الجمعة، 10 أبريل 2026

كتاب: مقدمة في أصول فقه العلوم الاجتماعية

 




محتويات الكتاب

العنوان

الصفحة

تصـدير

17

تمهيـد

49

الفصل الأول

العلم والبحث العلمي

وموقع العلوم الإنسانية والاجتماعية منه

الفقرة

عنوانهــــا

الصفحة

101

مقدمـــة

54

102

بدائل البحث العلمي الاجتماعي

  Alternatives to Social Research

61

103

السلطة الثقافية والتقليد   Authority

62

104

العادات والتقاليد والعرف Traditions

66

105

الأحكام العفوية أو البدهيات العامة Common Sense

70


106

التضليل الإعلامي Media Myths

73

107

الخبرة الشخصية Personal Experience

75

108

دورة العلم How Science Works

80

109

العلم Science

82

110

أشباه العلم Pseudoscience

88

111

المجتمع العلمي Scientific Community

91

112

معايير المجتمع العلمي

The Norms of the Scientific Community

96

113

الطريقة العلمية والموقف العلمي

Scientific Method and Scientific Attitude

102

114

الدوريات العلمية Journal Articles in Science

103

115

العلم كعملية تحويلية

           Science as a Transformative Process

107

116

الإجراءات البحثية Steps of Research Process

109

117

البحث الاجتماعي الكيفي والكمي

Qualititative and Quantitative Social Research

124

118

لماذا نجري بحثاً اجتماعياً Why conduct Social Research

128

119

خلاصـــة

130

الفصل الثاني

أبعاد البحث العلمي الاجتماعي

الفقرة

عنوانها

الصفحة

201

 مقدمــــة

134

202

 أبعاد البحث العلمي الاجتماعي

غرض إجراء دراسة ما The Purpose of Study

135

203

البعد الاستكشافي Explorative Dimention

137

204

البعد الوصفي Descriptive Dimension

139

205

البعد التفسيري Explanatory Dimension

141

206

وظيفة البحث العلمي (الاجتماعي) The Use of Research

144

207

البحث الاجتماعي التأصيلي Basic Research

145

208

البحث الاجتماعي التطبيقي Applied Research

148

209

أنواع البحث الاجتماعي التطبيقي

Types of Applied Research

154

 

البحث الإصلاحي Action Research

154

 

تقييم التقلبات الاجتماعية

         Social Impact Assessment

158

 

أبحاث التقييم Evaluation Research

161

210

البعد الزمني في البحث الاجتماعي

The Time Dimension in Social Research

171

211

البحث الزمني (المقطعي) المستعرض

Cross-Sectional Research

173

212

البحث الزمني الطولي Longitudinal Research

174

 

السلاسل الزمنية Time-Series

175

 

الجدولي التطابقي/الطباقي Panel Study

176

 

التجانسي Cohort Analysis

180

213

دراسات العيّنة Case Studies

182

214

تقنيات جمع البيانات Data Collection Techniques

187

215

البيانات الكمية Quantitative Data

188

 

التجارب Experiments

188

216

المسح (العيني) الميداني Surveys

192

217

تحليل المحتوى Content Analysis

195

218

الإحصاءات سابقة الإعداد  Existing Statistics

198

219

البينات الكيفية Qualitative Data

201

 

البحث الميداني Field Research

201

220

التاريخي المقارن Historical-Comparative Research

204

221

خلاصـــة

206

 


الفصل الثالث

النظرية والبحث العلمي الاجتماعي

الفقرة

عنوانها

الصفحة

301

 مقدمــــة

210

302

 ما هي النظرية

213

303

النظرية الاجتماعية في مقابل التمذهب

Social Theory Versus Ideology

216

304

مكونات النظرية The Parts of Theory

229

 

المفاهيم Concepts

229

 

شبكات المفاهيم Concept Clusters

237

 

الافتراضات الضمنية Hidden Assumptions

239

 

التصنيفات (التحليلات البعدية) Classifications

240

305

العلاقات Relationships

250

306

المدى Scope

252

307

الحقيقة في مقابل النظرية Fact Versus Theory

256

308

النظريات  Theories

263

 

   اتجاهات التنظير (التوجهات المنطقية) Theorizing Directions

264

 

طريقة الاستدلال (الاستنباط) Deductive

265

 

طريقة الاستقراء Inductive

266

 

التوجه المنطقي المُعدّل باعتبار نصوص الوحي

268

309

مستوى النظرية

269

310

النظريات الرسمية والنظريات العملية/الأساسية

Formal and Substantive Theories

272

311

أشكال التفسير    Forms of Explanation

274

 

التنبؤ والتفسير Prediction and Explanation

274

 

التفسير العلّي/السببي Causal Explanation

278

 

التفسير التأويلي Interpretive Explanation

304

312

الأطر العملية النظرية Theoretical Frameworks

309

 

الإطار الوظيفي البنيوي  Structural Functionalism

313

 

الإطار التبادلي النفعي Exchange Theory

313

 

الإطار الرمزي التفاعلي Symbolic Theory

314

 

إطار التعاند/الصراع  Conflict Theory

314

313

النظرية والبحث العلمي – الديناميكية المطلوبة

Theory and Research: The Dynamic Due

315

314

خلاصـــة

320

الفصل الرابع

معاني المنهجية: المدارس الاجتماعية

الفقرة

عنوانها

الصفحة

401

 مقدمــــة

322

402

المداخل الثلاثة لعلم الاجتماع

The Three Approaches

325

403

علم الاجتماع الوضعي

Positivist Social Science PSS

331

404

أســـئلة في علم الاجتماع الوضعي

337

405

ملخص علم الاجتماع الوضعي

356

406

علم الاجتماع التأويلي

Interpretive Social Science ISS

358

407

أســـئلة في علم الاجتماع التأويلي

365

408

ملخص علم الاجتماع التأويلي

380

409

علم الاجتماع النقدي Critical Social Science CSS

382

410

أســـئلة في علم الاجتماع النقدي

388

411

ملخص علم الاجتماع النقدي

412

412

الأبحاث النسوية Feminism،

            و "ما بعد التحديث" Postmodernism

414

 

البحث العلمي و"ما بعد الحداثة"Postmodern Research

419

413

خلاصـــة

424


ملاحــــق

رقم الملحق

عنوانه

الصفحة

501

كشاف بالاصطلاحات الأجنبية وترجمتها

436

502

مراجع عربية

455

503

مراجع أجنبية

459


فهرس الأشكال

رقم الشكل

عنوانه

الصفحة

001

خطة العمل في "فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية وأصولها"

18

002

العلاقة المُقترحة بين الشريعة الإسلامية والعلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية

20

003

خطة العمل الإجمالية في هذه السلسلة في مرحلة التحليل والنقد

21

004

دورة حياة الفكر العلمي بين المسلمين والغربيين كما يراها المؤلف

42

005

نظرة عامة على الإنسان والمجتمع وموقعهما من أركان الوجود

50

101

أركان تبليغ العلوم ومستوياتها المتدرجة، وتمييزها للفرق بين العلم وأشباه العلوم

89

102

الخطوات الإجرائية البحثية

111

201

العلاقة بين أنوع البحث الاجتماعي: الاستكشافي والتوصيفي والتفسيري

136

202

العلاقة بين حجم العينة والشريحة الزمنية

172

203

العلاقة بين أنواع البحث الاجتماعي الزمني الطولي

175

204

الفرق بين البحث الميداني والمسح الميداني

201

301

العلاقة بين التفكير والتنظير والتفلسف

212

302

سلم التنظير

214

303

العلاقة بين المفاهيم في حديث لرسول الله r

250

304

العلاقة بين "العموم والخصوص الفقهي" والتجريد التنظيري

256

305

الحقائق الاجتماعية بين النقاء والتشويش، أو بين الوضعيين والنسبويين

257

306

المواجهة في تفسير ظاهرة ما بين الواقع ونصوص الوحي

262

307

العلاقة بين تشويش تقدير حقيقة الظاهرة كدالة في تشويش تقديرات تفسير كل من الوحي والواقع

263

308

اتجاهي التنظير الاستنباطي والاستقرائي

265

309

التنظير الاستقرائي والاستنباطي (الاستدلالي)

268

310

معادلتا الحل الفقهي للقضايا الاجتماعية والنفسية: استباط نصوص الوحي مقابل استقراء القوالب الواقعية

269

311

دوائر (نطاقات) العلية

281

312

ألفاظ السببية/العلية وما بينها من علاقات

283

313

التلازم بين الدخل والعرق

287

314

الرسوم التوضيحية السببية/العلية

294

315

العلاقة بين درجة النظامية ونوع التفسير

304

316

المنحنى الحضاري بدلالة الإحكام والتشابه في المادة العلمية

307

401

العلاقة بين الشيئية/الذاتية والموضوعية في التصور الإسلامي

406

402

الصفة النفسية/الذاتية بين الرجل والمرأة وأثرها على أحكامهما على الأمور

418

 


فهرس مربعات المعلومات

رقم المربع

عنوانه

الصفحة

101

معايير المجتمع العلمي

101

102

ممارسة علم الاجتماع

129

201

أنواع البحث العلمي الاجتماعي وأهداف كل نوع

143

202

نطاقات البحث في دراسة التقلبات الاجتماعية

159

301

مواجهة بين النظرية العلمية الاجتماعية والمذهبية Ideology

218

302

"النموذج المثالي" Ideal Type - للبيروقراطية

242

303

عناصر العلية/السببية

284

304

تعلم كيف ترى العلاقات السببية

290

305

مستويات التنظير – في اختيار الأزواج- "إزاحة الحدود"

311

306

الأطر العملية النظرية الرئيسية في علم الاجتماع

315

401

طريقة الحالة الممتدة/المعممة  Extended Case Method 

وعلم الاجتماع النقدي

413

402

خصائص البحث العلمي الاجتماعي النسوي Feminist

416

403

خصائص البحث الاجتماعي في "ما بعد الحداثة"

424

404

السمات المشتركة للمداخل الثلاثة في علم الاجتماع

432

 


فهرس الجداول

رقم الجدول

عنوانه

موضعه

101

الأسلوب الكمي في مقابل الأسلوب الكيفي

128

201

مقارنة بين البحث الاجتماعي التأصيلي والتطبيقي

154

202

أبعاد البحث العلمي الاجتماعي

207

301

طرق تكيف الأفراد مع ثقافة مجتمعهم (في نظرية الاعتزال الاجتماعي والانحراف)

245

302

تصنيف المجتمع اعتماداً على صدق الاعتقاد، وإظهار الاعتقاد

246

303

أنواع وجهاء المجتمع

247

304

نظام الطبقات الاجتماعية

248

305

تصنيف الناس حسب خصالهم الشخصية

249

306

سمات النظرية الاجتماعية

319

401

ملخص الفروق بين المداخل الثلاثة للبحث العلمي الاجتماعي

426

402

ملخص مبدئي للتصور الإسلامي لما ينبغي أن يكون عليه البحث العلمي (الاجتماعي.)

427

 

تصـدير

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله الأمين وآله وصحبه وسلم،،،

يقول الله تعالى: "ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا، إنهم لا يعجزون"(الأنفال8: 59)، ويقول تعالى: "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم"(محمد47: 1)، ويقول تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"(التوبة9: 105).

الغرض من هذه الدراسة

نشأ الحديث في قضيتنا العلمية فأحببناه، وتنامى فتأملناه، وتكرر فأوجسناه، وأطنب فمللناه حتى تساوى عندنا أجهلناه أم سمعناه. إنه حديث أسلمة العلوم – العلوم كلها-  أو التأصيل الإسلامي للعلوم أو أو... أيّاً كان مسمّاه. فالمشكلة التي عنها نشأ لم تفرزه وحده، بل أفرزت مشاكلنا المعاصرة كلها، وهويتنا التي منذ قرنين من الزمان نعاني فيها فقط من الكلام - وفقط الكلام- عنها، ولم يتبلور لها تنظير واضح ولا أثمرت عملاً فالحا. دائماً أبداً كان كلام ما-قبل-العمل، والذي لا يعقبه عمل، سقيما، ويكثر فيه اللغط والجدل والقيل والقال، وإعجاب كل ذي رأيٍ برأيه. أنظر إلى الفلسفة التي انسحب من بين أيديها خيوط اللعبة العلمية كلها، متى حدث ذلك؟ فقط عندما بدأ العمل. فقط مع العمل وعنده تتمايز الألوان وتتضح المعالم وينفض الجدال، وتخفت الأصوات، يختبئ أصحاب الكلام. فأين علم الكلام الذي كان في يوم من الأيام مفخرة أصحابه المتكلمين، لقد اندثر ولم يبق إلا تراث من أطلاله.

فإذا ما أردنا العمل فوجب أن نجمع مادته. ومادته ذات شقين لا غرابة في تميزهما، الأول هو تراثنا الفكري الذي لا سبيل لنا أن نتنازل عنه وإن أعدنا النظر في صياغته. والثاني هو الطفرة العلمية المادية والآلية التي فاجأتنا في زمنٍ غفلنا فيه عن الحياة. ويجتمع هذان الشقان في مشروعات علمية كبرى تحتاج إلى أسطول من العلماء لا أن ينفرد به أو يتحمل مسئوليته أفراد، إلا بما يُخرجهم من دائرة اللوم ومهانة التوبيخ. فإن نظرنا فلم ندرك أعمال الآخرين – بفرض وجودها – وبما يُرْضِي طموحنا، فلا علينا إلا أن نُبَرّئ ذمتنا ونعذُر أنفسنا بالعمل وإن انفرد. وليس وراءه من هدف إلا إرضاء ربنا جل وعلا، وأداء الأمانة التي أثقلت ظهورنا.

أشرنا إلى المشروعات العلمية الكبرى، لماذا؟ - لأن الأعمال العلمية المنفردة والمتفلتة لا تلقى آذاناً صاغية، وأقصى عطاءاتها أن تُغرّد خارج السرب. أما إن لم يكن هناك سرب ولا أسراب، وجب أن يضع الكاتب – المغترب بين قومه – لنفسه مشروعاً علمية ذهنية قابلاً للإسقاط الواقعي، ويرى منه موقعه، ويضع أعماله في مواضعها منه. وذلك مثل حال المسافر المرتحل دوماً، لا بد له – في كل مرحلة من مراحل سفره - من وجهة معلومة، وطريق منتظم، ومحطات على الطريق. فمَثَل العمل العلمي كمحطات الطريق. ومَثل المشروع العلمي كرحلة المسافر الخبير بوجهته. أما غير ذلك، فأعمالٍ منثورة، وبذرٍ بلا حرث، ورَيِّ بلا حصاد!

المشروع العلمي الذي يأتي هذا الكتاب أولى محطاته:

يجيئ هذا العمل كخطوة أولى على طريق مشروع علمي يعيد بناء البحث الاجتماعي والإنساني بفكر إسلامي، ولسان عربي. وننهج فيه نهج التعريب الأمين لما يهمنا من مقولات غربية، بلسان أهلها ومنطقنا العربي، ثم نتبعها بنقد شرعي بنّاء. فيكون تهذيباً لمادة علمية تُعَبِّر عن قيمة علمية عند أهلها ومن تبعهم من بني جلدتنا – بلا تَحَفّظ- وهم كُثُر. ولأَن نفكر بلغتنا خير لنا ألف مرة من أن نفكر بلغة غيرنا، وهكذا يفعل العقلاء!! ومن هنا وجب تعريب الأعمال العلمية التي صيغت بغير لغتنا والتي يغلب الظن على وجود قيمة علمية لها. ولأن نفكر بلغتنا في مادة غيرنا دون تمحيصها، لهو من غفلة العقلاء، ولأن نفكر بلغة غيرنا فحدث ولا حرج[1]، أما إن لن نفكر في شيء ولا بشيء فهو الهلاك بعينه. فوجب إذاً أن ننقد المادة بعد تعريبها – بشئ من التصرف المفيد غير المخل – وهذا ما نأمل أن نكون قد اتبعناه في عملنا هنا.

لذا يجيء هذا الكتاب - الذي بين يدي القارئ – كمحطة أولى على طريق مشروع علمي كبير أطلقنا عليه "فقـــه العلوم الاجتماعية والإنسانية وأصولها". وبما يوحي هذا العنوان، فنقصد منه إعادة صياغة العلوم الاجتماعية والإنسانية، وذلك بتأصيلها على ما هو أقوم. أو قل: تفكيكها وتحليلها، تم تمحيص مادتها، ثم النظر في شريعة ربنا جل وعلا النظر الاجتهادي اللازم حسب المستطاع، نسألها به عن الطريقة المُثلى التي يمكننا بها معالجة هذه القضايا بطرحها الجديد. وفي كلتا الطريقتين؛ الجارية المطلوب معالجتها، وهي غربية المنشأ والمآل، وإن تبناها بكلياتها إخوانٌ لنا. والأخرى التي نسعى إليها، نلاحظ أن في كلتيهما بناءات متمايزات متشابهات تعود لطبيعة الفكر الإنساني وإنزاله على الواقع، وليس لصحة الطريقة من عدمها، وهذه البناءات هي:


 

البناءات المتمايزة

تحليل ونقد الطريقة الغربية الجارية

الطريقة المرتجاة

التوجه

الجزء الأول (المجلد الحالي)

فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية

دراسة تحليلية نقدية

الجزء السادس

فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية وأصولها

المنهجية

التنظير

أخلاقيات البحث العلمي

الجزء الثاني

التخطيط والإعداد

الجزء الثالث

التطبيق الكمي

الجزء الرابع

التطبيق الكيفي

الجزء الخامس

معجم الاصطلاحات

الجزء السابع

شكل 001: خطة العمل في "فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية"

مراحل العمل بالمشروع:

المرحلة الأولى: التفكيك والتحليل والتمحيص والنقد البناء:

وفي هذه المرحلة – والتي تمثل العمود الأوسط في الشكل السابق- ننظر في الطريقة الجارية بمراحلها البنائية المتتابعة، من توجه، فمنهجية، فتنظير، ونجمع ذلك في الجزء الأول، وهو الذي بين يدي القارئ. وكما هو واضح من الشكل المُبين أعلى (شكل 001)، تتوالى مراحل الدراسة التحليلية النقدية إلى الجزء الثاني: أخلاقيات البحث العلمي The Ethics of Social Research، فالثالث: التخطيط والإعداد Planning and Preparation، فالرابع: التحليل الكمي Quantitative Analysis، فالخامس: التحليل الكيفي Qualitative Analysis.

المرحلة الثانية: النظر العلمي الاجتهادي الشرعي.

في هذه المرحلة نبدأ – بعد أن درسنا كل ما أمكنا من تفاصيل ما لدى الغربيين في منهجيات علوم الاجتماعيات والإنسانيات، وحللناها، وفككناها، ونقدنا ما رأيناه فيها من زيغ وشطحات منهجية، وزكينا ما بدى من فائدة فيها وما يستقيم مع منهج قويم نطمح إليه- نبدأ في وضع البديل الذي يُفترض أن يكون أقوم وأبلغ في المراد من علوم الاجتماعيات والإنسانيات لأن يكون عليه. ورغم أن لتلك المرحلة تفصيلاتها، إلا أن وضع بعض معالم الطريق هنا مما يدعم التوجه ويُرشّد القارئ.

نضع لتلك المرحلة عنواناً هو عنوان المشروع نفسه، أي: فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية وأصولها؛ أي بما يشمل أصول ذلك الفقه. ونقول "فقهاً" لأننا نريده أن يخرج علماً شرعياً أصولياً، فإن قيل: تردد استخدام كلمة فقه في غير هذا المعنى، كما هو الحال في "فقه اللغة" للثعالبي قديماً، أو "دراسات في فقه اللغة"، لصبحي الصالح ، و"فقه الفلسفة" لطه عبدالرحمن حديثاً، وغير ذلك كثير. نقول إن هذا – وإن كان خروجاً على العادة- إلا أنه لا يمنعنا أن نحافظ عليها، ونتوسم رموزها لدلالة لها، نحرص عليها. وإن كان حرصنا يربط بين هذه  الدراسة وبين الشريعة الإسلامية من جهة أولى، بمعنى أننا لا نستخدم كلمة "فقه" هنا بمعناها اللغوي – أي علم كذا - كما استخدمها أصحاب الأعمال السابقة، ولكن بالمعنى الشرعي، أي المعنى الذي اسْتُخدم في أعمالٍ مثل: "فقه السيرة" لمحمد الغزالي، أو "فقه الزكاة" ليوسف القرضاوي. أما الجهة الثانية في استخدام كلمة "فقه"، والذي ربما لم نرى من استخدمه من قبل، فهو ربط الدراسة بـ "أصول الفقه". بمعنى أن تكون مخرجات الدراسة قائمة على ضوابط أصولية – بعد توسعتها- حسب ما أصَّل علماء الأصول. وهذا يتخطّى المعنى "الشرعي" العام إلى معنى أصولي خاص. وفائدة ذلك – أي ربطه بأصول الفقه- هو في إخراجه علماً برهانياً قانونياً. لا علماً خطابياً بلاغياً. علماً يحاور العقل ويقيم الحجة له وعليه، لا علماً يخاطب الوجدان والعاطفة ويثير حب تطبيق الشريعة على كل علم كما يفعل الكثيرون بلا ضبط لكيفية تحقيق ذلك ومدى إمكانه.

شكل 002: العلاقة المُقترحة بين الشريعة الإسلامية والعلوم الاجتماعية والإنسانية الغربية

يبين الشكل (002) العلاقة بين الشريعة الإسلامية في أصولها؛ القرآن، والسنة الصحيحة، وطرق الفقه وأصوله، وذلك مُمَثّل بالجزء العلوي من الشكل، وتُعبّر الدائرة الأكثر تظليلاً فيه عن مُتعلّق الشريعة من قضايا اجتماعية ونفسية مضافاً إليها قواعد الأصوليين. أما الجزء الأوسط فهو تمثيل لما لدى الغربيين الآن من علوم اجتماعية وإنسانية تُدرّس بالمعاهد والجامعات الأجنبية والعربية بدون تحفظ، أما الدائرة ذات الشكل الهندسي المنتظم فهي متعلق العلوم الاجتماعية الغربية من آليات وأدوات ثبت لها قيمة علمية عملية. أما الجزء السفلي من الشكل فهو إسقاط متعلق الشريعة مما له علاقة بعلم الاجتماعيات والإنسانيات عامة وأدوات الأصوليين مع ما ثبتت صحته من الآليات والأدوات الغربية في علم الاجتماع لتكون النتيجة فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية. والشكل جميعه هو المـُبتغى تحقيقه. أما البداية – التي بين يدي القارئ الآن - فهي في الجزء الأوسط من الشكل، حيث ينصب التركيز على تحليل وتمحيص ونقد محتوى علم الاجتماع الغربي، فنُخرج خبئه، ونفحص مسائله، ونقلب أفكاره، فنُثير الفكر ونُعدد المسائل، فيتميز ما به مما له قيمة من ذلك الذي هو عديم أو ضار المآل. وهذا جميعه تمهيد وفرش نمهد به الطريق لبناء أشد تأسيساً، يمكننا باستخدامه أن نقرر لاحقاً تقريرات أشد إصابة وأحكم تقريراً. والشكل الآتي يوضح ذلك:


شكل 003: خطة العمل الإجمالية في هذا المشروع العلمي في مرحلة التحليل والنقد

ويتبين في شكل (003) خطة العمل الإجمالية المستهدفة من المشروع في مرحلة التفكيك والتحليل والنقد، كما تتبين المهمة الرئيسية، وهي فك التشويش القائم في علوم الاجتماعيات، وكما هو مُبين بالجزء العلوي من الشكل، باستخدام تحليل ونقد وكشف ما هو زائف وغير مقبول، مما هو صالح ومفيد، ويرتكن عندنا إلى أسس يمكن قبوله بناءاً عليها. وفي الجزء السفلي من الشكل تبدو الصورة المأمول بلوغها واكتمالها، والتي من المفترض أن تتبلور في نتيجة المشروع بكامله، والذي تُسمَّى عندئذ "فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية وأصولها".

ويأتي عملنا هنا - الذي بين يدي القارئ - أيضاً كمقدمة في أصول فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية، ونقصد من "الأصول" هناك ثلاثة أمور؛ الأصول التي عليها قام علم الاجتماع المعاصر ودعت إلى ظهوره، وحوله يلتف جميع من يَُنتسبُون إلى هذا العلم، وذلك هو التوجه الذي أخرجه إلى حيز الفكر الإنساني، ثم الطرق الفكرية المستخدمة في معالجة مواده، وتلك هي المنهجيات، وهذه مرحلة المنهجية، ثم التنظير الذي يسلكه العلماء في هذا العلم فتتباين مدارسهم، هذا بافتراض أنه "علم"، ودرءاً لبعض الشبهات التي تُثار حول أهلية العلوم الاجتماعية والإنسانية لحمل صفة "العلمية" على غرار العلوم الطبيعية. ولتوضيح ما بين هذه المراحل من فروق، نُقرِّب الفكرة بتطبيقها على الفكر الإسلامي، من حيث أن أولى مراحله أنه إسلامي، أي ذو توجه إسلامي، ويندرج تحته كل من يُطلق عليه اسم "مسلم"، فإذا ما اختلفت المنهجية وجدنا فِرَقَاً تختلف في تحقيق توجهها، فنجد السنة والشيعة وغيرهما، فهذه تتباين في المناهج وإن اتحدت في التوجه، فإذا ما تفحصنا أهل السنة والجماعة نجد أن بها مدارس في الفكر الفقهي الشرعي في كيفيات المعالجات العلمية للقضايا التفصيلية، مثل المدارس الفقهية الأربع الرائدة، فذلك هو التنظير.

غير أنّا قد علمنا قول ربنا عز وجل "الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم"(محمد47: 1)، أي أن أعمال الغربيين قد أضلها الله وإن تزينت جميعاً لبعض قصار النظر. فوجب علينا أن نهذب حقها من ضلالها ولا يتم ذلك إلا بالنقد لأصل مادتهم. وعلمنا أنّا سابقوهم بمعية الله تعالى لنا – وفقط إن سابقناهم! كما قال الله تعالى: "لا يحسبن الذين كفروا سبقوا، إنهم لا يعجزون"(الأنفال8: 59). وعلمنا ان الله تعالى أمرنا بالعمل – لا بالكلام - مع الإيمان، في غير آية في كتاب الله العزيز "الذين آمنوا وعملوا الصالحات"، بل كره الله I لنا كرهاً شديداً أن نتكلم ولا نعمل بما نتكلم به من خير "يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"(الصف61: 2-3)، والعمل هنا من العمل الصالح الذي قَصَرَهُ بعضُ العُبَّاد على آداء العبادات. وعلمنا أننا مأمورون بالعمل مرصودون في ذلك كما في قوله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"(التوبة9: 105) ، فنأمل من الله تعالى توفيقه ومباركته لإتمام هذا العمل على الوجه الذي يرضيه، ثم تعميم الفائدة منه.

هذا ومن الأسباب المباشرة وراء الشروع في إجراء هذه الدراسة، حاجة المركز الذي يعمل به المؤلف كباحث إلى منهجية بحثية مُلائمة لثقافتنا ومجتمعنا. وذلك على أن تكون منهجية أرقى من تهافت المنهجية الغربية. فالدراسات المخطط إجراؤها بالمركز – بحكم حداثته وجِدَّة تأسيسه – قد تتشوه إذا طبق الباحثون العاملون به منهجية علم الاجتماع الغربي السائدة. ويأتي في مقدمتها الوضعية المنطقية. كما وأنها ليست المنهجية الوحيدة لدى الغربيين، على خلاف ما يُظن بها من قبل عوام الباحثين! لذا يجيء من أغراض هذه الدراسة كشف القناع عن البحث العلمي الغربي، وإظهار ما فيه من زيف، وإزالة تأثيره الهالي Halo effect – سنرى لاحقاً في الفصل الأول تفصيل مثل هذه التأثيرات - من نفوس الدارسين والباحثين العرب، أو مثل ما قال أبو حامد الغزالي في حق الفلاسفة عندما انتدب نفسه لإظهار تهافتهم[2].

مَن الذين نخاطبهم أو نحاورهم؟

ليس الغربيون معنيين بخطابنا هنا بالدرجة الأولى، فحوارنا هنا مع أبناء ديننا وجلدتنا، وخاصةً مَن لديهم الاستعداد لإعمال عقولهم بالعربية، وفقط بالعربية؛ لغة الوحي. أي أنه حوار داخلي، بين أبناء الأمة وحملة لسانها، وليس خارجياً كالمتمثل في حوار الحضارات أو تصادمها، وليس عالمياً بالمعنى العولمي الذي يتجاهل ويطمس الفروق، ويُشرِّع فقط لكل ما هو غربي، إلا أنه عالمي في علميته، بالمعنى الذي يثق الباحث المتبني له أن يتخطى التجاوزات الفكرية الأخرى، ويترفع عنها لتهافتها، ويسمو عليها كما يسمو ديننا العزيز فوق ما عداه. ولِمَ لا ونحن نعمل على اشتقاقه منه. وكيف لا يكون هكذا وليس هناك من طريق آخر يدعيه مدّعِ.

الموقف من محاولات التأصيل الإسلامي الجاري:

إذا تساءلنا: هل منهجيتها هنا تعديل أو إعادة توجيه محاولات التأصيل الإسلامي إلى وجهته الصحيحة؟ - نقول أنه لقرابة ثلاثة عقود من الزمن أو يزيد، توالت محاولات التأصيل الإسلامي – أو أسلمة العلوم - للعلوم عامة، ولعلوم الاجتماعيات والانسانيات خاصة. ومما اطلعنا عليه من عينات فردية[3] أو جماعية[4] على طول تلك الفترة ما يُشجعنا أن نحدد موقع ما وصل إليه ذلك التأصيل. وقد وضعنا لذلك مقياساً للبحث العلمي في عمومه من خمس درجات متتاليات، مَنْ حصّلها إلى درجتها الأخيرة فقد أنجز المهمة وسَنّ مشروعاً علمياَ اكتملت أركانه. ثم نختبر- باستعمال هذا المقياس - مدى ما تحقق من مشروعات الأسلمة المشار إليها، وهذه الدرجات على الترتيب هي:

-       توجُّهي: كأن يكون الدافع وراء البحث العلمي دافعاً إسلامياً، أو علمانياً، أو علمياً (والأخيران مختلفان). فهذه الأنواع اجتهادية تقبل المناظرة والحجة. وإن كان تقليداً فهو مكروه وإن كان إسلامياً، لأن صاحبه يسير مع الدهماء.

-       منهجي: فإذا اختار الباحث (وفي الغالب أن الباحث لا يختار، بل يميل مع منظوره الخاص) أحد هذه التوجهات، فعليه أن ينتهج منهجاً يحقق له أن يصطبغ سلوكه البحثي وطرقه البحثية بالتوجه الذي هو قد مال معه. بمعنى أن يُشْرِع في وضع خطة عمل ليحقق بها توجهه في بحثه العلمي. هذه الخطة لا بد أن تتضح فيها مصادره المعرفية وطرق استقاء المعلومات، ودرجاتها، وما منها أصلي وما منها مستنبط. ومن أمثلة ذلك أن يكون توجه الباحث علمانياً، ومنهجه نفعياً؛ أو أن يكون توجه الباحث (في العلوم الشرعية البحتة) سُنّياً (أي على طريقة أهل السنة والجماعة باتباع الأدلة وليس التقليد) ومنهجه سلفياً. (ولا يدخل في ذلك الباحث المقلد، لأنه لا يدري! ومن ثَمّ فهو ليس بباحث)

-       تنظيري: فإذا ما حدد الباحث لنفسه توجهاً ومنهجاً، فعليه أن يضع رؤية واضحة مُفصّلة لرؤيته للعالم ومكوناته، أو لموضوع علمه، ومن أمثلة ذلك: ما بين الرؤى التنظيرية الاجتماعية كالوضعية أو التأويلية أو النقدية أو "ما بعد الحداثة"، وذلك عند الباحث الاجتماعي؛ أو ما بين الشافعية والحنابلة والحنفية مثلاً في مسائل الفقه الشرعي.

-       تخطيطي: وهو ما يضعه الباحث – بناءاً على توجهه ومنهجه وتنظيره السابق- من مخطط إجراءات يحقق له هدفه أو أهدافه البحثية.

-       تطبيقي: وفيه يضع الباحث مخطط إجراءاته موضع التنفيذ للمسائل المختلفة.

وعلى هذه الدرجات الخمس، وجد المؤلف أن التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية قد اتخذ بوضوح التوجه الإسلامي والذي يناقض على طول الطريق التوجه العلماني. فالتوجه الإسلامي يتبنى من حيث المبدأ، المبدأ الديني (القلبي) كأصل، في حين يتبنى التوجه العلماني المبدأ اللاديني (المنكر للدين أو المسخف بجدارته والرافض حتى لإضاعة الوقت – حسب منظور العلمانيين- في مناقشة أمره). ومعنى أن التوجه الإسلامي الراهن في الأسلمة ديني قلبي، أنه يقوم على الإيمان بصحة أصوله العلمية وتجاوز تأصيل هذه الأصول على قواعد علمية. إما باعتبار أن أعضاءه يتفقون على ذلك، أو باعتبار أن هذا أمر قد فُرغ منه. ويصب السببان في تيار واحد لا ينسجم مع المنهج العلمي، وهذا التيار هو التقليد الديني، لا العلمي. وهذا يجعل علم الاجتماع الناتج عن ذلك، واحداً من بين العديد من علوم الاجتماع الممكنة، بمعنى أنه علم اجتماع إسلامي أيديولوجي، وسيصطف مع غيره من علوم أيديولوجية – ما دام لغيرنا الحق في فعل الشيء نفسه - من علم اجتماع مسيحي، أو علم اجتماع يهودي، أو علم اجتماع بوذي، ... إلخ. وهذا أمر لا ولن يستقيم في ظل تيار العولمة الجارف، ولن يكون الدافع وراءه – لأصحاب كل مذهب- أكثر من الدفاع عن المذهب تحت مظلة علم الاجتماع، لا التأصيل العلمي الحقيقي لعلم الاجتماع. وسيكون الالتصاق بالمذهب – أي مذهب - أمراً لا رجعة فيه بالطبع مهما كانت النتائج البحثية التي قد يخرج بها، لماذا؟ لأن هدف الباحث الدفاع عن المذهب وأصحاب المذهب ومنع انكساره أمام غيره. غير أن الأمر لن يتطور إلى هذا الحد لأن الناس قد عفوا عن مذاهبهم لأن تخوض معارك أصبحوا يؤمنون أنها خاسرة، لا لمذهبهم فقط، بل لكل مذهب، ويشمل ذلك عامة الباحثين المسلمين غير المؤهلين حتى للدفاع عن دينهم، ناهيك عن تأصيل علمهم المكتسب عليه. بمعنى أن هذا التوجه الديني القلبي لا محل له في الموازيين العقلية المنطقية التي تستند إليها العلوم الحديثة، اللهم إلا إذا صيغت صياغة علمية جديدة. ويعمد الباحثون إلى الهروب منها لسبب بسيط، وهو أنها تترك منطقة ضبابية في مسألة الإيمان القلبي، وتجعله خارج دائرة العلم. وما دام كذلك فما الذي يدفعه إليه وأمامه العلم المتمنطق من ألفه إلى يائه! ومن ثَمّ لا يؤيد المؤلف هذا التوجه القلبي في الأسلمة، لا لعدم صحة وجهته الإسلامية في نفسه، وإنما لعدم جدوى آلياته.

وفيما وراء مرحلة التوجه، فليس هناك ما لمحناه – مما اطلعنا عليه في شأن التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية- من المنهج العلمي الذي يُبْنى عليه. ولا نتوقع أن يُبنى على اعتقادات قلبية منهج قابل للمناقشة، لأنه عندئذ سيضع الاعتقاد نفسه محل مناقشة. ومنهجٌ هذا حاله سيكون منهجاً مُغلقاً لا سبيل لأن يساير متغيرات الحياة والفكر.

ونعمد في عملنا هنا - على التدريج – إلى تقريب القارئ مما نود التصريح به في نهاية المطاف الذي نأمل الوصول إليه، أو أن يصل إليه من يشاركنا العمل في استكمال هذا المشروع الكبير، والمتمثل في ما أسميناه " فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية وأصولها". ومن ثمّ فسوف يتم طرح أفكار أصول الفقه في معرض "التحليل النقدي" لعلوم الاجتماعيات والإنسانيات الغربية بغرض التمهيد التدريجي لتحقيق هذا الهدف في النهاية. وهو تهذيبها وإعادة بنائها على الفكر الأصولي الفقهي. فيكون القارئ، والذي سيغلب عليه غربته عن موضوعه إذا كان من أهل علم الاجتماع، على سبيل الافتراض، قد ألفها شيئاً فشيئا. وإن كان القارئ من أهل أصول الفقه، فسوف يألف أيضاً - على التدريج - موضوعات العلوم الاجتماعية والإنسانية، ومن ثم قد يؤدي ذلك إلى التقاء الأخوين المتهاجرين بلا سبب!

وهناك من يتبنى من قضايا أسلمة العلوم موقفاً أخف درجاته التحفظ وقد يكون مناهضاً لها، متهماً إياها بأنها إلباس العلوم الغربية عباءة الإسلام، أو تسخير الأصول الإسلامية من قرآن وسنة لخدمة علوم أو أخلاق أو ثقافات غربية أو غير إسلامية[5]، وعاملاً على مد هذا التوجه خلفاً إلى التراث لتشمل من الأعمال ما لم يكن يُصنف من قبل في هذا الخط الفكري. فشمل في ذلك "الذريعة إلى مكارم الشريعة" للراغب الأصفهاني في أسلمة أخلاق اليونان، و"المستطرف" للإبشيهي في أسلمة أخلاق الطاعة الفارسية، و "إحياء علوم الدين" للغزالي في أسلمة آداب السلوك الهرمسية، وغير ذلك كثير. والحق أنها وجهة نظر صحيحة إذا قصدت تبني آراء الثقافات الأخرى بحذافيرها وإلباسها اللباس الإسلامي، إلا أنها قد جانبها الصواب لتجاهلها أن يدعو الإسلام إلى ما قد يتفق أحياناً مع غيره، ونظرها إلى أن رفع شأن هذه الدعوى شكلاً من أشكال الأسلمة غير المقبولة. ولو أن الأمر كذلك لكان صوم العاشر من المحرم – مع اليهود - أيضاً نوعاً من الأسلمة غير المقبولة. فقد جاء في صحيح البخاري أن "قَدِم النبي  r المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. قال: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه". وحيث أن رسول الله r قد علل صحة صوم ذلك اليوم وإن فعله اليهود. فكذلك الأسلمة، يجوز تبني ما لدى غيرنا من حق للعلة نفسها إذا ثبت عندنا لها رجحان حق. والأفضل علاوة على ذلك تميز الحق إما بمزيد تنقيح أو بتميز في التطبيق، فنخرج عن شبهة المماثلة، وذلك ما فعله أيضاً رسول الله r عندما نوى صيام اليوم التاسع مع العاشر حيث قال r "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع"– رواه مسلم. ونرى أن هذين الحديثين الشريفين أصلان في أسلمة العلوم ينبغي البناء عليهما.

أما موقفنا من رأي الدكتور علي جمعه محمد من قضية المقارنات والمقاربات: ففي معرض إجابته عن سؤال عن تأثر الفكر الإسلامي المعاصر بالتيارات الفكرية المعاصرة، قال إنه بالفعل قد تأثر بها، وذلك في بداية القرن العشرين فوقع في المقارنات، بمعنى: هم يقولون كذا ونحن نقول كذا، والمقاربات، بمعنى: قولهم أننا في تراثنا كنا قد توصلنا إلى بعض ما توصل إليه الغربيون، ورأيه أن هذا لا يُعد شيئاً على خط المواجهة، وأن فيه تبعية[6]. ونتفق معه إذا وقف الأمر عند ذلك. بمعنى أن المقاربات عندنا خطوة أو درجة من درجات متتالية، وأن الوقوف عندها لا يغني شيئاً إذا كان الغرض متابعة الخطوات، كالصاعد على الدرج، لا فائدة من وقوفه بعد عدد بسيط منها. أما إذا كان ذلك ضمن سلسلة متصلة متتابعة من الخطوات، فحتماً لا بد للصاعد على هذ الدرجات من المرور بمرحلة المقاربات، لا على سبيل الزهو بما مضى، أو حفظ ماء الوجه، ولكن بحكم اشتراك المسائل التي واجهت الطرفين من جهة، وبحكم البناء على ما سبق من تراثنا ويستحق البناء عليه من جهة ثانية، وبحكم أنه ما كان ليستعصي على الفكر الإسلامي مسائل نجح الآخرون في تجاوزها، وهو قائم على وحي الله، الحكيم الخبير، خالق الكون ومبدعه.

منهجية الإحلال اللغوي التدريجي: تقوم دعوة هذا المنهج على إتقان الباحثين العرب للغتين؛ الأجنبية الدارجة في علم الاجتماع الغربي، ولغة الوحي العربية، وفي آنٍ واحد بما يُضاعف الجهد المطلوب. ونقصد من الإحلال التدريجي أنه بحكم غزارة المادة العلمية الغربية ذات القيمة، فعلى الباحث أن يطلع على الدوام على مستجداتها. ويصاحب ذلك ترجمة متصلة للمادة العلمية المطلوب إدراجها ضمن أبحاث عربية لاحقة بالنقد والتحليل والمقاربة – وهو ما اتبعناه هنا – ويُضاف إلى ذلك ما يُستخرج من نصوص الوحي بالتفسير والتأويل الاجتماعي، ومما يتم إعادة بعثه من مواد التراث الاجتماعي. فيكون الوضع في خطة زمنية ما – طالت أو قصرت حسب الهمة العلمية – أن يجد الباحث نفسه في بدايتها أمام مادة علمية باللغة الأجنبية ضخمة للغاية، مقابل قليل من المادة العلمية العربية. وبالترجمة (الكثيفة) والإنتاج البحثي المتصل، واستخراج مكنونات الوحي وبعث التراث الاجتماعي، يتراكم مع الزمن من المادة العلمية باللغة العربية ما يفوق مقابلها الغربي ويتخطاه في قيمته، فينقلب عندئذ الميزان اللغوي لصالح العربية. وهذا ما قصدناه بالإحلال اللغوي التدريجي.

وقد تشترك المنهجية التي ندعو إليها – في بعض جوانبها المتمثلة في الدفاع عن الشريعة ضد خصومها العلنيين والمستترين- مع تقليد تراثي قديم كان له ميزاته وعيوبه، وهو "علم الكلام"؛ لأنها قامت - أول ما قامت - على محاجاة المناهضين للعقائد الإسلامية بأسلحتهم الفكرية. غير أنه بمراجعة تلك التجربة الكبرى في التراث الإسلامي، فإنه يجب التنبه لملاحظات علماء الأمة وناقديها لبعض المزالق التي هوت فيها تجربة علم الكلام. كما ينبغي مراعاة اختلاف المسائل العلمية، ومن ثم الآيات المستخدمة ومواضع النزال العلمي وتبدُّل أسلحة الخصوم، والفتنة الكبرى للعلم الحديث وتقنياته، مما يُتوقع معه معارك طويلة الأمد وعلى أصعدة علمية عدة، أشدها اقتراباً من قلب الشريعة القضايا العقيدية، تليها الأخلاقية، فالنفسية، فالاجتماعية، فالبيئية، فالطبيعية. والاشتراك المقصود هنا بين منهجية هذه الدراسة الممتدة و"علم الكلام" هو في الذود عن الشريعة بالأسلحة العقلية العلمية، لا القلبية. هذا مع جسامة الخطب المعاصر عن مثيله أيام علم الكلام. وهذا يستلزم التزود بما يليق به من أسلحة فكرية علمية من نوع جديد.

وعن موقفنا من علماء الاجتماع المُتَقَبّلِين للعلم الاجتماعي الغربي بلا تحفّظ، لما يمثلونه من فئة مستهدفة بالدرجة الأولى بالخطاب الذي نتحمل مسئوليته هنا، فتأتي الدعوة الأولى لهم في وجوب سماعهم لآراء أخرى غير التي تعودوا سماعها. فرُبَّ إلف السمع أن يكون أضر من الصمم.

وليس من أغراضنا المباشرة الإعجاز الاجتماعي والنفسي والتشريعي. في نصوص الوحي، رغم علو مكانة الإعجاز وعظيم قدره لما يقطع به من الجزم بنسبة الوحي إلى الخالق جل وعلا، وإن كانت تلك الإعجازات جميعاً ممكنة الاستثمار من المادة والنتائج المُتوصّل إليها في هذا الاتجاه البحثي الذي نتتبناه. غير أن للمؤلف موقفاً من المنهج الإعجازي تَبَنّاه بعد طول تجربة، وذلك أنه ينبغي أن يكون الإعجاز العلمي بأنواعه المختلفة منهجاً بَعدياً للباحث العلمي لا قِبلياً. بمعنى أن لا يتحرك الباحث إليه أولاً، بل يجعله تابعاً للبحث العلمي الرصين. وبقدر ما يتيقن من نتائج البحث، بقدر ما يُستفاد من هذا اليقين في الطرح الإعجازي. والسبب أن المُسْتَهْدِف للإعجاز بلا بحث علمي، ولا امتلاك لناصية أدواته، ولا للغة الوحي - وهذا حال معظم الباحثين في الإعجاز إلا ما ندر - لَيَبْعَثُه حرصه على سرعة الإنتاج البحثي أن يقتنص ما ظنه إعجازاً وهو ما زال في عداد التنظير. وإن المؤلف ليرى أن أنسب مواطن الإعجاز العلمي الاجتماعي والإنساني سيكون في المقارنة الإحصائية لنتائج البحث الاجتماعي (التطبيقي) على عمومه بين منهجين في البحث، أحدهما يعتمد الوحي بشكل علمي في مصادره وفي تطبيقه بين أفراد مجتمع الدراسة وحالاته، والآخر لا يعتمده (كما هو الحال عند الغربيين ومن اقتفى أثرهم). وسوف تُظهر تلك المقارنة الدائمة والمتنوعة إعجازاً يقينياً.

وتستدعي هذه الدراسة – نتيجة حداثة طرحها وجدية معالجتها لموضوعها وارتباطها بأصول الدين وتراثنا الممتد – تستدعي إعادة إخراج كثير من مادة التراث بصياغات جديدة أكثر إثماراً وأعمق تنقيباً. ونظراً لما افضت إليه الدراسات[7] من ارتباط التنظير الإنساني – والتراث الإسلامي البشري كما هو معلوم جُلُّه تنظير - بشخص المُنَظّر وفهمه وميراثه الثقافي والاجتماعي والسياسي والبيئي. وكل هذا يتبدل من عصر لعصر، فوجب إعادة دراسة القضايا نفسها والتي سبق التنظير حولها في عصرها، ومن قبل منظرين محدثين، ومتعددين، لإزالة ما يمكن أن يكون قد علق بها من عوامل شخصية أو ذاتية subjective أو بيئية. بل إن الدراسات الحديثة أيضاً، جدير بها أن تتكرر من باحثين منفصلين غير متأثرين بنفس الظروف، ولا ببعضهم بعضاً، لرؤية كيف يمكن للشخصية والثقافة والبيئة أن تؤثر في مجريات ونتائج الأبحاث العلمية.

من النقد الممكن توقعه ضد توجه هذا الدراسة سؤال: لماذا تناول هذا الكتاب النهج الغربي وأدواته مرجعاً رئيسياً وإن كان على سبيل التحليل النقدي؟ وإذا كان الغِنَى في منهجنا الإسلامي، فلمَ لا نُعرِض بالكلية عن النهج الغربي وتنصب جهودنا على نصوص الوحي مباشرة وتراث علمائنا واجتهادهم العلمي؟ - والإجابة عن ذلك هي: أن الناظر في كتاب الله تعالى يرى أن كثيراً من قصص القرآن قد تناولتها الكتب السابقة، واحتوت التوراة والإنجيل على كثير منها وإن اختلفت في العديد من تفاصيلها عما ورد في القرآن. فقام من المستشرقين من ادعى بناءاً على ذلك أن محمداً r قد اقتبس من الكتب السابقة مما في القرآن من قصص. ولم ينتبه هذا المُدّعي إلى الفروق العلمية بين ما في القرآن وما في الكتب السابقة من هذا القصص، والتي مردها إلى ما زاده القرآن من تفصيلات، أو ما صوبه من تحريفات، ومن ثم إلى فروق يمكن الوقوف فيها على صدق محمد r فيما بلّغ عن ربه وعلى تحريف الكتب السابقة في آنٍ واحد. والآن؛ يقوم التشابه بين منهج ندعو إليه ومنهج الغربيين على صحة ما انكشف لنا صحته من أعمالهم. فلا حرج إذاً في الحفاظ عليه، وبالمطابقة السابقة نتوقع أن يظهر الكثير من الفروق بين منهجنا ومنهجهم مردها إلى تصحيح منهجهم بضبطه بشرعنا. هذا عن التشابه. أمّا عن العلة في إعادة بناء منهج للبحث الاجتماعي بتحليل ونقد منهجهم وليس مباشرة من مصادرنا فهو أننا بشر ولا نستطيع دفعة واحدة أن نخرج بمنهج معاصر متكامل أو قريباً منه، يمكننا من الحركة في وقت قريب. وإذا كان القرآن قد نزل دون الحاجة لأن يقرأ رسول الله r كتب السابقين، فلأن القرآن كلام الله تعالى، ولو شاء أنزله I دفعة واحدة على قلبه "وقال الذين كفروا لولا نُزّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنُثبّت به فؤادك"(الفرقان25: 32)، أما ما نقدمه فهو اجتهادٌ، ولو بدأنا من الصفر فقد نحتاج إلى قرون، مثلما أن نضوج المنهج الفقهي احتاج إلى قرون. وإذا كان بناء الغربيين جاهزاً إلا من لبنة هنا أو هناك هدانا الله إليها – كما قال رسول الله r "إن مَثَلي ومَثَل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة. قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (رواه البخاري) - فلِم التكبّر على ذلك ويدفعنا الغرور لأن نبدأ من الصفر. وهل من الحكمة أن نفعل ذلك وفي أيدينا أن نصفي ما هو مُتاحٌ – صنعه من صنعه -  فنُبقي على صالحه ونطرد فاسده.

إن مخالفة طرقنا في البحث العلمي لـطرق الغربيين لها دافعان:

1-  دافع عملي، وهو ما يتطلبه التنظير المقارن بين ما يقومون به وما ينبغي أن يتم إذا كان لديهم ما لدينا من أصول، تضاف إلى أصولهم التي نشاركهم فيها لشيوعها، هبةً من الله تعالى للناس جميعا، وهي التجريب والتسخير الإلهي للكون، تبعاً لمشيئة الإنسان وفي حدود قدراته وبقدر منفعته وفي إطار ضوابط وأخلاقيات الشرع.

2-  دافع نظري، وهو أنه إذا كانت الطرق البحثية تتساوى في نتائجها، أو لا يؤثر تبدلها في النتائج، فعلينا أن نختار منها ما يخالف طرق الغربيين لأمر رسول الله r لنا بمخالفتهم، كما قال r "خالفوا المشركين" (متفق عليه)، أو "خالفوا اليهود" (رواه أبو داوود)، وفي حديث وافٍ عن أبي أمامة أنه قال: "خرج رسول الله r على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب. قال: فقلت: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون فقال رسول الله r: تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب. قال: فقلت: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون. قال: فقال النبي r: فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب. قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم. قال: فقال النبي r: قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب" (رواه أحمد).

وإن اجتمع الدافعان، كان التغيير حتمياً، لا عذر لمن توانى عنه.

وفي هذه المنهج نخرج عن المألوف من نقل المادة العلمية التي يكتبها أو يصنعها الغربييون بشكلها الحرفي كما هي العادة منذ أن فاجأنا الغرب على حين غفلة منَّا. اللهم إلا من ندرة من النابهين المجددين للحياة[8] لم تُكتب لأعمالهم حتى هذه اللحظة أن تكون منوالاً لجيل أّلِفَ تقليد المنتصر في الجولة الأخيرة وليست الآخرة، وإن كان المُقلّد فيه تافهاً أو سرابا، كما قال تعالى: "والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب"(النور24: 39). ولسنا ندعي أننا بدعة من القوم نقول بما لم يقله أحدٌ، بل إن الدعوة إلى تمحيص ونقد وإعادة إنتاج التراث العلمي العربي والغربي[9] أصبحت ديدناً لمردديه. غير أننا لم نر ما يشفي غليلنا، فأردنا أن نأخذ ثأرنا ببناننا. وأقرب ما وجدنا من نهج في معالجة مادة علمية شبيه بما فعلناه هنا – وإن لم يكن مقصدنا تقليده – فهو شروحات ابن رشد على كتب أرسطو طاليس[10]. هذا مع أن منهج ابن رشد اقتصر على الشرح والتوضيح، في حين أننا لم نطمح إلى هذا الحد القريب، نظراً لعدم وفائه بمقصدنا، وهو ما يتجاوز الشرح والتوضيح إلى التحليل والنقد لما في تلك الأعمال، بغرض الوقوف على نقاط القوة والضعف فيها. والتشابه الذي قصدناه مع شروحات ابن رشد هو التشابه الصوري، من حيث إيراد فقرات متبوعة بتعليقاتنا، والتي تشمل شرح – إن احتاج الأمر إلى زيادة إيضاح- مع نقد، مصحوب بمقاربات، ثم تتويج ذلك ببدائل أو قل علاجات أفضل وأقوم. وفي بعض الأحيان ابتكارات لا توازي موجودات لها في الفقرات الجاري تحليلها.

التشويش المتوقع على الخط الفكري لهذا الكتاب وأسبابه:

- سيقول البعض:

oنَقَضَ هذا العمل علم الاجتماع الغربي واتبع أساليبه!،

oويقول غيرهم، لم نر بديلاً غير شيءٍ من الشرح وبعض الطعن والنقد،

oوربما يقول آخرون قد ينطوي هذا على سوء نية[11]، ...

- ومن أسباب هذه المقولات:

oعداوة الإنسان لما يَستجِدّ ولم يألفه بعد.

oنتائج التغيير الضارة بمستقبل العمل البحثي على النمط الغربي الذي لا يحسن البعض سواه.

oالصدمة النفسية للبعض إذا ما تبين لهم أنهم كانوا – في أعمارهم – على غير الدرب.

oصعوبة التحول الفكري على من قضى عمره بطوله وعرضه في تبنّي نظريات ومنهجيات، يظهر لاحقاً له أن عليه أن يعيد النظر فيها، كما حدث لـ بلانك في الفيزياء[12].

oفقدان عائدات التميز من نظام مُعرّض لأن يُستبدل، مثلما فقد أصحاب الألقاب ألقابهم من تبدل العهد التركي بأنظمة أخرى.

oكراهية البعض – غير الموضوعية بمقاييسهم العلمية – للدين وكل ما يمت له بصلة.

oالولاء للغرب وكل ما يهُب من جهته.

oمنافسةً على الدرب نفسه تخشى على ما تم تبنيه من مدارس في التفكير، من مدارس منافسة.

oخشية البعض من محاولات علومٍ كانت غريبة وبعيدة عن الدين من دخولها تحت عباءته واستخدامها لأدواته وإثارتها لقضايا ومسائل لا عهد لعلماء الدين بها، فيؤثرون إبعادها حتى التجهّز للبحث في صحة دعوى تلك العلوم. ثم إذا طلبت تلك العلوم تعميم طرق الدين على ما لم يكن مألوفا لدى علمائه، مما يرون أنه يخدش حرمة العلوم الدينية، فيطلبون إبعادها حفاظاً على ما هو قائم وتجنباً لفتح باب قد يكون من الفتنة في الدين. وهذا أمرٌ شائك.

oوإذا تناولنا آراء اللادينيين (أي من يُقَيّمُون الأمور باستقلال عن الدين)، فربما يلخص موقفهم ميكافيللي الذي تنسب إليه المقولة الآتية [لا توجد مهمة أشد مجازفةً ولا أكثر ريبة من إدخال نظام جديد للأشياء ليحل محل نظام معمول به ومألوف. وذلك لأنه على مبتدع النظام الجديد أن يواجه مقاومة شرسة من المنتفعين من النظام الجاري، ولن يجد معونة إلا من مؤيدين فاترين ممن عساهم أن يستفيدوا من نظامه الجديد.][13].

ومن الجدير بالذكر هنا التأكيد على أن منهج المؤلف في هذا العمل ليس تقديم أيديولوجية بديلة للأيديولوجية الغربية التي تصبغ الفكر الاجتماعي الغربي والذي يتعرض هنا إلى نقد وتحليل. بمعنى أننا لا نتقدم ببدائل منهجية إسلامية الأصول على أنها أيديولوجية، لماذا؟ - لأن الأيديولوجية – أيّاً كانت - يتبناها أصحابها لا عن برهان، بل عن تصديق أو تعصب غير مدلل عليه بالمعنى العلمي. وكل ما يستطيعه أصحاب المذهبيات الأيديولوجية أن يفعلوه هو أن يُؤمنوا قلبياً بما يدافعون عنه. وإن دافعوا فدفاعهم خطابي بلاغي أو تعصبي أو ولائي. وليس هذا دفاعنا عما نقدمه من بدائل منهجية، لأنه مدفوع ببرهان العلم الأرقى من الدليل الخطابي، والأنقي عن التعصب، والأثبت لأصحاب البرهان والأجرأ على تحديث الدليل التجريبـي، بل كشف زيف تأويله وتقديم دليل تجريبـي تأويلي أقوم وأبعد عن مبدأ الجدلية العقيم. ولا نذهب في ذلك مذهب من قالوا[14] أن علينا أن نطرح [أيديولوجيتنا البديلة]. وإن نكاد أن نتفق معهم على أن ما يقصودنه هو التصور الإسلامي، ولكن هيهات أن تتبناه وأن تتصوره وتنتهجه كأيديولوجية، تتساوى معها من حيث المبدأ أيديولوجيات الآخرين اللامنطقية في أصلها. وما نَدّعي تبنيه هو منهج علمي صارم يوجهنا إليه الوحي بدليله الذي لا تستطيع الأيديولوجيات البشرية أن تصنع صنيعه؛ ومن ثم فهو فوق الأيديولوجيات بتعريفها الدارج. وهذا المنهج الذي ننتهجه يُجَنِّبنا ويقينا هجوماً مضاداً قد يسعى إليه البعض ممن يؤلمهم صنيعنا، فينتقدون نقدنا للمنهج الغربي كما انتقد ابن رشد نقد أبي حامد الغزالي للفلاسفة – في كتابه "تهافت الفلاسفة"- عندما وسم خط الغزالي المنهجي بأنه خطٌ ديني محض لا عقلي برهاني[15].

ويمكن تصور طريقة العمل في هذا المشروع – الذي يأتي هذا الكتاب أول خطواته - وحسب الخطة الموضوعة وكما سبق تفصيلها، أن تكون المرحلة الأولى منه بمثابة حرث أرضية الفكر الاجتماعي الغربي وإثارة وتقليب أفكاره بشكل مُنظّم، وإجراء مواجهات موضعية (من موضع إلى آخر) فيما انشغل به هذا الفكر ونادى به من أطروحات ونظريات. ومن ثم يسهل اكتشاف مقاصده، والتعرض لنواياه، وفهم مغزاه، وفي المرحلة الثانية والأخيرة يكون المسرح مُعداً لمنافس قوي مدعوم بأسلحة تدرب عليها طويلاً خلال المرحلة الأولى وبمرجعية بعيدة الأثر مما أبدعه علماء الأصول مع التوسعة، وطرق أبواب لم يحدث أن طرقها الأصوليون من قبل، وفوق هذا كله سند لا يلين من نصوص الوحي المبثوثة في كتاب الله تعالى وما يدعمها ويُبيّنها من سنة رسول الله r، فيما يخص القضايا الاجتماعية والنفسية، لا ينبع إيرادها عن تداعي الأفكار، ولا المناسبات العرضية، بل عن مرجعية علمية قد تدفعنا في نهاية المشروع أن نخرج تصنيفاً بتلك الآيات والأحاديث التي تناولناها جميعاً في مجلدٍ واحد مع تفسير/تأويل اجتماعي متخصص ليكون بذلك أول تفسير/تأويل اجتماعي لآيات الوحي والحديث النبوي.

مشروعية اعتماد نصوص الوحي أصلٌ يُبْنى عليه

قد يبدو هذا العنوان غريباً لدى أي مسلم يقرؤه، ولكنه لن يبدو غريباً البتة عند غير المسلمين! كما وأنه ليس بذاك الغريب عند علماء أصول الفقه. ما هذا التبدل في آراء الفرق الثلاث، ولماذا هم مُختلفون على هذا النحو؟

يرى المُسْلِمُ أنه من المُسَلّم به أن تكون نصوص الوحي مصدراً وأصلاً علمياً يُبنى عليه، وهذا لا مراء فيه، ولكن الدافع وراء المسلم العادي في ذلك دافع إيماني اعتقادي faith وليس دافعاً علمياً قائماً على البرهان. وإن كان لديه العديد من الأدلة فهي في الغالب أدلة خطابية! وليست برهانية بالمعنى العلمي الحديث، ومن هنا فموقف المسلم العادي موقف مذهبي أيديولوجي!

ويشبه هذا الموقف مع الفارق، موقف غير المُسلم، فهو يرى الدين – كل الدين، وأي دين – اعتقاداً قلبياً ليس بالضرورة أن يطابق الحقيقة، وإلا لما كانت هناك كل هذه الأديان والعقائد والمذاهب التي يتبنّاها الناس، والمختلفة بعضها عن بعض، وعنده أن الإسلام لا يعدو أحد هذه الأديان، فلماذا يُعد أصلاً علمياً وحده، وإن حدث ذلك فكل دين آخر لأهله الحق في هذا الاعتبار أيضاً، ولقطع الطريق على أهل الأديان جميعاً يُرفض مثل هذا الطرح منهم جميعاً! من حيث المبدأ. ويُعد هذا الموقف متحاملاً على فكرة الدين من جهة، وغير علمي من جهة ثانية، فليست المُصَادَرة بالرفض من شيم العلميين، ولا كانت المصادرة بالإيجاب العقائدي الخطابي – في مَعرِض البحث العمي - أيضاً من شيم العلماء حتى وإن صادفت الحق. ومن ثمّ، كانت مصادرة الغربيين على الرفض تُحمل على علة الرفض التي هي موقفهم العَلماني. والعلمانية أيديولوجيا مذهبية ليس لها هي الأخرى من حجة برهانية بالمعنى العلمي الحديث، بل أفضل حالاتها أن تكون خطابية أيضاً؛ لذا يتساوى الغربيون - وإن عُدّوا مع العلماء - مع عوام المسلمين في عدم مشروعية دعوى كل طرف باعتماد أو رفض نصوص الوحي الإسلامي مصدراً علمياً يُبنى عليه. ونُكرّر، الحديث هنا عن من كان دفاعه عن موقفه نابع من إيمان قلبي خطابي، لا إيمان عقلي برهاني. فالعامي يؤمن بقلبه الوجداني، والعلماني يكره بقلبه الوجداني. والعلم محله العقل البرهاني وأدلته العقلية والحسية، وأدواته العقل التحليلي التركيبي، والملاحظات الحسية التجريبية.

وقد تثور ثائرة هؤلاء وأولئك. ولا علينا من الثورات العاطفية أو العنادية، إنما نحن مع الحجة والبرهان العلميين. بمعنى أننا ننادي بإيمان علمي من الأوائل أو بكفر علمي من الأواخر. والإيمان العلمي هو الإيمان القائم على البرهان الداعم لاعتماد نصوص الوحي مصدراً علمياً، والأوائل هم عوام المسلمون الذين هم في أغلب أحوالهم مقلدون. والكفر العلمي هو الدحض العلمي القائم على البرهان الداعم لرفض اعتماد نصوص الوحي مصدراً علمياً، والأواخر هم الغربيون[16].

وباختصار؛ على الأوائل أن يُقدّموا دليل إثبات، وعلى الآخرين أن يُقدّموا دليل نفي.

وليُلاحظ القارئ المنتبه أننا – فيما قلنا- وكأننا نشرح قول الله تعالى: "لا إله إلا الله" الوارد في قوله تعالى: "فاعلم أنه لا إله إلا الله"(محمد47: 19)، فانتهينا من نفي كل معتقد إيجابي أو سلبي والمتمثّل في "لا إله"، علماً بأن النافي للإله على الإطلاق معتقد أيضاً في إله هو هواه، كما قال تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم"(الجاثية45: 23). ولما كان الحقُّ واحداً، وأنه ما من دليلٍ يستطيع أحدٌ أن يحسم به الحق إلا ما أيده الحق تبارك وتعالى بما أنزل أو خلق من حق. فنقول لأهل الحق أن يطمئنوا لأن الدليل سيؤيدهم، ونقول لأهل الباطل الجاحدين بآيات الله تعالى أن ينتكسوا ويخسؤا لأن الدليل سيخذلهم ويُظهر جحودهم، كما قال الله تعالى: "ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون"(الأنعام6: 33)، ويقول تعالى: "وما لهم من ناصرين"(آل عمران3: 22،56،91)،(النحل6:37)،(الروم30: 29).

أما الفئة الثالثة التي أدرجناها فهم علماء أصول الفقه. لماذا؟ - لأن لهم منهجاً أعلى صواباً من غيرهم. فمهمة علماء الأصول كانت خط الطريقة العلمية المُثلى لاستثمار الأحكام الشرعية من نصوص الوحي. بمعنى أنهم اجتمعوا بعدما أقروا قبلها بثبوت نصوص الوحي (القرآن والسنة، وما يبنى عليهما من أدلة)؛ لذا لم يدخل إثبات أصل الوحي، خاصة الذي هو كلام الله تعالى كجزء من عملهم، لأنهم اجتمعوا عليه، لذا لم يُدْرِجوه  - أي إثباته – في منهجهم الاستنباطي الاستثماري. ولئن دخل في منهجهم – كما هو حالنا الآن – لحققوه، والدليل على ذلك أنهم حققوا ما وراءه من أدلة. ففي تحقيق الغزالي لأدلة الأحكام، أي الأصول التي يُبنى عليها الأحكام،  نجده يقول[17]: "الأصل الأول من أصول الأدلة: كتاب الله تعالى، واعلم أنّا إذا حققنا النظر بَانَ أن أصل الأحكام واحد، وهو قول الله تعالى، إذ قول الرسول r ليس بحُكمٍ ولا مُلزم، بل هو مُخْبِر عن الله تعالى أنه I حكم بكذا وكذا. فالحكم لله تعالى وحده، والإجماع يدل على السنة، والسنة على حكم الله تعالى". ولما كان الأصوليون قد فرغوا من اعتقادهم البرهاني في ثبوت كتاب الله تعالى له وحده، كان غَرَضُهم استثمار أحكامه، فخرج بذلك إثباته وتحقيقه من جملة مطلوبات منهجهم الأصولي لأنه عليه بُني، وكان هذا البناء هو الغرض بعد الفراغ من اعتقاد الأصل بين المجتمعين على تأصيل هذا العلم. لذا نجدهم عند تحقيقهم الأصول، أي الأدلة الأخرى ردوها جميعاً إلى الله تعالى، وما ضعفت حجته في ذلك استثنوه، لذا استثنوا قول الصحابي – كما استشهد على ذلك الغزالي – وأما الإجماع والقياس فأصول تابعة وليست نابعة بالأحكام. بمعنى أنها ليست أصول في استخراج الأحكام، بل في الاتفاق عليها بردها إلى كتاب الله تعالى أو سنة رسوله r بصفته مبلغاً عن الله تعالى.

ويتلخص استخدامنا لمنهج الأصوليين في تحقيق النصوص التي هي أصلٌ لأحكام اجتماعية ونفسية – وهي موضوع العلم الذي بين أيدينا- بغرض استثمار تلك الأحكام منها وليس لغرضٍ آخر. وعلى منهج الأصوليين، وليس على منهج المفسرين. فالمفسرون لا يستنبطون أحكاماً بل يبينون مراداً ويكشفون معنىً غلب عليه ظنهم من دليلِ لغةٍ، أو ردٍّ إلى أثر. وليس هذا بطريقة الأصوليين التي هي الاهتداء إلى الأحكام بأعلام لها وأدلة عليها. ويقوم ثبوت صحة الأصل - عند من لا يعلم علماً يقينياً بصحة نسب الأصل إلى الخالق جل وعلا، وهم الغربيون - على اتساق الحكم المُستنبط منه مع الواقع الذي يشير هو إليه. ويقوم الاتساق الاستدلالي بين الأصل والحكم - والمتمثل في منهج الأصوليين – في صحة الحكم وأنه حكم الله تعالى، وذلك عند من يؤمن بالوحي ومصدره الإلهي، وهم المؤمنون. وبذا يكون البرهان مستوعباً لهذين القطبين، ومَنْ تأرجح بينهما إن وُجد. ومن هنا تكون عالمية هذا العلم، حيث لا يخلو إنسان ذو منطق مقبول إلا وهو واقع بين ذلكم القطبين. وهذا ما سنوضحه أكثر فيما يلي، وبيانياً إن استطعنا.

صفة عالَمِية العلم:

فعن أمْرِنَا اليوم، فإنه يختلف – عن غيره من العلوم العالمية- في أننا نجتمع على تأصيل علمٍ لا يعتقد معنا ولا يُسلّم لنا البعض – الغربيون ومن تبعهم - بحججنا في كون كتاب الله تعالى يعود إليه سبحانه. والعلم اليوم يقوم على مبدأ لا ينفيه، بل يدعمه ديننا، ألا وهو الدليل المادي مدعوماً بالحجة العقلية وبرهانها. فقد استشهد الله تعالى وأقسم بذاته جل في علاه- على صحة البلاغ الذي أتى به القرآن وما فيه، وأنه من لدنه بقوله سبحانه: "فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون"(الذاريات51: 23). فساوى في الحقيقة بين محتوى الوحي من كونه حقاً، ونُطْقِ الإنسان باعتباره أظهر الحقائق المادية. لا كما قال القائل: "أنا أفكر إذاً أنا موجود"[18]، بل [أنا أنطق (وقتما أشاء) إذاً أنا موجود]. فالنائم لا يستطيع أن ينطق - فيما يراه وهو نائم - وقتما يشاء، وأفكاره وهو نائم، وإن دلت على وجوده طبقاً لتلك القاعدة، فإنها هواء؛ ومن ثم فوجوده في نومه خواء، رغم أنه أحلامه في ظن النائم أفكار. ومن ثم فالنطق أدل على الوجود من محض الفكر.

ولما كانت صفة العلم وصورته هي عالميته، بمعنى أنه لا علمٍ إلا ما كان عالمياً في برهانه، ولا علم عالّمِيٍ إلا ما استند إلى ما اتُّفِق عليه من الدليل البرهاني التجريبـي لا الوجداني. فوجب علينا رد مشروعية كتاب الله تعالى كمصدر علمي، إلى المصدر نفسه الذي اتفقنا عليه معهم – ضمناً – ألا وهو الدليل المادّي وبرهان الدليل العقلي الذي يعتمدونه. فيكون بذلك مُلزماً لهم ومن سلك سبيلهم. وبهذا المعنى يكون علماً عالمياً.

فإن قيل: ما لنا وما لهم، لنا ديننا ولهم دينهم! - قلنا إن إقامة العلم وثبوت مشروعية القرآن على دليل مادي لا يُخيفنا لتوفره. كما وأن كثيراً من أهل الإسلام من العلماء يتبعون منهجهم في اعتماد الدليل المادي أصل الأصول، وهذا لا ينفيه القرآن ولم يحدث أن نفاه في أي معنى فسّره أو أوّله سلفنا وأئمتنا وعلماؤنا في ذلك. وعلينا أن نُفرِّق بين استبعاد هذا المبدأ لضعف الهمة والقدرة عليه، وبين كونه غير مقبول من حيث المبدأ. ونُصرِّح بأن الفرض الأول هو الصحيح. وأن وهن المدافعين عن الدين قد انتقل زوراً وبهتاناً إلى الدين. وهذا ما نستنكره لما فيه من انزواء وتخاذل والله تعالى يقول: "ولا تهنوا ولاتحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين"(آل عمران:139). بل إن القرآن قد حاجّهم بمثل هذه البراهين، ألم يقل الله تعالى: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا"(النساء4: 82). وغياب الاختلاف المقصود من الآية هو ما يسميه علماء التنظير الآن بالاتساق، وهو ما ذكرناه أعلى. وهو يؤول إلى نوعين: الأول: الاتساق الداخلي، ومن أمثلته الشائعة: النظريات الرياضية. حيث أن اعتماد صحة نظرية ما من عدمها يقوم على تحقق الاتساق الداخلي فيها. أما النوع الثاني فهو الاتساق الخارجي، وهو مطابقة نظرية ما للواقع الخارجي، وهو البرهان الذي يُطلب من أيّة نظرية طبيعية أو اجتماعية لتكون صحيحة ومأخوذة بالاعتبار.

فإن قيل إن براهين ثبوت القرآن ونسبته إلى الخالق  I متوفرٌ بالقرآن للعالِم والعامي، فهل هي براهين خطابية؟ نقول إنها ذات أعماق، أَلِفَ معظم الناس أول أعماقها، فهذه خطابية بلاغية. ولِما أصبحت عليه صبغة العلوم الحديثة من تعقيد براهينها العلمية وجب أن تكون براهينُنا أكثر عمقاً مما هي عليه في محادثة الطبقة العامة من الناس. فحُجَّةٌ قائمة على استبعاد فكرة الخلق الناتج عن إرادة وفعل خالق عليم في خلق العالم، والتي تقوم على التطور التدريجي على مدى بلايين السنين،لم يعد يكفيها أقرب المعاني من قوله تعالى: "أم خُلقوا من غير شيء"(الطور52: 35). فالرد على حجة التطور المطرد على مدى بلايين السنين تحتاج لعدد من العلاقات بين متغيرات متعددة؛ منها الذكاء intelligence، ومنها الزمن time، ومنها المادة matter، ومنها المكان space، ومنها الطاقة energy، ومنها المميزات بين الأحماض الأمينية والخلية الحية من جهة ومكونات مادتها الذرية من جهة ثانية، ومنها غير ذلك. فدعوى الخصم تتطلب الكشف عن علاقات معينة بين هذه المتغيرات، ويتطلب قولُ الله تعالى المشار إليه علاقات أخرى. والترجيح بين هذه العلاقات وتلك هو الذي يقيم الحجة على الخصم. وإلى هذا الدرجة أصبح مستوى التعقيد من البراهين. فضلاَ عن الحاجة إلى الدعم من مصادر معلوماتية خارجية طبيعية وبيولوجية واجتماعية ونفسية, وربما غير ذلك.

هذا، وإن أقمنا وبنينا على ديننا علماً جديداً، كعلم في الاجتماعيات مثلاً، ولم نُحقق مصدرنا، وهو نصوص الوحي، نكون قد بنينا علماً مذهبياً أيديولوجياً وإقليمياً، ويحق لغيرنا من أصحاب المذاهب المخالفة للإسلام الشيء نفسه. وإن حققناه على أصول لا مذهبية، لا قلبية، بل برهانية، وهو عليها قادر لإلهية مصدره، لم يستطيعوا ذلك في مذاهبهم، ونكون بذلك قد أقمناً علماً يُضاف إلى عالميته أنه ديني وعلمي في آنٍ واحد، فيعيد ما بين الدين والعلم من التئام ووحدة، بعدما عانا كلاهما من انفصام مزعوم افتراه قوم آخرون. فيُقيم الحجة على منكريه، وعلى أتباعهم من علمانيين، وجاحدين، ويُحقق لنا الله تعالى الغنى فيه عن غيره، ويكشف الله تعالى به الحجة، ويجعل الدائرة والكيد العلمي على كل من خاصم رسالته وهديه، وفي نحورهما.

الإشكالية بين الإسلاميين والعلمانيين:

يؤمن الإسلاميون المعاصرون – بحكم وراثتهم للدين- بعقيدة قلبية أكثر من إيمانهم بمبادئ الدين العلمي، ولم يبدو لهم بعد أهمية تلك الكشوف التأصيلية في نسبة الوحي إلى الخالق جل وعلا، والتي يعود بها إيمانُهم علمياً كما كان عندما آمن أجدادهم، إضافة إلى كونه قلبي. كما أنهم لا يدرون كيف يُهذِّبون مبادئ المنهج العلمي الحديث على أصول دينهم القلبي مع الحفاظ على علميته في نفس الوقت.

وعلى النقيض منهم، يؤمن العلمانيون – كالغربيين – بمبادئ العلم الغربي الحديث أكثر من إيمانهم العقيدي القلبي، وإلا لكانوا مثل الإسلاميين، ويظهر لهم أنه من غير الممكن أن يصبح الدين القلبي ديناً علمياً، ولا يدرون أن مبادئ العلم الحديث بها أخطاء – يفوقه الدين الحق لانعدامها فيه – وأنه من الممكن تحقيق هذا الدين العلمي إن استكشفناه. غير أنهم لِيأسهم من ذلك، أو قناعتهم بانعدامه، لا يستطيعون. وإن استطاعوا، لا يريدون. لأن عزمهم القلبي أضعف من أن يدفعهم إليه؛ لذلك فهم أبعد عن تحقيقه من الإسلاميين.

الصورة الحديثة لإشكالية العقل والنقل:

إن هذه الإشكالية – بين الإسلاميين والعلمانيين – هي امتداد الإشكالية القديمة بين النقل، أي الوحي المنقول إلينا بالتواتر، والعقل، أي المنطق العقلي في التفكير... كيف ذلك؟

للإجابة عن هذا السؤال الهام، والذي سيقودنا إلى معرفة الدور الحقيقي الذي يجب علينا تحمل تبعاته خلال هذه المشروع العلمي، ألا وهو تحليل ونقد وإعادة هيكلة علم الاجتماع المعاصر على نمط يمحو الهوة الحاجزة بين الدين والعلم الحديث، أو النقل والعقل- نتتبع الخطوات التالية:

في علمٍ ما، أي علم، هناك ثلاثة مكونات رئيسية: أصول، ونظريات، وتطبيقات.

الأصول: هي الثوابت الراسخة، غير المُتغيّرة، أو التي لا سبيل بيِّن لإمكانية تَغَيُّرها. وأمثلة ذلك؛ التجريب العيني للظواهر، طبيعية كانت أو اجتماعية (مع الفارق في يقين الأول وإحصاء الثانية، بما سيتم توضيحه لاحقاً)، ودليل ذلك؛ أن التجربة لا بد وأن تعطي النتائج نفسها كلما أعيد إجراؤها، فنتائجها لا تعتمد على المُجرّب، ولا على أجهزته إلا من حيث درجة الدقة، ولا على زمن التجربة من ليل أو نهار أو صيف أو شتاء، ما لم تكن تلك الظروف من متغيرات التجربة نفسها..ومن أمثلة الأصول الطبيعية أن التجربة تقول (لا أن المجرب هو الذي يقول): أن المعادن تتمدد بالحرارة، ويأتي دور المجرب لتسجيل هذه المقولة في صياغة محكمة تنطق – أقرب ما يكون بلسان حال التجربة- ثم يعمد المجرب إلى التنظير حول المقولة التي ترجم إليها حال التجربة. ومن الأمثلة الاجتماعية على ذلك أيضاً أن الواقع الاجتماعي يقول: أن الإنسان كائن اجتماعي، لا تستقيم له الحياة بانعزال عن الآخرين، ثم يأتي دور عالِم الاجتماع ليُسجّل هذه المقولة بلغته ويُنظِّر حولها، باحثاً عن الدوافع المؤدية إليها، والظواهر المرتبطة بها.

ويُقابل هذا الأصل العام عند الغربيين والمسلمين على السواء، أصل ثانٍ عند المسلمين هو القرآن. فنص القرآن أصل له مقولة في حقيقته، يسعى المفسر والمؤول والأصولي إلى قراءتها، ثم يعيد صياغتها في تفسيره أو تأويله أو استثماره لِحُكمٍ منها.

ومَرَدْ التأصيل – الذي جعل من هذين الإثنين أصلين دون سواهما – هو توفر صفتين فيهما:

1-  الكمال: ففي كمال الواقع المخلوق واتساق قوانينه وصلاحيتها لما خُلقَت له – الأصل الأول- يقول الله تعالى: "فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصرُ خاسئاً وهو حسير"(الملك67: 3-4)، وفي كمال الأصل الثاني، الوحي القرآني، يقول الله تعالى: "فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون"(الذاريات51: 23). ويقول تعالى: "إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"(الإسراء17: 9)

2-  الثبات: ففي ثبات الأصل الأول يقول الله تعالى: "فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا"(فاطر35: 43)، وفي ثبات الأصل الثاني- الوحي القرآني- يقول الله تعالى: "إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون"(الحجر15: 9).

ونود التأكيد على أن هذين الأصلين لهما مقولات خالصة حقيقية يقينية صادقة: نصوص الوحي (عند المسلمين فقط)، والقوانين (السنن) التي خلقها الله تعالى لتعمل بموجبها المخلوقات. ولا مجال لغير ذلك. ومن هنا كانا أصلين. أمّا تأويلهما والذي هو فهم العالِم أو الدارس لمقولاتهما وصياغته لهذه المقولات بلغة العلم الدارجة، والمتغيرة من عصر إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، فهو الذي فيه ما فيه من احتمال الزيغ عن مُراد هذين الأصلين. ويُسمّي علماء أصول الفقه النوع الأول: الدلالة الحقيقية (أي حقيقة مرادات الوحي – وعلى مثيله: حقيقة سنن المخلوقات)، ويسمون النوع الثاني: الدلالة النسبية[19] (فهم العلماء لنصوص الوحي – ولقوانين أو سنن المخلوقات).

التنظير: نأتي للنظريات، وتلك – حسب الرؤية السابقة - هي الدلالة النسبية، التي هي مُخرجات فهم العلماء لمقولات الأصول الممثِّلة للدلالات الحقيقية. وأرقى مستويات التنظير – في سنن المخلوقات - نجده يترافق مع أعلى درجات التجريد، وذلك هو التنظير الرياضي، وقد قطع المُنَظّرون فيه أشواطاً بعيدة ويكاد أن يُعزى إليه السبب في زهو العلم الطبيعي الحديث بانتصاراته في فهم الواقع الطبيعي، وذلك بأن صيغت مقولات كثير من الظواهر الطبيعية صياغة رياضية (تجريدية) تكاد أن تُطابق الواقع حرفاً حرفاَ ورقماً رقما، ولمستوى متقدم من الدقة. ومما يجعل هذا النوع الراقي من التنظير قريباً جداً من الدلالات الحقيقية صياغته التي تتنبأ وتتناغم مع عطاءات التجارب الأحدث من التنظير، مما يُلمِّح إلى مطابقة شبه تامة بين التنظير الرياضي والواقع العملي. هذا في الوقت الذي تستعصي الدلالات الحقيقية على الفهم الواضح بالاعتماد فقط على الصياغة اللغوية التعليلية الشارحة[20]. وهذا يعني أن الدلالة الرياضية القريبة أو المطابقة للدلالة الحقيقية ليست دائماً مفهومة للعقل البشري في ما يراه كدلالة نسبية. وهذا الموقف من أكبر صعاب التأويل التنظيري في العلوم الطبيعية، وللحديث عنه مقامٌ آخر. ويلي هذا المستوى من التنظير درجات متسعة من النظريات القوية والضعيفة، والتي يعود أمر تَغَيُّرهَا صعوداً وهبوطاً للقدر الذي فيها من إشكاليات.

وهذا يعني أننا أمام نوعين من التنظير:

1-  تنظير رياضي/منطقي شبه ثابت، غرضه الرئيسي مُطابقة الدلالات الحقيقية للواقع ولو مطابقة رياضية تتضح فيها العلاقات بين المتغيرات، مع غموض تأويلها في بعض الأحيان، وسنفترض مؤقتاً غياب هذا الغموض، وهو موجود حسب علمنا في بعض القضايا الطبيعية[21].

2-  تنظير لُغوي غير ثابت، غرضه الرئيسي الفهم العقلي للتنظير الرياضي/المنطقي.

التطبيقات:

تجرى التطبيقات على التنظير الرياضي أو المنطقي، ويُستفاد من التنظير اللغوي للشرح فقط. وبكلمة منطقي، نعني المصاغ صياغة جلية في صورة حكم أو مقولة أو نص قانون أو خلافه من الصياغات الموجزة المعبرة بوضوح عن مدلولها، وهذه تمثل الأحكام الفقهية وقواعد الفقه، وأحكام القوانين الوضعية ومواد الدساتير والمواثيق المعبرة عن علاقة ما، اخْتُبِرت مرة أو أكثر، والقوانين العلمية اللغوية طبيعية أو اجتماعية. أما التنظير الرياضي فهو العلاقات الرياضية المصاغ فيها القوانين أعلاه، وهي من نوعين: فريدة محددة النتائج، أو إحصائية احتمالية. وتعود صفة الاحتمالية فيها إلى قصور المعرفة الإحاطية فيها من قِبل الإنسان الباحث والمسئول عن جمع مادتها. وإن كان للمعنى الاحتمالي مضاعفات بالغة الخطورة في الفيزياء الكمومية تسعى إلى نفي الحتمية المتأصلة في الحوادث الطبيعية بزعم المدرسة السائدة – مدرسة كوبنهاجن - منذ عام 1926 وحتى الآن ودون منازع مسموع الكلمة؛ لذا يمكن القول بأن التنظير الرياضي الإحتمالي - في الطبيعيات الكمومية - والمُتَأصّل في موضوعه، أي غير العائد لقصور إنساني في جمع مادته، قضية جدلية لا يمكن قبولها بسهولة إلا مع ما يبررها، وليس هناك من مُبرر لها رغم سيادتها على الساحة التنظيرية والتطبيقية في الفيزياء.


شكل 004 دورة حياة الفكر العلمي بين المسلمين والغربيين كما يراها المؤلف

العقل كمصدر للعلم؛ وَهْمٌ مشهور!

يُلاحظ في (شكل 004) – والذي يمثل تصورنا لدورة حياة الفكر العلمي الحقيقي بين الإسلام والغرب – أننا لم نورد فيه أي ذكر للعقل كجوهر إلا من صفة "التعقل". وقد عمدنا إلى ذلك عمداً. لأن العقل في الإسلام لم يرد بصفته اسماً لمُسمّى ولا دليل عليه. وإنما الوارد في ذلك التعقل عبر مسارات خاصة. بمعنى أنه لا دليل على أن العقل يُمَثِّل مصدراً يفيض أو ينتج أو ينبع منه العلم في آلة الدماغ. وقياساً على ما يعهده الناس الآن من برنامج الكمبيوتر الذي يصممه المتخصصون ليتعامل مع بيانات من أنواع معينة ليُجري عليها مقارنات ومقابلات وعمليات منطقية وحسابية ليخرج منها بنتائج، فالبرنامج الحاسوبي يقابل القدرة التحليلية لمحتوى الدماغ المعلوماتي، وعمليات البرنامج تقابل التعقل، والبيانات المخزنة تقابل حصيلة خبرة اكتسبها الإنسان من محيطه، الجاري فيه وقائع مادية ومنطقية بوساطة أدوات الحس. وقد شكّلت تلك الخبرة عمليات البرنامج بما فيها من منطق عامل بين الأشياء، وعاها الإنسان "وجعل لكم السمع والأبصار والافئدة"(النحل16: 78)،(السجدة32: 9)،(الملك67: 23). فإن قيل: اين وعاها الإنسان؟ أي ما هو الوعاء الذي فيه حلّت؟ - نقول: يُشير كتابُ الله تعالى إلى ذلك على أنه الفؤاد لاقترانه بالسمع والأبصار، أو القلب – وهو في معناه – كما في قوله تعالى: "لهم قلوب لا يفقهون بها"(الأعراف7: 179) ، وقوله تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"(الحج22: 46)، وقوله تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"(محمد47: 24). ولكن يجب الانتباه إلى فرقٍ هام، وهو أن القلب النابض هنا مثله مثل مؤشرات العدادات الظاهرة أمام قائد سيارة، فهي التي تُنبئ عن كل ما يجري بميكانيكا السيارة، لذا فإذا تساءلت عن سرعة السيارة أو درجة حرارة ماكينتها فالإجابة هي بالنظر إلى عداداتها أمام قائدها. هذا رغم أن سرعتها تتحدد بدوران ماكينتها، وحرارتها تشمل قالبها الماكيني بكليته. وما نود توضيحه هنا هو أن فؤاد أو قلب الإنسان من الإنسان كمثل عدادات السيارة من السيارة، وكمثل عين الإنسان من الإنسان. بمعنى أنك تنظر إلى عين الإنسان الذي تود محاورته دون غيرها من جسده لأنها المعبر الأول عنه، كعداد السرعة في السيارة والذي هو لسان حال سرعة دوران ماكينتها، وكالقلب الذي يضطرب عند عدم الفهم، ويهدأ ويسكن عندما يرى الحق، مصداقاً لقول الله تعالى: "ومن يؤمن بالله يهد قلبه"(التغابن64: 11)، والهدى من الهدوء وعدم الاضطراب. لذا يمكن القول باختصار أن القلب هو عين البصيرة، مصداقاً لقول الله تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور"( الحج22: 46). لا أن القلب هو الوعاء المادي للعقل أو للمعلومات كم يظن النظر غير المدقق.

إلزام الباحثين بنتائج الحجج العلمية الصحيحة:

هنا مستويان في وجوب الالتزام بالحجة:

المستوى العام: أن الوحي حُجَّة على الناس. ومعنى أنه حجة، أنهم ملزومون بنتائج مُعطياته، وهذه في أقصى طرفيها الرضا والسخط من قِبل مُنزل الوحي I، وذلك لمن أسلم لحُجَّته أو عاند. وهذه هي العلة العلمية للثواب والعقاب؛ الجنة والنار.

المستوى الخاص: أن نتائج التنظير العلمي المقبول من قبل المجتمع العلمي حجة على العلماء في محيطه، وينتج عنه أن من يشذ عن هذا القبول يُنْظَر إليه شذراً أو يُنتقص من قيمته العلمية أو من جديته البحثية، سواء كان هذا في مجتمع الأصوليين أو الفقهاء أو مجامع العلماء الغربيين.

ما معنى هذا؟ - معناه أن الحجة العلمية حجة قضائية مُلزمة لمن ألزمته بقبولها. أي معناه أنه لا حرية اعتباطية في كسر قوانين التنظير العلمي، مثلما أنه لا حرية في كسر قوانين المرور لسائقي السيارات. ولكن يجوز الاعتراض بشرط الإتيان بالبرهان والتعليل بخطأ قانون تنظيري علمي سابق، تبين أن هناك ما هو أفضل منه. وهذا هو سبب التطور العلمي. كما يجوز مبدأ الإعتراض في المستوى العام – أي الوحي ومقولاته - كما قال تعالى "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"(النمل:64)، ولكن هيهات أن يستطيع أحد ذلك! لماذا؟ لأنه كما قال سبحانه "لا مُبدِّل لكلمات الله"(الأنعام:34)

عالمية الرسالة الصريح في محتواها يتطلب عالمية التنظير المبني عليها

إذا سأل سائل: ولِم الاهتمام بمن لا يُصَدّق بالوحي في تنظير علومنا؟  - نقول، إن الاهتمام الأول إنما بالعلم لا بأصناف المتعلمين على الخصوص. فالعلم الأجدر إنما هو الأوفى. فإذا انتقلنا لأصناف المتعلمين لوجدنا أن جُل أهلنا ممن يتلقون العلم هم بين بين. وهؤلاء يوازنون بين الأكثر إقناعاً. والوفاءِ بعلمٍ مؤصلٍ على الدين ويناطح غيره بقوة وجرأة لأقرب إلى إقناعهم لِما يحققه من رسوخِ لا مذهبي ولا أيديولوجي. أما غير المؤمنين بالوحي فعمدتهم العلم الأنفع[22] المتجرد من المذهبيات، فإن أقمناه على مذهبية خالصة فقد حجرناه عن خصومه، فإن أزلنا الخصومة كان لهم أجذب، ولباب الإعجاز التنظيري فيه أقرب. فإذا انتقلنا لما وراء المتعلمين وأصنافهم، لوجدنا أن تقارُب - بل اندماج - الأمم والمجتمعات في عالم واحد، لن يَدَع مجالاً لعلوم محلية قومية أيديولوجية. والأنفع لهم هو العلم اللامذهبي، وهو صاحب الريادة وإن طال عليه العهد، "والله مُتمُّ نوره ولو كره الكافرون"(الصف61: 8).

وحدة العلم التنظيري في علمٍ ما:

إن توزيعَ علمٍ ما بين ثلاثة علومِ؛ تأصيلي في وادٍ، وتنظيري في وادٍ؛ وتطبيقي في وادٍ ثالث، لكلٍ أهله، ولا يعلم أهلُ كل علم ما عند الآخر إلا كما يعلم العوام، له من الخطورة الشيء الكثير على أهلية المُتخصّصين. وإن حدث، فهو اجتثاث عضوٍ من جسدٍ واحد، بما يؤدي لموته،.. لماذا؟ - لأنه ما من عضوٍ في جسد ويعيش منعزلاً، بل لا ينمو وحده ولا يهرمُ وحده. فالكلّ يتداعى للكل، الأقرب فالأقرب. وليس القرب دائماً مكاناً فقط، بل اتصالاً. ومثل هذا الاجتثاث يجعل من الفقيه الجاهل بأصول الفقه فقيهاً مُقلّداً لفتاوى غيره، وأصول الفقه للفقه تأصيل لتنظير، وجهل الفقيه بواقع التطبيق كجهل الطبيب بموضع الألم ونسيجه، لا يصح به طِبُّه. وموضع الألم ونسيجه للفقيه كالتطبيق للتنظير. فهذه سلسلة لا تنفك. ولا يعني هذا نفي التخصص في التأصيل لإبداع آلياته، شريطة العلم الجيد بالتنظير والتطبيق، ولا يعني أيضاً نفي التخصص بواقع التطبيق، شريطة العلم الجيد بالتنظير ومن ورائه التأصيل.

التنظير الإنشائي المُنَجّم مقابل التنظير الإسقاطي:

العلم نوعان: إنشائي structural وتعليمي pedagogical. الأول من نصيب العلماء بإعمال أفهامهم وتلقي معطيات موضوعه بالفحص والتجريب. والثاني من نصيب طلاب العلم يُلقِّنه إياهم العلماء والأساتذة. الأول يكون بعد عدمه، والثاني يُنسخ من عقل إلى عقل عند وجوده. الثاني إسقاطي، لو أمكن نقله إلكترونيًّاً لكان أفضل كثيراً، والأول مجاهدة بين فكر العالم، المتمثل في الدلالات النسبية، والواقع المتمثل في الدلالات الحقيقية، والتي هي الموضوع الخالص للعلم، والثاني تلقي ما هو معلوم عند الآخرين. الأول لا يكون إسقاطاً وطبيعته إنشائية. ولكن هل يستقيم الإنشاء مع الإسقاط؟ - فالإنشاء هنا إنشاء جديد على غير مثال سبق. الجواب بالإيجاب يرفع من قدر العلماء المُنشئين لآفاق فوق قدرة البشر. فمن المستحيل أن تجد كتاباً مؤلفاً في علمٍ على غير مثال سبق لعالم لم ينل من التجريب قبله حظاً وافراً. فكما أن الأهرامات الثلاثة في مصر كانت تتويجاً لذروة الفن والعلم في بناء الأهرامات على مدى قرون طويلة سبقتها ولم تكن البداية كما يظن المتوهم، فكذلك كل علمٍ رقى في الأداء والدقة. وإن هذا والله لدليل عقلي على عدم إتيان محمد r بالقرآن من عنده! إذ كيف يأتي بهذه الدقة العلمية على غير عهد له بمثله أو قريباً له في سابق عهده، كما قال تعالى يُذكِّر قومه بذلك على لسان محمد r: "فقد لبثت فيكم عُمُراً من قبله أفلا تعقلون"(يونس10: 16)، فأين كان محمد r من مثل ما أوحي به إليه قبل وقوعه.

ومن صفات العلم التعليمي الترتيب والحبكة والوحدة التتابعية، بحكم أن التعليم على هذا النحو أقرب لقبول عقول المتعلمين لمادته العلمية، وفي طاقة العلماء المعنيين بالتعليم ووقتهم ما يسمح بإعداد المادة العلمية للغرض التعليمي نظراً لتوفرها بالكم الذي يسمح بذلك. وعلى العكس من ذلك، فالعلم الإنشائي لا يتصف بالترتيب التعليمي ولا بالبناء المتسق. وهذا ما عنيناه بالتنجيم. أي بأحداث متفرقة كل منها يُعالَج ويُفحَص منفرداً. وإن كان مع جمع الأحداث المتشابهة في جملة واحدة فهذا أفضل. وقد يَفرض هذا الوضع سبباً آخر خلاف قدرة العلماء الاجتهادية علي سبر أغوار هذا العلم الجديد، وذلك هو حال المُتلقّين، وعدم وجود أرضية لهذا العلم بعد، فيكون التنجيم زحفاً بطيئاً وزرع جذور له بأنحاء متفرقة، فإذا ما تأصّلت أمكن تشابكها أو شبكها في بناء جامع متآزر يشد  بعضها بعضا.

ولتحقيق الصفة الإنشائية جاء بناء المادة العلمية في هذا الكتاب بناءاً إنشائياً مُنجماً. يطرح بذوراً هنا وهناك، وإن كان باستخدام مادة علمية غربية مكتوبة على الطريقة التعليمية pedagogical، مما يحقق ترتيباً نوعيًّا ونقداً تحليلياً في آن واحد مع جدية الإنشاء في البنية العلمية التحتية التي تطرح مادة الوحي في موضوع الاجتماعيات بشكل جديد يُنقّب عن دلالات ذلك العلم في نصوص الوحي وكلمته الأولى فيها – حسب فهم المؤلف المرحلي. ولله I ولكتابه الخالد المثل الأعلى، فكتاب الله تعالى أنزله على البشر مُنَجّماً يُناسب ملابسات النزول، وإن لم يُعلَّل بها ضرورةً، ويُمهّد لقلوب الذين تلقَّوه تلقّيه، ولألفتهم به في التنامي الإيجابي. ولما كان أمر تعليم المسلمين مرده إلى رسول الله r وأن يسيروا على أثره واقتداءاً به، قال الله تعالى: "وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآنُ جملة واحدة كذلك لِنُثَبّت به فؤادك"(الفرقان25: 32). وتثبيت الفؤاد، ليس كما يظن السامع ما يضاد القلب المتوتر أو المرتجف بسب خوف أو وجل أو قلق، فالرسول r  كان واثقاً من نصر الله تعالى له، وإنما الفؤاد هنا مؤشِّر على العلم والفهم[23] والتعقل كما ورد في معنى الفؤاد في قوله تعالى: "إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عن مسئولا"(الإسراء17: 36)، وقوله تعالى: "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة"(النحل16: 78)، (السجدة32: 9)، (الملك67: 23). لذلك كان تثبيت الفؤاد هنا تأصيل العلم الديني بترسيخه رويداً رويداً حتى يشتد عوده وتضرب له جذور يثبت بها كما قال تعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء"(إبراهيم14: 24).

وإذا اكتمل المشروع العلمي الذي نحن بصدده هنا، وعلى نحو ما أشرنا سابقاً، فنتوقع أن تأتي آخر محطات المشروع بعنوان "فقه العلوم الاجتماعية الإنسانية وأصولها"، وأن يأتي على النهج التعليمي القاطع مثلما أتى كتاب "المستصفي في علم الأصول" لأبي حامد الغزالي في علم أصول الفقه الشرعي. فغرض المشروع الذي نحن بصدده أن يضع الأصول المنهجية التي يحتاج إليها عالم الاجتماع وفق ضوابط التنظير المنقحة بالمنهج الإسلامي، والتي بدونها إما أن يسير على النهج الغربي في علم الاجتماع مع مخالفاته وتماديه عن الحق، أو لا يكون على أي نهجٍ كان. فإن قيل أن أصول الفقه للفقه أمرٌ ضروري لحركة العالم حول العلم الشرعي الذي مصدره الوحي، ولكن أيّة علاقة تقع هناك بين علم الاجتماع وأصوله من جهة، والشرع القائم على الوحي من الجهة الأخرى؟ نقول: هناك علاقتان، الأولى بين كل علمين آتيين: أصول الفقه الشرعي والفقه الشرعي، وأصول فقه الاجتماعيات وفقه الاجتماعيات. وهذه العلاقة هي علاقة منهج وتطبيق. ويمكن إجراء هذه المطابقة على كل علم آخر بما فيها الطبيعيات، فأصول الطبيعيات هي الإمبريقية empiricism الفيزيائية المتمثلة في التجربة والرصد، إضافة إلى العلوم الطبيعية. أما العلاقة الثانية، فهي أن الوحي لم يدع شيئاً من العلم إلا وكان له فيه توجيه بحكم قوله تعالى: "ما فرطنا في الكتاب من شيء"(الأنعام6: 38)، وقوله تعالى: "وما اختلفتهم فيه من شيء فحكمه إلى الله"(الشورى42: 10)، وقوله تعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول"(النساء4: 59). وهذا يجعل أي ثنائي مرتبط من العلوم على النمط السابق (أصول علم كذا، وعلم كذا) يجب رده لأن يصبح (أصول فقه علم كذا، وفقه علم كذا)، حيث تدلل كلمة فقه المضافة هنا على ضبط هذا الثنائي المرتبط على هذا النحو، بالرد إلى الوحي في التأصيل ومحلات النزاع، وهما الصفتان اللتان تحوطان بأي علم إحاطة السوار بالمعصم.

منهجية الكتابة:

لما كان الهدف هو نقد وتحليل أصول علم الاجتماع الغربي وآلياته، كان لزاماً علينا أن نأتي بنصوص يكون مصدرها مَنْ يمثل الفكر الغربي ومنهجيته. ولم نجد أفضل مما أتينا به لأحدهم استجمع منظوراً وافياً محبوكاً منظماً، يمكن النظر إليه ككلٍ واحد رغم التنوع الشديد في الفكر الاجتماعي الغربي. وهذا فضلاً عن رحابة مرجعياته التي أدرجنا منها ما رأيناه في صلب الموضوع ومشمولاً في الفقرات التي رأينا إيرادها.

وقد قسمنا العمل في شكل فقرات للمقولات الغربية مكتوبة بخط مائل (هكذا) وأعقبنا كل فقرة بتعليقنا المكتوب بخط عادي والمتمثل في فقرة واحدة أو أكثر، وعلاوة على أن الخط عادي فأردنا مزيداً من الوضوح فبدأت تعليقاتنا – عقب الفقرات المترجمة - دائماً بالعلامة BD21304_. هذا ويعود للمؤلف ترجمة الفقرات الغربية المنتقاة كلها. ويمكن لمن شاء أن يقرأ الفكر الغربي مجرداً من التعليقات النقدية والتحليلية لنا، أن يتابع الفقرات مائلة الخط، وسيجد أن سياقها متصلاً ومتواصلاً بلا انقطاع، إلا إذا أشرنا إلى خلاف ذلك.

لذا، فكل ما جاء بخط مائل بما فيه الجداول، فكلام غربي مُترجم، وكل ما هو غير ذلك فكلامنا وتوضيحنا. وحرصاً على وحدة الموضوع وتصاعده الفكري وحبكته، فقد حافظنا على تقسيم المرجع المعتمد نقد وتحليل مادته في تقسيمه للفصول الأربعة الرئيسية وعناوينه الداخلية. فمن شاء أن يعود لأصل أية فقرة من الفقرات فكل ما عليه أن يعود لنفس الفصل وتحت العنوان نفسه – واللذان شملناهما بلغتهما بجانب العربية- في المرجع الأجنبي؛ لذا لم نضع لكل فقرة إشارة لمرجعيتها في مصدرها. أما العناوين الداخلية غير المترجم معناها أمامها فتعليق خالص لا مقابل لعنوانها في أصل المرجع الأجنبي.

وفي النهاية أضفنا كشافاً بالكلمات الأجنبية المشمولة بصيغتها وترجمتها التي اعتمدناها، ومواضعها في الكتاب. وأخيراً المراجع العربية والأجنبية التي رجعنا إليها، أو رجع إليها المرجع الأجنبي في الفقرات التي شملنا ترجمتها.

هذا ولله الحمد والمنة على إتمام هذا العمل.

 

 

المؤلــف

عزالدين عزت أبوالخير كزابر

26/12/1428 – 3/1/2008



[1]  ننوه هنا إلى مؤشر سريع لحجم الترجمة وما يمكن أن يكون لذلك من علاقة بغيره (مدى الرقي الحضاري مثلاً): "تترجم مصر أكثر الدول العربية سكاناً 100 كتاب في العام، في حين تترجم تركيا 18.000 كتاب، وتترجم اليونان 25.000 كتاب، وتترجم اليابان 170.000 كتاب !!! -  مقالة بعنون "سياسة ثقافية جديدة لا تكرار للسالفة"، الأهرام المصرية 20/10/1993، نقلاً عن "العرب وعصر المعلومات"، نبيل علي، ص 19، عالم المعرفة – إبريل 1994.

[2]  يقول أبو حامد الغزالي ("تهافت الفلاسفة"، ص26-28): [أمّا بعد فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء بمزيد الفطنة والذكاء، قد... استحقروا شعائر الدين: من... التوقي عن المحظورات، واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده، ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون، يتبعون فيها رهطاً يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون، ولا مستند لكفرهم غير تقليد سماعي إلفي ...، إذ جرى على غير دين الإسلام نشؤهم وأولادهم، وعليه درج آباؤهم وأجدادهم، ولا غيرُ بحث نظري صادر عن التعثر بأذيال الشبه، الصارفة عن صواب الصواب، والانخداع بالخيالات المزخرفة كلامع السراب، كما اتفق لطوائف من النظار في البحث عن العقائد والآراء من أهل البدع والأهواء.

وإنما مصدر كفرهم سماعهم أسماء هائلة، كسقراط وبقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس وأمثالهم (وحديثاً دوركهايم وماركس وسان سيمون وسوسير وغيرهم) وإطناب طوائف من متبعيهم وضلالهم في وصف عقولهم، وحسن أصولهم، ودقة علومهم ... واستبدادهم – لفرط الذكاء والفطنة- باستخراج تلك الأمور الخفية، وحكايتهم عنهم أنهم، مع رزانة عقولهم وغزارة فضلهم، منكرون للشرائع والنحل، وجاحدون لتفاصيل الأديان والملل، ومعتقدون أنها نواميس مؤلفة.. .

فلما قرع ذلك سمعهم، ووافق ما حكي من عقائدهم طبعهم، تجملوا باعتقادٍ تحيزاً إلى غمار الفضلاء، بزعمهم، وانخراطاً في سلكهم، وترفعاً عن مسايرة الجماهير والدهماء، واستنكافاً من القناعة بأديان الآباء، ظناً بأن إظهار التكايس في النزوع عن تقليد الحق، بالشروع في تقليد الباطل، جمال، وغفلة منهم عن أن الانتقال إلى تقليد عن تقليد خرقٌ وخبال. فآية رتبة في عالم الله أخس من رتبة من يتجمّل بترك الحق المعتقد تقليداً بالتسارع إلى قبول الباطل تصديقاً، دون أن يقبله خبراً وتحقيقاً. والبله من العوام بمعزل عن فضيحة هذه المهواة، فليس في سجيتهم حب التكايس بالتشبه بذوي الضلالات. فالبلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانةٍ بتراء، والعمى أقرب إلى السلامة من بصيرةٍ حولاء.

فلما رأيت هذا العرق من الحماقة نابضاً على هؤلاء الأغبياء، انتدبت لتحرير هذا الكتاب ...]

[3]  "منهج البحث الاجتماعي بين الوضعية والمعيارية"، د. محمد إمزيان، و"التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" لـ د. إبراهيم عبدالرحمن رجب.

[4]  "قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية"، مجموعة أبحاث، تحرير: د. نصر محمد عارف، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996؛ "أبحاث ندوة الخدمة الاجتماعية في الإسلام"، المنعقدة بالقاهرة 11-13 أغسطس 1991، نشر: الأزهر الشريف – مركز صالح كامل، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996؛ "ندوة - إشكالية العلوم الاجتماعية في الوطن العربي"، إشراف د. أحمد خليفة، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، طبعة ثانية، 1998.

[5]  انظر: "العقل الأخلاقي العربي"، د. محمد عابد الجابري، ص 218، 221، 572، 574، 581، 607، 620.

[6]  انظر: "مجلة المسلم المعاصر"، العدد 93/94، أغسطس-ديسمبر 1999، ص 200.

[7]  انظر على سبيل المثال استعراض د. إبراهيم عبدالرحمن رجب لعدد من الدراسات في هذا الشأن ووصوله للنتيجة الاتية ("التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية"، ص156-157): [يتضح لنا بوضوح أن النظرية "العلمية" ليست بالبراءة التي تتراءى لنا لأول وهلة، وأنها ليست مجرد وسيلة يستخدمها العلماء لعبور الهوة بين الحقائق الإمبريقية الجزئية المحدودة التي توصلوا إليها وبين العالم الواقعي المجهول المترامي الأطراف من حولنا، ولكنها – وإن كانت كذلك جزئياً- فإنها أيضاً وسيلة أولئك العلماء لمحاولة إيجاد التوافق بين أفهامهم وميراثهم الثقافي – الاجتماعي- السياسي وبين الواقع المحيط بهم. وإذا كان الأمر ليس شديد الخطورة – في ذلك – بدراسة العالم الطبيعي، إلا أنه يعتبر شديد الخطورة بالنسبة إلى الدراسات المتصلة بالإنسان والمجتمع]. هذا مع التركيز على أن التنظير المقصود هو العامل البشري في ما يتوصل إليه الإنسان من فهم، وليس أصل الفهم الكامن إما في الحقيقة الطبيعية في خلقة الأشياء أو في نصوص الوحي – في حالة كون الوحي هو محل التنظير.

[8]  أقصد بذلك الشيخ محمد الغزالي يرحمه الله، في كتابه القيم، والغني عن التعريف "جدد حياتك" وإن كان ثقافي المنحى.

[9] انظر في ذلك "التراث والحداثة، دراسات ومناقشات"، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، طبعة أولى، 1991، ص11، حيث يقول: [كيف نتعامل مع الفكر العالمي ... سؤال يطرح ... إنجاز قراءة عربية للفكر الأوروبي تجعل منه موضوعاً لذات تريد أن تحتويه بدل أن يحتويها هو: قراءة نقدية متجددة ومتواصلة، تبرز تاريخيته ونسبيته وحدود العموم والخصوص فيه، وتفضح بالتالي ميوله إلى الهيمنة واختزال التاريخ القديم والحديث في التجربة الأوروبية وحدها].

وانظر "التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية"، د. إبراهيم عبدالرحمن رجب، حيث يقول (ص49): "إن نقد النموذج القديم (يقصد الغربي، باعتباره قديما لما قد يستجد) وتحديد أبعاد التوجه الجديد في النظر إلى طبيعة العلم والمنهج العلمي تحتل دون جدال مكان الصدارة في أي مناقشة جادة لقضية التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" .

وانظر ما قاله مؤلفا "إشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية العربية المعاصرة"، د. عبيد العمري و د. عبدالقدار عرابي حيث يُجيبا (ص 122) تحت عنوان "كيف يمكن تجاوز هذه الأزمة (المنهجية في العلوم الاجتماعية)"، قائلين: [ لا يمكن تجاوز هذه الأزمة المنهجية إلاّ بتبني عدة مواقف متكاملة:

1-    الدراسة النقدية التاريخية الموضوعية للفكر الغربي، فالبداية هي تحديد موقفنا من الآخر، وهو موقف يحتاج إلى قبول الآخر كتجربة بشرية دون الانبهار بها، والاستفادة منه دون الاستيراد عنه، ومتابعة أعماله دون التعبد في محرابه.

2-    الخطوة الثانية، وهي "محاولة التوصل إلى الخصوصية المنهجية والمفاهيمية، وذلك يُتاح من خلال المناهج التي وضعها الآخرون، ولكن بصورة نقدية، تُركّز على اكتشاف الجوانب السلبية في هذه المناهج، ومن ثم التركيز على تطويرها، واكتشاف البدائل المُلائمة لها. فنُغيّر من المفاهيم والمناهج بالأسلوب الذي يتجاوز سلبياتها، ويتجاوز تحيزاتها.]

إلى هنا نظن أننا سرنا على الدرب اللذي يقترحه المؤلفان دون اتفاق مسبق، لكننا لا نتفق تماماً مع ما استكملاه من خطوات لخلوها من رؤية مُتميزة، حيث يقولا في الخطوة الثالثة.

3- [من خلال تطوير المفاهيم والمناهج، يُتاح لنا منهجية فكرية مُتميّزة نسبياً (ولم يقولا كيف سيتحقق لها ذلك)، يمكن أن تساعدنا في اكتساب رؤية جديدة عن الظاهرة، تختلف عن الرؤية التي تقدمها هذه المناهج. ومن خلال الاكتشافات الجديدة يُتاح لنا إعادة صياغة المفاهيم والمناهج والتصورات النظرية.]

ويتابع الباحثان خطتهما متحدثين عن ثورة علمية لنا، كضروررة لا مفر منها، وطرح تصور علمي جديد (دون رسم أي ملامح له وتركه على ما يبدو للباحثين اللاحقين أن يكون من اهتمامهم)، وأهم ما أثاراه في خطوة رقم (6) هو الحاجة إلى الدراسة النقدية للتراث العربي، مع التركيز على الفكر الاجتماعي العربي، ثم الحديث عن دراسة للعوائق المعرفية للفكر العربي، وتغيير مناهج البحث والتعليم، ودراسة التغيرات العالمية والمجتمع العالمي. ويختما خطتهما باكتشافهما خلو الساحة العربية من مجتمع علمي (رغم عشرات الآلاف من أعضاء هيئات التدريس على امتداد ساحات معاهد البحث والجامعات العربية)، مما يدفعهما إلى المناداة بالعمل على تكوينه.

وانظر أيضاً "التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية"، د. محمد عزالدين توفيق، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، طبعة أولى، 1418- 1998، حيث يقول المؤلف ص 7: "الطريقة المُثلى لمواجهة السلبيات الوافدة عن بعض الآراء والنظريات الوافدة هي طريقة قائمة على تجاوز النقل الحرفي إلى الترجمة المقرونة بالدراسة النقدية" – بتصرف.

[10]  انظر مثال لذلك: "شرح البرهان لأرسطو وتلخيص البرهان"، ابن رشد، تحقيق وشرح وتقديم: د. عبدالرحمن بدوي، السلسلة التراثية 12، الكويت، 1984.

[11]  كما قيل عن كتاب "المرايا المحدبة، من البنيوية إلى التفكيك"، لـ عبدالعزيز حموده، عالم المعرفة، عدد 232، إبريل 1998،(انظر هذه المقولة في "المرايا المقعرة ..."، لنفس المؤلف، عالم المعرفة، عدد 272، أغسطس 2001، ص8).

[12]  انظر: Selleri (1990: 4-6, 29).

 [13] انظر: “Six Axioms for Performance Measurement in the Public Sector”, Panorama Business Views. (http://www.pbviews.com)

[14] انظر: "العلوم الاجتماعية بين التحديث والتغريب، نموذج علم النفس"، رفيق حبيب، 1995، على هامش "إشكالية المنهج في العلوم الاجتماعية العربية المعاصرة"، د. عبيد العمري، د. عبدالقادر عرابي، ص 123.

[15] في "تهافت التهافت"، انظر: مقدمة "تهافت الفلاسفة"، لأبي حامد الغزالي، ص13. والمقدمة لـ د. جيرار جهامي.

[16]  يندرج مع الغربيين العلمانيون من المسلمين عرباً كانوا أو عجماً، لأنهم تبعٌ لهم وعالةٌ عليهم في ذلك.

[17] "المستصفي في علم الأصول"، أبو حامد الغزالي، ص 80.

[18]  يُنسب هذا القول إلى ديكارت (1641)، ويُسمّى بالكوجينو cogito، وهو مبدأ وضعه ديكارت يثبت به الوجود الحقيقي للإنسان من واقع كونه يفكر أو يدرك وجوده. (انظر:  Cogito in The Oxford English Reference Dictionary, © Oxford University Press 1996)

[19] "دراسة المعنى عند الأصوليين"، د. طاهر سليمان حموده، ص 13.

[20] مثال لذلك: قول رتشارد فاينمان (وهو حاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1965) بإشكالات الكهرومغناطيسية وعدم إمكانية تصوره لها وفهمها حسب ما تتطلبه الصياغة الرياضية. (Feynman Lectures on Physics, vol. II, pp.20-9)

[21]  مثل تأويل المعادلة المُسمّاة بمعادلة "شرودنجر" Schrodinger equation والدالة الممثلة لحل هذه المعادلة والمعروفة بالدالة الموجية wave function، ومثل الظاهرة المؤولة بـ مبدأ هايزنبرج اللاتعيني uncertainty principle، والذي يتحدّى حتمية الظواهرdeterministic point of view  تحت نطاق معين من الأبعاد والسرعات.

[22]  أعاد محمد عابد الجابري الفكر الأخلاقي الإسلامي الخالص إلى ما أسسه عزالدين بن عبد السلام في كتابه "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" إلى المصلحة، واستكمل ابن تيمية تأسيس هذا بكتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية". ولم يرى الجابري غير هذين العالمين من مؤسسين للفكر الأخلاقي الإسلامي الحقيقي على مدى تاريخه بعد أن أرخ لهذا الفكر في كتابه "العقل الأخلاقي العربي" في ما يزيد على 630 صفحة (انظر: الجابري، 2001: 593-618). ويجب أن نلاحظ أن مفهوم النفعية لدى الغربيين يخلو من العدل، أو لا يعرف للعدل مرجعية، في حين أن المصلحة في النظام الإسلامي تقوم على العدل الذي حددته الشريعة تحديداً وافياً، وهنا يفترق مفهوم النفعية الغربي عن مفهوم المصلحة الإسلامي في أيهما على صواب ويحققه، وأيهما على خطأ ويحث على تجنبه. إلا أنهما قد لا يختلفان في الآليات الأولية من حيث المعنى النفعي والمصلحي، غير أن المعادلة عند الغربيين لن تكون متوازنة لغياب العدل منها.

[23]   قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: "كذلك لنُثبت به فؤادك" [ليُثبّت قلوب المؤمنين به]، وقال القرطبي [نُقوّي به قلبك فتعيه وتَحمله]، وقال الزمخشري [أن نُقوّي بتفرقه فؤادك حتى تعيه وتحفظه، لأن المُتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً بعد شيء، وجزءاً عُقيب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لبعل (دهش) به وتعيا بحفظه (أعياه حفظه)]، وقال سيد قطب [جاء هذا القرآن ليربي أمة وينشيء مجتمعاً، ويقيم نظاماً. والتربية تحتاج إلى زمن وإلى تأثر وتفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثر والانفعال إلى واقع. والنفس البشرية لا تتحول تحولاً كاملاً شاملاً بين يوم وليلة بقراءة كتاب كامل شامل للمنهج الجديد. وإنما تتأثر يوم بعد يوم بطرف من هذا المنهج، وتتدرج في مراقيه رويداً رويداً، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئاً فشيئا، فلا تجفل منه كما تجفل لو قدم لها ضخماً ثقيلاً عسيراً. ... ولقد جاء القرآن كاملاً شاملاً للحياة كلها، وجاء بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها. فجاء لذلك منجماً وفق الحاجات الحية للجماعة المسلمة، وهي في طريق نشأتها ونموها، ووفق استعدادها الذي ينمو يوماً بعد يومٍ في ظل المنهج التربوي الإلهي الدقيق. جاء ليكون منهج تربية ومنهاج حياة لا ليكون كتاب ثقافة يقرأ لمجرد الترف العلمي أو لمجرد المعرفة .... من أجل هذا كله نزل القرآن مُفصّلا. يبين أول ما يبين عن منهجه لقلب الرسول r ويُثبته على طريقه، ويتتابع على مراحل الطريق رتلاً بعد رتل، وجزءاً بعد جزء. (بتصرف قليل)].