ (انحصار معرفتهم بالكتاب على سبيل الأماني، وعدم التَلبُّس بهذه المعرفة تحقيقاً ودراية).
(3) يقول الجابري[19]: [الفهم السائد هو أن الأمي من لا يعرف القراءة والكتابة، فهل يَصْدُق هذا على الآيات السابقة؟ (وكان قد أورد الآيات: (الأعراف:157)، و(البقرة: 78)، و(آل عمران: 20، 75)، و(الجمعة:2)، ويستكمل: ) الجواب عندنا بالنفي، لأن التقابل في كثير من هذه الآيات هو بين طرف هو "الأمّي" و"الأمّيون" من جهة، وبين طرف آخر هم "أهل الكتاب". والمقصود بهم اليهود والنصارى من جهة أخرى. وما به يفترق الطرفان هو أن الطرف الثاني لديه "كتاب" هو التوراة والإنجيل، والطرف الأول ليس لديه كتاب، فالأمّيون إذاً هم الذين ليس لديهم كتاب سماوي. وقد جاء القرآن ليكون لهم كتاباً خاصاً بهم.]
نقول: قد نُسَلِّم لهذا التقسيم في قوله تعالى: "وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ "(آل عمران: 20)، وفي قوله تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"(آل عمران: 75)، ولكن هذا التقسيم يسقط بالكلية في قوله تعالى: "وَمِنْهُمْ (أي من أهل الكتاب) أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ"(البقرة: 78). أمّا في قوله تعالى: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ"(الأعراف: 157)، وقوله تعالى: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"(الجمعة:2) فلا تأييد ولا تعارض للتقسيم المزعوم.
وفي محاولة نُصرة هذا الرأي بالتزكية – أي القارن بين الأمية و"غير أهل الكتاب"- دون المعنى المُعجمي السائد لـ "الأمي"، أي "عدم الكتابة والحساب" يوهن صاحب المقولة السابقة المعنى المُعجمي – بعد إيراد نقولاً من لسان العرب حول نسب الأمية إلى الأم والأمَّة والبقاء على ما ولدته أمه عليه- بقوله[20]: [هذا المعنى اللغوي ليس نقلاً عن العرب، بل هو اجتهاد من علماء اللغة في إيجاد أصل لكلمة أمِّي في لغة العرب، وهو أصل لا يستقيم مع الحديث المذكور والآيات السابقة لأنه يقوم على نسبة "الأمي" إلى الأم كما وضعته، على عجمة اللسان والعي والجفاء، وهي صفات لا تليق بمقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولا مقام قومه وأمته.]
نقول: غَنِيٌّ عن البيان أن العبارة الأخيرة كانت دافعاً غائياً للتخلُّص من معنى "عدم الكتابة والحساب" من تعلقها بالأمية! ولو أن سياق الحديث "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب" فُهم في سياقه" – على نحو ما سنرى لاحقاً - لسقط هذا الحرج الذي أراد صاحب المقولة التخلص منه، بتبرئة الرسول صلى الله عليه وسلم، والأمة من هذه النقيصة التي هي "الأمية" – عند من يتوهم أنها نقيصة.
(4) ومثلما جنح الجابري أعلى ناحية تعريف الأمية على أنها فقط صفة غير أهل الكتاب، نجد لويس عوض من قبله يقول[21]: [كانت العرب تقسم الناس إلى عرب وعجم، ومع ذلك تعترف بالتبويب اليهودي للبشر إلى يهود وأمم أو قبائل، ومن هنا جاء الكلام على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه النبي الأمي ومعناه الحقيقي، ليس النبي الجاهل بالقراءة والكتابة، كما في المعنى المتوارث المتداول، وإنما النبي الأمي؛ أي النبي الذي ليس من بني إسرائيل، لأنه من سبط هاجر المصرية وابنها إسماعيل، وليس من سبط سارة وابنها إسحق والد يعقوب ("إسرائيل") مؤسس الشعب المختار. ولما كانت النسبة في العربية الفصحى لا تكون للجمع[22] "فالأممي" صحتها "الأمي" كما يقال "ملكي" ولا يقال "ملوكي" وكما  يقال "قَبَلي" ولا يقال "قَبَائِلي" ... إلخ" يؤيد ذلك قول القرآن ..." هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ "(الجمعة:2) بمعنى بعث في غير بني إسرائيل وليس بعث في الجهال].
ويستكمل مدللاً على كلامه ويقول: [ويلاحظ أنه كلما ورد ذكر "الأميين" أو "النبي الأمي" في القرآن، إنما ورد في سياق الحديث عن "أهل الكتاب"، في باب التمييز والمقابلة كما يدل السياق: "وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ"(آل عمران 20). " وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ"(البقرة: 78)، "فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ "(الأعراف: 158)، " ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"(آل عمران:75)."
ويستشهد بشاهد آخر ويقول: [كذلك كان اليونان يقسمون العالم إلى إغريقي أو هلليني وبربري (بارباروس)، وكان الرومان يقسمون العالم إلى روماني وبربري، وكان العرب يقسمون العالم إلى عربي وعجمي.] – انتهى الاقتباس من كلامه.
ومما أتى به وحمله على غير محمله قوله[23]: [هناك وحدة اشتقاقية بين جذر كلمة "أمه" وجذر "عمّ" و "عامة" و "عموم"، فالجذران منحدران من أصل واحد هو الذي انحدر منه كلمة "أومنيا" Omnia اللاتينية بمعنى "الجميع" أو "الكل" أو "الكافة"، وهذا الجذر هو Omn الذي انتهى في الاتجاه السامي إلى تشديد الميم، بامتصاص النون في الميم السابقة عليها فخرجت "أمة" و "عامة" وهما أصلاً بمعنى واحد. ولا تزال تلحق بكلمة "عامة" و "عوام" بعض آثار التحقير المتخلفة عن معنى "الأمم" التي ليست من شعب الله المختار، وهو معنى "الدهماء" أو "البرابرة" Barbaros كما كانت اليونان والرومان تقول.]
نقول: أنه لو صحت هذه الاشتقاقات لم يلزم عنها أن مصدر المفهوم (الأمة/العامة) ارتبط في الأصل بفلك بني إسرائيل. فهذه النظرة الدونية ظاهرة طبيعية في الحضارات الكبرى لغيرهم ممن هم دونهم في المرتبة الحضارية. فهذا فرعون كان يعامل بني إسرائيل أنفسهم بهذه النظرة الدونية، ويستعبدهم في نفس هذا الإطار المفهومي التحقيري، فكيف نفسرها إذاً قبل تشكُّل بني إسرائيل المزعوم بأنهم الشعب المختار لو صدق القائل أعلى؟! أما عن هذه الاشتقاقات، فإنها تُزَكّي الالتقاء الدلالي بين "الأمي" و"العامي" أكثر مما تُزكّي أن كل منهما صفة تحقير. وهذا يبعد بـ "الأمية" عن أن تكون صفة جنس دون غيره، لأن هذه الصفة لا يخلو منها جنس من الناس بما في ذلك اليهود، ودليل ذلك أن القرآن سمّى (من اليهود من لا يعلمون الكتاب إلا أماني) بأنهم "أمِّيون" حين قال تعالى "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ"(البقرة:78)، أي: من عوام اليهود، ومن ثم فالأقرب أن "الأمية" تشير إلى صفة تظهر في كل عرق من الناس، وقد تتفشَّى في بعض الأعراق أكثر من غيرها، ولا تشير إلى عرق بعينه.
(5) أما صاحب العالمية الإسلامية الثانية، فله قولٌ شبيهٌ بما قاله كل من الجابري ولويس عوض، غير أن تحليلاته جاءت أشد عمقاً وشروداً، يقول[24]: [
1- الأمية لا تعني (غير الكاتب)، ولكنها تعني (غير الكتابي)
2- القرآن لا يشير إلى تلك الحقبة السابقة على الإسلام بوصفها جاهلية، وإنما بوصفها (أمية)، وذلك حين يتجه الخطاب القرآني للمقابلة بين من سبق أن تنزل عليهم الكتاب، وهم اليهود، وبين الذين لم يتنزل عليهم الكتاب وهم الأميون وليس الجاهليين: "فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا.."(آل عمران:20).
3- في سورة الجمعة يحدد الله - سبحانه – فئتين من الأميين (غير الكتابيين)، فئة تنزَّل عليها القرآن وانبعث النبي الأمي من بينها، ثم فئة أخرى لم تلحق بالفئة الأولى بعد ولكنها لاحقة، ثم يقابل الله بين فئتي الأميين والكتابيين اليهود الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها. ...
4- وتعميقاً لهذه الدلالة اللغوية المعرفية في لسان القرآن نجد أن الله - سبحانه – يطلق على الفئة الضالة من اليهود الذين يكتبون ويقرأون، صفة (أميين)، لتقرير أنهم لا يفهمون التوراة ويزيفون معانيها ويدسون عليها من كتاباتهم: "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ.."(البقرة:78-79)
فهؤلاء الأميون اليهود – يكتبون الكتاب بأيديهم – و – فويل لهم مما كتبت أيديهم، فهم أميون لأنهم (لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون). فصفة الأمّي تنطبق على من يجهل كِتابَه ويأخذه بالظن والأماني وليس الأمي من يجهل الكتابة.
5- أشكلت هذه المعاني على كثير من المفسرين، وجنح الفكر... فدرج الناس على تعريف الكتاتيب حيث يتعلم الأطفال  الخط بمدارس (محو الأمية)، ومحو الأمية تعني الإيمان بكتاب الله وتصديقه.
6- نُسبت أقوال إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقلها مثل: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)، فكيف كتب الوحي القرآني وهم لا يكتبون؟ وكيف كتبت المعلقات الشعرية وعُلِّقت في الكعبة وهم لا يكتبون؟ وكيف حسبوا تجارة الصيف والشتاء وهم لا يحسبون؟ ومن أين جاءت وكيف تطورت الأبجدية العربية وهم لا يَخطّون؟  وبأي خط كتب الرسول رسائله إلى عظماء الروم والفرس؟ وبأي خط صيغت صحيفة المدينة؟ وبأي خط كتبت معاهدة الحديبية؟ والرسائل إلى ولاة الأمصار ومناطق الثغور؟ ... ومع ذلك وُثَّقت معظم مراجع اللغة العربية هذا الخلط ... – لسان العرب – و"الأمي: الذي لا يكتب، قال الزجاج: الأمي الذي على خلقة الأمة لم يتعلم الكتابة، فهو على جبلته ... قال أبو إسحاق: معنى الأمي المنسوب إلى ما عليه جبلته أمه أي لا يكتب."
7- [هذه الأمة (الأمة القطب) أو (أمة الأمم) تَحقَّق في انطلاقتها الأولى ذلك الانتشار الذي أنقذ الإنسان من أمِّيته وأخرجه من إحيائيته، وأطلقه من عقال شركه، ليكون الناس جميعاً بمستوى واحد (أهل كتاب) ولكن هذه المرة سيكون (الكتاب الأخير المستوعب لتراث النبوات)][25].
ويقول أيضاً:
8- [العالمية الإسلامية الثانية تعبير عن دلالة الكتاب (التاريخي)، حيث يطرح تنامي الدورات الدينية ضمن أربع مراحل، بداية بالدورة العائلية (آدم) ثم الدورة القبلية (بنو إسرائيل) ثم الدورة الأمية (العالمية الإسلامية الأولى) التي شملت غير الكتابيين ما بين المحيطين ... ثم الدورة العالمية الشاملة (العالمية الإسلامية الثانية) حيث يظهر الهدى ودين الحق على مستوى العالم كله فيستوعب ويتجاوز كافة الأنساق الحضارية والدينية والمناهج المعرفية لما تبقى من الشعوب الأمية غير الكتابية وتلك الكتابية.][26].
ويقول:
9- [مفهومنا لهذه الدورات الحضارية الدينية ... يقوم على (التدافع) بين هذه الحالات وحالات أخرى نقيضة لها ومماثلة لها من جنسها:
·        ففي مقابل إبليس كان هناك آدم،
·        وفي مقابل فرعون وقومه كان هناك موسى وقومه،
·        وفي مقابل الأمية الرومانية ذات الجذور الهلينية وإن اتخذت المسيحية بشكل معين، وكذلك مماثلها الأمي الفارسي، كانت هناك عالمية الأميين الإسلامية الأولى،
·        وفي مقابل الحضارية الوضعية العالمية الراهنة والتي تنطلق من المركزية الغربية أو العولمة الأمريكية هناك عالمية الإسلام الشاملة أيضاً والتي ستليها بإذن الله][27].
ويقول طه جابر العلواني مؤيداً رأي صاحب العالمية الإسلامية الثانية في معنى الأمية[28]: [إندمج العربي بالفتح في الإطار الجغرافي البشري للعالمية الإسلامية الأولى التي ضمت في داخلها معظم الشعوب (غير الكتابية) وتحقق قول الله جل شأنه: " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ"(الجمعة:2-4)].
نقول: تصب كل هذه الأقوال مفهوم "الأمية" في دائرة (غير أهل الكتاب من اليهود والنصارى). غير أنها لا تقيم حجة، ولا تدفع شبهة. إن المنطقة التي شملها الإسلام ودخل الناس فيها في دين الله أفواجاً لم تكن عديمة الثقافة أبداً، بل إنها شملت الميراث الحضاري الحقيقي من حضارة ما بين النهرين إلى السومريين إلى الفينيقيين والأكاديين ومرورا بالحضارة المصرية ووصولا إلى حضارة قرطاجنة التي غزت أوربا في عقر دارها من جهة شبه جزيرة أيبريا وهددت كيان روما ذاتها، غير أنه حال بينها بين تحقيق ذلك جبال الألب. إن هذه الحضارات وإنتاجها الفكري في أمور الدنيا هو الذي اقتاتت عليه وما زالت الحضارة الحديثة وربيبتها اليونانية. وأينما تذهب في تاريخ العلوم تجد أن جميع المسارات تقودك إلى نبع هنا أو هناك في تلك المنطقة الممتدة! ... فكيف توصف بأنها جمع من الأميين؟!. هل أصبحت عائلة واحدة هي بني إسرائيل هي المركز وإليها يُنسب باقي الأمم. لو كان هذا صحيح لكان الاشتقاق الصحيح هو (الأممية) وليس (الأمية)، ولكان من يُنسب إليها يسمّى (أممي) وليس (أمي). لهذا السبب سعى لويس عوض – كما رأينا أعلى - إلى قطع الطريق على هذا الاشتقاق بحجة أنه غير صحيح في اللغة العربية، وقد فندنا كلامه في شأن هذا الاشتقاق في الحاشية باستدلالات موثقة.
وإذا كانت المنطقة التي ستصبح أسلامية هي منطقة الأميين، وإذا كانت الأمية تعني غير أهل الكتاب، فكيف يتم قبول ذلك وكانت المنطقة في الشام والعراق والحبشة، بل ونجران في جزيرة العرب، تعج بالنصاري، وفي مصر بالأقباط؟! فهم حسب التعريف ليسوا أميين، فكيف يقال أنهم شعوب غير كتابية، ومن ثم أنهم "الأميون" الذين انتشر الإسلام فيهم؟!
أما عن إنكار صاحب العالمية الإسلامية لحديث صحيح كما رأينا (رقم 6 أعلى، في ترتيب أقواله) وقوله: [نُسبت أقوال إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقلها مثل: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب)] فهذا رأي فاضح قادح! ولا ندري بأي وجه يرُد حديثاً صحيحاً – وقد صحَّحه الألباني - لمجرد أنه ليس على غير وفاقٍ مع تفسيره الواهن! ولو أنه ضعَّف الحديث، لكان أخف وطأة، أمّا أن يقول: "لم يقل الرسول ذلك"، فهذا ما لا يمكن قبوله، ونسأل الله تعالى أن يغفر له.
(6) أما إبراهيم أنيس، فقد كان أكثر اقتراباً من الإنصاف في معنى الأمية، فنجده يقول[29] : "يبدو أن كلمة (الأمي) من الكلمات التي لم تكن شائعة في الاستعمال قبل الإسلام، فلا نعرف لها نصاً صحيحاً من نصوص الأدب الجاهلي، ولا نعرف أن العرب قد اشتقُّوا لها فعلاً، أو غيره من أنواع المشتقات. .. ومهما يكن من أصل هذه الكلمة، فالذي يبدو من استعمالها القرآني أنها وصف لا يراد به الحط من شأن الموصوف، أو الانتقاص من قدره، بل يوصف به من ليس من أهل الكتاب، سواء كان يقرأ ويكتب، أو ممن لا يقرأون ولا يكتبون. ففي قوله تعالى " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ "(الأعراف:157) وقوله "فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ "(الأعراف: 158) يدعو سبحانه أهل الكتاب من بني إسرائيل أن يؤمنوا بذلك الرسول الذي ليس منهم، والذي ورد ذكره في كتبهم."
نلاحظ أن ابراهيم أنيس توقف في تعيين معنى الأمية بين القولين: (من ليس من أهل الكتاب)، و(من لا يقرأ ولا يكتب)، وقال أن المعنى هذا أو ذاك، وهذا إنصاف منه، لأن استبعاد أحد المعنيين لا بد له من قرينة، ولأنه لم يجد هذه القرينة الحاسمة فقد توقف. وهذا أمرٌ يَسلَم له.
أما ما لا يَسلَم له من النقد، فهو أنه أتي بقوله تعالى " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ " وأفاد بأن هذا الوصف (الأمي) للنبي صلى الله عليه وسلم دلالة لبني إسرائيل على أنه ليس منهم، وأنه الذي ورد ذكره في كتبهم. غير أن قول الله تعالى " النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ " مستقلاً، لا يفيد بالضرورة أنه صلى الله عليه وسلم ليس من أهل الكتاب، حتى وإن ذلك صحيحاً، دون المعنى الثاني الذي هو عدم القراءة والكتابة، فترجيح المعنى الأول يحتاج إلى دليل منفصل من خارج الآيات إذا لم يتيسر منها. أما الإفادة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم "هو الذي ورد ذكره في كتبهم" فهذا لا يشتق من ذلك الجزء من الآية التي ذكرها، وإنما من تكملتها التي أسقطها، حيث أن نص الآية هو: " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ"، ومن ثم فكونه هو الذي جاء ذكره في كتبهم أمر صريح في الآية، ولا يتطلب عليه أي استدلال من لفظ "الأمي"، أما إن كان يقصد أنه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل أنه "النبي الأمي" هكذا بالتصريح، فهذا غير ضروري من الآية، ومن ثمّ، لا يُبنى عليه دليل يقول أنهم يعلمون أنه "أمّي" بالتصريح اللفظي، بمعنى أنه من غيرهم. هذا، ومن جهة ثانية، ففي التوراة حسب ما نعلم، أنه جاء (أن النبي صلى الله عليه وسلم من أبناء إسماعيل، أبناء عمومة بني إسرائيل، إخوانهم في دين إبراهيم their Brethren، وأنه سيواجه مثل ما واجه موسى فيكون مثل موسى في أشياء كثيرة، وأن الله تعالى سيضع كلامه في فمه، وأنهم يجب أن يسمعوا له)[30]، ومن ثم فهو من غيرهم من هذه الجهة، وليس من جهة التصريح بأنه "أمّي"، ما لم يثبت ذلك من جهة أخرى لا نعلمها[31].
أما قوله تعالى " فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ " فلا يستقيم سياقها مع تخصيصها لأهل الكتاب، إذ لو أتينا بالآية على تمامها سنقرأ "قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"، ومن ثم فهي خطاب للناس جميعاً، ولا محل لتخصيص وصف (الأمي) هنا لتفيد (الذي من غير أهل الكتاب).

تأكيد الأزمة الفكرية في مفهوم الأمية

تؤكد الأقوال السابقة وجود أزمة حقيقية في وعينا بمفهوم "الأمية"، وقد خاض في هذه المسألة الحرجة العديد من الباحثين، بما لا نستطيع معه حصراً لهم ولا لأقوالهم جميعاً، غير أن البعض يغني عن الكل في تأكيد الأزمة وحاجتها لمعالجة جديدة. ونتساءل: هل يكمن السبب في آليات البحث العلمي الاجتهادي؟ ... لنلقي نظرة على ذلك:

هل تكمن الأزمة الحقيقية في منهجيات البحث العلمي الاجتهادي؟أولاً: في التعليل الفقهي:

نقول أنه: ليس الباحث العلمي المقبول عمله، بمخترع أسماء لم يكن لها في قلب موضوعه البحثي معاني مستبطنة، ومن يفعل ذلك فقد أتى بأسماء لم يُنزل الله تعالى بها من سلطان. كما أنه ليس بمُسمِّي الأشياءَ بغير أسمائها، وإن فعل، فقد ألبس على الناس دينهم، ونقل الأحكام إلى غير مظانّها.
أما المهمة الحقيقية للباحث المجتهد، فهي تحقيق ما أُثر عن معنى العلم وفحواه، من أنه[32]: [التفريق بين المختلفات والمساواة بين المتماثلات]. أي: تفكيك المعاني فتتميز المختلفات منها، ثم التسوية بين المتماثلات منها في علل الأحكام، (و"التسمية" من الأحكام اللُّغوية)؛ ومن ثم يُحمَل الاسم على متعلَّقه بعد التأكد من تحقق علته، فيلتزم الحكم الفقهي الشرعي بِمُسَّماه على وجه صريح، دون التباس ولا اندراس، ومن ثم: دون تبديل ولا تعطيل.
ويَكمُن هذا الكنز العلمي في طريقة الأصوليين في استنباط الأحكام، فحيثما يعثر الباحث (الفقيه) على علة الحكم (بسيطة كانت أو مركبة، بعد استيفاء مناطها من تخريج وتنقيح وتحقيق)، يقتنصها ويعتبرها فيما يظهر له في مسائل أخرى مطلوب استخراج حكمها، وهذا هو مرجع قولهم: "الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً".
والخطر كل الخطر أن يقرن الباحث الحكم بعلة غير صحيحة، أو غير مستوفاة لأركانها. أما الطامة الكبرى، فهي أن يلجأ الباحث إلى هذا المنهج (والمشهور بالقياس الفقهي) – بعدما يجد أن العلّة غير متحققه بظنه في المسألة التي يراد لها الحكم، رغم أنها "نصٌّ" لا يتطلب الامتثال له تعيُّن عِلَّتِه - فيرُد بفعله ذلك نصّاً لله تعالى، أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكأنه لم يكن. ومعلومٌ أن القياس الفقهي ليس إلا وسيلة لتمديد الأحكام لما لم يأتنا فيه نص، أما مع ورود النص في المسألة، فلا قياس ولا استنباط، وهذا هو المقصد من قولهم: "لا اجتهاد مع "النص".
ومن الأمثلة الفاضحة في اللجوء إلى القياس مع ورود النص امتناع إبليس عن الامتثال للنص الإلهي بالسجود لآدم كما سجدت الملائكة، ثم اللجوء إلى القياس بعلة خاطئة، وهي أنه خُلق من نار وليس من طين كآدم، ثم قيامه باقتران العلة مع مبدأ وضعه من عند نفسه وهي أن النار أفضل من الطين، فالحكم عندئذ – كما ظن - أنه لا ينبغي له أن يسجد لآدم! ومن يلجأ إلى تقديم القياس على "النص" مع علمه بِنَصّية النص، يقع دائماً في ما وقع فيه إبليس من مراجعة على أمر الله تعالى، علام الغيوب والسرائر، تعالى قدره وتقدس في علاه عما يهزي الغافلون ويظن الظانّون ويعاند المعاندون.
وقد يَرِد "النص" مع العلة، فيظن ظانُّ بأن الغرض هو التعريف بالعلة دون الامتثال للنص كما هو الحال مع غياب التصريح بالعلة، فيُهمل النص حيثما ورد، ويلجأ إلى العلة حتى في عين المسألة التي ورد معها النص. ومثال ذلك ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "[عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين.][33]. فجاء النص: "الشهر هكذا وهكذا..." وجاءت العلة: " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ". فكان إهمال بعض المُنظّرين في ذلك "النص"، وتعليقه بالعلة. رغم أن فائدة العلة عند القياس في غياب نص، لا عند الامتثال للنص، والذي هو أولوية مطلقة، وخاصة إذا ترافق معه نصوص حديثية شارحة لا تترك مجالاً للاختيار مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"[34]، وهو يشرح كيفية المعالجة التفصيلية للاختيار بين التسع والعشرين أو الثلاثين، ومعلوم عند الأصوليين أن صيغة النهي "لا تصوموا" للتحريم (وهنا: في ما عدا الرؤية من استدلالات على دخول الشهر). فكيف يمكن تبرير اللجوء للقياس إذا ورد "النص" بهذا الوضوح؟!
هذا هو موطن الطامة الكبرى التي تتعلق بها مسألتنا. وهي أن تحكيم معنى الأمية بأنها "عدم الكتابة والحساب"، وأنها علة ضرورة الرؤية العيانية للهلال بدخول الشهر، ثم تحكيم هذه العلة مع ورود النص. كل هذا أفضى إلى طرح الرؤية وإبطال حكم فقهي لا سبيل لإبطاله مع ورود النص. ونُميِّز هذا الداء في قَصْر معنى "الأمية" على "عدم القراءة والكتابة" بأنه تخصيص عام بما لا مخصص له فيما نعلم. وسنزيد هذا الأمر وضوحاً فيما يلي.

ثانياً: في التحقيق اللغوي،هل "الأمية" لفظ من ألفاظ "الوجوه"، غفل عنه الباحثون؟!

قادنا اجتهادنا – الذي نأمل فيه الإصابة بإذن الله تعالى – إلى أن لفظ "الأمية" في القرآن الكريم، من ألفاظ الوجوه، (وهي التي يتناولها علم "الوجوه والنظائر")، ومعنى ذلك، أن معناه يعتمد على السياق، وأنه لا يجوز أن نُخَصِّص له معنىً فريداً صريحاً واحداً ونستبدل به لفظ "الأمية" أو اشتقاقها حيثما يرد في القرآن، كما فعل الجابري.
وإذا تابعنا هذا الخط الفكري، سنجد أن الارتباك والحرج والأزمة التي شرحنا معالمها، وسُقنا الشواهد على وجودها في معنى "الأمية"، سرعان ما تنحل عُراها. ويجدر بنا أن نمهد لمعنى الوجوه لمن لم يتعرض لها، فيمنعه ذلك من متابعتنا.
ما هي ألفاظ الوجوه ؟
ليكن تعريفنا لألفاظ "الوجوه" بالمثال، فتتضح معه الصورة سريعاً، بدلا عن "الحد الجامع المانع" الذي هو من آلات المتخصصين، ومن صناعة المُنَظِّرين[35].
جاء لفظ "حِجاب" في القرآن الكريم، وهو من ألفاظ الوجوه، على عدة معاني، أي "وجوه" يؤول إليها اللفظ في سياقه، وذلك كالآتي[36]: (اللفظ المثال هو : "حجاب" أو ما اشتق منه)
1- الحجاب يعني الجبل، في قوله تعالى " حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ "(ص: 32). (في حاشية المحقق بتصُّرُف: إذا كان الضمير للشمس، فالحجاب هو الأفق، أما إذا كان للخيل فيرجع إلى الاستتار عن العين، وهو الوجه الثاني).
2- الحجاب يعني الساتر في قوله تعالى " وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ "(الأحزاب: 53)، وقوله تعالى " اتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا "(مريم: 17).
3- الحجاب المضمر في قوله تعالى " كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ "(المطففين: 15) هو أفة مانعة، كالذنوب.
4- الحجاب هو السور، في قوله تعالى " وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ "(الأعراف: 46)
ونصل من ذلك إلى أن لفظ "حجاب" له (في القرآن) أربعة أو خمسة وجوه، هي: (جبل، أفق، ساتر، آفة، سور).
وكثير جداً من ألفاظ القرآن ذات وجوه، ويتعين وجهها في كل موضع أتت فيه بتأثير السياق، فيبرز لها وجهٌ دون غيره. فإذا أخذنا مثال آخر، وليكن لفظ "حبل"، لوجدنا أن وجوهه هي[37]: (العهد، القرآن، الإسلام، الرسن). ولكن ما هو السياق؟
السياق في تعريف ابن القيم:
يقول ابن القيم[38]: [السياق يُرشِد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره، وغالط في مناظرته. فانظر إلى قول الله تعالى " ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ "(الدخان:49)، كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير.][39].
وعلى هذا المنوال (أي: تتبع الوجوه الناتجة عن تغير السياقات) سنسعى إلى التحقيق في لفظ "الأمية" لتعيين السياقات المختلفة التي أتى فيها، ومن ثم وجه المعنى الذي يُلائمه.

الوجه الأول: حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب":

بدا لكل من هب منافحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمة الإسلامية، أن الرسول صلى الله عليه وسلم يصف في هذا الحديث أُمَّته[40]. وذلك من قبيل وصف الواصف: نحن العرب أهل الفصاحة، إنا العرب أهل النشامة، ... ، وهكذا. غير أن السياق هنا مختلف عن ذلك. ولفهمه كما ينبغي نقرن هذا الحديث بحديث آخر جاء فيه: [عن حذيفة- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لقيت جبريل- عليه السلام- عند أحجار المري فقال: ياجبريل إني أرسلت إلى أمة أمية: الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ العامي الذي لم يقرأ كتابًا قط. قال: يا محمد! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف][41]. يريد الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك التيسير على أمته وخاصة أنها تشمل هذه الفئات التي ذكرها، والإشارة إلى صفة الأمية، إشارة إلى أن خطاب التبليغ والتكليف يناسبه الخطاب العام الذي يناسب هذه الفئات المذكورة، لذا جاء رد جبريل عليه السلام بأن القرآن قد أنزل على سبعة أحرف، أي سبعة قراءات درءاً للحرج في صعوبة تعلم هذه الفئات قراءة كتاب ربها على غير لغتها (أي لهجتها)، ومن وراء ذلك دين الله تعالى الذي أنزل للناس جميعاً، أي مُجمل عقائده وعباداته.
ونفس الشيء يقال في حديث "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، فالسياق إنما كان في تعليم الرسول صلى الله عليه وسلك المسلمين علامة دخول الشهر، ولأن العبادات مفروضة على كل مسلم، فيجب أن يعلم المسلم صراحةً كيف يفي بأحكامها ويلتزم بأدائها دون وصاية ولا وساطة ولا رطانة مستغربة، ولأن الأمة فيها تلك الفئات المذكورة في حديث "السبعة أحرف"، فحكم تيسير معرفة دخول الشهر – التي هي الرؤية الصريحة - يجب أن يشملهم أيضاً، وإلا كان الحرج، وهو ما رفعه الله تعالى عن أمته، بقوله تعالى "وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"(الحج: 78). لذا فالمراد بقوله صلى الله عليه وسلك "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب": أي أن خطاب التكاليف العبادية لكل مَنْ ينتسب لهذه الأمة يجب أن يناسب كل فئاتها دون استثناء، ومن ثم يجب أن يناسب أقل هذه الفئات ثقافة، وهؤلاء هم الأميين. أي أن الأرضية التعليمية يجب أن تكون أمية، وهذا هو المقصد من السياق، ولا غرابة فيه، ويشمل ذلك قراءة القرآن والصلاة والصوم والحج والذكر والدعاء، وخطبة الجمعة التي يجب أن تكون أمية (أي عامّة). ومَنْ منا يُنكر أن الخطيب إذا قعر كلامه باصطلاحات لا يعرفها إلا أهل الاختصاصات كان معيبا في خطبته لعوام الناس؟! بل ومُنكراً عليه فعله بلا خلاف؟ ألا يكون أصل الدين وتعلمه كذلك؟ ومن ينكر أيضاً أن يكون الدين "بياناً" أي وضوحاً وجلاءاً. ومن ثم، فالسياق الذي جاء فيه "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" سياق حذف، مفهوم لأهل الحس اللغوي، ويجب تقديره ذهنياً، وهو "في أمر العبادات التي تعم جميع المسلمين". وهذا هو ما أراده الشاطبي في الموافقات حين قال[42]: [هذه الشريعة المباركة أمية؛ لأن أهلها (يقصد في عمومهم) كذلك، فهو أجري على اعتبار المصالح].
إذا ظهر هذا المعنى جلياً، فيجب أن نعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلك لم يُرِد بقوله: "إنا أمة أمية" أنّ حَدّ (أي تعريف) ثقافة الأمة الإسلامية هي (الأمية)، بل أراد أننا أهل يُسْرِ وتيسير في ديننا حتى جعل الله تعالى تعليم الأركان العبادية لهذا الدين للناس كافة كإروائهم الماء الفرات لا تكلُّف فيه ولا مشقة. ومعلوم أن الماء يتم هضمه مباشرةً حال شربه دون تمثيل غذائي، بخلاف أي شراب غيره، ومن وراءه أي غذاء. فكذلك الدين. فأي نقيصة في ذلك. وأي نقيصة في تعليم الناس أيسر السبل والكلام واللغات وباقي ضرورات الحياة؟ بل إن الظواهر الطبيعية تتبع هذا القانون دائماً حتى أصبح عماد علم الميكانيكا هو قانون الفعل الأدني[43] Principle of Least Action. والذي فيه تتخذ عناصر الظاهرة المسارات التي تحقق لها الجهد الأدنى على الإطلاق. ومن هذا القانون يمكن اشتقاق كل القوانين الحركية الأخرى، مهما كان تعقيدها. ويُسمى كامل النظام الميكانيكي باسم هذه الطريقة لأنها الأفضل، أي "ميكانيكا لاجرانج"[44] Lagrangian Mechanics. وهذا هو الاسم التِقَنِي لما يشيع بين المتخصصين باسم "الميكانيكا الكلاسيكية"، بل إنه أصبح النموذج المحتفى به، وجرت محاولات عدة لاستنساخه في أنواع مستحدثة من الميكانيكا. فهل يعيب علوم الرياضيات الكونية أنها "رياضيات أمية"، أقصد أنها قائمة على مبدأ الفعل (الجهد) الأدنى، فعل "الأمية" الطبيعية؟!
وخلاصة هذا الوجه أن المقصود من لفظ "أمة أمية" أنه: لغة الخطاب العام ومستوى التكليف الأيسر الذي يشمل أدنى درجات الأمة ثقافة، لرفع الحرج.

الوجه الثاني: قوله تعالى " هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"(الجمعة: 2):

نلمح في هذا السياق أنه سياق تربوي، يعين الفئة المستهدفة من منتسبيه، وهي على الصراحة "الأميين"، والسؤال هو: من هم الأميين المستهدفين بالرسالة، والمستهدفين أيضاً بعد قبولهم بمنهج التعليم المُبَيَّنة محاوره في نفس السياق (أي: التلاوة، فالتزكية، فتَعلُّم الكتاب، فتَعلُّم الحكمة)؟
ولكي يتضح السؤال، فيسهل عليه الإجابة، نتساءل: ما هي إجازة الانتساب (العلمية /المعرفية /التربوية) لدين الإسلام؟
قد يستغرب القارئ سؤالنا هذا، ولكنه - لو أعاد النظر في قراءته – سيجده سؤالاً وجيهاً إلى حدٍّ بعيد. أليس القبول في أي مدرسة فكرية /تربوية /عقدية مشروط بمتطلبات معرفية دُنيا Pre-Requisites يجب على المتقدم الوفاء بها؟!
وما أسرع ما يجيب المتعجل على أن شرط القبول ليس إلا النطق بالشهادة. ورغم أن هذا صحيح من الناحية الآلية، إلا أنه فاقد لروح الإجابة. فليس كل مُقْدِم على النطق بالشهادة يستطيعها! ويمكن لمن أراد، أن ينطقها خوفاً أو اتقاءاً، ويعلم الله تعالى وحده عندئذ صدقها من كذبها. ألم ينطق بها فرعون حين أدركه الغرق، قال تعالى "حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ"(يونس:90)، ألم يدّعيها نابليون بونابرت حين أراد اتقاء مقاومة المصريين له وتظاهر بالإسلام[45] ،[46].
ولماذا نذهب بعيداً، ولنتذكر: ما هي إجابة رسل الإسلام إلى ملوك الأرض حينما سُئلوا عن الإسلام إلى ماذا يدعوا وكيف الدخول فيه؟! هل أجابوا بأن الإسلام هو الأركان الخمسة، وأن الدخول فيه يكون بنطق الشهادة؟! لا لم يفعلوا، ... لماذا؟ .... لأن صحابة رسول الله – وتلامذته - صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، كانوا يعلمون الفرق بين التعريف الآلي، والتعريف الحقيقي الكاشف عن روح السؤال.
وسؤالنا: ما هي المتطلبات المعرفية  pre-requisites للدخول في الإسلام، التي إن توفرت في نفس المرء وأراد الدخول في الإسلام، انساب الإيمان إلى نفسه كانسياب الماء في جداوله.
الإجابة هي: الأميّة  ( والأمية، أمية زمنية: أي صغر السن، وقرب المرء من أمه، ومن ثمّ براءته من آثام الدنيا) و(أمية تصورية، أي عدم تشوش أفكاره التي ربَّته أمُّه عليها في نشأته الفطرية، عن المذهبيات والاعتقادات الفاسدة)، وهذه وتلك تجتمع تحت لواء "الفطرة".
أمّا لو ربته أمه على اعتقادات فاسدة، فهو ليس بـ "أمّي"، ويظل أميّاً فقط لو بقى على الفطرة التي خرج عليها من بطن أمه، دون تعلم ثقافة خاصة من ثقافات البشر حتى لو كانت من أمه. وهذا هو مقصد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"[47]، فالأمية إذاً: هي الحالة المعرفية القرينة بالفطرة الصحيحة. ومن هنا كان الإسلام دين الفطرة، ودين الأميين.
نعم؛ الأمية ليست إلا إجازة الانتساب الضمنية إلى أمة الإسلام. فهي الصفة الطابعة في قلب المسلم لقبوله المعرفي في جامعة القرآن والسنة مع النطق بالشهادتين، والتي معلمها الأول وباني قواعدها بهدى الوحي ورسالة الله سبحانه وتعالى هو محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم رسوله ونبيه، ولغة التعليم العام في هذه الجامعة هي لغة الأمي البسيط؛ العجوز والشيخ والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قط، كما أكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه الذي أشرنا إليه سابقاً (حديث الأحرف السبعة).
ولم يكتب الرسول صلى الله عليه وسلم على باب الدخول إلى هذه الجامعة الإنسانية والعلمية الكبرى شيئاً من قبيل ما قيل أنه كُتب على بوابة أكاديمية أفلاطون (427-347 ق.م.) في أثينا، "لا يدخلن إمرؤ لا يعرف الهندسة"[48]، فكان الشرط الضروري – والضمني في الحقيقة - للانتساب إلى أكاديميته تلك، هو معرفة الهندسة – أي الرياضيات في قالبها اليوناني القديم - ذلك القالب الذي نقله فيثاغورث (570-495 ق.م.) عن كهنة المعابد المصرية القديمة بعدما وقف على أبوابها عشرين عاماً حتى أُذن له بالدخول![49]،[50]،[51].
وفيما نحن بصدده عن "الأمية"، نجد أن هناك فرقاً شاسعاً لا ينكره إلا جاهل بين إجازة القبول المعرفي كلغة للخطاب التكليفي العام للمنتسبين إلى هذا الدين البسيط، أي "الأمية" بمعناها الجميل، وبين شهادات الترقي فيه لمن وضعت له الملائكة أجنحتها في سعيه لطلب العلم. وهل ينكر عاقل الفرق بين متطلبات التسجيل لجامعة من الجامعات ولغة الخطاب الأولى لطلابها في سنينهم الدراسية الإعدادية من جهة، وبين شهادات التخرج منها والإجازات العلمية التي تمنحها لاحقاً للمتميزين في سلكها التعليمي كُلٌّ بحَسَبِه؟! ... وإن لم يكن من فرق، فأي جدوى من إنشاء ووجود تلك الجامعة أو الهيئة التعليمية؟!
وإذا قيل أن هناك هيئة تعليمية تقبل منتسبيها من أول مراحل التعليم وتصل بمن تأهل منهم إلى أعلى الخبرات والشهادات، فهل يعيبها أن توصف بأنها هيئة تعليمية أمِّية، باعتبارها دلالة على متطلبات الانتساب والصفة الغالبة على عوامهم وبُسطائهم ؟!
وإذا كانت أنظمة الخطاب في هذه الهيئة قد وُضعت للتخاطب مع كل الفئات المنتسبة، أفلا تكون بسيطة إلى الدرجة التي يعيها كل المنتسبين بمن فيهم أقلهم حظاً – وهم الداخلون لتوّهم - في بساطة النصوص والإرشادات والتعميمات والتوجيهات، وخلوِّها من تعقيدات المتخصصين،... إنها إذاً أنظمة أمِّية.
أوَليست أنظمة المرور في كل بلاد العالم قد وُضعت ليعيها كل أنسان قائد سيارة أو مُترجِّل؟ - بلى إنها كذلك، ولَإن كانت بشيء من التعقيد الذي يتطلب دراسة جامعية مثلاً لحُرم شطر كبير من الناس في أشد بلاد العالم تحضراً من التعامل معها ومن ثم حرمانهم من فائدتها؛ لذا فأنظمة المرور أنظمة أمِّية، سواء حمل المرء المتبع لها أعلى الشهادات والخبرات العلمية أو كان ساذجاً بسيطا لا حظ له في القراءة والكتابة.
إن من يفهم قول الله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ"، ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنا أمة أمية" على غير هذا المحمل، ويخلط بين متطلبات الخطاب العام للمسلمين، التي هي "الأمية" بمعناها الحقيقي المراد من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين مشاريع هذه الأمة وبرامجها التعليمية للارتقاء الإنساني وتحقيق مراد الله في الأرض من استخلافه وتسخير الكون له، إنما يفهم "الأمية" على غير معناها. وهذا صحيح سواء ورد هذا اللفظ ومشتقاته في كتاب الله تعالى أو في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. ومثل هذا الفهم كمثل من يساوي بين المنتسبين الجدد لجامعة من الجامعات وبين خريجيها. فأي وظيفة للجامعة تؤديها إذا انتهت بما بدأت به؟! وأي فَهْمٍ هذا الذي يساوي بين خطاب الجامعة لطلبتها في مرحلة الإعداد، وخريجيها في مراحل التأهُّل، وباحثيها وعلمائها في مرحلة الاستثمار العلمي؟! .... أمّا إذا كان الخطاب عاماً للجميع، فأي غرابة أن يكون على مستوى أدناهم؟!
إن ما يؤسَف له أن هناك من المعاصرين من قرن "الأميّة" بالضلال والظلامية، فقال[52]: [المعنى العام (للأمية) يعني الجهل والضلالة والظلام]. رغم أن صفة "الأمية" تطغى حيثما تقل المعرفة النظامية بغض النظر عن الجنس والعرق والمذهب والديانة. فإذا طغت على أي فئة من الناس أصبحوا أميين. وهذا يشمل أهل الكتاب أنفسهم. وحيثما تتعاظم المعرفة النظامية لدى أفراد أي فئة من الناس تتراجع فيهم صفة "الأمية"، وذلك هو المعنى الآلي لها، أي المؤشر[53] indicator على مستوى النظام التعليمي. ومن ثم فـ "الأميين" مرحلة القبول الأولى في النظام التعليمي.
وبهذا التصور يمكن فهم العلاقة بين "الأمية" من جهة و"الكتابة والحساب" من الجهة الأخرى. فالمعرفة النظامية تتطلب بالضرورة تعلُّم الكتابة والحساب. فـلفظ  "الأمي" لا يكافئ "من لا يتعلم الكتابة والحساب"، ولكنهما صفتان، أحدهما وصفية والآخرى آلية، وتتطرد الصفتان معاً بالمعنى الإحصائي، أي أنهما مرتبطان correlated، فتخفت درجة الأمية الآلية بالتعلم النظامي، لكنهما غير متكافئتين. ولكن المعنى التربوي – وهو معنى فاضل - مستقل عن ذلك، وعن هذا المعنى سنلقي الضوء في الفقرة التالية:

المعنى التربوي الفاضل في "الأمي":

يكتسي أصحاب "الأمية" بساطة وسذاجة وعفوية وفراغ من التصورات الذهنية المُركّبة، والمذهبيات ذات العصبيات، وتَمَثُّل أصحابُها الشخصيات العلمية المنمّقة، أصحاب البرهانيات، والاستدلالات، والمنطقيات، والجدل، والتفيهق، والسفسطة، وكل ذلك وأمثاله يتشكل بالقراءة والكتابة والنظر في الكتب، والتشكل الفكري بما تلقيه في روع القارئ والدارس بوعي منه أو بلا وعي. وبإرادة منه أو بلا إرادة. غير أن الأمي هو من لا يحمل هذه الصفات التي صنعتها القراءة والكتابة والحساب، وليس من لا يمارس هذه المهارات من كتابة وحساب على التخصيص. فإن برأ المرء من رديء هذه الصفات مع تعلمه الكتابة والحساب فقد تجمل بالأميِّة وتحلى بالروِّية وكان لين الشكيمه، وديع النفس، سهل، بسيط، قابل للحق، نابذاً للباطل من أقرب طريق.
وكثيراً ما يفقد المتعلم هذه المعاني الجميلة في الأمية، وللغرابة الشديد، بسبب من التعلم، وهذا ما قصده القرضاوي حين قال[54]: [مع أن الذين يشتغلون بالقضايا العقلية، والمجادلات الكلامية يصابون بجفاف الروح وقسوة القلوب إلا من رحم ربك، فمن القلائل الذين احتفظوا بقلوبهم حية لم تمت، سليمة لم تسقم، صافية لم تشب، إمام الحرمين (الجويني)]، والشاهد في هذا الاقتباس ما لتأثير التعليم من صبغ المتعلم بما يشوش على رؤيته الفطرية ومنطقه السوي المباشر، والذي يتجاهله التعليم، ويصقل الأخرى التي له فيها حرفة. و"الأمية" التي هي المرحلة قبل-التعليمية تتزن فيها قوى العقل والقلب، وتكون أكثر شفافية واتساقاً تجاه ما يسمعه الإنسان بلا تحيز ولا تشويش.
وقد بدا هذا المعنى جلياً في ما وقع في أيدينا من تراث أحد المستشرقين نغبطه على اكتشافه، ونعرضه بنصه في الفقرة التالية:

"فضيلة الأمية"، كما تعرّف عليها لويس ماسينون[55]:

تحت عنوان فرعي "شهادة العامة وشهادة الخاصة"، يقول ماسينون[56]: "أعني بـ (العامة) كل أمّي (illétré) من الأمّة (peuple)، وأعني بـ (الخاصّة) كل مؤدّب (lettré) ( في الحاشية: المؤدب هو المثقف المتعلم). شهادة الأمّي شيء أصح، لأنه يحكي ما يحس بدون إخفاء وبدون قصد، أمّا الأديب فهو صاحب نظريات عقلية يقصد في حكاياته كلها تحقيق ما توهم. النظريات عنده في مقام أرفع من العمليات، والأفكار (idées) أرفع من الأفعال (faits)."
فالأمية ليست الجهل إذاً، وإن لم يحفظ أهلها العلم بعد، وليست الجهالة وإن كان في أصحابها شيء من السذاجة والبراءة. إنها الذكاء الفطري، والحدس التلقائي، والعفوية الندية، مع تفهُّم بسيط لمعنى الحياة بألوانها، والناس بمعادنهم، وعلم فطري لا عصبية فيه، ولا فرح ولا غرور ولا زهو ولا تحيز.

 البرنامج التربوي للأميين الذي يؤهلهم عليماً ويحفظهم على نداوتهم تربوياً

جاء المنهج التربوي الإسلامي ليتسلم "الأميين" على ما جاء وصفهم أعلى – حتى وإن كانوا علماء مهرة قبل ذلك - ويتولى ويصيغ المنهج التعليمي والتربوي تباعاً، وجاء هذا المنهج معتمداً على النصوص الآتية: قوله تعالى (والذي ينص صراحة على "الأميين"): "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"(الجمعة: 2)، ويترافق مع هذه الآية قوله تعالى (وإن لم يرد فيه لفظ "أميين"): "كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ"(البقرة:151)، وقوله تعالى "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ"(آل عمران :164)، وقوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام:"ربنا وابَعَثَ فِيهم رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِك وَيُزَكِّيهِمْ إنك أنت العزيز الحكيم"(البقرة:129)
والمنهج الذي ترسم هذه الآيات معالمه، هو كالآتي:
1- تعليم قراءة القرآن (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ): ونشأ عن ذلك نظام القراء، فكان المسلم في تلك المرحلة إما أمياً أو قارئاً، ويكاد أن يكون هذا هو الوصف الوحيد لـ"الأمي" على سبيل الاصطلاح والتصنيف ضمن منظومة معرفية تربوية[57].
2- التزكية الأخلاقية: (وَيُزَكِّيهِمْ) ومن ذلك أيضاً قول الله تعالى "ويزكيكم"(البقرة:151)، وقوله تعالى: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا"(الشمس:9)، وجاء عن الشيخ محمد الغزالي قوله[58]: "والتزكية، وهي أقرب الكلمات وأدلها على معنى التربية ؛ بل تكاد التزكية والتربية تترادفان في إصلاح النفس، وتهذيب الطباع، وشد الإنسان إلى أعلى كلما حاولت المُثبطات والهواجس أن تُسِفَّ به وتعوجّ".
3- تعليم القراءة والكتابة واللغة والحساب (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ)، والمتدبر لآيات القرآن يجد أن متعلمه سيجيد 14 حرفاً من أبجدية القرآن (الحروف المقطّعة)، وعليه أن يستكمل الباقي، وسيتعلم العمليات الحسابية الأولية من أعداد وكسورها ومضاعفاتها وتقسيمها والجمع والطرح[59]، ومن آيات المواريث سيتعلم ما أصبح يعرف بعلم الجبر. والجدير بالملاحظة أن محمد بن موسى الخوارزمي قد شمل في كتابه الذي أسس هذا العلم وبما شهد له العالم حتى اليوم بلا منافس، لتطبيقه في علم المواريث، وليس أدل على ذلك من أنه شرع في الفصل الأخير من الكتاب في تطبيق قوانين الجبر وطرقه في مسائل علم الوصايا والمواريث، وعلى نحوٍ مُفصَّل استغرق حوالي نصف الكتاب[60].
4- تعليم الفقه والأحكام والقياس (وَالْحِكْمَةَ).
يتبين من ذلك أن مرحلة "الأمي" هي مرحلة القبول في المدرسة الإسلامية، وسواء كان المتقدم للقبول صغير السن أو كبيرا، له خبرة تعليمية سابقة أو لا، غير أن صفته، أي درجته التعليمية أنه "أمَّي" في حكم مدرسة القرآن؛ أي: على الفطرة والنضارة الفكرية. فإن كان ذو خبرات واسعة، فعليه أن يراجعها ويعيد بنائها على ضوء ما سيتعلمه، مثله مثل المبتدئ تماماً، إلا أنه أكثر مراساً لخبرات الحياة الفكرية، ولكن هذا لا يخرجه عن أن يكون أمياً في التقييم التربوي.

النظام التعليمي الإسلامي القائم على المرحلة الأولية "تأهيل الأمية": هو أساس النظام التعليمي العالمي[61]:

المراحل  التعليمية السابق ذكرها شرحاً لأيات القرآن هي التي أُنشئ عليها النظام التعليمي المألوف لنا الآن، فاقرأ إن شئت ما كتبه ابن سينا[62] في تعيين ابتداء التعليم وفن التربية حين قال: [إذا بلغ عمر الطفل ست سنين، يقدم إلى المؤدب والمعلم، ويُدرّج في ذلك، ولا يُجبر بملازمة الكتاب كرةً واحدة.]
وقال أبو بكر ابن العربي[63]، واصفاً التعليم بالمشرق: [للقوم في التعلم سيرة بديعة؛ وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب (وهو إسم آخر مشهور لـ "الكُتَّاب")، فإذا عبر المكتب أخذه بتعليم الخط والحساب والعربية، فإذا حذقه كله أو حذق منه ما قدر له خرج إلى المقرئ فلقنه كتاب الله، فحفظ منه كل يوم ربع حزب، أو نصفه، أو حزبا، حتى إذا حفظ القرآن خرج إلى ما شاء الله من تعليم العلم أو تركه .ومنهم وهم الأكثر من يؤخر حفظ القرآن، ويتعلم الفقه والحديث، وما شاء الله فربما كان إماماً، وهو لا يحفظه، وما رأيت بعيني إماما يحفظ القرآن، ولا رأيت فقيها يحفظه إلا اثنين، ذلك لتعلموا أن المقصود حدوده لا حروفه؛ وعلقت القلوب اليوم بالحروف، وضيعوا الحدود، خلافا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه إنفاذ لقدر الله، وتحقيق لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيين لنبوته، وعضد لمعجزته.]
ولماذا نتأخر حتى ابن سينا وابن العربي، فهؤلاء صحابة رسول الله يحضرون الكُتَّاب يتعلمون الكتابة، ففي "طبقات ابن سعد" عن عثمان ابن عبيد الله قال[64]: [رأيت أبا أسيد (يقصد الساعدي) وأبا هريرة وأبا قتادة وابن عمر يمرون بنا ونحن في الكُتَّاب فنجد منهم ريح العنبر وهو الخلوق ويصفرون به لحاهم]. وقد كان التعليم منتشراً بالمدينة لقربها من مناطق حضرية انتشر بها التعليم في شمال الجزيرة العربية، وأيضاً بسبب تواجد اليهود، وقد كانت لهم مدارسهم وأنظمتهم التعليمية، [ولعل نظام الكتَّاب هذا قديماً وليس مستحدثاً في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، أو بُعيد وفاته كما دل عليه حديث عثمان ابن عُبيد الله السابق، فقد يكون المسلمون قد حاكوا اليهود في دور التعليم وأنشأوا كتاتيب خاصة بهم][65]. ومن شواهد ذلك [وجود نظام تعليمي يهودي في المدينة أن دور العبادة اليهودية كان يطلق عليها (المدْراس) لقيامها بالتعليم العام مع التعليم المدني][66]، ولا غرابة أن يجمع اليهود بين ما جاءهم به موسى والنبيون من وحيٍ وعلمٍ، وما اقتبسوه من طرق الكتابة وأدواتها في مصر الفرعونية، مذ عاشوا فيها بين عهدي يوسف وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. وليس بمستغرب أن يلتحق الغلمان من أبناء العرب بدور التعليم اليهودية لتعلم الكتابة والحساب، أو أن يُنتدب منها من يعلمهم، أو من يسكن المدينة من عرب الحيرة، ونذكر ما يعضد ذلك من طبقات ابن سعد أيضاً؛ ما جاء على لسان أنس أبن مالك رضي الله تعالى عنه، حين قال: [أخذت أم سليم بيدي عند مقدم النبي، فأتت بي رسول الله، فقالت: يا رسول الله، هذا ابني، وهو غلام كاتب ... ونقل ابن سعد في موضعٍ آخر، قالت: يا رسول الله: خويدمك...[67]][68]. وفي ذلك أدلة على أن "الأمية" ليست ذات دلالة مباشرة على عدم الكتابة والحساب، أي:ليست "عَلَمَاً بالغَلَبَة" على ذلك، كما يقول أهل اللغة، فالتعليم لم يكن منعدماً، بل إننا لو تتبعنا المناخ الثقافي لعرب الجاهلية في الجزيرة العربية لوجدنا شيوع النظام التعليمي – وخاصة مع دوام التجارة ومواسم الحج والعمرة ووفود الشعراء- بما يتنافى مع الادعاء بأن أميتهم تعني "عدم الكتابة والحساب" على المعنى الحرفي، وهناك من أغنانا عن بيان ذلك، فيُرجع إليه[69]، حتى أنه سمَّى المكّيِّين الذي كانوا قارئين كاتبين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم – كلٌّ بدليله مما طفت بذكراهم الأحداث - ووصل بهم إلى واحدٍ وستين نفساً[70]، وقد استثنى آخرون لم يستبعد أنهم كاتبون لقرائن تُزّكّيهم، منها أنهم من أشراف مكة وشعرائها.

الفرق بين الأمي والجاهل

يظن كثير من الناس، بل كلهم إلا نفرٌ قليل – خطأً – أن الجهل هو عدم العلم، وأن الجهل، من ثمً حسب فهمه، مرادف للأمية، وهذا غير صحيح. غير أن ابن منظور يقول: "الجهل نقيض العلم ... والجهالة أن تفعل فعلاً بغير العلم"، وهذا يفيد أن الجهل مصحوب بفعل، فمن لم يكن يعلم، وبقى على عدم علمه وسجيته الفطرية، لم يُسمّى جاهلاً، بل يسمّى أُمّياً، فإن فعل فعل الظن والتصور والحسبان والاعتقاد، ثم بنى على ذلك فعلاً وسلوكاً واعتقاداً ثم لججاً وجدلاً وخصومة - كلٌّ بحسبه - ، وكان كل ذلك عن عدم علم، كان ذلك هو "الجاهل" بعينه. وأدلة ذلك من القرآن عديدة، فلا تجد فيه من لفظ الجهل ومشتقاته إلا ما صاحب فعلاً – وإن كان ظناً  - وكان على خلاف العلم الصحيح. وقد حصرنا من ذلك في القرآن 24 موضعاً من مشتقات "جهل" فما وجدنا شذوذاً عن هذا المعنى الذي خلصنا إليه، لذا فالجهل والجهالة مَذمَّة، تَبْرَأْ منها الأُمّية. وجاء في الحديث[71]: "إِن من العِلْم جَهْلاً"، قيل[72]: وهو أَن يتعلم ما لا يحتاج إِليه كالنجوم وعلوم الأَوائل، ويَدَعَ ما يحتاج إِليه في دينه من علم القرآن والسنَّة، وقيل: هو أَن يتكلف العالم إِلى علم ما لا يعلمه فيُجَهِّله ذلك". وقال أبو البقاء الكفوي[73]: "الجهل : يقال للبسيط، وهو عدم العلم عما من شأنه أن يكون عالما، ويقال أيضا للمركب، وهو عبارة عن اعتقاد جازم غير مطابق، سمي به لأنه يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه، فهذا جهل آخر قد تركبا معا". ونُرجّح أن المقصود بالجهل البسيط هنا، هو ما كان مصحوباً بالظن فقط غير المتعدي لفعل، وعندئذ يتفق هذا التعريف مع تحليلنا باعتبار الظن فعل عقلي ورأي يسكن إليه صاحبه عن لا علم، أما الأمي، فهو على السجية، فلا يظن ولا يرجح شيئا، بل هو إلى البراءة، وحسن الظن أقرب.
ومن تجارب المعاصرين الغربيين وشهاداتهم على أنفسهم، ما أُثر عن "نيلز بور"، وهو العالم الفيزيائي الشهير في بدايات القرن العشرين في وضعه لنموذج لتركيب الذرة، والحاصل على جائزة نوبل عام 1922، أنه قال في هذا الشأن ما ترجمته الحرفية[74]: "من الأفضل لك أن لا تصل إلى فهم شيءٍ ما، فهماً صحيحاً، عن أن تفهمه فهماً خاطئاً"، وهو ما يقابل في لغتنا العربية على الاصطلاح اللغوي الذي رجحناه أعلى:"من الأفضل لك أن تكون أُمّيّاً عن أن تكون جاهلاً". ويتضح بجلاء من هذا القول أن الظن بالفهم هنا، فعلٌ زائدٌ عن عدم العلم، وإلا لما أمكن المفاضلة بينهما، ومن ثم فالظن الغير مؤسس على العلم ولو بالترجيح هو "الجهل" (البسيط: باصطلاح "الكفوي"). وقد نفهم من ذلك فهماً أفضل للحكمة البليغة في قول الله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ"(الحجرات: 12). ويبدو لنا أن "كثيراً من الظن" هنا تؤول إلى حالات الظن التي تخلو من أي ترجيح معتبر، أو قرائن قوية، أو مواطن تتطلب الترجيح لأخذ قرارٍ (أي: حُكمٍ) ضروريٍ لا يمكن تأخيره. أما إذا وصلت القرائن إلى مستوى الأدلة والبراهين، فقد دخل الاجتهاد هنا منطقة العلم، وهنا لا حرج من كثرة الظن (لأنه سيصبح عندئذٍ علما)، بل هو مندوبٌ إليه.

الوجه الثالث: الأمية فئة باقية في كل مجتمع من الناس ولا تزول بالكليّة

نأتي الآن إلى الوجه الثالث من وجوه معاني "الأمية"، وهي ما يشير إليها قول الله تعالى " وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ"(البقرة: 78). وعلة الأميّة هنا منصوص عليها، وهي أنهم "لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ"، ونقول أن ذلك ليست تعريفاً للأمية، بل هو محض تعليل لمراد الأمية فيهم، وفيما هو شائع من ثقافة ذلك العصر، من أن غير الأمي هو الدارس للكتب الخائض فيها، وحيث أن كتاب الوحي كان الكتاب الأول عند اليهود، فمن يعلمه جيدا كان غير أمي. وهذا المعنى الذي نُرجّحه يقطع الطريق على حجةٍ، قد تتكرر هنا ممن قال في رفضه في معنى "الأمية" أن يكون معناها "تجهل الكتابة والحساب"، فيقول أنه لو كان الأمر كذلك لآلت بنا الآية إلى المعنى: ["إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"="إنا أمة تجهل الكتابة والحساب، لا تكتب ولا تحسب"، ومن ثم يكون تكرار لا معنى له][75]، وإذا طبقانا حجته هنا في قوله تعالى " وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا .. "= وَمِنْهُمْ من لا يعلمون الكتاب لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا .."، وهو تكرار أيضاً. ولو صحت حجته هناك لصحت هنا. ولأنها هنا لا تصح، فكذلك كانت هناك غير صحيحة. ونقصد أننا رغم موافقتنا على أن الأمية ليست صفة من لا يعلم كتاب الوحي على التخصيص، مثلما أنه ليس من تعريفها أنها صفة من لا يعلم الكتابة والحساب على التخصيص، إلا أن الأمية صفة في (النفس المعرفية) لصاحبها تَطَّرد مع عدم التعليم النظامي لكتب الوحي أو غيرها، وتَطَّرد مع عدم تعلم الكتابة والحساب، إذ أن تعلم هذا أو ذاك يفتح الباب أمام ثقافات تعليمية خاصة، والأمية هي الخلو من تلك الثقافات التعليمية الخاصة التي وسائطها التعليم وأدواته. لذا فالعلاقة علاقة اطراد عكسي بين الأمية وما يؤدي إليه التعلم الكسبي من صبغ النفس بفلسفةٍ ما يسكبها التعليم في نفس المُتعلم.
وعلى ذلك، فمثلما أن الأمية ليست صفة الخلو من الكتابة والحساب على التخصيص، وأنها ليست عدم العلم بكتاب الوحي على التخصيص، فهي كذلك ليست منفصلة على هذه المهارات انفصالاً تاماً على نحو ما أراد الجابري في حُجَّته السابقة، والعلاقة بين الأمية من جهة، وتلك المهارات من جهة ثانية، هي أن هذه المهارات مؤشرات على المقياس الآلي للأمية، غير أنها ليست مهارات لازمة، وإن كانت مشهورة، بمعنى أننا قد نجد من لا يكتب ولا يحسب وهو غير أمي، و أنه لا علم له بكتب الوحي، وإن كان هذا من النادر وجوده في مجتمعاتنا، إلا أنه غير منعدم. والذي جعل مثل ذلك غير أمي، أنه قد يكون من أصحاب النظر والفلسفة والخطابة، فهو ممارس للفكر بشكل ما ويحمل فلسفة، ومن ثم يحمل مؤهلات غير الأميين، رغم أنه قد لا يكون ذا علم بوحي صادق، ولا قارئ وكاتب للكتب.
وإذا كان (تعلُّم القراءة والكتابة والحساب، وكتب الوحي، وما أنتجه الإنسان من كتب، وملازمة هذه المهارات على الدوام) مؤشرات على عدم الأمية، فلنا أن نسأل: ما هي نسبة الأمية في أي مجتمع من البشر، وهل هي منعدمة في أي من هذه المجتمعات؟ - الإجابة بالقطع أنها غير منعدمة، وإن تفاوتت على ما نحو ما تدل مؤشرات التعليم في الدول المختلفة، غير أن هذه المؤشرات المشهورة مؤشرات على مهارات بعينها دون كل المهارات الممكنة، ومن ثم فهي تقريبية إلى حدِّ كبير فيما نُعنى به من معنى أوسع للأمية.
ويظهر لنا في شكل (1) تصور للعلاقة بين "الأمية" باللون الرمادي، وغير الأمي بلون زاهٍ، ويُمثل كل لون من الألوان تخصص من التخصصات الفنية التعليمية الممكنة.
ومن الشكل يتبين التصور للعلاقة بين (الأمية) و(اللا-أمية). فالأمية ذات لون واحد رمادي. وواحدية اللون تعني واحدية الثقافة، وهذه الثقافة هي ما قبل التعليم النظامي، ومصدرها هو البيئة الخالصة والتجارب الحسية والشعورية الأولى للإنسان في طفولته والتي مثلت حضانة الأم لأطفالها الوعاء الثقافي الرئيسي، ومن ثم تدعم هذه الصورة أن مصدر مفهوم "الأمية" هو لفظ "الأم".
والملاحظة الثانية أن اللون الرمادي يجمع بين البياض الذي هو الصفاء الخالي من التمييز التنظيري، والسواد الذي هو عدم الفهم لمجريات الأحداث والظواهر وعلل الأشياء. ومن ثم، يُعبِّر هذه اللون عن محتوى الوعي لدى الأمي. أما زهو ألوان (اللا أمي) فمن الواضح أنه يحمل معنى الزهو النفسي من جهة، ومن ثمَّ شيء من الغرور والعُجْب، وهو من مذمومات التعليم، ويحمل ثانياً قدرَ التنافر بين الألوان المختلفة في نظرتهم وتصوراتهم للأمور والحياة. وهذا التنافر يشير بوضوح إلى أن نظرة الثقافات التعليمية غير متسقة فيما بينها، ويظهر ذلك على أشده في الفلسفات المختلفة. وهذا مرجع اختلاف أحكام أصحابها على مسائل مشتركة. وإذا كان هذا في أمور الحياة العامة والظواهر المشتركة، فماذا يكون الحال لو أن المسائل المشتركة تتناول الدين وغاية الحياة وما وراءها والحقوق والعدل والأخلاق والضبط الاجتماعي والسلوكي. هنا تسقط تلك الألوان جميعاً، نقصد الثقافات المختلفة وآراءها المتمايزة، ولا يبقى إلا اللون الرمادي القابع في كل إنسان ليستلم من ربه قانونه السماوي ودينه الواحد الذي إن أراد السلامة آمن به. وهذا اللون الرمادي الواحد هو "الأمية". فالله تعالى يخاطبنا – في محكم آياته - بلغة الخطاب الأمي لكونه الثقافة الوحيدة المشتركة بين الناس، وليس العرب وحدهم. وهذا هو ما نفهمه من قول الله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ ..." فانبعاث الرسول صلى الله عليه وسلم كان وما زال لتلك النفس الأمية القابعة داخل كل منا، فيها البراءة الأولى (اللون الأبيض)، وفيها التساؤل وطلب الفهم (اللون الأسود)، فهؤلاء هم المخاطبين المقصودين والمستهدفين من وحي الله وهديه للإنسان. ومن كان ذا ثقافة خاصة اكتسبها من كتب وتنظير وتفلسف وحساب وألاعيب عقلية، فليكشط كل هذا وليقف أمام محمد صلى الله عليه وسلم كالطفل الصغير (الذي لا يحمل إلا ثقافة الفطرة التي رضعها مع حليب أمه) يستمع منه إلى كلام الله تعالى المُنزّل من السماء بأمره سبحانه، ليهدي هذا الإنسان الضائع. ألم يقل الله تعالى في الحديث القدسي "كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم"[76] وكلكم هنا تشمل كل إنسان وبما يشمل حملة الثقافات التي هم بها فرحون، يتبطرون ويمرحون، وهم في ذلك أقرب إلى قارون.
وإن أراد منهم أحدٌ أن يطاول دين الله ظناً في نفسه العلم والتعالم على غير نظير، فقد قال لمثله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الدين يسر ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه"[77]، وغرض الحديث، أن هذا الدين يُسر للناس لأمَّيهم وعالِمهم على السواء، فلا يتحامقن أحدٌ أنه أوتي علماً يُشادد به الدين، فدين الله تعالى أشد، لأنه دين الله الخالق العليم الحكيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
ومن يستطيع أن يتولَّى إخراج هؤلاء من أميتهم الرمادية تلك إلى علم حقيق معتبر؟ إنه الله تعالى أيضاً بما قاله سبحانه عقب ذلك: "..يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ". وقد بيّنا ذلك في فقرة سابقة. هذا هو الخروج الآمن من الأمية التعليمية، وما ينبني من ثقافات خاصة ومهارات وصناعات واحتراف وأفهام وتنظير واجتهاد، وذلك على هذا الهدى والتعليم الإلهي وفقط في إطاره ودون الحيود عن مساره، فهو التعليم الذي خيرُ مثال له كان محمداً صلى الله عليه وسلم. ألم يقل له الله تعالى "وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا"(النساء: 113). وليس النور لمحمدٍ فقط، بل للمؤمنين جميعاً، كما قال الله تعالى "قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"(المائدة:15-16) ويتحول عندئذ، وفقط عندئذ، اللون الرمادي إلى اللون الأبيض، كلُّ بحسب حرصه – نيَّةً وعملاً - وتوفيق الله له؛ لذا، فلا بد لأي ثقافة خاصة أن تنبني على هُدى من الوحي، وبما أمر الوحي الاجتهاد فيه من أدوات التجريب والنظر والاجتهاد.

الأمية، لا تنمحي من أي مجتمع وإن تضاءلت وتضاءلت:

وفيما نحن فيه من معنى "الأمية" (أي الوجه الذي نناقشه من أوجهها السياقية)، وهو أنه ما من مجتمع إلا وفيه نسبة من الأميين، من مثل من قال الله تعالى في شأنهم من أهل الكتاب "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ"(البقرة: 78)، فهذه الفئة لا تزول في أي مجتمع زوالاً تاماً. والأمية العامة هنا والتي تتسق مع مراد الآية، هي عدم امتهان الثقافة الحَرْفِية الخاصة، فالقراءة والكتابة والحساب، وبما اكتسبت - في شكلها المجرد عن المذهبيات المحمولة على الكلام المكتوب والحساب المحسوب - أصبحت أدوات لتغطية أو محو الأمية لمن يتقنها. ولا تبدأ الأمية الحقيقية في التراجع إلا مع تبني الإنسان ثقافة خاصة مستخدماً آليات القراءة والحساب التي تعلمها، وبدأ يتلون بها فكرُه، ويبدأ في الحصول على إجابات لأسئلته الكثيرة، صحيحة كانت أو خاطئة. فإن كانت الإجابات موافقة للحقيقة، والوحي الصادق كله كذلك، فهو إلى اقتراب من اللون الأبيض،وإن كانت الإجابات ذات ألوان أخرى يُضيئُها شيئٌ من البياض، فهو إلى اختلاطٍ من الحق والباطل. ولا شك أن نسبة كبيرة من الناس - بناءاً على هذا التحليل – أُميّين، لِبُعدهم عن التنظير والثقافات الملونة، حتى وإن كانوا كتبة حاسبين، بما يخدع الواهم بأنهم للثقافة حاملين، وأن هذه النسبة لا يمكن أن تنمحي حتى في أكثر المجتمعات حِرفِيَّة في الوسائل التعليمية.

نمذجة العلاقة (الأمية -اللا أمية) في أي مجتمع:

سنعمد الآن إلى نمذجة علاقة رياضية تشرح انقسام كل مجتمع إلى جزئين (أُمّي / لا-أُمّي)، لنرى كيف تتغير هذه العلاقة من مجتمع لآخر، وكيف تتغير داخل المجتمع الواحد، وكيف أنها لن تصل إلى محو كامل للأمية مهما كانت المحاولات، وما ينتج عن ذلك من تفنيد ادعاء من زعموا أن الأمية قد زالت عن الأمة، ومن ثم يجب أن تلجأ إلى الحساب الفلكي، وتطرح رؤية الهلال كعلامة على دخول الشهر العربي.
ويمكننا في الشكل (2) تصور الفرق بين الأمية و (اللا-أمية) على أن اللا-أمية هي انبعاث حراكي للأميين بفعل التثوير الفكري، بوسائله المختلفة، التعليمي من قِبل مؤسسات التعليم، والتثقيفي من قِبل وسائل الإعلام المختلفة، ومن ثم فسوف نقابل بين (انبعاث اللا-الأمية والأمية) من جهة، ونموذج ديناميكي هو (الإلكترونات المستثارة، والإلكترونات الخامدة) في مادةٍ ما. فالإلكترونات الخامدة تقابل فئة الأميين، والمستثارة بفعل ارتفاع درجة الحرارة عن الصفر المطلق تقابل فئة (اللا-أميين) ونوع المادة يقابل نوع المجتمع الذي يجري فحصه، ودرجة الحرارة المسئولة عن الاستثارة الإلكترونية تقابل التثوير الفكري الجاري في المجتمع.
وإذا كان الفكرة المبدئية أن كل مجتمع ينقسم إلى أميين ولا-أميين يمثلون كامل المجتمع، فلا بد أن يكون مجموع النسبتين 100% الممثلة لكل المجتمع، لذا سنضع هاتين النسبتين على الصورة المبينة في شكل (2)

تمهيد للنمذجة التعليمية لمجتمع ما:

تعمد المؤشرات العامة[78] للأمية (التعليمية) إلى الاستدلال عليها كنسبة من المجتمع اعتماداً على نسبة المقيدين في المدارس، وتعمد إلى نفس الأسلوب في تقسيم المراحل التعليمية المختلفة أيضاً، ومن ثم تتنبأ بالنسب المئوية المختلفة بين الأميين وغيرهم، وبين مستويات التعليم المختلفة، وتجيء دوالها المميزة للظاهرة التعليمية في المجتمعات كدوال منفصلة، كما هي مبينة أعلى في شكل (2).
ولكننا سنعمد الآن إلى اختراع دالة رياضية تعبر عن نفس العلاقة السابقة ولكنها ستكون أفضل حالاً في كونها دالة اتصالية في الظاهرة، فيظهر منها أن هناك تفاوتاً بين الأميين، مثلما أن هناك تفاوت بين اللا-الأميين، وأن هذا التفاوت اتصالي، وهذا ما يتضح في شكل (3)



ويبدو من الشكل أن فئة (اللا-أميين) قد خرجت أو انسكبت من فئة (الأميين) بفعل (الاستثارة التعليمية). كما يبدو أيضاً أن كل فئة منهما تتمايز داخلياً، وأن هذا التمايز تقل نسبته مع الارتقاء في التعليم، فالأوفر حظاً أقل عدداً، وهكذا في كلا الفئتين.
هذه الدالة ليست من اختراعنا في الحقيقة، بل هي دالة مشهورة وتسمى (توزيع فيرمي-ديراك). وقد اقتبسناها هنا لأن المتغيرات التي تتعامل معها الدالة تشبه لحد كبير جداً المتغيرات التي نتعامل معها هنا، وذلك باستخدام الحس/الملكة العلمية في تفهمنا للظاهرتين، وذلك كالآتي:
فما قصدنا منه المجتمع بكامله، يقابل في هذه الدالة المستطيل القائم والمعبر عن كامل أفراد المجتمع وهم في حالة أمية كاملة 100% قبل الاستثارة العلمية، ويمثل في نفس الوقت كامل اللون الأزرق بعد الاستثارة العلمية، ويعبر عند واضعي هذه الدالة الرياضية عن كامل عدد الإلكترونات في قطعة من المعدن.
وما قصدنا منه فئة الأميين، فيقابل الجزء المملوء داخل المستطيل، ويقابل عند واضعي الدالة الرياضية نسبة الإلكترونات الخامدة (غير المستثارة) في قطعة المعدن.
وما قصدنا منه فئة اللا-أميين فيقابل الجزء المنسكب من المستطيل، والذي سال منه ناحية الارتقاء التعليمي النظامي. ويقابل عن واضعي الدالة الرياضية نسبة الإلكترونات المستثارة في قطعة المعدن.
وما قصدنا منه (الاستثارة العلمية) التي تنقل المجتمع من 100% أمية إلى توزيع بين الأمية و اللا-أمية، فيقابله ارتفاع درجة حرارة قطعة المعدن والتي تَسَبَّب عنها أن اسْتُثِيرَت نسبة من الإلكترونات وظل الباقي خامداً.
والآن: إذا زادت درجة الحرارة، وفي حالتنا زادت الاستثارة العلمية بمزيد من التعليم والوعي والحرص عليه، ما الذي يحدث؟
يظهر في شكل (4) استثارات متتابعة تنقل المجتمع على سلم التدرج التعليمي بما ينخفض معه نسبة الأميين على التتابع.

ويتضح جلياً من هذه التوزيعات أن نقل المجتمع إلى (اللا-أمية) الذي شرحنا معالمها أعلى وكما يدعو إليها الدين من معرفة صحيحة وخبرة علمية نافعة – يتميز بخاصيتين واضحتين:
1- أن العلاقة ليست خطية، بمعنى أن مضاعفة نسبة اللا-أميين تزيد كثيراً عن ضعف (مثلَيْ) الجهد المبذول في استثارة النسبة الأولى، بمعنى أن الوصول إلى 20% (لا-أمية) أكثر كثيراً من ضِعف الوصول إلى 10%.
2- (وهذا هو بيت القصيد) أن محو الأمية والوصول بها إلى صفر% من المجتمع، أمرٌ غاية في الاستحالة، لأن ذلك يتطلب تفريغ المستطيل المبين في الشكل (4) أعلى من أي لون بداخله. وقد بدى أننا لما بذلنا 1000 ضعف تبقى في الصندوق بعض اللون (وإن كان سيمثل نسبة ضئيلة بالطبع من كامل اللون داخل وخارج المستطيل، أي من كامل عدد أفراد المجتمع. وهذا هو استدلالنا على أن القائلين بأن الأمية (بالمعنى الذي أردناه) قد زالت عن المجتمع المسلم بما يعفينا من رؤية الهلال. أما وقد استدللنا أننا حتى لو قبلنا أن الأمية هي الأمية التعليمية، فإن زوال الأمية على التمام محال. فما بالنا بالا-أمية التي تحافظ على فضائل الأمية من صدق المعرفة العلمية؟! وخلوها من المذهبيات، ... إلخ. ومن ثم فلا زوال للأمية التعليمية زوالاً تاماً، ولا راد لأمر الله من أن تبقى الثقافة الدينية التي يُولي الدين بها اعتباراً هي ثقافة الأميين حتى لا تستثني منها أحداً من شعائر الله وفروضه.
وأي ريبٍ من عدم زوال الأمية – إذا افترضنا جدلاً أنها شيء غير مرغوب فيه بالمعنى التعليمي المشهور عنها خطءاً - فهل يستطيع أحدٌ أن يدعي أن يزول المرض والإعاقة والفقر زوالاً تاماً من أي مجتمع على وجه الأرض. وإذا كانت الدُوَل - التي تدعي أنها متقدمة في خدماتها العامة - تحرص على ألا تنسى هذه الفئات بأن تخصص لها خدمة متميزة مثلها مثل غيرها، أوليس هذا ما حَرَصَ عليه الإسلام في الأميين من أبنائه الذين يشق عليهم أن يتكلفوا حساب الفلك حتى يعلموا متى يصومون ويفرحون بعيدهم. (هذا إذا افترضنا جدلاً أن الفلك يحقق ذلك، ويُستغنى به عن يقين الرؤية، وإن كنا قد أثبتنا في غير هذا الموضع[79] غير ذلك).
فإن قيل: إن الأمر قد اختلف، وتيسر الآن حساب الفلك، وعلى الذين لا يعلمون أن يسألوا الخبراء في ذلك، كما قال الله تعالى "فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ"(النحل: 43)،
قلنا: لا يوجد خبير واحد من أهل الفلك، ولن يوجد، يستطيع أن يقول للناس – ويستدل من ذلك بحساباته اليقينية – [أن الهلال الجديد سيبدأ رؤيته حتماً، بأي وسيلة تصل آنياً إلى عين الإنسان، وفي أول لحظة يتحقق له ذلك بعد ميلاده، في الوقت كذا، ويعين الوقت تعيينا تاماً، ويطابق ذلك الواقع التجريبي.][80]. ونحيل القاريء إلى مقالنا في ذلك[79].
الشكل (4) السابق، كان محاولة منا لنمذجة تصويرية لحال الأمية التعليمية في أي مجتمع، والخروج منها بمثال تجريبي كَمِّي من الفيزياء الكلاسيكية. ولا يجب اعتبار أن هذه النمذجة يقينية، ولكنها تقريبية فقط لحمل القارئ على فهم مرادنا من استحالة زوال الأمية، ورؤية الصورة رؤية كمّية.
أما المعادلة الرياضية التي استخدمناها لرسم هذه المنحنيات الرياضية فهي معادلة حقيقية. وصيغتها التي استخدمناها كانت كالآتي[81]:
ن :أي القيمة على المحور الصادي= 1/ (1+(دالة أسية طبيعية (المتغير السيني - 1)/درجة الاستثارة التعليمية))
وخلاصة هذا الوجه من وجوه الأمية أن أي مجتمع مهما بلغت مستويات تعلم أفراده، فلا بد حتماً أن تتواجد فيه فئة من الأميين، وهذا يتوافق تماماً مع قول الله تعالى "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ"(البقرة: 78)، أي أن أهل الكتاب منهم لا-أميين، ومنهم أميين.

الوجه الرابع: النبي الأمي، الذي حمل بين جنبيه فضائل الأمية، وفضائل تعليم الله سبحانه له على التخصيص.

ذكرنا أعلى رأْي ماسينون – المستشرق الشهير[82] - في ثقافة "الأمي" حين قال: "شهادة الأمي شيء أصح لأنه يحكي ما يحس بدون إخفاء وبدون قصد. أما الأديب (يقصد غير الأمي وصاحب الفكر) فهو صاحب نظريات عقلية، يقصد في حكاياته كلها تحقيق ما تَوَهَّم: النظريات عنده في مقام أرفع من العمليات، والأفكار أرفع من الأفعال."
وقلنا: أن الأمية ليست الجهل، وإن لم يحفظ أهلها العلم بعد، وليست الجهالة وإن كان في أصحابها شيء من الغفلة البريئة من التذاكي، بل هي الذكاء الفطري، والحدس التلقائي، والعفوية الندية، مع حنكة فطرية من تجارب الحياة بألوانها، والناس بمعادنهم، وعلم عفوي لا عصبية فيه، ولا فرح ولا غرور ولا زهو ولا تحيز، ولا تكلُّف[83].
وفرّقنا أعلى بين الأُمِّي وغيره - ممن لا يكتسب معرفة نظامية صحيحة - تمييزاً دقيقاً يرفع بقدر الأمي وبراءته الأصلية وأخلاقه – ليس فقط فوق أمثال هؤلاء - بل لا يكتمل علم عالم إلا إذا حافظ على تلك الأخلاق والفضائل، لهذا نقرأ لأبي حامد الغزالي يقول في المستصفى[84]: "يجب على المجتهد في كل مسألة أن يرد نظره إلى النفي الأصلي قبل ورود الشرع ثم يبحث عن الأدلة السمعية"، ويقصد بـ "النفي الأصلي": نفي العلم بوجود حكم سابق بالمسألة المطلوب إيجاد حكم لها، ... ونتساءل: هل هذا إلاَّ "الأميَّة" بالمسألة؟
ونُسب إلى ديكارت أنه استحدث منهجاً جديداً في البحث عن حقائق الأشياء في بدايات العصر الحديث، وفيه أن "القاعدة الأساسية في هذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعرفه، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً"[85]. ... ولا أدري، هل يختلف هذا المنهج عما قاله الغزالي (توفي 1111م) قبل ديكارت (توفي 1650م)؟! .... وهل هذا المنهج الغزالي الديكارتي شيء آخر غير "أمِّية معرفية منهجية" تمثل "الأمّية" فيها مرحلة فكرية يخلص بها المفكر من رواسب الفكر التقليدي للفصل بين غثه وسمينه. وهل هذا أيضاً شيء آخر غير ما انتهجه الغزالي وقال فيه[86]: "من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر، بقي في العمى والضلال."؟ .. نعوذ بالله من ذلك.
هذه المعاني التي التقطها ماسينون، والتي انتبه إليها الغزالي وديكارت من بعده بقرون، تدل على براعة في الفهم، ووقوف على مناط المعاني في تعلقها بالألفاظ. ومَنْ مِنّا لم يلاحظ تعنت المتعلم المدني في تغيير أفكاره التي اكتسبها طوال حياته من تعليمه الذي تشكلت به شخصيته. أفلا يكون الأمي أفضل منه لخلوه من هذه العوائق الفكرية. لا إنكار هنا على مبدأ التعلم، ولكن الإنكار على ما يلحقه التعلم المدني من اعتقادات فاسدة، لا أصل لها، تلتبس بالظاهر الصحيح من مادة التعلم، ولا ينتبه لها المتعلم. ثم تكون هذه الاعتقادات عائقاً أمام قبول المتعلم تصحيح اعتقاداته، ... لماذا؟ لأنه يعتز بما تعلّم، ويخشى أن يفقد مزية ترتبط بقيمته العلمية، ففي فقدها ربما هدم لكيانه العلمي! ولِعُمره الأدبي! فكيف يَدَع أي فكرِ مُدَّعَى أن يفعل به ذلك؟! فيجنح إلى الرفض قبل الفحص، والأمان الموهوم قبل المخاطرة بالتعرض لأفكار قد تضره هذا الضرر النفسي البليغ، حتى وإن صادقة في الحقيقة. ألا نشتم في ذلك رائحة قول القائلين المحرضين على رفض الإسلام من الذين عادوا الإسلام في قريش: "إن محمداً قد سفه أحلامكم"، ألم تكن من حججهم أن دعوة محمد تهدم كيانهم الفكري ومعتقد آبائهم. بلى إنها نفس المناعة الحمقاء وعين اللدد الجاهل. إن الحرص على المكتسبات الاعتقادية والفكرية، والكيان الشخصي عند مثل هؤلاء، كانت أغلى من فكرة جديدة صحيحة. وهؤلاء هم الذين وصفهم الله تعالى بأنهم كذَّبوا بالحسنى، وقال سبحانه "وَأَمَّا مَنْ .. كَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى"(الليل:8-10)، والتكذيب بالحسنى هو التكذيب من أقصر طريق، بلا مراجعة ولا تحقيق، أمَا كانت الأمّية خيرٌ للمكذبين بالحسنى مما صبغهم به علمهم الموروث من غرور وعناد؟! أي والله إنها الأمية الطهور تترك المرء بريئاً من عصبيات الأفكار، وزهو الفهم به والتعالي. غير أن العالِم إذا استطاع أن يجمع بين علمه وبين أخلاق أمِّيته، فيعود قبل نومه إلى ربه مُقِرّاً بأمّيته سائلاً أن يهبه الفهم ومزيداً من العلم[87]، فهو الذي جمع الخير من طرفيه جميعاً.
وأخيراً: هل الأمية – بمعنى العودة إلى النفي الأصلي كما قال الغزالي - شيء غير شهادة الإسلام الكبرى: "لَا إِلَهَ (أي كفرت بكل آلهة الأرض والسماء المزعومة في صورة كانت أو في فكرة) إِلَّا اللَّهُ (أي: لا أُقِرُّ إلا به سبحانه وما كان منه خالصاً مخلصاً )". فأي أمية وبراءة أنقى وأسطع من ذلك للتخلص من زَبَد الدنيا وغبار الأفكار[88].
هذا هو الوجه البراق للأمية، أخلاق فطرية، وبراءة أصيلة، كامنة فيها كبراءة الأطفال، وما "النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ" صلى الله عليه وسلم إلا النبي الذي تحلّى بهذه الأخلاق، ولم يتعلم التعليم الدنيوي، فيحمل بين جنبيه من شره، من مثل ما يحمله أهله مع خيره. فاختار الله له أن لا يتعلم إلا منه سبحانه[89]، خيرٌ وافر، وصدقٌ خالص.
- وقد يتعجب بعض القراء ويتساءلوا: وهل في العلم من شر؟ أوليس العلم كله خير؟ أوليس العلم يتناول الجانب الموضوعي والصدق والحقيقة في الأشياء التي هي موضوع العلم ؟
- الإجابة المفجعة والمفاجئة لنا جميعاً: هي أن في العلم – وبِحكم أنه صناعة بشرية - بعض الشر، وفيه التحيز، وفيه عدم الموضوعية، وربما أكثر من ذلك، ولنطَّلِع على شيء من ذلك في الفقرة التالية[90]:

صناعة العلم بين الظنون والحقائق، بين الذاتية والموضوعية، بين الإخفاقات والنجاحات:

ظهر في الستينات من القرن العشرين كتابٌ هام أثار ضجة في قطاع عريض من النخب العلمية ودفعهم لمراجعة نظرتهم وتقييمهم للمعرفة العلمية السائدة، وكان ذلك هو كتاب "بنية الثورات العلمية" لمؤلفه "توماس كيون"[91]. ولم يكن هناك في الحقيقة مادة علمية جديدة يقدمها المؤلف لم تكن معروفة من قبل، غير أن الجديد في الكتاب أنه أعاد معالجة تاريخ العلم بطريقة استحسنها المؤلف عما هو مألوف من معالجات سابقة ورائجة، ولمّا فعل ذلك أماط المؤلف في كتابه اللثام عن أن صورة العلم والمعرفة العلمية التقليدية زائفة: وبشيء من التفصيل يقول المؤلف: أن دعاوى موضوعية المعرفة العلمية تفتقر إلى أدلة موثوقة، وأنها ليست - كما قيل لطلاب العلم في القرن العشرين- معرفة موضوعية حقيقيةً[92]. والواقع أن هناك من فلاسفة العلم من صرح قبل توماس كيون بأن النظريات العلمية تقوم مقام التفسير التوظيفي للخبرة العلمية أكثر من قيامها بالكشف عن الحقائق الموضوعية في الظواهر التي يُعبّر العلم عنها. ولكن الحاصل أن استجابة الأكاديميين على مستوى العالم اتَّسمت بالمفاجأة لكتاب كيون، وكأن هذا الحال لم يكن معروفاً لديهم. ونتج عن ذلك أن أشاع كتاب "كيون" ما كان مُتجَاهلاً من قبل، ووضع التفسيرات العقلانية والوضعية الإمبريقية العلمية موضع التساؤل والتشكك والاتهام، وتعاظمت الشكوك والجلبة في الأوساط العلمية في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وعلت الأصوات من عدد من علماء الاجتماعيات والإنسانيات تتهكم على الفيزياء العملاقة وتاريخها المُحْتَفى به، وتقول: ها هم أصحاب العلوم الرصينة يعترفون بأن علومهم ليست بأحسن حالاً منَّا!
والجدير بالملاحظة أن الخبير بتاريخ الفيزياء يعلم أن كثيراً من أصحاب التنظير في فلسفة العلم من أمثال: فورييه، و ليوال، و كومت، و ماخ، وبوانكارييه، و بريدجمان، ومؤسسي النظرية الكمومية في عشرينات وثلاثينيات القرن العشرين، أمثال بور وهايزنبرج وديراك، وخاصة مدرسة كوبنهاجن في تفسير ميكانيكا الكم، قد صرّحوا مراراً وتكراراً في كتبهم بأن النظريات الفيزيائية هي نصوص مقننة تتكلم عن خبرة العلماء عن الواقع الذي يدرسونه، وليست نظريات تتكلم عن الوقائع ذاتها وأحكامها (سننها) على ما هي عليه، بمعنى أنها نظريات أقرب إلى رسم صورة عن فكر العلماء أنفسهم، أي ذاتية subjective الفكر العلمي، أكثر مما ترسم صورة عن موضوعية objective الدراسة، ومن ثم لا يستطيع أحد أن يدعي أي مطابقة تامة بينها مع الواقع. وإن كان قلة من الخبراء هم الذين يعلمون ذلك، فإن الغالبية الساحقة من العلماء، ناهيك عن المثقفين ومستخدمي العلم، كانوا على خداع إيماني – مثل إيمانهم بمعتقداتهم الدينية - بأن هذه النظريات حقيقية وأنها مطابقة للحقائق الطبيعية.
ومن نتائج هذه الرجفة العلمية التي سببها كتاب "بنية الثورات العلمية" أن اهتز عرش "الوضعية الإمبريقية" empirical positivism ,و"الوضعية المنطقية" logical positivism اعتباراً من ستينيات القرن العشرين، وبدأت تتداعى باعتبارها مثالية مُبَالغٌ فيها، ودعاوى زائفة عن الحقيقة العلمية، ظن أصحابُها – حلقة فيينا وأتباعهم – أنها الحقيقة وما عداها باطل، ونسُوا أن دعاواهم ظنون، وأن حقهم الذي يدّعون يختلف عن حقِّ يدّعيه غيرهم من غير مذهبهم، بل إن من المسلمين من تبنى هذه الفكر المدرسي وراح يحاكم به كل شيء حتى اشتبه كلامه فمسّ الدين نفسه، فوسم الميتافيزيقا بالتخريف في أشد الأوصاف تجريحا، ثم كان ما كان، وعلم أنه كان على خطأ، فلطَّف من هجوه وقال: بل هو موقفٌ[93]. ثم راح يعيد بناء فكره على أصول إسلامية بعد أن ندم بلسان الحال، كما ندم بلسان المقال، وقال[94]: "كنت لفترة طويلة واحداً من أولئك الذين ضلُّوا سبيل الحق في هذا الصدد (يقصد اتباع المنهج الغربي القذة بالقذة)، فبالغت كما بالغوا، حتى أراد لي الله رؤية أهدى."، والحقيقة أن حاله حال من كان لا يعلم، فلما علم أن علم الإنسان لا يستبدل بعلم الله للإنسان، عاد إليه، عاد – في حساب المعاني – أمّياً، يتلقى من الدين أبجديات الفهم والفكر من جديد، وهي الأمية التي ليست بالضرورة أبجديات اللغة وحساب الأعداد، كما يفهمها المُعْجَميّون، ومن شاع من ورائهم، وإنما الفكر المحمول على هذه الأبجديات وتلك الأعداد.
ولا يبعد كثيراً الموقف السالف عن موقف أبي المعالي الجويني (إمام الحرمين) – على ما بينهما من 10 قرون كاملة – وذلك حين قال بعدما خاض مرارة التجربة[95]: " لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه. والآن : إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني. وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي - أو قال - : عقيدة عجائز نيسابور "!!! .... وهل عقيدة أمِّه أو عقيدة عجائز نيسابور شيء آخر غير (الأمِّية) وما فيها من البراءة الأصلية؟! .... وقد أشرنا إلى مدح القرضاوي لإمام الحرمين ابن الجويني، فإن كان هذا هو حال الممدوح، فما بالنا بمن وراءه ممن خاضوا هذه التجارب الفكرية الأليمة ولم ينتبهوا لما وقعوا فيه من شباك الفكر[96]؟!

دراسات موازية لدراسة توماس كيون الناقضة لادعاءات الموضوعية والصرامة العلمية:

لم يكن كتاب "بنية الثورات العلمية" العمل الوحيد الذي انتقد زهو العلماء بمناهجهم التي لا تخطئ، فالظاهرة أوضح من أن ينتبه لها باحث منفرد، ورغم أن حصر الأعمال التي جاءت في هذا الشأن أمرٌ عسير، ألا أن الثورة المعلوماتية قد بدأت تفضح أصحاب الدعاوى الزائفة، و رُويداً رُويداً تتكشف الحقائق، وأصبح الآن كثيرٌ من العلماء المعنيين بهذا الشأن المنهجي والفلسفي في الفكر العلمي، يعلمون بكتاب لودفيج فليك Ludwik Fleck، وهو طبيب بولندي الأصل، وجاء كتابه بعنوان "نشأة وتطور الحقائق العلمية" The Genesis and Development of a Scientific [97]Fact في ترجمته الإنجليزية، وقد احتوى على تحليلات، تلتقي في كثيراً من نتائجها مع تحليلات توماس كيون، وقد صدر كتابه مبكراً جداً عن كتاب كيون، وكان ذلك سنة 1935.
وإذا اعتبرنا توماس كيون مثالاً أول في نقض الموضوعية العلمية المزعومة، ولودفيج فليك مثالاً ثان، فيمكننا أن نجد أمثلة أخرى عديدة – سنستعرض بعضها الآن- بما يجعل من مسألة الموضوعية مسألة جدلية على نحوٍ مثير!

مثال ثالث، مايكل بولاني Michael Polanyi (1891-1976):  

وهو مجري الجنسية، وفي عدد من أعماله، ومنها كتاب "شخصانية المعرفة" personal knowledge (1958)، سلَّط بولاني الضوء على أن العالِم الباحث شخصٌ حي، وإنسان ذو وعي، ونفس منفعلة، وليس ماكينة منطقية لا إنسانية، بل إن قيم الإنسان حاضرة بالضرورة في أعماله بما فيه العلمية منها، ويقع خلف عملية التعقل إنسان كامل الإنسانية. وصناعة العلم التي يقوم بها الإنسان ليست مجردة، بل هي مُشرَّبة بتصورات ضمنية عميقة، ولا يختلف العلم في ذلك عن أي حرفة أو فن يمارسه الإنسان، فكل من هذه النشاطات تتضمن معرفة ضمنية مكنونة في نفس القائم بها. وإن كان من الصعب استخلاص هذه المعرفة الضمنية في كل فن من ذلك وتدوينها وتوصيفها في كتاب تعليمي، إلا أن كل خبير صاحب فن ما، يعرف بحسّه الداخلي كيف يُفعّل هذه المعرفة الضمنية في إبداع عمله الفني. وهذا ما يبرر ربما أن هذه المهارات لا تُلقَّن من الخبير إلى تلاميذه، ولا يستطيعوا اقتناصها إلا بكثير من المخالطة والاحتكاك في العمل، ويغلب عليهم أن يفقدوا منها الكثير الذي لا يستطيع صاحب الفن أن يصيغه كلاماً أو فعلاً، لأنه من نسيج نفسه الذي يستحيل أن يُنسَج مع نفس غيره. وانتقد بولاني بشدة - بناءاً على هذا الفهم - تلقين طلاب العلم أن العلم ليس إلا تطبيق مباشر لمنطق البحث العلمي على وقائع حقيقية، وكان مُبرَّرُه في ذلك أن ممارسة العلم فن أو حرفة، وليس برنامج عمل منطقي كتلك التي تُلقَّن بها الماكينات الحاسوبية. الأمر الذي يجعل من المقابلة بين مفهوم التعقل ومفهوم الحوسبة - كما كان يريد "هابز" و "لايبنتز" - مقابلة لا يتكافأ طرفاها، وهو الأمر الذي يضع قيوداً صارمة على مشاريع الذكاء الاصطناعي على خلاف ما يريد مؤيدوها من العلماء. ومن دواعي التعقل الذي يمارسه الباحث العلمي أن يأخذ قرارات بحثية ليست منطقية من حيث التصنيف، بل هي إلى الحدس أقرب. ويقترب هذا الفهم كثيراً من موقف هنري بوانكاريه من أن المنطق ليس وحده كافياً في إبداع الرياضيات وخاصة الرياضيات الفيزيائية، ومن دون حدس، لا يمكن للعالم أن يصل إلى أي شيء باستخدام المنطق وحده.

وكمثال رابع: جيروم رافيتس Jerome Ravetz (1930- )

يمثل جيروم رافيتس - ضمن آخرين – اتجاهاً مناهجياً بدت معالمه تتعاظم، يقول فيه[98]: "أن الفكر العلمي الغربي والمعرفة العلمية الغربية ليستا إلا مُواضَعة اجتماعية بين مجتمع العلماء، ويرتفع بنيانه طبقاً لأعراف تتعين بينهم صراحة أو ضمناً، وتتغير مع حصيلة الخبرة المكتسبة، وتتأسس من قِبَل هؤلاء العلماء، وليس من قبل وحي متعالي." (نرجو التأمل بعمق لهذا القول الأخير منه) وأصبح لذلك الاتجاه عنوانٌ رنانٌ في أدبيات المنهجيات ونظريات المعرفة، تم تداوله كثيراً في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، بل امتد أيضاً في التسعينيات، ومن غير فتور واضح مع بدايات القرن العشرين، وهو البنيوية الاجتماعية للمعرفة العلمية social construction of scientific knowledge.
والحاصل أن رافيتس قد نشر كتاباً عام 1971 بعنون "المعرفة العلمية ومشاكلها الاجتماعية" scientific knowledge and its social problems، وقد بدأ بفكرته التي تقول أن ممارسة العلم ليست إلا حرفة أو صناعة craft، ولا يخفى على القارئ أننا وكأننا نسمع صدىً من صوت بولاني الذي قابلناه لتوِّنا أعلى، والذي قال فيه أن ممارسة العلم فنٌ، وليس تطبيقاً ميكانيكياً للمنطق على بيانات محايدة، ولكن، من دون مهارات خاصة مثل مهارات الحرفي الخبير في صناعة أو حرفة ما، لا يمكن للباحث العلمي أن ينتج بحثاً علمياً، هذا إضافةً إلى أنه أيضاً عمل ذا مذاق شخصي، وروح بحثية ضمنية تتشابك مع مهنة البحث، التي عنها تتولد المعرفة. وهنا نجد أن رافيتس يقول شيئاً شديد الشبه بذلك عندما يقول أن ممارسة العلم هو حرفة، ومثلها مثل أي حرفة، لا بد أن تتشكل معالمها تشكلاً اجتماعياً، وهذه هو بيت القصيد في كلامه.
ومعنى كلام  رافيتس - مرة أخرى – أننا بقبولنا أن ممارسة العلم حرفة، فعلينا أن نقبل أن - أي عضو في مجتمع هذه المهنة عليه أن  يستجيب لمتطلبات السياقات الاجتماعية التي في بحرها يؤدي عمله. ومن هذه السياقات: العملاء الذين يتداول معهم المنتج العلمي، والقيم الأدبية والأخلاقية التي تعم فئة المنخرطين بنفس المهنة/الحرفة، ونوع المنتج ومستوى الجودة والحرفية التي تواضع عليها أهل الصنعة ومتطلبات السوق الترويجي لهذه السلعة العلمية. ولكي نقول أن ممارسة العلم مهنة، فإننا نقول أنها تحتل ركناً اجتماعياً ذا معالم مميزة عن غيرها من الأركان، وأن هذه الممارسة لها محددات للقيمة، مبثوثة في أدبيات المهنة. وهذه المحددات تشمل كلا الجانبين المعرفي والتقني – حسب مقولات رافيتس في كتابه.
وعلينا أن نتذكر أن الشائع حتى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أن الوعاء التكنومعرفي لا محل فيه للقيم (التكنومعرفية زواج جامع لكلا المعرفتين التكنولوجية والمعرفة التنظيرية الإبستيمية، المتمايزتين أصلاً عن بعضهما)، وأن القيمة تتدخل فقط عندما نقرر كيف سنستخدم هذا المُنتَج التكنومعرفي. فالمعرفة النووية واستخراج طاقتها نظرية تكنومعرفية ولها شقّين في الاستخدام: إبادة الناس أو تأمين الطاقة والعلاج الجديد لهم!  وعندئذ لا يصبح السؤال: "أي الشقين هو الذي سيستخدمه الإنسان؟" جزءاً من العلم ذاته! ويبدو كأنه محايد تجاه الاستخدام! هكذا كان الشائع حتى بداية السبعينيات! وكان مدعوماً بما يكفيه من قرائن تمتد زمناً طويلاً لعدة قرون من أيام بيكون، بحكم أن المعرفة العلمية محايدة؛ لأنها فقط تصف الواقع على ما هو عليه!!!
ولكن، إذا كان العلم حرفة/مهنة – وهو الخط المحوري لكتاب رافيتز – فلا بد أنه محكوم بمنظومة قيم valuational تُنظمه وتُثمّن مُنتجه وتراجع أعضاءه بالمؤاخذة والاستبعاد مثلما تكافئهم على إبداعهم وخدمتهم المهنة ورسالتها. وإذا كانت حرفة صناعة الأسلحة محض حرفة محايدة، تستخدم منتجاتها في قتل الأشرار كما تستخدم في قتل الأبرياء، وأن الأسلحة لا تقتل الناس، وإنما الناس هم الذين يقتلون الناس، إلا أن الأسلحة قد صُنعت لتقتل، وصُممت لأداء هذا الغرض! بمعنى أن هناك قيمة متشابكة في بنيوية أي حرفة، تَعمَّد مجتمع المهنة أن يشملها في صناعة الحرفة، لأن لها ببساطة غرض وظيفي. وهذا ما نلاحظه في ما نستخدمه من صناعات، فغرض الهاتف النقال على سبيل المثال يختلف عن غرض الهاتف الثابت، فانعكس هذا الاختلاف في المنتج نفسه، ويقول رافيتس أنه بنفس المنطق لا بد أن يختلف منتج المعرفة العلمية أيضاً لأنه منتج صناعي/حرفي. ولأن إنتاج المعرفة حرفة، فالعلماء أنفسهم هم الذين يُنتجون مسائلهم العلمية، بمعنى أن اختلاف الناس ينعكس في اختلافهم في رؤية مسائل الكون والحياة، ومعظم الناس لا يرون مشاكل إطلاقاً في مثل هذه المسائل، والتي تستثير - من ثم - فقط العلماء.
وإذا ما هَيْكل العالِمُ مسألته التي انتبذته لحلها، يعود إليه بالكلية طرح الأسئلة التي يجب أو ينبغي أن يُجيب عنها، وليس ذلك فقط، بل إن الإجابة عن تلك الأسئلة، ومن ثم حل المسألة، يجب أن يتوافق ومعايير المهنة التي رسم المجتمع العلمي قِيَمِها، وجواز مرور المنتج الصالح منها من غيره. بمعنى أن المنتج العلمي له معايير جودة خاصة تختلف كما تختلف المهن الحِرَفيَّة الأخرى حسب المواضعة بين أعضاء المجتمع. وقد يتأخر قبول المنتج العلمي، ويضطر المجتمع العلمي إلى قبوله بعد حين، نتيجة ضغوط اعتبارية، أو تزكية علمية، أو دعم نظري أو تجريبي، يظهر بعد غياب!
ومثال لذلك، ما كان من تأخر قبول أعمال هاوارد تيمن Howard Temin (1934-1996) لمدة ست سنوات، والذي فيه قال بإمكانية أن يقوم جزئ رنا RNA بإعادة إنتاج نفسه باتصاله بجزئ دنا DNA، وهي العملية المسمَّاة بـ "النسخ الحيوي المنعكس" reverse transcriptase. ولنلاحظ أنه العمل الذي حصل على جائزة نوبل عليه عام 1975! (بالمشاركة مع كل من ريناتو دولبيكو Renato Dulbecco وديفيد بالتيمور David Baltimore) وتبين أن فيروس الإيدز ينتهج نفس التقنية التي يعيد بها إجراء عملية النسخ وهو ما سبب إعادة تسميته بالفيروس الانعكاسي retrovirus .... فما معنى نبذ العمل العلمي ست سنوات، ثم قبوله، ثم رفعه على عنان السماء؟!
ومثال آخر، ما كان من التهكم الممتد لسنوات على "ستانلي بروسينر" Stanley Prusiner (1942- ) لفكرته عن البريونات prions (وهي مستحثَّات مُعدية تتركب أساساً من البروتينات، وتصيب الدماغ والجهاز العصبي، وجميعها مُميت، ولا يُعرف له علاج بعد. وتمثل فيه البريونات نقاط أو مواضع الالتهاب المفترضة)، وفجأة، وبعد أن أمكنه تفسير مرض جنون البقر mad cow disease بناءاً على فرضيته القائمة على البريونات، انقلب الحال وحصل على جائزة لاسكار[99] Lasker Foundation Award عام 1994  ثم جائزة نوبل عام 1997 عن ذلك، وناله من التقدير والتفخيم ما ناله، فسبحان مُغير أحوال العلم والعلماء.
ما معنى ذلك؟ ... معناه أن المجتمع العلمي هو الذي يقرر ما الذي يُعتبر حلاً علمياً وما لا يُعتبر! وهذا هو ما قصده رافيتس بأن المعرفة العلمية ذات هيكلية اجتماعية.
وكمثال خامس، نوروود هانسن Norwood Hanson (1925-1967)، وكان أستاذاً في جامعة ييل ومن المؤرخين للعلم، وصدر له كتاب بعنوان "أنماط الاكتشاف العلمي" Patterns of Discovery (1958) أراد فيه أن يقول ما موجزه: "أن الناس هي التي ترى وليست العيون" “people see, eyes do not see”. ولا بد أن نلمح مباشرة في هذه العبارة قول الحق سبحانه وتعالى "َإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"(الحج:46)[100]. وأراد هانسن من مقولته تلك أن يقول أن الرؤية لا تستوي بين الناس، بل تعتمد على من نحن، وما نعتقد، وما هي توقعاتنا.
وفي أيامنا هذه يؤيد علماء المعرفة العصبية cognitive neuroscientists بعدد من الأدلة أن الإدراك والفهم perception يتشكلان بعدد من العوامل مثل اللغة، والسياق الاجتماعي، وحدس الإنسان عما يتوقع أن تستقبله حواسه في مواقف بعينها. وقد وجّه هانسن فكرته تلك رداً على أصحاب الوضعية المنطقية logical positivists الذين قالوا أن: "مقولات النظريات يجب أن تنفصل عن مقولات الملاحظات التجريبية". لذا ينضم هانسن إلى المعارضين لذلك الادعاء بأن النظرية والملاحظة التجريبية مسألتان منفصلتان، وعلى النقيض من ذلك دعى هانسن إلى تأييد كلامه برفعه شعار يقول فيه أن: "الملاحظة دائما ما تكون مشحونة بالنظرية"  “observation is always theory-laden”. وهو الشعار الذي أثار جدلاً بالغ الحدة، الأمر الذي حدا بأحد الباحثين في ثمانينيات القرن العشرين إلى التعبير عن خطورة هذا الشعار على مفاهيم الواقعية التي ينبغي تمثلها .
ويتوافق شعار هانسن السابق بشكل كامل مع دعوى "كيون" بأن النظرية والملاحظة متداخلتان إلى حدٍّ بعيد. والمقصود بـ "الملاحظة" في فلسفة العلوم بالطبع هي الملاحظة العلمية scientific observation، التي يقرأ فيها الباحث الظاهرة بعينه الداخلية، ويصيغها بعبارته الكلامية أو الرياضية. ومثال لذلك أنه إذا كان الشيء المُلاحَظ هو الشمس في حركتها في السماء، وكان يرقبها اثنان من الباحثين: فأحدهما قد يعبر عن هذه الظاهرة بأنها تعود لمركزية الأرض، والآخر قد يعبِّر عن نفس الظاهرة بأنه تعود لمركزية الشمس، فالظاهرة واحدة، لكن الملاحظتين العلميتين مختلفتان. فالناس هي التي ترى وليس العيون، وهذا هو شعار هانسن.
وهذا الشعار وصياغته وفكرة شحن الملاحظة بالنظرية ينعكس على مرادنا الذي نحن بصدده في هذه الدراسة، وهو أن التعليم المتمثل بالكتابة والحساب هو باب الخروج (وفقط باب الخروج) من الأمية الخالصة، لماذا؟ لأن الكتابة والحساب – وبمنطق فكري قريب – مشحونتان بالنظرية. بمعنى أن العلة في كون "الأمّي" هو من لا يعلم الكتابة والحساب – حسب ما استدل المعجميون والمفسرون والشارحون- ليس في المعرفة الآلية لحروف الكتابة وقواعدها، ولا في أبجديات الحساب وعملياته، وإنما في النظريات المحمولة على هذه الوسائط المعرفية، فحديث (السبعة أحرف) يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في أمثلة الأميين: "والرجل ... الذي لم يقرأ كتاباً قط"، وهذا يختلف عن "من لم يقرأ قط" وورود لفظ "الكتاب" في هذه العبارة يشير إلى محمول القراءة، وهو ما نقصد بأنّ القراءة هنا مشحونة بالنظرية.
وعلى ذلك، فمن تعلم هذه الوسائط تعلماً يفرغها بمهارة من أي محمولات تنظيرية (رغم صعوبة ذلك)، فصاحبها ما زال في عداد الأميين (وعلى ذلك، فمن تعلم القراءة والكتابة والحساب ولم يوظفهم أبدأ، فهو - بهذا المعنى- أُمِّي)، وفقط إذا بدأ في تعلم نظريات محمولة على أي وسائط فهو في طريقه للخروج من الأمية، حتى وإن كانت هذه الوسائط غير الكتابة والحساب. لأن كل الوسائط ستستوي عندئذ في قابليتها للشحن بالنظريات: الكتابة والقراءة، والحساب، والخطب المسموعة، وأجهزة الإعلام وما تلقيه من برامج حوارية، ونشرات الأخبار وما تلقيه على أسماع الناس، والمحاضرات، والأفلام السينمائية والمسلسلات وأفلام الكارتون للأطفال حتى قبل تعلمهم القراءة، وألعاب الكومبيوتر ... إلخ. كل هذه الوسائط ليست هي المسئولة عن هتك الأمية إذا تجردت من محمولاته عليها، وإنما يهتكها ما حُمِّل عليها من مفاهيم ومقولات تقرأها النفس أحياناً قبل الحواس[101].
ونستكمل الأمثلة الموازية لتوماس كيون، فنأتي بمثال سادس، وهو بول فايرآبندPaul Feyerabend (1924-1994): وهو من فلاسفة العلم المعروفين، والذي أيَّد موقف "كيون"، غير أنه أخذ عليه أنه لم يذهب إلى ما ذهب إليه من نقد منهجيات العلم نقداً كافياً، ولم يكشف بالحقيقة الأشد إيلاماً وهي أن العلم المكتسب علم نسبي بكل المعايير! وأن الحقيقة العلمية مسألة نسبية لا شك في ذلك! ومن الشعارات التي كان يُنادي بها فايرآبند: "أن العقلانية ليست صاحبة الكلمة الأخيرة عن الحقيقة والمعرفة" rationality is not the last word in truth and knowledge، و"العقلانية ليست الوسيلة الوحيدة التي نحكم بها على مصداقية مقولات الحقيقة ومقولات المعرفة" rationality is not the only means by which we anchor truth claims and knowledge claims. ويؤمن "فايرآبند" بأننا ينبغي أن نفهم الحقيقة والمعرفة من منظور تاريخي، وأن ما نفهمه عن الحقيقة والمعرفة ليست حقائق واقعية عن العالم ولكنها قوالب مفاهيمية conceptual categories نُسقطها نحن في خضم مشروع عقلنة الخبرة making experience intelligible الذي نتبناه. وما دام أن هذه الإسقاطات تاريخية، فلا بد أن تكون نِسبَويّة. ولا يقصد "فايرآبند" هنا بأن "النسبوية" relativism تعني تكافؤ الأدلة بتعبيرات الفلسفة العربية، ولكنها في مراده تتضمن:  "نسبوية تحليل مقولات الحقيقة ومقولات المعرفة في السياقات التي أجريت فيها"،
وإذا أردنا أن نفهم مراد فايرآبند، نقابله مع المنظور – المعياري – والذي يأتي على نقيض من دعوى فايرآبند. يقول هذا المنظور: أن هناك حقيقة نهاية ultimate reality تمثل الإطار المرجعي الذي تُحاكم بالنسبة إليه دعاوى الحقيقة والمعرفة، وأن هذا الإطار موجود ومستقل عنّا استقلالاً تاماً، وسواء اكتشفناه أو لم نكتشفه، وسواء صحت فكرتنا عنه أو أخطأت، فلا علاقة له بخبرتنا المكتسبة، إذ أن خبرتنا في أفضل أحوالها لا تزيد عن محتوى مُشوَّه من لقطات واجتزاءات عن ذلك الإطار، وأن علينا أن نستخدم العقل لنتغلب على ذلك التشويه. وهذا المنظور قد تبناه أفلاطون قديماً، وتبناه ديكارت لاحقاً، وهو المنظور الذي قامت عليه ميكانيكا نيوتن في أرضية بِنيتها، والذي كان فيه المكان والزمان الإطاران المُطلقان والمتمايزان لكل ما يقع في الكون من حوادث.  (لاحظ أن نظرية النسبية[102] relativity بشقيها الخاص والعام كانت ثورة على هذا المنظور المعياري)
أما منظور فايرآبند فيقول: "لا يوجد هذا الذي ظنوه بالإطار المرجعي المطلق! أنظروا... مضى أكثر من 23 قرن من الزمان في البحث عنه ولم نصل إليه! ... علينا أن نُسَلّم بأنه وَهْم ... ما هي معايير هذا الإطار المرجعي؟ .... فالكل يعترف بأنه ليس هناك من معايير لذلك الإطار الحقيقي بحيث أننا إذا خرجنا من دائرة خبرتنا فسوف نطّلع عليها! ... فالتصديق بذلك ليس إلا اعتقاد دوجمائي على شاكلة الاعتقادات الدينية. ( علينا أن نلاحظ أن هذا الكلام هو نفس ما قاله جون ديوي John Dewey في كتابه "البحث عن اليقين"  the quest for certainty سنة 1929).
هذا وقد نشر فايرآبند كتاباً بعنوان "في مواجهة المنهج" Against Method عام 1975 يقول فيه: "لا يوجد هناك في الحقيقة منهجاً علمياً للبحث العلمي والاكتشاف! ... فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بما سيجده الباحث في طريقه البحثي! ... فقد يرى أحدهم في ما يراه النائم أن عليه أن يفعل كذا في بحثه فيستيقظ فيفعله ... والبعض الآخر يتبع خطوات بحثية نظامية ويُدوّن إجراءاته بدقة ... وبعضٌ ثالث يجرب أشياء هنا وهناك ثم يجد من أحدها أن هناك نتيجة!" ... ولا يقصد "فايرآبند" من قوله ذلك أن العلم ليس عقلانياً، ولكنه يريد أن يقول أنه ليس هناك من طريقة علمية نظامية formal method واحدة مضمونة، بحيث ينتقل بها الباحث من البيانات التجريبية الخام، وإلى أن تصل به تلك الطريقة النظامية إلى صياغة نظرية صحيحة مُرضية لهذه البيانات. وبناءاً على ذلك يقول: "إن تصوراتنا عن الحقيقة والمعرفة يجب أن تُفهم في إطار تاريخي – ويقصد بذلك نسبوي – وأننا يجب أن نقبل أن الغموض ambiguity  والاختلاف contradiction تمثل مسلّمات أولية لعملية التفكر البحثي"، ويقصد أننا لا يمكن أن نتخلص من هذا الغموض وهذه الاختلافات في أفكارنا عن الخبرة. وإذا كنا نستطيع أن نفعل ذلك في تصميمنا لألعابنا الفكرية عندما نخترع لها قانون ينظم عملها، إلا أننا لن نستطيع أن نُكوِّن معرفة لخبرتنا ينمحي منها بالكليّة كل غموض وكل اختلاف، وسوف يبقى على الدوام هناك الغموض والاختلاف[103].
ينبغي لنا أن ننتبه إلى أن "فايرآبند" يقصد المعرفة الصحيحة المطلقة، ولا يُنكر فائدة العلم.

 مثال سابع:  ميشيل فوكو Michel Foucault (1926-1984)

كان "فوكو" من المهاجمين للموضوعية في الفكر بشكل عام، وبشكل مستقل إلى حدِّ كبير عن منهج "كيون" النقدي الذي رأيناه أعلى، ورغم أن فوكو لم يكن معنياً بالفكر العلمي ذاته، إلا أن الناقد إذا مسَّ الموضوعية والمعرفة من أي من جوانبها، فلا بد أن يمس نقده العلم والفكر العلمي، شاء أم أبى. ذلك لأن العلم والفكر العلمي قد استشرى في الفكر الغربي وتجذَّر فيه، فإذا تعلّق الأمر بنقد الموضوعية فلا بد أن يمس الفكر الإنساني الغربي الكثير من شرر تهتك الموضوعية.
صدر لـ "فوكو" كتابين هامين؛ الأول هو: "تراتب الأشياء: التشريح التاريخي للعلوم الإنسانية" the order of things: An Archaeology of the Human Sciences ، أو ما كان اسمه في الفرنسية "الألفاظ والأشياء: التشريح التاريخي للعلوم الإنسانية" Les Mots et les choses. Une archéologie des sciences humaines. أما الكتاب الثاني فعنوانه: "التشريح التاريخي للمعرفة" the archaeology of knowledge. وفي هذين الكتابين – وهو ما تم تفصيله في كتب لاحقة - طوَّر فوكو منظوراً لتطور المفاهيم التي تستخدمها المجتمعات الغربية – والثقافة الغربية – في تنظيمها للخبرة المكتسبة بشكل معين. وتمثَّل ذلك في دراسات خاصة أجراها على ظواهر بعينها مثل: الجنون، والمرض، والجنس، والجريمة، وبيَّن في كل حالة من هذه الحالات الأربعة المراد من الظاهرة، وكيف تم تعريفها، وكان نتيجة ذلك أن وجد أن الإجابات تتفاوت بشكل جذري! وتعتمد على منظور المجتمعات الغربية المختلفة والمتعاقبة، وتعتمد على السياقات الاجتماعية التي بتفاوتها تتعين معالم تلك الظواهر من حيث المعنى والتعريف. أي أن المنظور نسبي، ويتغير تعريف المجتمع للظاهرة بتغير الإطار المفهومي مع الزمن. وهذا يجعل من تعريف تلك الظواهر الاجتماعية – إذا كان لها أي معانِ مميزة – يقوم فقط على المرجعيات التنظيمية في كل مجتمع على حدى. وتكلم "فوكو" عن طريقته البحثية تلك، بما أطلق عليه "المنهج التشريحي التاريخي" archaeological method أو المنهج التنقيبي excavation method، والتي فيها يلاحق تتابع فهم تلك الظواهر في المجتمعات الغربية، ويُعرِّي الوعي الكامن بها، فيجد أنها ليست مفاهيم طبيعية مطلقة، ولكنها مفاهيم وتصورات نسبية صناعية، أخرجها كل مجتمع حسب منظوره، وانعكست فيها تغيرات السياقات الاجتماعية التي أخرجتها.
وفي تطور لاحق لأفكار "فوكو"، ربط بين التأثيرات التوظيفية لتلك المفاهيم المتبدلة، ومنشأ تبدل المفاهيم ذاتها، بما سماه "المنهج النَّسَبي" genealogical method، وفيه تكون الأحكام اللاحقة للمجتمع عن الظاهرة تابعة لما آل إليه تعريفها ومفهومها. وحيث أن مفهوم الظاهرة في الوعي الاجتماعي والعلمي ما هو إلاّ "معرفة" knowledge؛ فيصل فوكو إلى النتيجة التي لا مفر منها، وهي أن المعرفة هنا – بمعناها الشامل – ليست عطاءاً given مقدساً  (... إسمعي يا جارة)، بمعنى أنه ليس هناك من مُعجَم مطلق يمكننا بالرجوع إليه، أن نعرف ما هي المعرفة التي نستقر عليها (... إنهم يبحثون إذاً عن كلام الإله الخالق الذي لا مُبدِّل لكلماته). ويقصد فوكو من ذلك أن مفهوم "المعرفة" – يقصد مفاهيمنا للأشياء والظواهر – يتغير مع الزمن، وبصورة مُعمَّقة مع تغير السياقات الاجتماعية.
وتُذكِّرنا هذه النتيجة بنسبوية "فايرآبند" وتاريخيته، وإن كان المدخل والتعبير مختلفان. والاختلاف يرجع إلى أن فوكو ربط بالفعل بين تنظيره وما آل إليه من نتائج، بحالات دراسية عينية، نقصد: الظواهر الاجتماعية التي درسها، وهي: الجنون، والفقر، والجنس، والجريمة.
والنتيجة العامة من هنا أو هناك تقودنا إلى نتيجة واحدة وهي أن:
[منظومة المفاهيم التصنيفية التي ننظم من خلالها انعكاسات الخبرة على تصوراتنا، هي منظومة مُختَلَقة نصنعها نحن، وليست منظومة طبيعية نكتشفها.]


مثال ثامن: جاك دريدا Jacque Derrida (1930-2004)

شنّ دريدا نقداً أشد تأصيلاً وتجذّراً على التقاليد العقلانية الغربية. وقد بنى دريدا نقده على نظرية في اللغة لعالم اللسانيات الشهير فرديناند دو سسْوور Ferdinand de Saussure كان فحواها أن اللغة نظام مغلق من العلامات الاعتباطية closed system of arbitrary signs، والتي لا ترتبط بالضرورة بما تُشير إليه العلامات المكتوبة أو المسموعة[104]، وما يكسب اللغة وعباراتها معنى، هو العلاقات الداخلية بين تلك العلامات. وقد طوّر دريدا وعمم هذه النظرية إلى معنى يقول فيه أنه ليس هناك من معنى ضروري لأي نص! لأن المعاني لا نهاية لها بحكم أن منظومات العلامات – المتمثلة في العلاقات المعقدة الداخلية بين عناصر النص - لا نهاية لها، إضافة إلى الانعكاسات العديدة المحتملة للنص على ذهن المتلقي. ولا تقصر القدرة على تحديد المعنى عن المتلقي وحده، بل إن مؤلف النص نفسه لا يستطيعه! ولن يستطيع القول بأن المعنى وحيد وهو كذا! ... لماذا؟ .... لأن المؤلف لا يملك الإحاطة بكل الاحتمالات الممكنة التي يمكن أن تتولد عن النص الذي كتبه هو نفسه بعباراته ومقاطعه، من مجازات، واستعارات ، وبلاغة، وظلال .. إلخ. ....
وبناءاً على ذلك لن يستطيع الباحث أن يُوصِّف مسبقاً معياراً للتفسير الجيد أو المقبول للنص، ولا يعني ذلك أن كل التفسيرات تتكافأ، بل يعني أنه من المستحيل وضع قواعد يمكن للباحث إذا اتبعها أن يحصل على تفسير جيد. ....  وفقط ... بعد أن نستمع إلى تفسير مفسر النص يمكن أن نحكم عليه هل هو تفسير جيد أو غير جيد.  لماذا؟ ... لأن فعل النص في النفس بمعنى ما، لا تنحصر أسبابه وأسواره، والنفس السامعة نفسها جزء من المعادلة بما تَعْلم أو لا تَعْلم، وبما تنفعل أو لا تنفعل، ناهيك عن عدم انحصار المعنى قبل سماعه. ...
الخطوة التالية التي فعلها "دريدا" هو تعميم معنى النص – مثلما عمّم "فوكو" معنى الظاهرة الاجتماعية – إلى "المعرفة". وبهذا التعميم، سنجد أن كل شيء أصبح نصاً، فما يستقبله البصر من أشياء أصبحت كلها نصوصاً. فالسيارة المرسيدس "نص" يختلف عن "نص" آخر من نوعه هو سيارة بي إم دبليو، والثوب الأبيض "نص" يختلف عن "نص" الجاكيت والبنطال، وهكذا يمكن قراءة أي شيء وكل شيء؛ المباني، تسريحات الشهر، اللوحات الفنية، لحن الكلام، النغم الموسيقي...إلخ والشاهد أنه ليس هناك من حدِّ يقول لك: ما هو المعنى الصحيح لكل نص من هذه النصوص؟!
وقد سمّى دريدا طريقةً أو منهجاً انتهجه بإسم "التفكيكية" deconstruction، أراد  بها أن تكون "طريقة لإظهار تلك المستويات التأويلية الدفينة في النص، والتي تختبئ في ظلاله البلاغية". وبمعنى آخر، أرادت التفكيكية أن تتجسس أو تتلصص على النص أو تدخل كواليسه لتطّلع على التقاطعات والارتباطات المعنوية التي تريد سلطات النص أن تُعمِّيها على القارئ. وقد تكون هذه السلطة هي المؤلف نفسه، والذي يزعم أنه ما أراد إلا معنى كذا دون غيره.
ويُعتبر "دريدا" و"فوكو" رائدان معاصران من رواد ما بات يُسمّى بمدرسة "التأويل الهرمنيوطيقي"[105] hermeneutic interpretation وذلك في مقابل المدرسة التحليلية بصفتها كانت المدرسة الوحيدة التي تنقب عن مستويات المعنى المتعددة في النص، وبتطبيق ذلك على العلم، يصبح معنى العلم في أي لحظة، أنه: "تأويلاً للخبرة"، وتنجلي الصورة عندئذ بلا نهائية التأويلات المحتملة التي من الممكن أن نصل إليها، سواء بتغير الخبرة التي نكتسبها، أو بانفعالنا معها على نحوٍ مختلف. وذلك مثلما أننا انفعلنا على نحو مختلف بما تعنيه ظواهر الجنون، والفقر، والمرض، والجنس، والجريمة، والتي كانت عينات الدراسة عند فوكو. لذلك، ينطبق نفس الشيئ على الخبرة عند دريدا كما هي عند فوكو. وكانت النتيجة أن دفع كل من "فوكو" و "دريدا" بفكرة كيون في نقده لموضوعية المعرفة العلمية - صراحة أو ضمناً – إلى اتجاه متعاظم من الحدة radical direction والتأزم.
ومن أهم ما قال دريداً ويمس موضوعَنا في الصميم أن النفس (النفس الإنسانية) هي تركيب أو صناعة اجتماعية. وأن النفس ليست ذلك الشخص الذي يُولَد به كل إنسان، وأننا لا نحيا بتلك النفس البريئة الحياة العقلية والروحية التي ينطلق بها هذا الإنسان بصورته الطبيعية، ولكن النفس هي حصيلة التفاعل الاجتماعي، والنتيجة هي أن المجتمع يتقدم على الفرد، وقد حاول معارضون أن يُبَرءوا المجتمع من ذلك من أمثال آلان رينو Alain Renaut.
ولو دققنا النظر فسنجد أن دريدا يؤكد ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين قال[106]: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" وفي نهاية الحديث، يقرأ صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: "فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ"(الروم:30). ونكرر ما قلناه سابقاً من أن هذه الفطرة هي الأمية في صورتها المعرفية، وتمييز الفعل الاجتماعي في تشكيلها أو تشويهها هو بيت القصيد في موضوعنا.

خلاصة انكشاف تلبيس الحق والباطل في العلم الإنساني الصناعة

هل يبرأ العلم الغربي من التهم السابقة، والتي أثارها النقد المتتابع لمنهجه القاصر وخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين؟ - لا يبرأ، وليس معنى ذلك هدمه، فاتهام المذنب لا يعني قتله، بل يعني توجيهه، وألاّ يكون المثل الأعلى، ورغم الحرص الشديد على اكتساب العلم وصناعته حتى مع مخاطر هذه الصناعة إلا بحقها، إلا أن ذلك في حق من وكَّلهم الله في أمرهم. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتركه الله تعالى يخوض فيما يخوض فيه الخائضون، بل حفظه كما حفظ كتابه، وتولَّى سبحانه تعليمه مباشرة بما أوحى إليه. فكان لزاماً أن يظل وعاؤه نظيفاً طاهراً ليتقبل ما يوحى إليه على لا غبش من غبش الدنيا، وطهارة الوعاء تلك هي الأمية. فـ "النبي الأمي" هو الذي لا أثر في علمه لمكتسبات العلم الإنساني المشوش، والمغشوش، على نحو ما رأينا أعلى.  ومَن منّا يقبل أن يأكل في صحن غير مطهَّر مما كان فيه من طعام سابق، وبما اختلط فيه من الصالح والفاسد، والذي تعافه كلُّ نفسٍ ذكية؟! فإذا كان ذلك مذاقنا وحرصنا كما نعلم، فما البال بصحن رسول الله الذي سيُسكب فيه وحيٌ من الله سبحانه[107]. ألا يكون على فطرة خالصة مخلّصة. ... تلك هي الأمية، وذلك هو علم الله تعالى الذي سيسكبه فيه الوحي. فلا يفهمن أحدٌ الأمية على غير ذلك المعنى، ويتعلق بمسألة الكتابة والحساب، وتختلط عليه المعاني، فتزل قدمٌ بعد ثبوتها، ويحرجُ نفسَهُ بسوء فهمه.
وإن كان مِن رسول أرسله الله تعالى، وقد اكتسب من علم الدنيا شيئاً على غير الفطرة قبل بعثته، فلا بد أن يطهِّره الله منه. فهذا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، نشأ في بيت فرعون، وتعلم من ثقافتهم ما تعلم، وهذا لا يُناسب ما هو مكتوب في قدره من رسالة التوراة وما فيها من حكمة ونور من الله تعالى، فكان لا بد أن يتطهر من علوم اختلط فيها حقٌ بباطل. فكان أن أخلصه الله من بيئة فرعون، وقال تعالى له " وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي"(طه: 41)، وأخرجه إلى البداوة والرعي فتتصفى نفسه ويعود (أمياً) من تشويش الفكر وتلبيسه. فكان خروجُه دورةَ تطهير لنفسه وفكره من فاسد الأفكار. ومن ثم يصلح بعدها مهيئاً لاستقبال وحي الله ولِما هو أكبر من ذلك؛ تكليم الله سبحانه له! ... وهكذا لكلّ رسول يحمل رسالة إلهية، يجب ألاّ يحمل معها من فاسد أفكار البشر شيئاً، وما ذلك منه إلا بقائه على "الأمية". أمّا من لم يوحَ إليه شيء، فأنَّى له ألا يكتسب علماً نافعا، وهو فرضٌ لا بديل له لأداء مهمته على هذه الأرض. ولا بد لنا من اكتساب العلم على ما يمسّنا من شرره ما يمسنا، أليس طعامنا فيه الغذاء والمرض، فكذلك أفكارنا فيها الحق والباطل. وإن كان الله تعالى قد تكفّل لنا بفرقانٍ في أجسادنا – أجهزتنا الهاضمة والنابذة - يميز بين صالحه وفاسده، فقد ترك لنا أن نفرق بين حق الأفكار وباطلها بما وهبنا من آليات التعقل والتمييز، وما استشكل علينا فأنزل الله تعالى فرقاناً من عنده نميز به بين الحق والباطل، فكانت مدارسة العلم في حقنا واجبة، وما أشكل علينا أو اختلفنا فيه ففرقان الله تعالى وهَدْي نبيه فيهما الهُدَى كلّه. فالأمية خير من الجهالة، والعلم خير من الأمية، إلاّ حين تلتبس الأمور، فيجب أن نعود فيما التبس وأشكل من الأمور إلى الأمية فيها، مثلما يجب أن نغتسل كلما تلطخت أجسادنا من آثر ممارسة الحياة ولوازم العيش فيها، ونعود لممارسة الحياة بنشاطٍ جديد.

الذين أسلموا من كبار المفكرين: هل عادوا أميين، أم شوّش سابقُ أفكارِهم حديثَ اعتقادهم؟

من الجيد التحقق من النتيجة التي وصلنا إليها – نظرياً – من تأثير الثقافة المعرفية القِبْلِيّة على فكر المقبل على اعتناق الإسلام. وإذا قلنا أن الأمية شرط معرفي لإسلام الإنسان، إنما قصدنا سلامة إسلامه، وخلوصه على الوجه الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس محض الدخول في رحاب الإسلام وقبوله كعضو مسلم في الأمة. بمعنى أنه لكي يستقبل الإنسان الإسلام خالصاً 100% ينبغي - عند اعتناقه لعقائد الإسلام - أن يكون أمياً 100%، من حيث المبدأ، وهذه هي المعادلة التي تحققت – عملياً - في فرد واحد لا على مثال يكافئه، وهذا ليس إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتمَثَّل في قول الله تعالى "النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ". ونقصد بالأمية كما سبق وأوضحنا، بياض صفحته المعرفية من التشويش الفكري الذي هو دائماً أبداً – بحكم التعريف - صناعة إنسانية.
وإذا كان لهذا المبدأ أن يكون صحيحاً، فلا بد أن نجد ملامح من هذا التشويش في أفكار المسلمين الجدد، وخاصَّة إذا كانوا من أصحاب الفكر، عند تبنيهم الإسلام، وقد دخلوه وفي جعبتهم ثقافة علمية وفلسفية بعيدة. ونحن إذ نذكر أمثلة بعينها، فإن ذلك ليس على سبيل الاتهام، وإنما على سبيل اختبار التنظير السابق بيانه، على عينات عملية بغض الطرف عن شُخوص العيِّنة.
ومن الأمثلة الواقعية في الجمع بين الثقافة العميقة بأبعادها الفلسفية ( وهو أقصى ما يتنافى مع الأمية)، وعقيدة الإسلام المبنية على مفهوم "الأمية" على نحو ما شرحنا أعلى، نجد "روجيه جارودي"، وقد اختار الإسلام بعد طول ترحال. فنجد أنه لم يستطع التخلص من عدد من الأفكار التي شوشت عليه الصورة، فكانت مناداته لدعوة إبراهيمية[108] تعم المؤمنين بالأديان السماوية الثلاث أو أن يلتقوا عندها، وهذا حيود بيِّن عن مرامي نصوص القرآن من أن هذه الدعوة، والتي سمَّاها الإسلام: "الحنيفية"، جاءت خالصة مخلّصة في الإسلام. ونجد جارودي في موضع آخر وقد اختلطت عليه معاني الأصولية والسلفية من جهة، وتعيُّنها في مذاهب متباينة من جهة ثانية، واشتباه الاصطلاح الغربي بالاصطلاح الإسلامي من جهة ثالثة، ثم قذفها جميعاً من كنانة واحدة![109].
يتبين من ذلك أن التخلص تماماً من شوائب الثقافة أمرٌ عسير، ورغم أن الإسلام يُطهِّر النفس من آثامها السابقة، إلا أن تطهيرها من أفكارها السابقة لا يتم بالإنابة إلى الله تعالى بالقلب والاغتسال بالجسد وحدهما، بل بمزيد جهد فكري مع خلوص النية لمن هو من أهل الفكر، واستقبال اعتقادي خالص من المصادر الأولى، وتُعد محاولة التطهر من الفكر الزائف المزَيَّن الذي كان قبل اعتناق الإسلام هو في الحقيقة محاولة للعودة إلى "الأميّة"، والتمثُّل بمن اختاره الحكيم العليم رسولاً يتكلم بكلامه ويأمر بأمره وينهى بنهيه، صلى الله عليه وسلم، ثم تَلَقِّي الحكمة من فِيهِ والامتثال لها، وبناء المعرفة الصحيحة – من جنبات الأرض وآفاق السماء - على ضوئها وفي رحابها.
أما الذين هم مسلمون مولداً، ولم يَرْووا كيانهم الفكري بروح الإسلام، ونصاعته، وخلوصه، وبدلاً من ذلك تجرعوا الفلسفة العالمية بكل أطيافها، غثها وسمينها، فاعتقدوا وتبنّوا، وناصروا طغاة الفكر وافتخروا، ولأهل الله وحبه وكلامه عادوا وحاصروا وتهكموا، ولدين الله أرادوا حبساً في زنازينَ قالوا إنها مساجدُ، فمَثًلُهم كمثل إناءٍ كان بمولدهم طاهراً مُطَهَّراً، فسكبوا فيه من الخمر ما أسكرهم، ومن فاسد الطعام ما أمرضهم، ثم تجدهم يتهكمون على من ظلّت أوعيتهم "أميِّة" طاهرة، فأي الفريقين تبتغي النفس الذكيّة مسلكاً، وأيهما تشمئز النفس منه وتهربُ؟!
وقد رأينا أعلاماً قاست من هذه المحن الأليمة ثم أفاقت، ابن الجويني قبل قرون غبرت، وزكي نجيب محمود قبل سنوات هربت، فاسمع كلامهما السابقُ - يا من كنت في هذه الغفلة تائها- واعتبر.
وننتقل الآن إلى الوجه الخامس والأخير من وجوه معاني الأمية:

الوجه الخامس من معاني الأمية: "قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"

قال تعالى "وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76)"(آل عمران).
ما سياق قول اليهود هذا القول؟ وما يٌتوقع منهم أنه مرادهم في قولهم "الأميين" في هذا السياق؟
السياق: قال ابن كثير في تفسيره: [إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العرب؛ فإن الله قد أحلها لنا. قال الله تعالى: "وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا بهذه الضلالة، فَإن الله حَرَّم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بُهْت.]
و[عن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب: "ليس علينا في الأميين سبيل"، قال نبي الله (صلى الله عليه وسلم): "كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر"[110]][111].
وقال الزمخشري في تفسيره لقولهم ذلك: [أي لا يتطرّق علينا عتاب وذم في شأن الأميين، يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم، لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلّون ظلم من خالفهم ويقولون: لم يجعل لهم في كتابنا حُرمة. وقيل: بايع اليهود رجالاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.]
وقال ابن عبد السلام في تفسيره: [(الأُمِّيِّنَ) العرب، قالوا لا سبيل علينا في أموالهم لإشراكهم، أو لتحولهم عن الدين الذي عاملناهم عليه.]
وعدَّدَ الرازي في تفسيره وجوهاً، وقال: [الأول: أنهم مبالغون في التعصب لدينهم، فلا جرم يقولون: يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله. الثاني: أن اليهود قالوا "نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ"(المائدة : 18) والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحدٍ علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا. الثالث : أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، روي أن اليهود بايعوا رجالاً في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا: ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم، وأقول: من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة.]
نقول: أنه لما كذَّبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال كما جاء أعلى: "كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤدّاة إلى البر والفاجر"، فما كان يكذّبهم إلا في ما كان منهم من أن قولهم هذا مٌنَزّلٌ لهم من عند الله. وهذا افتراء منهم لأن الله حرَّم أكل الأمانة مهما كان صاحبها: برٌ أو فاجر.
أما قصدهم من الأميين، فالراجح أنهم لم يقصدوا العرب على العموم، وإلاّ ما كان بينهم وبين العرب من مداينة وقضاء وتجارة قبل الإسلام! فمقصدهم إذاً من قولهم "الأميين"، أنهم "من أسلم من العرب". ويتبقى أمامنا وجهين، إما أن العلة – كما قيل أعلى - هي الارتداد عن دين إلى غيره على العموم، وهذا غير راجح عندنا، إذ أن هذا الأمر لا شأن لهم به لو لم يصاحبه خصومة لهم ومعاداة منهم للدين الجديد. والثاني وهو الراجح: أنهم العرب الذين أسلموا ونشأ بين اليهود وبينهم عداوة وخصومة أبغضوهم على إثرها. وهنا يستحلون ما استحلوا ويقولون "ليس علينا في هؤلاء سبيل".
والسؤال هو: لماذا سمُّوهم "أميين"؟ .... يبدو لنا أحد أمرين: إما أنهم وصفوهم بما وصفهم به القرآن "هُو الَّذِي بَعَثَ فِي الأميِّين رَسُولاً مِنْهُمْ"، أو أنهم أرادوا تسميتهم بصفة يترفعون عنها لأنهم أهل الكتاب دون غيرهم، فتكون العلة تصغيراً لهؤلاء الأميين، وأنهم دونهم في المرتبة التعليمية ومن ثم أرادوا تجهيلهم وتحقيرهم وأنهم فوقهم، وخاصة بما قالوه في موضع آخر: "نَحْنُ أبْنَاءُ الله وأحِبَّاؤه"(المائدة:18) وأنهم ليسوا كباقي البشر، و ردَّ الله تعالى عليهم، "بَلْ أنْتُم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقْ"(المائدة:18)
غير أنه لا يُستبعد أن يكون مقصدهم، وكأنهم يقولون بلسان الحال، أو فيما بينهم: "هؤلاء الذي آمنوا بما جاءهم به محمدُ، وناصبونا العداء بما فضحنا به من أفعالنا، ألا يكفيهم أنهم من العرب الجهلاء الذين لا كتاب لهم، وكنا نعاملهم وكأنهم أمثالنا، مع أن النبوة فينا وكليم الله منا، وما لهم من ذلك من شيء، ...ألا يعلمون أننا خيرٌ منهم، .... ألا يعلمون أن الله قد عهد إلينا أن من عادانا من الأمم تسقط أي حقوق لهم عندنا، بما مكننا في أمثالهم من قبل، وأنه لا سبيل علينا في ذلك، آه من هؤلاء الأميين، لا سبيل لهم علينا بعد اليوم، لا سبيل"، .... ويكون ذلك الحال منهم سياق التأويل المحتمل لقول الله تعالى على لسانهم "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ".
فيكون معنى الأميين الأرجح عندنا في هذا السياق، أنه تسمية من اليهود لمن آمن من العرب، وأن هذه التسمية بصفة تراوح مكاناً في نفس المتكلم بين:
1- عدم الأهلية لكونهم غير كتابيين، ويقصدون أنهم من غير اليهود.
2- عدم العلم – حيث لم يكن لعرب الجزيرة مثل ما لأهل العراق والشام ومصر الذين يعلم اليهود أنهم أصحاب علم بالسماء والحساب، والأنظمة والقوانين والكتابة والتدوين، حتى قبل نشأة اليهود أنفسهم.
3- التجهيل والتحقير: لأن من جمع هذه الصفات يكون أقل من غيره. ويبدو أن هذه الصفة كانت مقصودة على وجه خاص من اليهود، بما تلتبس مع معني "الأميين" العام، فيبدو عندئذ أنهم لا يقصدون التحقير، وهم في الحقيقة لا يريدون من قولهم غيره.
وقد استبعدنا أن يستخدم اليهود هذا الاسم تقليداً من القرآن، بعد أن يكونوا سمعوه في قوله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ "(الجمعة:2) لأن سورة الجمعة قد نزلت بعد آل عمران[112] والتي جاء فيها قولهم " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"(آل عمران:75)
ونستبعد تماماً أن يكون لفظ "الأميين" (إسم عَلَمْ) على من كان غير كتابي خاصة، كما قال الجابري، و"حاج حمد" صاحب العالمية الإسلامية، ولويس عوض، أو من كان من جنس العرب خاصة، كما جاء على الظاهر في بعض التفاسير. ويكون الراجح - في هذا الوجه الذي نحن بصدده - أنه (اسم صفة) يحمل هذه الدلالات المشار إليها أعلى، من عدم اكتساب معرفة نظامية أساسها الكتابة أو الحساب، وممارسة التعلم، سواء كان التعلم كتاباً منزلاً، أو تأليفاً وتصنيفاً بشرياً. ورغم أن هذا المعنى هو الظاهر على ما بدا من قول اليهود، إلا أنهم قالوه ليُبْطِنوا من ورائه معنى التهكم على هذه الصفة باعتبارها نقيصة، بحكم أنهم يتعالون على غيرهم بما عندهم من كتاب سماوي، وذلك من قبيل ترفعهم والنصارى على الغير والمُكّنّى عنهم في قولهم المحكي عنهم "نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ"(المائدة: 18).
ولا يبدو بعيداً – إعتماداً على ترتيب النزول - أن يكون نزول قول الله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ"(الجمعة:2) بعد قول اليهود قولتهم: "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"(آل عمران: 75) إنما لينافح به سبحانه عن المؤمنين والرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو منهم، ويقول سبحانه لليهود – تأويلاً – [هؤلاء الذين أردتم التحقير منهم بوصفكم إياهم بأنهم "أميين"، هم حقاً "أميين" ولكن على البراءة والطهارة والفطرة التي خلقتهم عليها، وقد أرسلت لهم رسولاً منهم – أي مثلهم في الأمية والبراءة -  .." يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ .."] فينقلب وصف اليهود من (سُبَّة) أرادوها بالمؤمنين، إلى (فضيلة) يعز الله تعالى بها عباده المؤمنين، وبنفس اللفظ "الأميين" ولكن من وجهين متناقضين، وذلك مثل قول الله تعالى "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ"(الدخان:49) وهو وصفٌ مُفْعَم بمعاني الإذلال والتحقير، رغم أنها ألفاظ لا تأتي في غير هذا السياق إلا بالسُمُو والتكريم ... والله تعالى أعلم بمراده.

خُلاصة وجوه المعاني في ألفاظ "الأمية"

رأينا إذاً أن الأمية لها وجوه من المعاني، تختلف باختلاف السياق، وعدّدنا لذلك خمسة وجوه:
1- "الأمية" في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنا أمة أمية": هي ما تستدعي لغة خطاب تكليفي عام، بما يشمل أدنى درجات الأمة ثقافة لرفع الحرج.
2- "الأميين" في قوله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ"(الجمعة: 2): وهم الذين على صفحتهم البيضاء النقية وفطرتهم البريئة ليبدأ القرآن معهم من هذه المرحلة الأولى، فيُربيهم ويُزكيهم ويُعلمهم بمنهج تربوي متكامل.
3- "الأمِّيون" في قوله تعالى "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ"(البقرة:78): وهم الفئة الأقل ثقافة في أي مجتمع، غير المندرجة في مسيرة الفكر، وهم الذين اتبعوا غيرهم بغياب مستثيرات الفكر والعلم، فلا تحركهم إلا أمانيهم وظنونهم عن لا سند، وهؤلاء لا تخلو منهم أمة حتى لو كانون يقرأون ويكتبون، ويمثلون العوام من الناس.
4- "الأمِّي" في قوله تعالى " الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ"(الأعراف:157،158) هو: الذي تخلو صفحته من أي علم إنساني مشوش، مرتبك، يسوده الغموض والجهالة، وتبدُّل الرأي وانقلاب الرؤية، فيُسكب فيه وحي الله على طهر ونقاء، ويعلمه الله من علمه كيف يشاء.
5- "الأميين" في قول اليهود كما جاء في كتاب الله تعالى عنهم "قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"(آل عمران:75) هم: (العرب الذين أسلموا ولم يكن لهم سابق علمٍ وكتاب وحيٍ)، ويريد اليهود بهذا الوصف السخرية منهم، والتهكم عليهم، ودُنُوِّ مرتبتهم، وتبرير أكل حقوقهم بعد أن أسلموا لله، وذلك حنقاً عليهم، وهو فعلٌ غير مستغرب من اليهود، ويتسق مع طباعهم.

رؤية الهلال ووجوبها بحكم بقاء علة الرؤية ودوامها:

تبين لنا مما سبق من تحليلات أن الأمّية بمعناها المعرفي ليست بالظاهرة التي إلى زوال، حتى لو زالت أو تقلّصت بالمعنى المعياري ذي المؤشر الآلي، المتمثل في مستويات التعليم النظامي، والذي يُعد قاصراً عن درك أبعاد الأمية بمعناها المعرفي. ومرد بقاء الآمية في أي مجتمع - بهذا المعنى المعرفي - يعود إلى أن هذه الظاهرة نتاج عوامل اجتماعية عديدة، أهمها، أن البنية الاجتماعية تتوزع حتماً على سلم معرفي لا تنضب شرائحه جميعاً لديناميكية مُغذيات هذه الشرائح على الدوام. لذلك سيظل هناك أمُّيون في كل مجتمع، وعلة أميتهم ليست فقدانهم وسائل التعليم، بل كونهم لا يستطيعون توظيفها، ولا يسعهم الإحاطة الدنيا بتطويعها وتطويرها مع ممارستهم حياتهم المعيشية. وهذه الفئة الاجتماعية تتبع عادةً الفئة صاحبة القرار الإداري والفكري. وهذه الفئات المتبوعة شديدة الخطورة بتأثيرها على تابعيها. إذ أن زللها زلل لباقي المجتمع. ويوم القيامة يتبرؤون من تابعيهم فيما زلّوا فيه. لذا، اقتضت حكمة الله تعالى أن لا يكون لتلك الفئة في شريعته سلطة بين عباده وبينه سبحانه، وأن تظل أركان دينه على الدوام مباشرة بلا تبعية ولا وصاية. لذا فالأمة أمية بهذا المعنى. أي لا فضل لعالم على أمّي يسوقه بها كالدابة العمياء لا تدري وِجهة، ولا تُبصر طريقا. ولا يعني ذلك أن على كل مسلم أن يرى هلال الشهر الجديد عن نفسه، لأن حدث الشهر حدث اجتماعي، فرؤية الشهود العدل تكفي جماعة المسلمون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الفطر يوم يُفْطِرُ الناس، والأضحى يوم يضحِّي الناسُ"[113].
فإن خالفت القيادة الاجتماعية – إدارية أو فكرية - شرع الله المنصوص عليه قرآناً أو سنة، بتبديلٍ من عندها، فوِزرُها على نفسها، والزود عن شرع الله تعالى واجب لمن علم كيف يدافع عنه، ويصبح فرض عين حتى تنجلي إشكالات الفهم الذي التبس على العلماء قبل التابعين.
وما دامت "الأمية" بمعناها الذي شرحناه باقية أبدا، فالحجة الواهية بأن وجوب الرؤية مرهونٌ بها، تسقط سقوطاً مروِّعاً. ورغم أن تلك الحجة كانت خاوية المعنى، لتطفُّلها على النص ومحاولتها التهرب منه، إلا أن فضح زيفها إلى آخر المطاف واجب لقطع الطريق عليها فلا تقم لها بعد اليوم قائمة، ولا يتذرع بها من يعلم أن دون دين الله حراس يزودون عنه، ويكشفون الأباطيل، سواء أرادها أصحابها أم التبست عليهم ظلماتها.
وإن كان إثبات صواب الرؤيا العيانية للهلال – في رأي البعض لقرب أفق رؤيتهم - يجعل مسألة نزاعها مع الحساب الفلكي تراوح مكانها، فلا بد وأنهم قد علموا أن وجوب الرؤية الآن  قد أصبح أشد جلاءاً لمن تغبّشت صورة المسألة في عيونهم، وعليهم أن يستحضروا الوعي والفهم ليروا كيف يمكن إعمال الرؤية الواجبة بلا إشكال، وعلى النحو الذي صورناه في المقال السابق "رجحان المقال في مسألة الهلال.".
وقد كان الطرح أن يرفعوا الإشكال بإلغاء الرؤية كما تفعل قلة من الدول الإسلامية، غير أن هذا فعلٌ آثمٌ لمخالفته للنص، وعلى ما قطعنا به أعلى من نتائج. ولا ندري أهم معذورون فيه لعدم علمهم بآلية تطبيق حكم الرؤية بلا إشكال، فيهربون منه، أم أنهم آثمون لعدم تطبيقه حتى مع عشوائية التطبيق (تضارب الرؤية) كباقي الدول.
ولكن، ألا يخلو تطبيق حكم النص بالرؤية مع عشوائية التطبيق من إثم، نقول إنه لا يخلو! وتسقط في تحليلاتنا التي عرضناها في مقال "رجحان المقال في مسألة الهلال" حجة المُقرِّين بعشوائية التطبيق، المستحلُّين له، القائلين بأن لكل بلد مطلعها في زمننا هذا. ومثلهم في استحلال تضارب الرؤية مثل الذين قالوا بانتفاء وجوب الرؤية لانتفاء علتها، ويقصدون بالعلة: "الأمية". وقد رددنا على الآخرين في هذه الدراسة، ورددنا من قبل على الأولين في دراسة "رجحان الهلال في مسألة الهلال"، ومناط المثلية بين الفريقين يكمن في عدم الإحاطة العلمية بمحل النزاع عند كل منهما.
خلجات نفسٍ حول "الأميَّة"
الأمية، الأمية، وما أدراك ما هي..؟
قالوا: جهالة، فاستنكروا!
وقالوا: "ما بالكتابة والقراءة يعلم"، فاستعجزوا!
وقالوا: "ما يتبع من السماء كتاباً"، فتضاربوا!
وقالوا: "غفلة"، و"سذاجة"، فتحرّجوا.
وقالوا: "عييُّ قلما يتكلمُ"، فتلعثموا.

وما دروا أن ظلال الغروب لو كثرت لا تتضايفُ.
وأن اللفظ له من ظلاله بدائلُ
غير أنها لا تُزيحه وتقعدُ
وتظل ظلالاً لو راح هو، تطايروا
وتظل وجوهاً يرونها وإن لم تكُ

وجاءت أخيرا علةُ صريحةُ فما دروا
رؤية جاهرة لهلال الشهر، فما وعوا!
حُكماً ولا عِلةً ولا قِياساً يتنقلُ!
وقالوا لم تعد الأمية بنا علة فنُبصرُ!
وكفى بالحساب علما به نتفاخرُ!
ونسوا أن العلة في من لا يُبصرُ!

فحسِبوا وما رأوا!
وأثبتوا سواداً يتخفتُ!
فقالوا: ثبتت الرؤية فنصوم ونُفطرُ!

فجاء الهلال عشاءاً يتهللُ!
فما وجد من مُضيفٍ له حيٌّ يُكرِمُ!
غير عجوز حنى بها الزمانُ كما حنت على صغار لها قد أيفعوا!
أو غلام نضرٌ او فتاة غافلُ!
أو شيخ أعشى متبسمٌ يتنسمُ!
ضياءً لقمرٍ في خلوةٍ، لله يتعبدُ
فراح يلُفُّه بضيِّه ويأنسُ
بأمية قدَّرها الله لهم بها يتلحفوا

ليسوا من أهل الحساب يتعاجبوا
أراد الإله لهم من فضله
بصائرٌ في دينهم بلا قلم يتخططُ
أو فكرٍ عويصٍ بالأرقام يتلعثمُ
به انشغال لهم عن حصادٍ، اللهُ به يتفضلُ

فمن أراد نسيماً غير هواء الله فلينثروا
عطراً بغير هواء الله لا يُتنسمُ
ولا يقولوا هواءٌ عليلٌ عفا الزمان، نتبدلُ
إنما العليلُ من في دين الله يتكلفُ
-----------------------------------------------------

 المراجع

-----------------
1.      صحيح البخاري
2.      صحيح مسلم
3.      سنن أبي داوود
4.      صحيح ابن خزيمه
5.      تفسير ابن أبي حاتم.
6.      تفسير الطبري.
7.      تفسير الرازي.
8.      تفسير الزمخشري.
9.      تفسير ابن عبد السلام.
10.  ابن تيمية، مجموع الفتاوى الكبرى، جمع وترتيب عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، دار الرحمة للنشر والتوزيع.
11.  ابن تيمية، رسالة "رأس الحسين"، نسخة إلكترونية.
12.  ابن منظور، لسان العرب.
13.  ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، الطبعة الأولى، دار الريان، القاهرة، 1407 هـ.
14.  ابن خلدون، المقدمة، نسخة إلكترونية.
15.  محمد ناصر الدين الألباني، السلسة الصحيحة، والسلسلة الضعيفة، نسخة إلكترونية.
16.  ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، نسخة إلكترونية.
17.  ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار ، بدون تاريخ، ، القاهرة.
18.  الحسن ابن الهيثم: "المناظر"، نسخة إلكترونية.
19.  أبو البقاء الكفوي، "الكليِّات"، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998.
20.  أبو حامد الغزالي، "المستصفي في أصول الفقه"، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993.
21.  أبو حامد الغزالي، ميزان العمل، تحقيق سليمان دنيا، من ذخائر العرب، دار المعارف، القاهرة، 1964.
22.  أحمد محمد شاكر, "أوائل الشهور العربية: هل يجوز شرعاً إثباتها بالحساب الفلكي؟"، رسالة كتبها 13 فبراير 1939هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.
23.  حسين كمال الدين، "دورتا الشمس والقمر، وتعيين أوائل الشهور العربية باستعمال الحساب"، دار الفكر العربي، 1996.
24.  شرف القضاة، ثبوت الشهر القمري بين الحديث النبوي والعلم الحديث،
25.  محمد بن صبيان الجهني، "الحساب الفلكي بين القطيعة والاضطراب"، ضمن "مقالات حول الحساب الفلكي"، نسخة إلكترونية.
26.  ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، نسخة إلكترونية.
27.  محمد عابد الجابري، "مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول: في التعريف بالقرآن"، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006.
28.  لويس عوض، "مقدمة في فقه اللغة العربية"، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006.
29.  ابن جني، الخصائص، تحقيق : محمد علي النجار، عالم الكتب، بيروت.
30.  عباس حسن، النحو الوافي، نسخة إلكترونية.
31.  محمد أبو القاسم حاج حمد، "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة – العالمية الإسلامية الثانية"، طبعة ثالثة للعالمية الإسلامية، دار الهادي، بيروت، 2004.
32.  محمد أبو القاسم حاج حمد، "منهجية القرآن المعرفية – أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية"، دار الهادي، بيروت، 2003.
33.  ابراهيم أنيس، "دلالة الألفاظ"، دار المعارف، طبعة سادسة، 1986.
34.  ابن الجوزي، "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر"، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1984.
35.  الحسين بن محمد الدامغاني، "قاموس القرآن، أو إصلاح الوجوه والنظائر"، تحقيق عبدالعزيز سيد الأهل، دار العلم للملايين، بيروت، 1985.
36.  ابن قيم الجوزية، "بدائع الفوائد"، ج2، ص301، تحقيق بشير محمد عيون، ط1، مكتبة البيان، بيروت، 1994.
37.  إبن العربي، أحكام القرآن، نسخة إلكترونية.
38.  إبن سعد، الطبقات الكبرى، نسخة إلكترونية.
39.  البلاذُري، فتوح البلدان، نسخة إلكترونية.
40.  أحمد الأحمدين، "الوقوف على الأمية عند عرب الجاهلية"، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 1999.
41.  سلوى محمد العوا، "الوجوه والنظائر في القرآن الكريم"، دار الشروق، القاهرة، 1998.
42.  مصطفى بن عيد الصياصنة، "الأمية في المنظور الإسلامي"، مجلة البحوث الإسلامية، جزء 45، ص121، جمادى الثاني/1416هـ.
43.  محمد بن صبيان الجهني، "الحساب الفلكي بين القطيعة والاضطراب"، ضمن "مقالات حول الحساب الفلكي"، نسخة إلكترونية.
44.  أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري، "اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة"، نسخة إلكترونية.
45.  أبي إسحاق الشاطبي، "الموافقات في أصول الشريعة"، دار المعرفة، بيروت، نسخة إلكترونية.
46.  أحمد بن محمد الحموي، "غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر"، نسخة إلكترونية.
47.  إبن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق أحمد محمد شاكر، نسخة إلكترونية.
48.  ابن سينا، القانون في الطب، نسخة إلكترونية.
49.  عبد الرحمن الجبرتي، "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، نسخة إلكترونية.
50.  طه حسين، "في الشعر الجاهلي"، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسه، تونس، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية، 1926م.
51.  زكي نجيب محمود، "خرافة الميتافيزيقا"، دار الشروق، 1953.
52.  زكي نجيب محمود، "موقف من الميتافيزيقا"، دار الشروق، 1983.
53.  زكي نجيب محمود، "قيم من التراث"، طبعة ثانية، دار الشروق، القاهرة، 1989.
54.  عزالدين كزابر، " مقدمة في أصول فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية – دراسة تحليلية نقدية للأصول الغربية لعلوم الاجتماع والإنسانيات من منظور إسلامي"، دار الفكر العربي، القاهرة، 2008.
55.  مصطفى حلمي، "إسلام جارودي"، دار الدعوة، الإسكندرية، 1996.
56.  علي جمعه، مجلة المسلم المعاصر – العدد 93/94 لعام 1999.
57.  محمد الغزالي ، ( 1400هـ ) ، نظرية التربية الإسلامية للفرد والمجتمع ، ضمن بحوث ندوة خبراء أُسس التربية الإسلامية المنعقدة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة خلال الفترة من 11 – 16 جمادى الثاني 1400هـ . مكة المكرمة : جامعة أم القرى ، مركز البحوث التربوية والنفسية.
58.  سمير عطا، "نابليون وحقيقة اعتناقه الإسلام في مصر"، (نقلاً عن: مجلة الفيصل /العدد 294)
59.  صالح علي أبو عراد، "التربية الإسلامية، المصطلح والمفهوم"، 1426. http://saaid.net/Doat/arrad/17.doc
60.  حسن ملا عثمان، الطفولة في الإسلام – مكانتها – وأسس تربية الطفل، دار المريخ، 1982.
61.  رينيه ديكارت، "مقال عن المنهج"، ترجمة محمود الخضيري، تقديم عثمان أمين، هيئة الكتاب المصرية، 2000.
62.  جورج جي إم جيمس، "التراث المسروق"، ترجمة شوقي جلال، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1996.
63.  زيجرد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، دار الجيل، دار الآفاق، طبعة 8، بيروت، 1993.
64.  لويس ماسينون، "محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية العربية"، ألقيت في الفترة (25 نوفمبر 1912 إلى 24 إبريل 1913) ، تصدير إبراهيم مدكور، تحقيق وتقديم وحواشي: زينب الخضيري، نشر: المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، 1983.
65.  "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة – تصنيف الشيخ الأجل أبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي"، أنظر الترجمة الإنجليزية، ترجمة فريدريك روزين Frederic RosenK ، لندن، 1831. وموجود على موقع أرشيف الإنترنت
66.  توماس كيون، "بنية الثورات العلمية"، ترجمة شوقي جلال، العدد 168، شهر ديسمبر 1992،
67.  توماس كيون، " تركيب الثورات العلمية"، سلسلة "فلسفة العلوم"، للدكتور ماهر عبد القادر محمد علي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988.
68.  تقرير "التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع" 2009، الصادر عن اليونسكو، ص 244 وما بعدها.
69.  The Bible, King James Versoin, Coradella Collegiate Bookshelf Editions, Internet Free Version.
70.  Hamza Yufuf, Caesarean Moon Births: Calculations, Moon Sighting, and the Prophetic Way, Zaytuna Institute, USA, 2007.
71.  Gerald Jay et al, Structure and Interpretation of Classical Mechanics, MIT Press, 2000.
72.  A. M. Alioto, A History of Western Science, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1987.
73.  Arielle Saiber, Geordano Bruno and the Geometry of language,
74.  Plutarch, Convivialium Disputationum, VIII.2.
75.  The algebra of Mohammed ben Musa, dited and translated by: Frederic Rosen, London, printed for the oriental translation fund, 1831.
76.  History of Civilizations of Central Asia - Vol. 4- Part II, UNESCO Publishing 2000.
77.  Encyclopedia of Condensed Matter Physics, edts: Bassani et al, Elsvier Academic Press, 2005.
78.  Rene Descartes, A Discourse on The Method, A New Translation by: Ian Maclean, Oxford University Press, USA, 2006.
79.  Proust, Marcel, The Captive & The Fugitive: In Search of Lost Time, Translator: C K Scott Moncrieff, Modern Library Classics, 1929.
80.  Stephen L. Goldman, Science Wars - What Scientists Know and How They Know It?, Lecture Series,
81.  Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, The University of Chicago press, 1962, 1970, Third ed. 1996.
82.  Ludwik Fleck, Entstehung und Entwicklung einer wissenschaftlichen Tatsache , 1935, Translated as: The Genesis and Development of a Scientific.
83.  Michael Polanyi, personal knowledge, 1958.
84.  Jerome Ravetz, scientific knowledge and its social problems, 1971.
85.  Michel Foucault, Archaeology of knowledge - London Routledge, 2002.
86.  Michel Foucault, The Order Of Things. An Archaeology Of The Human Sciences. London; Routledge, 2002.
87.  Michel Foucault, Madness and civilization - a history of insanity in the age of reason. London; Routledge, 1989.
88.  Norwood Hanson, Patterns of Discovery, 1958.
89.  Paul Feyerabend, Against Method, 3rd ed., Published by Verso, UK,1993.

الهوامش

---------------------------
(*) نُشرت هذه المقالة أول مرة على جدزئين بتاريخ: 27-1-2010، و7-2-2010، على موقع الملتقى الفكري للإبداع، وذلك قبل توقفه. لذلك نعيد نشرها هنا.
[1] عالم فلك شهير بالجزائر.
[2]"توقيت وتوقيت، أعجمي وعربي"،
kazaaber.blogspot.com/2012/10/blog-post_7.html
[3] الحسن ابن الهيثم: "المناظر"، ص2، نسخة إلكترونية.
[4] صحيح البخاري.
[5] صحيح البخاري.
[6] تأتي على سبعة معان: (التحريم، الكراهة، الدعاء، الإرشاد، التحقير، بيان العاقبة، اليأس)(الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، ص204-205).
[7] سنناقش في المقال التالي بإذن الله لجوء بعض مؤيدي الحساب الفلكي والاستغناء به عن الرؤية، إلى الحديث "فإن غُمّ عليكم فاقدروا له"، ومعناه في الثقافة اللغوية العربية الأولى, وكيف أنه لا يُسعِفْهم في دعواهم، وسنقصر هذا المقال فقط على مسألة "الأمية".
[8] أحمد محمد شاكر, "أوائل الشهور العربية: هل يجوز شرعاً إثباتها بالحساب الفلكي؟"، رسالة كتبها 13 فبراير 1939هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، 1987، ص 14-15. وقد أخذ بهذه الفتوى عدد من مؤيدي الحساب الفلكي وما زالوا إلى يومنا هذا، رغم ما يقال عن أنه ربما تراجع عنها.
[9] انتقد حمزة يوسف هانسن (الأمريكي المسلم) هذه العبارة للشيخ أحمد شاكر نقداً لاذعاً وقال: [يوجد بهذه العبارة أخطاء شنيعة من الممكن أن تضل الناس، وأول هذه الأخطاء أن الشيخ - أحمد شاكر - استخدم واحدة من أدق المبادئ الأصولية – يقصد القياس الفقهي- بدون أي ضبط، وتلك التي تخطئ التزام الرؤية بعد الخروج من الأمية حسبما تفيد العبارة]
(Hamza Yufuf, Caesarean Moon Births: Calculations, Moon Sighting, and the Prophetic Way, Zaytuna Institute, USA, 2007, P.49).
[10] ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، دار المعرفة - بيروت ، 1379، 4/127.
[11] قيل: [أصبح علم الفلك في مجال حساب حركة القمر والأرض علماً قطعياً.]( شرف القضاة، ثبوت الشهر القمري بين الحديث النبوي والعلم الحديث، ص11).
[12] قيل: [يتبين من خلال مناقشة الرأيين أن الرأي الثاني الذي يأخذ بالحساب والتقدير هو الأرجح في عصرنا بعد أن زالت عن الأمة الإسلامية أميتها]( شرف القضاة، ثبوت الشهر القمري بين الحديث النبوي والعلم الحديث، ص11).
[13] قيل: [قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، هو وصف للحال في ذلك الزمان، وليس صفة لازمة للأمة الإسلامية، بل على العكس من ذلك تماماً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحض المسلمين على التعلم ...](حسين كمال الدين، "دورتا الشمس والقمر، وتعيين أوائل الشهور العربية باستعمال الحساب"، دار الفكر العربي، 1996، ص 33).
[14] قال ابن تيمية: [لما بُعث فيهم (أي رسول الله صلى الله عليه وسلم) ووجب عليهم اتباع ما جاء به من الكتاب وتدبره وعقله والعمل به .... صاروا أهل كتاب وعلم، بل صاروا أعلم الخلق وأفضلهم في العلوم النافعة، وزالت عنهم الأمية المذمومة الناقصة، وهي عدم العلم والكتاب المنزل. ...](مجموع الفتاوى الكبرى، 25/168-169).
[15] يقول ابن خلدون: [ثم عظمت أمصار الإسلام وذهبت الأمية من العرب بممارسة الكتاب، وتمكن الاستنباط وكمل الفقه وأصبح صناعةً وعلماً فبدلوا باسم الفقهاء والعلماء من القراء. وانقسم الفقه فيهم إلى طريقتين: طريقة أهل الرأي والقياس](المقدمة، الفصل السابع، علم الفقه وما يتبعه من الفرائض، ص256).
[16] قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: [من زعم من متأخري الفقهاء ، كالقاضي أبي الوليد الباجي ومن تابعه ، أنه عليه السلام كتب يوم الحديبية : هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، فإنما حمله على ذلك رواية في صحيح البخاري : ( ثم أخذ فكتب ) ، ولذا اشتد النكير من فقهاء المشرق والمغرب ، على من قال بقول الباجي ، وتبرءوا منه ، وأنشدوا في ذلك أقوالا، وخطبوا في محافلهم، وإنما أراد الرجل - يقصد الباجي - أنه كتب ذلك على وجه المعجزة ، لا أنه كان يحسن الكتابة].
وقد روى الحافظ ابن حجر في فتح الباري قصة الباجي، وما ذهب إليه، وما كان له مع العلماء في زمنه، بسبب ما قاله، فقال : [ وقد تمسك بظاهر هذه الرواية - أي رواية البخاري - أبو الوليد الباجي، فادعى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب بيده، بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن، حتى قال قائلهم :
برئت ممن شرى دنيا بآخرة        وقـال إن رسـول الله قد كتبا
فجمعهم الأمير، فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة، وقال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن، فقال الله تعالى: سورة العنكبوت الآية 48 "وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ" وبعد أن تحققت أميته، وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك، من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى.] ثم قال ابن حجر مخففا من شدة وطء الحملة على الباجي وجماعته: [ وعلى تقدير حمله - أي حديث البخاري - على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم - وهو لا يحسن الكتابة - أن يصير عالما بالكتابة، ويخرج من كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات، ويحسن وضعها بيده، وخصوصا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا، ككثير من الملوك، ويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ - وهو لا يحسنها - فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى، في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميا، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني، وتبعه ابن الجوزي]. ثم رد على السهيلي قوله ، بأن جريان الكتابة على يده - عليه الصلاة والسلام - في ذلك الوقت فقط ، يعارض القول بمعجزته - صلى الله عليه وسلم - ، المتمثلة في أميته :
[وفي (دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة ، وتثبت كونه غير أمي) نظر كبير] فتح الباري ، 7 \ 575- 576.
[17] محمد بن صبيان الجهني، "الحساب الفلكي بين القطيعة والاضطراب"، ضمن "مقالات حول الحساب الفلكي"، نسخة إلكترونية.
[18] مصادر الشعر الجاهلي: ناصر الدين الأسد، نسخة إلكترونية.
[19] محمد عابد الجابري، "مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول: في التعريف بالقرآن"، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006، ص 82.
[20] الجابري، المرجع السابق، نفس الصفحة.
[21] لويس عوض، "مقدمة في فقه اللغة العربية"، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006، ص147-148.
[22] يتطلب هذا الكلام مراجعة وتحقيقه كما جاء في "النحو الوافي" لعباس حسن (ج4، ص742)، أن ما قيل أعلى: [هو المذهب البصري الشائع. أما الكوفيون فيجيزون النسب إلى جمع التكسير الباقي على جمعيته مطلقا (أي: سواء أكان اللبس مأمونا عند النسب لمفرده؛ "نحو أنهاري، في النسبة إلى: نهر" أم غير مأمون، "نحو: جزائري، في النسبة إلى بلاد "الجزائر" المعروفة") وحجتهم: أن السماع الكثير يؤيد دعواهم وقد نقلوا من أمثلته عشرات وأن النسب إلى المفرد يوقع في اللبس كثيرا؛ ورأيهم حسن مفيد. وقد ارتضاه المجمع اللغوي القاهري. فعندنا مذهبان صحيحان؛ لا يفضل أحدهما الآخر في سياق معين إلا بالوضوح والبعد عن اللبس؛ فإذا أمن اللبس فالأفضل محاكاة المذهب الشائع؛ لأنه أكثر في الوارد الفصيح.]، وفي الحاشية، جاء في حيثيات قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة في دور انعقاده الثالث ما نصه: [...أهل الكوفة يخالفون أهل البصرة في مسألة النسبة إلى الجمع يرده إلى واحده؛ فيجيزون أن ينسب إلى جمع التكسير بلا رد إلى واحدة؛ فلا يغير الوضع. وهذا هو الأصل العام، وفيه إبداء لإرادة المتكلم؛ فيتميز المنسوب إلى الجمع من المنسوب إلى واحدة؛ فيقال مثلا في النسبة إلى الملوك: الملوكي، وفي النسبة إلى الدول: الدُّوَلي، وفي النسبة إلى الكتاب: الكتابي، فلا تستوي النسبة إلى الجمع والنسبة إلى واحدة. "ولقد كثر النسب إلى الجمع فيما مضى وغلب حتى جرى مجرى الأعلام؛ فمثلا قيل: الدوانيقي، لأبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، وقيل لغيره: الكرابيسي، والأنماطي، والحاملي، والثعالبي، والجواليقي،... واستمر النسب إلى الجمع على هذا النحو إلى الآن. والمجمع إنما ينسب إلى لفظ جمع التكسير عند الحاجة؛ كالتمييز بين المنسوب إلى الواحد، والمنسوب إلى الجمع..."]
[23] لويس عوض، هامش (1) ص 147.
[24] محمد أبو القاسم حاج حمد، "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة – العالمية الإسلامية الثانية"، طبعة ثالثة للعالمية الإسلامية، دار الهادي، بيروت، 2004م، ص126 وما بعدها. أو الطبعة الأولى، ص 160؛ و"منهجية القرآن المعرفية – أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية"، دار الهادي، بيروت، 2003م، ص213-214.
[25] " العالمية الإسلامية الثانية "، ط3 ، ص 17.
[26] السابق، ص 8.
[27] السابق، ص 8-9.
[28] في تقديمه للطبعة الثانية من كتاب العالمية الإسلامية الثانية لـحاج حمد، المرجع السابق ص 22.
[29] ابراهيم أنيس، "دلالة الألفاظ"، دار المعارف، ط. سادسة، 1986، ص 187-188.
[30] جاء في العهد القديم، على لسان موسى عليه السلام:
 [The LORD thy God will raise up unto thee a Prophet from the midst of thee, of thy brethren, like unto me; unto him ye shall hearken] (Deuteronomy 18:15). (The Bible, King James Versoin, Coradella Collegiate Bookshelf Editions, p.336)  (hearken = listen attentively)
وجاء أيضاً أن الله تعالى يقول لموسى:
[I will raise them up a Prophet from among their brethren, like unto thee, and will put my words in his mouth; and he shall speak unto them all that I shall command him. And it shall come to pass, that whosoever will not hearken unto my words which he shall speak in my name, I will require it of him.]( Deuteronomy 18:18-19) (The Bible, p.337)
وجاء في العهد الجديد:
[This is that Moses, which said unto the children of Israel, A prophet shall the Lord your God raise up unto you of your brethren, like unto me; him shall ye hear.]( Acts 7:37) (The Bible, p.1181)
[31] في بحثنا عن معنى كلمة brethren وجدنا أنها تُطلق على العامة من الإخوان المنتسبين إلى ملة دينية مشتركة (http://wordnetweb.princeton.edu/perl/webwn?s=brethren) – والراجح أنها جاءت في النصوص السابقة بمعنى حنيفية إبراهيم عليه السلام - ونظن أن هذا اللفظ – إن صحت ترجمته عما جاء بالتوراة الأصلية-  تحتمل معنى "الأميين" أيضاً، فيكون قول موسى عليه السلام لبني إسرائيل أن النبي المبعوث سيكون منتسباً إلى  your brethren، أي: الأميين (أي عوام) إخوانكم في حنيفية إبراهيم، وهؤلاء ليسوا إلا العرب المنتسبين إلى إسماعيل عليه السلام.

[32] تكرر ذلك في عدد من كتب ابن تيمية في حججه ضد المخالفين لصريح المعقول، مثال لذلك: (مجموع الفتاوى، 3/9) حيث قال ذماً في منهج المخالفين: [لو أمعنوا النظر لسوَّوا بين المتماثلات، وفرّقوا بين المختلفات.]
[33] صحيح البخاري.
[34] صحيح البخاري.
[35] لمن أراد حداً (تعريفاً مانعاً جامعاً) لـ"الوجوه والنظائر" نسوق له ما قاله ابن الجوزي، قال (في كتابه "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر"، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1984، ص83): [أعلم أن معنى الوجوه والنظائر أن تكون الكلمة واحدة، ذُكرت في مواضع من القرآن على لفظ واحد، وحركة واحدة، وأريد بكل مكان معنى غير الآخر، فلفظ كل كلمة ذُكرت في موضع نظير للفظ الكلمة المذكورة في الموضع الآخر، وتفسير كل كلمة بمعنى غير معنى الآخرى هو الوجوه . فإذاً النظائر: اسم للألفاظ، والوجوه: اسم للمعاني، فهذا الأصل في وضع كتب الوجوه والنظائر، والذي أراد العلماء بوضع كتب الوجوه والنظائر أن يُعرّفوا السامع لهذه النظائر أن معانيها تختلف، وأنه ليس المراد بهذه اللفظة ما أريد بالأخرى.]
[36] الحسين بن محمد الدامغاني، "قاموس القرآن، أو إصلاح الوجوه والنظائر"، تحقيق عبدالعزيز سيد الأهل، دار العلم للملايين، بيروت، 1985، ص117، بتصرف قليل.
[37] المرجع السابق، ص 115.
[38] ابن قيم الجوزية، "بدائع الفوائد"، ج2، ص301، تحقيق بشير محمد عيون، ط1، مكتبة البيان، بيروت، 1994، (نقلاً عن: سلوى محمد العوا، "الوجوه والنظائر في القرآن الكريم"، دار الشروق، القاهرة، 1998، ص 63)
[39] لا نرى أي ضرورة للتعقيب على كلام ابن القيم بتفسير أو توضيح، فقد أغنانا بكلامه النفيس عن أي زيادة، كما أنه طبقه على عدة أمثلة في كتابه (بدائع الفوائد) في أكثر من خمس عشر موضعاً. ولا حاجة بنا أيضاً إلى استقصاء دور السياق في الأدبيات الحديثة كما جاء بها John Rupert Firth أو غيره.
[40] قيل: [إذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا أميا، بنصوص الكتاب والسنة وانعقاد الإجماع وشهادة واقع الحال، فإن أمته - صلى الله عليه وسلم - كانت أمة أمية ولا تزال ، وهذا وصفها في كتاب الله - عز وجل - ، وفي سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام.]( مصطفى بن عيد الصياصنة، الأمية في المنظور الإسلامي، مجلة البحوث الإسلامية، جزء 45، ص121، جمادى الثاني/1416هـ).
[41] "اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة"، أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري. وللحديث رواية في الترمذي.
[42] أبي إسحاق الشاطبي، "الموافقات في أصول الشريعة"، دار المعرفة، بيروت، 2/69. وقد بيّن الشيخ عبدالله دراز هذا المعنى بجلاء حين أرفق تعليقه على هذه العبارة للشاطبي وقال: [أي: لا تحتاج (الأمة) في فهمها (للشريعة) وتعرف أوامرها ونواهيها إلى التغلغل في العلوم الكونية والرياضيات وما إلى ذلك، والحكمة في ذلك: أولا:  أن من باشر تلقيها من الرسول صلى الله عليه وسلم أميون على الفطرة كما سيشرحه المؤلف. ثانيا:  فإنها لو لم تكن كذلك، لما وسعت جمهور الخلق من عرب وغيرهم، فإنه كان يصعب على الجمهور الامتثال لأوامرها ونواهيها المحتاجة إلى وسائل علمية لفهمها أولا، ثم تطبيقها ثانيا، وكلاهما غير ميسور لجمهور الناس المرسل إليهم من عرب وغيرهم، وهذا كله فيما يتعلق بأحكام التكليف، لأنه عام يجب أن يفهمه العرب والجمهور ليمكن الامتثال، أما الأسرار والحكم والمواعظ والعبر، فمنها ما يدق عن فهم الجمهور ويتناول بعض الخواص منه شيئا فشيئا بحسب ما يسره الله لهم وما يلهمهم به، وذلك هو الواقع لمن تتبع الناظرين في كلام الله تعالى على مر العصور، يفتح على هذا بشيء ولم يفتح به على الآخر، وإذا عرض على الآخرة أقره على أنه ليست كل الأحكام التكليفية التي جاءت في الكتاب والسنة مبذولة ومكشوفة للجمهور، وإلا لما كان هناك خواص مجتهدون وغيرهم مقلدون حتى في عصر الصحابة، وكل ما يؤخذ من مثل حديث "نحن أمة أمية" ما ذكرناه على أن التكاليف لا تتوقف في امتثالها على وسائل علمية وعلوم كونية وهكذا.]
[43] Gerald Jay et al, Structure and Interpretation of Classical Mechanics, MIT Press, 2000, P.8
[44]  Ibid, pp. 1-110.
[45] عبد الرحمن الجبرتي، " عجائب الآثار في التراجم والأخبار " ، الجزء الثاني.
[46] "نابليون وحقيقة اعتناقه الإسلام في مصر"، سمير عطا،
 http://www.balagh.com/mosoa/garb/rm0pqlx8.htm، نقلاً عن: مجلة الفيصل /العدد 294.
[47] متفق عليه.
[48] قيل أن هذه القصة الشهيرة تعد من قبيل الأسطورة، A. M. Alioto, A History of Western Science, (Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1987), p. 44.، غير أن Arielle Saiber في كتابه Geordano Bruno and the Geometry of language صفحة 12، و 32 قد أحال هذه العبارة إلى Plutarch, Convivialium Disputationum, VIII.2.. ومن المشهور عن أفلاطون تزكيته الشديدة للهندسة بما يرجح معنى الخبر حتى وإن لم يتحقق عيانياً.
[49] [أفاد ديوجين أن علاقة صداقة جمعت بين بوليكراتيس من جزيرة ساموس – والتي كان فيثاغورث أحد مواطنيها - وبين الملك أماسيس ملك مصر، وأن بوليكراتيس سلم فيثاغورث رسائل – أي خطابات توصية Recommendation Letters- ليقدم بها نفسه إلى الملك، الذي قدمه بدوره إلى الكهنة، أولاً إلى كاهن هليوبوليس، ثم إلى كاهن ممفيس، وأخيراً إلى كهنة طيبة. وقد أهدى فيثاغورث إلى كل منهم  كأساً ذهبية. (أنظر: ك3 ص 12، 34 ك8 ص3، وانظر أيضاً Pliny N. H. 36,9 سجله تورنير). وقيل لنا أكثر من ذلك على لسان هيرودوت وجابلونسك وبليني أنه بعد اختبارات عديدة من بينها الختان الذي فرضه عليه الكهنة المصريين أجيز له أخيراً الانضمام إلى جميع أسرارهم. وتعلم أيضاً مذهب التقمص الروحي، وهو مذهب لم يكن له من قبل أي أثر في الديانة اليونانية. وعرفنا كذلك أن معارفه في مجال الطب والتزامه بنظام غذائي له قواعد صارمة، كل هذا مايزه عن غيره باعتبار أنها أمور تخص مصر الذي بلغ الطب فيها شأواً عظيما لا يدانيه أي مكان آخر. واكتسب معلومات في مجال الهندسة تتطابق مع حقيقة مؤكدة أن مصر مهد ذلك العلم. ولدينا زيادة على ذلك آراء وأخبار بلوتارك وديميتريوس وأنتستين الذين قالوا أن فيثاغورث أسس علم الرياضيات بين اليونانيين وأنه قدم فدية إلى ربات الفنون عندما شرح له الكهنة خصائص المثلث قائم الزاوية. (أنظر [36] صفحة 1089، [37] صفحة 36) وتثقف فيثاغورث كذلك في الموسيقى على أيدي الكهنة المصريين (مجلد 1 صفحة 234) ](التراث المسروق، تأليف: جورج جي إم جيمس، ترجمة شوقي جلال، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1996، ص 55)
[50] قالت زيجرد هونكه (شمس العرب تسطع على الغرب، طبعة 8، ص399): [كان طاليس وفيثاغورث ورثة للمصريين والبابليين، نقلا عنهم ما خلفوه من قواعد في الرياضيات والفلك، فهما وريثان لحضارات الشرق القديم.]
[51] ولهذا اشتُق علم "الهندسة" من "آليات حسابات مساحات الأراضي الزراعية التي كان يقوم بها المصريون في دلتا النيل، وهي الآليات التي أقام عليها إقليدس كتابه المسمى بـ "المبادئ" في الإسكندرية، وكان لأهل العراق فيما بين النهرين آليات شبيهة، ونقصد بذلك كلمة geometry، ومعناها الحرفي الحوسبة metric الأرضية geo، وهذان هما جزئي كلمة geometry، التي نسى الناس أصلها وقصة نشأتها، وقام أصحاب الترجمات بترجمتها إلى "هندسة"، وهو لفظ فارسي! فتجردت من جذورها، وظن الناس أنها صناعة يونانية.
[52] محمد بن صبيان الجهني، "الحساب الفلكي بين القطيعة والاضطراب"، ضمن "مقالات حول الحساب الفلكي"، مكتبة الشاملة الإلكترونية.
[53] المؤشر indicator في علوم الاجتماع والإنسانيات هو مقياس كمِّي يتخذه الباحث، ليقارن به بين مستويات الظاهرة محل الدراسة. والحاصل أن المؤسسات المعنية بالشأن التربوي قد اتخذت التعليم النظامي وما حصّله الإنسان فيه، كمؤشر على ترقّيه على المستوى التعليمي. وكان أدنى مستويات هذا المؤشر هو حالة اللاَّ تعليم الأولى، والتي كان فيها الإنسان في حُضن أمِّه لتوِّه. وتم تسمية هذه المرحلة بمرحلة "الأمية". لذا، فهذا التخصيص لمعنى "الأمية" طارئ على معنى الأمية العام، ويجب أن يُنتبه إليه على أنه معنى اصطلاحي تربوي، بخلاف المعنى اللغوي قبل التخصيص. كما أن التدوين المعجمي نفسه جاء بمثابة تدوين اصطلاحي قيِّد حركة كثير من الألفاظ المشمولة والتي كانت أكثر حرية قبل تدوينها. وهذا جانب عظيم الأهمية يجب مراعاته في الاعتماد على المعاجم اللغوية بما فيها أمهات المعاجم العربية ذاتها. وتعتبر هذه الدراسة بجملتها محاولة لتخطّي حدود التعريفات المعجمية للفظ واحد هو "الأمية"!
[54] في الندوة الثانية للتراث التي أقامتها إدارة الشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف القطرية مساء الإثنين 5-5-2008 بقاعة المحاضرات بإدارة الدعوة، وخصصت الندوة للاحتفال بانتهاء تحقيق أحد أهم مراجع فقه الإمام الشافعي وهو كتاب "نهاية المطلب في دراية المذهب" تأليف إمام الحرمين الجويني ويقع في (21) مجلداً، تحقيق الكتاب د. عبد العظيم الديب.
http://www.qaradawi.net/news/400.html
[55] لويس ماسينون، "محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية العربية"، ألقيت في الفترة (25 نوفمبر 1912 إلى 24 إبريل 1913) ، تصدير إبراهيم مدكور، تحقيق وتقديم وحواشي: زينب الخضيري، نشر: المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، 1983، (ملاحظة لماسينون: "قام أكثر هذا العمل – يقصد: المحاضرات 1-34  - على  الأصل المستنسخ من عمل الطالب الفاضل توفيق أفندي مرعشلي"). وقد ألقيت هذه المحاضرات في الجامعة المصرية القديمة على طلاب منهم: منصور فهمي، طه حسين، علي العناني، أحمد ضيف، وكان ماسينون وقتها شاباً لم يبلغ الثلاثين!
[56] المرجع السابق، المحاضرة الأربعون والأخيرة، ص 208.
[57] جاء في صحيح ابن خزيمه: [في قوله صلى الله عليه و سلم : "من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلته" دلالة على أن القارئ و الأمي إذا قاما مع الإمام إلى الفراغ من صلاته كتب له قيام ليلته.]، وجاء في غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، لأحمد بن محمد الحموي قوله [لا يؤمُّ صاحب العذر الدائم الأصحاء ، ولا الأميُّ القارئ ، ولا الأخرسُ المتكلمَ ولا الأميَّ]، وجاء في مجموع فتاوى ابن تيمية، 25/170 قوله: [لا يصح اقتداء القارئ بالأمي . ويجوز أن يأتم الأمي بالأمي . ونحو ذلك من المسائل وغرضهم بالأمي هنا الذي لا يقرأ القراءة الواجبة سواء كان يكتب أو لا يكتب يحسب أو لا يحسب.]
[58] محمد الغزالي ، ( 1400هـ ) ، نظرية التربية الإسلامية للفرد والمجتمع ، ضمن بحوث ندوة خبراء أُسس التربية الإسلامية المنعقدة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة خلال الفترة من 11 – 16 جمادى الثاني 1400هـ . مكة المكرمة : جامعة أم القرى ، مركز البحوث التربوية والنفسية. نقلاً عن: صالح علي أبو عراد، "التربية الإسلامية، المصطلح والمفهوم"، 1426. saaid.net/Doat/arrad/17.doc.
[59] الأمثلة في كتاب الله تعالى عديدة، نذكر منها، في الكسور العددية: "إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ"(المزمل:20)، وفي المضاعفات العددية: "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ"(النساء:11)، و"مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا"(الأنعام:160)، وفي التوزيع العددي: "ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ .. وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ"(الأنعام:143-144)، وفي النسب العددية: "إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا"(الأنفال:65)، وفي الجمع العددي "فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ"(البقرة:196)، والطرح العددي " فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا "(العنكبوت:14)، ورؤوس الأعداد على تتابعها؛ من الآحادٍ مثل: "أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ"(القمر:24)، " وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ "(النحل:51)، و"ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا"(مريم:10)، و"أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ"(النور:6)، ..إلخ، والعشراتٍ مثل: "إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ"(المائدة:89)، و"عِشْرُونَ صَابِرُونَ"(الأنفال:65)، و"ثَلَاثُونَ شَهْرًا"(الأحقاف:15)، و "أَرْبَعِينَ لَيْلَةً"(البقرة:51)، و"خَمْسِينَ عَامًا "(العنكبوت:14)، و "سِتِّينَ مِسْكِينًا"(المجادلة:4)، و"سَبْعِينَ رَجُلًا"(الأعراف:155)، و"ثَمَانِينَ جَلْدَةً"(النور:4)، و"تِسْعُونَ نَعْجَةً "(ص:23)، والمئات مثل: "بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ"(البقرة:259)، "يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ"(الأنفال:65)، و"ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ"(الكهف:25)، والآلاف مثل: "لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ"(القدر:3)، و"يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ"(الأنفال:66)، و"يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ"(آل عمران:124)، وعشرات الآلاف مثل: "خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ"(المعارج:4)، ومئات الآلاف مثل: "وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ"(الصافات:147)، وأخيراً، الأعداد التي لا نهاية لها مثل: "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"(لقمان:27).
[60] "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة – تصنيف الشيخ الأجل أبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي"، باب الوصايا والمواريث، ص.65-122، في الجهة العربية من الكتاب، وهو متوفر إلكترونيا في مجلد واحد (عربي-إنجليزي) بعنوان: (The algebra of Mohammed ben Musa, dited and translated by: Frederic Rosen, London, printed for the oriental translation fund, 1831 على موقع أرشيف الإنترنت على هذه الرابطة
 http://www.archive.org/details/algebraofmohamme00khuwrich.
[61] يمكن العثور على مصادر عديدة جداً تؤكد التشابه الكبير بين النظام التعليمي الراهن، وما كان من تفعيل المسلمين للآيات التي نحن بصددها في مسألة التعليم، وعموم المدارس بإسم مكتب وكُتّاب ومدرسة. أنظر على سبيل المثال: History of Civilizations of Central Asia - Vol. 4- Part II, PP. 33-43, UNESCO Publishing 2000،
[62] (القانون في الطب، ج1 ص 157، تحت "عنوان تدبير الأطفال إذا انتقلوا إلى سن الصبا") نقلاً عن (الطفولة في الإسلام – مكانتها – وأسس تربية الطفل، حسن ملا عثمان، دار المريخ، 1982، ص91).
[63] أحكام القرآن لابن العربي، 2/291.
[64] الطبقات الكبرى لابن سعد، الجزء الخامس في (طبقات الأنصار).
[65] أحمد الأحمدين، "الوقوف على الأمية عند عرب الجاهلية"، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 1999، ص 106.
[66] السابق، ص105.
[67] واستكمالاً للحديث لما فيه من الفائدة: [قالت يا رسول الله: خويدمك، أدع الله له. قال: اللهم أكثر ماله وولده وأطل عمره وأغفر ذنبه قال أنس فقد دَفَنت من صلبي مائة غير اثنين أو قال مائة واثنين وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين ولقد بقيت حتى سئمت الحياة وأنا أرجو الرابعة]
[68] طبقات ابن سعد، الموضع السابق.
[69] "الوقوف على الأمية عند عرب الجاهلية"، مرجع سابق.
[70] السابق، ص 129. هذا بالإضافة إلى ما يزيد عن سبعة عشر مكياً ذكرهم البلاذُري في "فتوح البلدان"، الجزء الثالث، نسخة إلكترونية.
[71] سنن أبي داوود، باب "ما جاء في الشعر"، ضعّفه الألباني، غير أننا نستشهد بشرح المتن لغةً وكيف يجتمع العلم والجهل في نفس متعلم واحد.
[72] ابن منظور، لسان العرب، مادة (جهل).
[73] أبو البقاء الكفوي، "الكليِّات"، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998، ص350.
[74]  “It is better to not understand something true, than to understand something false”. Source: http://en.wikiquote.org/wiki/Niels_Bohr. (Although, it is disputed whether it is his quote or someone else)
[75] الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، ص 82.
[76] صحيح مسلم.
[77] صحيح البخاري.
[78] أنظر في ذلك – على سبيل المثال - تقرير "التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع" 2009، الصادر عن اليونسكو، ص 244 وما بعدها،
http://www.unesco.org/ar/efa-international-coordination
[79] مقال: رجحان المقال في مسألة الهلال:
kazaaber.blogspot.com/2012/10/blog-post_11.html
[80] نأمل ممن سيعترض على هذه العبارة أن يراجعها مراجعة دقيقة لأننا سبكناها سبكاً يستحيل – في ترجيحنا- معه نقضها. وفي حالة محاولة نقضها، نأمل ممن سيغامر بذلك أن يصحب نقضه باستدلالات علمية موثقة وألا يكتفى بالقيل والقال، واتباع أقوال الخبراء، أو اتباع فتاوى تستبعد الرؤية المنصوص عليها في الحديث الصحيح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك على سبيل التأكد من حسابات الحاسبين ودعاوى المدعين بوقوع الرؤية التي يدعون حسابها يقيناً.
[81] تُسمّى هذه المعادلة (التوزيع الإحصائي لـ فيرمي-ديراك) Fermi-Dirac Distribution، أنظر على سبيل المثال: Encyclopedia of Condensed Matter Physics, edts: Bassani et al, Elsvier Academic Press, 2005, Vol. I, pp.79..
[82] وأستاذ عدد من مشاهير الفكر في مصر في بداية القرن العشرين كما سبقت الإشارة أعلى.
[83] قارن هذا الوصف "عدم التكلُّف"، مع وصف الله  سبحانه لرسوله في قوله تعالى "وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ"(ص:86)، ونقل الزمخشري في تفسيره لهذه الآية حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم – لم نستطع الوقوف على صحته – يقول فيه (ذمّاً لهذه الصفة): " للمتكلف ثلاث علامات : ينازع من فوقه، ويتعاطى مالا ينال، ويقول فيما لا يعلم")، وجدير بالذكر أننا نلحظ هذه الصفات جميعاً فيمن يتداولون العلم!
[84] أبو حامد الغزالي، "المستصفي في أصول الفقه"، ص 374.
[85] أنظر: Rene Descartes, A Discourse on The Method, A New Translation by: Ian Maclean, Oxford University Press, USA, 2006 ، ص14، 17(قوانين التفكير الأربعة)، ومن الترجمات العربية للكتاب ."مقال عن المنهج"، رينيه ديكارت، ترجمة محمود الخضيري، تقديم عثمان أمين، هيئة الكتاب المصرية، 2000، صفحات 88، 97-99 (قوانين التفكير الأربعة)، وانظر أيضاً: فلسفة ديكارت ومنهجه: دراسة تحليلية نقدية، مهدي فضل الله، دار الطليعة، بيروت، ط. ثالثة، 1996.
وقد تذرع طه حسين في نقده للشعر الجاهلي بأنه من متبعي هذا المنهج ، أنظر: "في الشعر الجاهلي"، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسه، تونس، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية، 1926م، ص23.

[86] أبو حامد الغزالي، ميزان العمل، تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، 1964، ص 409. (آخر عبارة في متن الكتاب). 
[87] أُثر عن ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: (ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله الفهم وأقول يا معلم آدم وابراهيم علمني، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرغ وجهي في التراب [وأسأل الله وأقول: يا معلم إبراهيم فهمني](ابن قيم الجوزية- إعلام الموقعين- نسخة إلكترونية)) (رسالة "رأس الحسين" لابن تيمية، نسخة إلكترونية)
[88] ألا نرى في غُسْل الإسلام لمن أسلم لتوِّه طهارة بدنية ترافق طهارته الفكرية – أي النطق بالشهادة – فتنقيه مما علق بذهنه من أفكار واعتقادات فاسدة. ألا يكون الوضوء مع الصلاة أيضاً تجديداً لهذه الطهارة، مثلما أن الصلاة نفسها تجديداً معنوياً لتصحيح التوجيه القلبي والعقلي على نحو متتابع. ربما لا يعلم الكثيرون أن صواريخ الفضاء المنطلقة نحو أهداف بعينها – ومثلها الصواريخ الموجهة على الأرض والمسماة بصواريخ كروز – يجب أن يتم تصحيح مسارها على الدوام كي لا تضل طريقها عن وجهتها التي انطلقت من أجلها. وهذه لا تختلف - في غرض التصحيح - عن المسلم في متابعة صلواته إلى ربه، يصحح بها وجهته، فيظل على الطريق الحق.
[89] سمعت الشيخ عبد الحميد كشك يرحمه الله، قال: [لماذا قدّر الله تعالى لنبيه محمداً أن يفقد أباه قبل أن يولد؟ - الإجابة هي: حتى لا ينشأ ويقول: أبي أبي، بل يقول: ربّي ربّي.] وهذا يترافق مع الحديث المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أدبني ربي وأحسن تأديبي]. قال الألباني: لا يعرف له إسناد ثابت، لكن المعنى صحيح، كما قال ابن تيمية في " المجموع " ( 18/375 )]
[90] استفدنا في إعداد هذه الفقرة استفادة كبيرة من عدد من المحاضرات – مع تصرُّف واسع في الصياغة والإيجاز - وخاصة المحاضرة رقم 17 بعنوان "ثورة كيون: صورة العلم" "Kuhn's Revolutionary: Image of Science" من سلسلة محاضرات مرئية بعنوان "حروب العلم: ما الذي يعلمه العلماء وكيف يعلمون ما يعلمونه؟" "Science Wars - What Scientists Know and How They Know It? "، ألقاها Stephen L. Goldman من جامعة Lehigh University.
 http://www.teach12.com/ttcx/coursedesclong2.aspx?cid=1235
[91] Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, The University of Chicago press, 1962, 1970, Third ed. 1996.
ويوجد لهذا الكتاب ترجمتان باللغة العربية (على الأقل)، الأشهر منهما جاء ضمن سلسلة عالم المعرفة بعنوان: "بنية الثورات العلمية"، ترجمة شوقي جلال، العدد 168، شهر ديسمبر 1992، والثاني جاء ضمن سلسلة "فلسفة العلوم"، للدكتور ماهر عبد القادر محمد علي، بعنوان "تركيب الثورات العلمية"، دار النهضة العربية، 1988.
[92] أنظر على سبيل المثال الكتاب الأصلي لتوماس كون، الطبعة الثالثة، ص 138-143، أو ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، ص177-185.
[93] نقصد بذلك د. زكي نجيب محمود، وذلك أنه أصدر كتاب "خرافة الميتافيزيقا" عام 1953 في أوج حماسه العلمي، فلمّا راجع نفسه ووجد من جنوح مذهبه، وهدأ حماسه، أصدر كتاباً عام 1983 أشد تواضعاً وعنونه "موقف من الميتافيزيقا".
[94] زكي نجيب محمود، "قيم من التراث"، طبعة ثانية، دار الشروق، القاهرة، 1989، ص136.
[95] "مجموع فتاوى ابن تيمية"، ج4/ ص73. أو شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، تحقيق أحمد محمد شاكر، نسخة إلكترونية.
[96] (جاء عن ابن واصل الحموي - وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم في الفلسفة والكلام - قوله: [أستلقي على قفاي وأضع الملحفة على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء]، وأنشد الخطابي: [حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكلٌ كاسرٌ مكسور!]، وقال أبو حامد الغزالي: [أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام.])(ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 4/28)
[97] عنوان الكتاب الأصلي "Entstehung und Entwicklung einer wissenschaftlichen Tatsache" وصدر بمدينة بازل 1935.
[98] نقلاً عن (Stephen L. Goldman)، مرجع سابق.
[99] http://en.wikipedia.org/wiki/Albert_Lasker_Award_for_Basic_Medical_Research
[100] ونتذكر هنا أيضاً قول الأديب والناقد الفرنسي الشهير مارسيل بروست Marcel Proust (1871-1922) حين قال: "إن رحلة الاكتشاف الحقيقية، وينبوع الصبا الخالد، ليس في رؤية أراضي جديدة، ولكن في امتلاك عيون جديدة" The only true voyage of discovery, the only fountain of Eternal Youth, would be not to visit strange lands but to possess other eyes.
(Proust, Marcel, The Captive & The Fugitive: In Search of Lost Time, Translator: C K Scott Moncrieff, Modern Library Classics, 1929, Vol. V, p. 160.)
[101] مثال لذلك ما جاء في مجلة المسلم المعاصر – العدد 93/94 لعام 1999 ص. 206 على لسان د. علي جمعة مانصه: "تتحكم النظم السياسية والاقتصادية في إرادة الأشخاص بالطرق غير المباشرة باستخدام العلوم الحديثة. فمثلاً حصلت فضيحة كبرى أثناء حرب فيتنام، حيث استخدمت العلوم الطبية في توجيه الشعب الأمريكي لتأييد هذه الحرب، وذلك أن العين تبصر عشرين صورة في الثانية، يعني 1/20 من الثانية لكل صورة. فلو كانت الصورة أسرع من 1/20 لا تدركها العين، لكن يدركها المخ. فكانوا يكتبون: "أيدوا حرب فيتنام" في خلفيات ما يُبث عبر التليفزيون، فيؤيد الناس حرب فيتنام، دون أن يدرك الناس هذا التأثير، فحدث يوماً خلل فني أدّى إلى توقف الصورة، فظهر هذا الإعلان في الخلفية، مما أدى إلى فضيحة كبرى. (وقد وظفنا هذا المثال الواقعي كعلامة بارزة على التضليل الإعلامي باعتبار أن الإعلام بديلاً من عدة بدائل يلجأ إليها الناس والمتخصصون على السواء كمصدر معرفي، أنظر "مقدمة في أصول فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية – دراسة تحليلية نقدية للأصول الغربية لعلوم الاجتماع والإنسانيات من منظور إسلامي"، عزالدين كزابر، دار الفكر العربي، القاهرة ، 2008 ، ص67، 92)
[102] يجب الانتباه إلى الفرق بين النسبوية relativism والنسبية relativity، ولو لم يوجد في الفكر الغربي تمييز بينهما – بعد ظهور النظرية النسبية لأينشتاين – لظل اللفظ "نسبية" هو الترجمة المباشرة والبسيطة للـ relativism، ولكننا اضطررنا للتكلف في الترجمة لعدم الخلط بين المفهومين. ويعود الإشكال إلى خطأ في تسمية نظرية أينشتاين، وقد حاول هو نفسه تلافيه، غير أن إسم "النظرية النسبية" قد شاع وخرج عن سيطرته. 
[103] لا بد أن يذكرنا ذلك بموقف جورجياس Gorgias (483 ق.م. – 378 ق.م.)، وهو أحد السوفسطائيين الذي كان يسخر منهم أفلاطون، وكان يتبنَّى جورجياس موقفاً فكرياً يقول بأن التفكير الإنساني ليس حكماً عدلاً في حل المسائل والوصول إلى حقائق مطلقة، بل إنه دائم الخطأ في قراراته المنطقية بما يستعصي عليه من غموض واختلاف.
[104] لا يمثل هذا التحليل أي مفاجأة لنا إلى هذا الحد، فقد أورد ابن جني هذا الرأي في الخصائص، وأيده دون قطع لتشابك المسألة اللغوية والواقع الذي تعبر عنه. (الخصائص: 1/ 40-47)
[105] استعرضنا مدرسة "علم الاجتماع التأويلي" interpretive social science ومدى تأثرها بالهرمنيوتيقا وغيرها من حركات فكرية أخرى في الصفحات 457-487 من ("مقدمة في أصول فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية،.." عزالدين كزابر، 2008، دار الفكر العربي، القاهرة)
[106] صحيح البخاري.
[107] بعد وصلنا إلى هذه النتيجة، وباستقلال تام، تذكرنا حديث الإسراء وما جاء في أوله، فمن صحيح البخاري نقرأ: [عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أُسري به: "بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت، فقد قال وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه"، فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول من قصه إلى شعرته، "فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض" فقال له الجارود :هو البراق ....]
وفي صحيح مسلم جاء الحديث على هذا النحو [عن مالك بن صعصعة رجل من قومه قال قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول أحد الثلاثة بين الرجلين فأتيت فانطلق بي فأتيت بطست من ذهب فيها من ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا" قال قتادة: فقلت للذي معي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطنه "فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي إيمانا وحكمة ثم أتيت بدابة أبيض يقال له البراق" ...]
هل يعني هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد عاد أمياً على النحو الذي ولدته عليه أمه على المعنى الحرفي؟ أي الحقيقي المادي (نقصد غسل قلبه مما علق به من أي آثار معرفية تعلقت به)؟ فضلاً عن أن يكون أميّاً على النحو الذي لم يتلق فيه علماً بشرياً مما صنعه غيره أو من صناعته هو، كما قال تعالى "وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ..."(العنكبوت:48)
[108] أنظر: مصطفى حلمي، "إسلام جارودي"، دار الدعوة، الإسكندرية، 1996، ص45 وما بعدها.
[109] السابق، ص61 وما بعدها.
[110] تفسير ابن أبي حاتم (2/349) ورواه الطبري في تفسيره (6/522) وهو مرسل.
[111] نقلاً عن تفسير ابن كثير.
[112] طبقاً لقصيدة ترتيب النزول المسماة "تقريب المامول في ترتيب النزول للجعبري".
[113] رواه الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وصححه الألباني.





‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق