الأربعاء، 4 مارس 2026

حديث (تُعْرَض الفتن كالحصير عودا عودا) وتفسيره العلمي

 فتوى فيما يُعرض على الشاشات من سينما وتلفاز وكومبيوتر وموبايل

عزالدين كزابر

التفسير العلمي لآيات القرآن وحديث النبي (صلى الله عليه وسلم) - في المسائل التي تستدعيه - يُكْسِبُ المسلمَ منظوراً أوسع نطاقاً، وأعمق بياناً، وأصوب تحقيقاً من أي تفسير ثقافي أسبق منه. وذلك لأنه يجعل المسلم المُحقِّق أكثر إحاطة بما عساه أن يكون مساقط الآيات الدلالية. فما كان غائبا عن الناس زمنا – وقد استشكل بسببه على الناس المعنى - ربما استبان بما تَكَشَّف لهم من علوم؛ جلاها الله سبحانه للناس لاحقا في هذه الأزمان الأخيرة.

ومن الأمثلة العديدة لذلك؛ الحديث:

[تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز، مجخيا لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه] (رواه مسلم)

أو [تُعرَض الفتن على القلوب عرض الحصير، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى يصير القلب على قلبين أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربد كالكوز مجخيا ـ وأمال كفه ـ لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه] (مسند أحمد)

 

التفسير التراثي للحديث:




محل الإشكال

في التفسير التراثي نجد أن محل الإشكال هو:

"الحصير وأعواده": حيث فُهمت "الأعواد" على أنها مفردات الفتن التي تعرض على الناس فتنة لهم، و"الحصير هو جماعها" وأنه مَثَلٌ لكيفية تتابعها على الناس وتشابكها فتنة بعد فتنة.

هذا هو التفسير الذي تكاد لا تجد غيره في شروح الحديث. وربما يتسرع أحد مقلدي التراث الإسلامي عن لا تبصُّر، ويقول إن هذا التفسير يُعد إجماعا، ويتخذ من ذلك ذريعة يرد بها ما عداه. ونتساءل: هل الطرح الوحيد الذي فرضته حدود الثقافة ولم يعلم الناس غيره، هل يُعد إجماعا؟ - فإذا علمنا أن كل آية في القرآن، وكل حديث من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قد فسره المفسرون وشرحه الشراح. فإن كان الأمر كذلك، فكيف يظهر لاحقا في مستقبل الزمان غير ما يعلم الناس – في فهم كلام الله تعالى وسنة رسوله - بعد أن أغلق المفسرون والشراح دواوينهم؟ - فإن قيل وأين ذلك وما موجبه؟ - قلنا يظهر ذلك فيما قال الله تعالى فيه " سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ "(41 فصلت 53)، وفي قوله تعالى " سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا "(27 النمل 93). وموجب ذلك أنه عند هذه الرؤية الموعودة سيعرف المؤمنون منها معنى الآيات التي لم يكونوا يعلمونها إلا متنا. فكل من أغلق المدونة التفسيرية والشروحات الحديثية فلا بد وأن يقع في إشكالٍ في معاني تلك الآيات التي تظهر لاحقا مما وعد الله تعالى به، لأن قبول معنى لم يكن معلوما عنده يعتبر خرقا للعادة التفسيرية الموروثة، والمألوف عنده – على ما نسمع منهم - أن ذلك بدعة يجب ردها وذم أصحابها. وهنا يكون الحرج ويكون التعنت فيجتمعان مع الجهل والجمود المرذول، خاصة إذا كانت مستجدات التفسير مما يحمل البيان وانكشاف المعاني لعلل علمية مكتشفة حديثا، ولها وجاهتها. ويصبح الحَكَمْ في مثل هذه التفاسير الجديدة درجة علم المفسر والشارح ورصانة التفسير وحجته. فإذا انعدم العلم بذلك، تمسك الجامدون بجمودهم، وزادهم عدم العلم جهالة.

 

ونورد هنا تفسيرا علميا يعيد تأويل محل إشكال الحديث:

ولنقرأ مطلع الحديث (بروايتيه عن مسلم و مسند أحمد) مرة أخرى:

1-    [تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، ..]

2-    [تُعرَض الفتن على القلوب عرض الحصير ...]

نلاحظ أن رواية مسلم انفردت بـ [عودا عودا] وخلت من [عرض الحصير] وجاء بدلا منها [كالحصير]

وفي رواية أحمد، نجدها انفردت ب [عرض الحصير] بدلا عن [كالحصير] وخلت من [عودا عودا]

وبالجمع بين الروايتين: نحصل على:

-        [تُعرَض الفتن على القلوب عرض الحصير عودا عودا، ..]

 

ونقول أن الفرق بين التفسير العلمي الجديد، والتفسير التراثي، يرجع إلى الفرق بين [عرض الحصير]، سواء كان "مفعول مطلق" أو "تشبيه للمصدر"، وكون فائدته "توضيح الهيئة والكيفية"، ونتساءل: على ماذا "جاء توضيح الهيئة والكيفية" على التحديد: أهو لل (الفتن عينها) أم لـ (لآلية عرض الفتن)؟

 

نعلم أن معظم القراء سيستغربون السؤال أعلاه!

وللتوضيح، نقول: أن الفرق الذي نسأل عنه يشبه الفرق بين السؤالين الآتيين حول العبارة:

يسافر الناس كَسَفر الطير.

هل متعلق الهيئة والكيفية (سفر الطير) هو الناس؟

أم: أن متعلق الهيئة والكيفية (سفر الطير) هو آلية السفر؟

 

نقول: لو كان المتعلق هو "الناس" – لكانت إجابة السؤال الأول بنعم – تدور حول تشبيه الناس أعينهم بالطير، فكأن كل إنسان يطير بجناحين كالطائر.

أما لو كان متعلق (سفر الطير) هو آلية السفر – لكانت إجابة السؤال الثاني بنعم – تدور حول تشبيه آلية سفرهم بالطير. وآلية سفر الناس هي الآلية التي تحمل الناس في سفرهم. مثل الإبل في القديم، والسيارات والطائرات في الحديث من الزمن. أي أن المسافرون يركبون آلة، وهي التي تشبه الطير في طيرانه. ومن ثم تستقل الطائرة بالمعنى دون غيرها مما يحمل الناس في سفرهم.

 

والخلاصة أنه من الواضح أن العبارة (يسافر الناس كَسَفر الطير) تفيد أن هيئة وكيفية آلية /وسيلة السفر التي تحمل الناس، وليس الناس أعينهم.

 

وبالعودة للحديث ،نعيد السؤال المطروح:

هل (عرض الحصير) هو هيئة وكيفية (الفتن عينها) أم هيئة وكيفية (آلية عرض الفتن)؟

نقول: اختار التفسير التراثي الإجابة الأولى (أي: أن الهيئة والكيفية هي لعين الفتن) دون الانتباه إلى وجود إجابة ثانية محتملة لغويا والتي فيها تكون (الهيئة هي كيفية لآلية عرض الفتن). وسبب عدم الانتباه لهذا المعنى الثاني أن الخارطة الذهنية لم تشمل في زمن المفسرين التراثيين أن يكون للفتن وسائل عرض غير الحواس الإنسانية المباشرة. أي أن الحديث ربما تناول شيئا من الغيب الذي لم يحن ظهوره للناس.

 

ولما ظهرت في العصر الأخير تلك الوسائل الجديدة في العرض على البصر غير الرؤية العينية المجردة لعيون المرئيات، والذي لم يكن معروفا غيرها طوال عهد البشرية، خرج إلى الخارطة الذهنية تفسيرٌ آخر يزاحم التفسير الأول، بل ويترجح عليه، وهذا التفسير هو الذي يجعل إجابة السؤال كالآتي:

أن (عرض الحصير) هو هيئة وكيفية (آلية عرض الفتن).

أي أن الفتن ستعرض عرضاً يشبه عرض الحصير الذي تتراص أعواده واحدة تلو الأخرى.


ونتساءل: هل يحدث شيء يشبه هذه الآلية في العرض وأصبح معروفاً للناس في زمننا هذا؟

الإجابة نعم، بل إنها الوسيلة التي انفردت دون غيرها وعمت وسائل العرض التقني منذ نشوء التلفاز Television، ومن ورائه شاشات الحواسيب، ثم الموبايلات، ثم السينما الرقمية. نعم إن العرض على كل هذه الأجهزة يتم عبر آلية (عرض الحصير عودا عودا) والتي تسمى بالإنجليزية (Raster Scan Display row by row)، أو اختصارا Raster Display. وكانت بدايتها مع التفاز عبر انبوبة أشعة الكاثود في أنواع التلفزيونات الأولى والتي تظهرها الصورة الآتية:

شكل 1: التلفزيون الشائع في النصف الثاني من القرن العشرين

وآلية رسم الصورة فيه (أنبوية أشعة الكاثود CRT) 24 مرة على الأقل - كل ثانية

خطاً خطاً (عودا عودا) على شاشة (تشبه الحصيرة في مظهرها)

ولم تتغير منهجية عرض الصور المتحركة (عرض الحصير عودا عودا) منذ نشأتها (1926-1931) رغم التطور التقني الهائل (المعاصر OLED Screens) ، فها هي التقنية الاحدث التي لم تزد إلا في زيادة الدقة والرهافة اللونية لتحسين جودة الصورة النهائية المركبة من أعواد حصير ضوئية شديدة الدقة، حتى أن العين لا تكاد ترى خطوط (أعواد) الشاشة (الحصيرة) فاضطر المصور الظاهر في الشكل الآتي إلى تصوير الشاشة بكاميرا عالية التكبير، فظهرت اعواد الحصير ثلاثية الألوان والتي تظهر في باقي الشكل، والتي تمتزج فيها الألوان وينتج كل درجات اللون الرهيفة. فالحصير وأعواده هي هي كما وصفها حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

شكل 2: شاشة تلفزيون حديث OLED وكيف أن الصور المتحركة عليها مركبة 

كما يتركب الحصير من أعواد متراصة


شكل 3: شاشات الموبايلات جميعا تتركب الصور المتحركة عليها من أعواد متراصة

(خطوط من النقاط الضوئية: البيكسلات pixels)

 

والآن: ما هي الفتن المقصودة في الحديث (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا ..) ؟

الإجابة: هي كل الفتن المعروضة على شاشات العرض (التلفزيونات/ شاشات العرض السينمائية / شاشات الكومبيوترات / الموبايلات) وتشمل ما يؤذي الإنسان رؤيته مما حرمه الله. وما عرضها على أعين الناس إلا عرضها على قلوبهم، لأن العين منظار القلب.

 

ونستكمل الحديث حتى يعلم القارئ أثر ما يرى من فتن على تلك الشاشات على قلبه وأنها مقصود حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

[...... فأي قلب اُشْرِبَها (أي: أحبها وأصبح مغرما بها لا يريد الانفكاك عنها)، نُكِت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها (أبغضها لما فيها من سخط الله)، نُكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير (قلوب المطالعين لتلك الفتن على تلك الشاشات) على قلبين؛ أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا (يشبه الرماد أو الغبار بسبب السواد الذي خالطه) كالكوز مجخيا (منكوساً) لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، إلا ما اُشْرِبَ من هواه]

 

هذا والله تعالى أعلم،،



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق