الذي يكذب بالحسنى هو الذي يُكذَّب من أقصر طريق، بلا رَوِيّة ولا نظر ولا دراسة ولا احتجاج ولا شيء. وهذا المعنى والوصف أخذته من قول الله تعالى "وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى"(الليل:9)
نقول:
في بضع كلمات متفرنجة رمى تعليقا جارحاً، بلا حُجة ولا برهان وقال:
إذا لم يكن هذا Eisegesis فلا يوجد Eisegesis في
الدنيا ، أنت لا تمارس التفسير أنت تمارس الإقحام المعنوي
(وذلك على مقالة: "هكذا جمعت آية (السجدة:5) سرعة
الضوء، وسرعة دوران الأرض، وموعد دخول الفجر على درجة (16.9 ± 0.4)!")
هذا التعليق يقول ما معناه:
[إذا لم يكن هذا هو التفسير بالرأي المذموم،
فليس وراءه ما يستحق أن يسمى تفسير بالرأي المذموم. وصاحبه لا يمارس التفسير على
الحقيقة، بل يمارس الإقحام المعنوي، أي: لي أعناق الآيات]
أقول لصاحب التعليق بعد تهذيب تعليقه
الاستنقاصي pejorative (وتجاهل هذا الاستنقاص لعدم التدني معه):
[أيما مفسر،
إما أنه مقلد أو مجتهد (بحسب نظره إلى نفسه)، والمقلد يقلد معصوم أو مجتهد. وليس
من معصوم من الناس إلا النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد المعصوم فالتقليد لابد حتما
وأن يكون عن مجتهد أسبق من المقلد. فكل ما هو موجود من فهم لـ (يوم كألف سنة – وهو
موضوع الدراسة التي تم التعليق عليها) أو أوائل سورة العاديات، وأمثال ذلك مما لم
يرد فيه حديث نبوي فإنما هو اجتهاد حتى وإن كان من الصحابة رضي الله عنهم.
والمجتهد إما مصيب أو مخطئ، أصاب طريق
الاجتهاد أم شرد عنه. أي أن صاحب التعليق الذي يستنقصنا يقول أن التفسير أعلاه اجتهاد
مخطئ (بتعبير مهذب مفترض).
والحاصل أن كل مجتهد يتأول النص، يبحث في
مستودعه المعرفي عما يحتمل أن يكون هو موضوع النص عبر أمارات النص.
وفي تأويل "إن يوماً عند ربك كألف سنة
مما تعدون" وقف التأويل بالمأثور على أنه الزمن الذي تأخذه الملائكة بالصعود
بأعمال العباد. أو أنه يوم الساعة، أي ساعة اضمحلال العالم الدنيوي.
وليس يوم القيامة، والذي خصصوا له ("تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ
فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ") غير أن من المحققين
من المتأخرين من تجاوز ذلك بتجوال النظر في لغة العرب والخلق الذي أبدعه الله تعالى
فرأى أنه يوم من أيام الدنيا، فقال الطاهر ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير)
أيضا: [إن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون .. معنى تقديره بألف سنة: أنه تحصل فيه
من تصرفات الله في كائنات السماء والأرض ما لو كان من عمل الناس لكان حصول مثله في
ألف سنة، فلك أن تقدر ذلك بكثرة التصرفات، أو بقطع المسافات] وما فعله كاتب هذه
السطور فكان إعمال التفسير بهذا المعنى ووظف حقائق فيزيائية في احتمالات تلك
المسافات التي ذكرها الطاهر بن عاشور في النطاقين الزمنيين اللذان ذكرهما القرآن (يوم
أرضي و1000 سنة أرضية مما نعد من سنين) فكانت نتاج العلاقة بين المسافات والأزمان
ما نعرفه باسم السرعات. وأن النسبة المذكورة تخرج لنا أن تصرفات الله تعالى في
الكون، فيما علمنا من ظواهر طبيعية، تحدث بسرعة الضوء (والتي ينتج عنها في يوم واحد
ما نحتاج نحن إلى 1000 سنة كي ننتجها). فأين الرأي المذموم الذي ذكره صاحب التعليق
في اجتهادنا هذا.
وقد اتبعنا نفس هذا المنهج في كل ما تناولناه
من تفسير علمي؛ أي زيادة نطاق البحث في مظاهر الخلق. وكمثال ثاني، في تأويل "العاديات"
وجدنا أن كل من علي ابن أبي طالب، وابن عباس رضي الله عنهما قد استعرضا ما يعرفان
من ظواهر حولهم، فرأى علي ابن أبي طالب أن مشهد الإبل في الإفاضة من عرفات هو
تأويل العاديات، بينما رأى ابن عباس أن مشهد الخيل في الإغارة على العدو واقتحام
جمعهم هو التأويل. .. ثم رأينا من ظواهر الخلق ما يتحقق فيه صفات العاديات أوفى
تحقق من الإبل في النفرة من عرفات، ومن الخيل في الإغارة. ونقصد ظاهرة الشفق
القطبي، أو الأورورا Aurora. فأين الرأي المذموم فيما فعلنا؟!
إننا نفعل ما أمرنا الله تعالى به في قوله
تعالى " إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
... لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"
فجمعنا بين آيات الله تلك وآيات الله المنزلة .. فرأينا إبداعات الاتفاق والتآزر وانكشاف
المعاني بعد استغلاقها. فهل نُلام على ذلك ويتهمنا من لم يرى ما رأينا بما يؤذينا
بدلا من أن يقدر جهدنا ويمدح فعلنا ويتأسى بنا؟! – بل كان الصمت أولى به، إعمالا
لقول الله تعالى "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ". وما نراه إلا أنه وأمثاله أثموا بما قالوا في ما
وصفونا به وصنفونا فيه. غير أننا نُعمل في أنفسنا قول الله تعالى " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ
بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ".
والآن، نجيبهم بلغتهم، لعلهم يدركون المعاني ويتحرروا من ربقة الوصاية على كتاب الله تعالى. فنصنع مخططا هنا:
أنواع التفسير
(أفقي: بحسب نوع المفسر) – (رأسي: بحسب مصادر أو مرتكزات
التفسير)
ونقول في شرحه:
الصفوف الأربعة الأولى هي المصادر المعتمدة
في استنباط معاني القرآن:
الصف الأول: هو تفسير القرآن بالقرآن، وأسميته: (Autogesis) والمقصود منه أن تتآزر معاني القرآن معاً
في استنباط المعنى. ومرد ذلك أنه لا اختلاف بين آيات القرآن، وأن آياته تتكامل في
تصوير المعنى.
الصف الثاني: هو تفسير القرآن بالحديث، وأسميته: (Intergesis) والمقصود منه أن ما صح من حديث النبي في
معنى آية يُعد مصدر نقلي معصوم يجب أن يتكامل مع القرآن باعتبار انعدام الاختلاف
بين مصادر النقل، وأن الإسلام بمصدريه يحقق تعاضداً وكشفا للمعاني.
الصف الثالث: هو تفسير القرآن بما أظهره الله تعالى من أحداث ووقائع
وكشوف، وأسميته (Phanerogesis)، ويعني (التفسير
المنكشف أو المرئي) والغرض من هذا الضابط أن يكون مصدراً لتفسير النص القرآني
بمعية ما خلق الله من أشياء (أحداث وكشوف) ولابد وأن تتآزر مع ما أنزل الله تعالى
من قرآن إذا قامت على ذلك القرائن.
الصف الرابع: ويمثل ما وراء القرآن والحديث وحوادث الخلق من مصادر،
ولكن ليس هناك من شيئٍ مضمون الصدق يمكن أن يصح كمصدر لتفسير القرآن. فالمتتبع أي
مصدر وراء الثلاثة الأوائل فهو متتبع سرابا أو عماية أو تيهاً لا يفضي إلا إلى
الضلال. سواء كان المصدر الهوى أو من يُخشى مخالفتهم من كهنوت أو مذهب مُختلق.
وأسميت هذا الصنف من مصادر التفسير (Planogesis) ويعني (التفسير التائه أو المتحير أو الضال).
وفي الأعمدة الثلاثة أظهرت أنواع المفسرين:
الأول، واسم تفسيره (Exegesis)، وهو من يعتمد القرآن والسنة فقط (المربعان بالأزرق)، وهو
التفسير بالمأثور، ولا يلتفت أصحابه إلى ما وراء ذلك من أحداث وكشوف أخرجها الله
وكشف حقيقتها، مهما كانت قوة ظهورها، خاصة إذا كان هذا الانكشاف على يد غير المؤمنين.
وكأن هذا ألحقها بهم، ولم تعد خلقا وإبداعاً من إبداعات الله سبحانه.
الثاني: واسم تفسيره (Anagesis) ومعناه العائد إلى الدلالة الحقيقية، أي التأويل، وهو التفسير
الذي يعتمد مع القرآن والسنة ما تكشَّف من حقائق معرفية وحوادث (أي يعتمد ال Phanerogesis) ويظهر في الجدول بـ (المربعات ذوات الخلفية الخضراء).
الثالث: واسمه (Eisegesis) وهو من لا
يكترث أصحابه في تفسيرهم للقرآن بمصدر صادق، ويغلب أن يكون مصدرهم ما يمليه عليه
هواهم، أو دوجمائيتهم، ونوع تفسيره هو ما أسميته (Planogesis) أي التفسير الذي لا أصل له من وحي أو حديث أو كشوف محققة (المربع
الأحمر الذي يمثل أساس التفسير عند أصحابه). وهذا النوع هو ما صَنَّفَنِي فيه صاحب
التعليق الذي صدَّرْت به هذه المقالة. وأرد عليه في هذه المقالة لأظهر جنوحه في
فهم أنواع المفسرين وأنواع التفاسير.
أما النوع الذي أصنف نفسي – ومن يحذو حذوي – فهو (Anagesis) في العمود الأوسط في الجدول أعلاه، أي: المتأول الذي يعتمد القرآن والسنة وما ظهر وتكشَّف من حقائق خلقها الله تعالى، وهذه المصادر هي ما جمعتها كمصادر للتفسير الذي أنتمي إليه، وهو المعتمد للمصادر الثلاث؛ القرآن بالقرآن (Autogesis)، والقرآن بالسنة (Intergesis)، والقرآن بالحوادق والكشوف المحققة (Phanerogesis).
ولا أرى صاحب التعليق الذي أراد الاستنقاص
مني إلا غير داري بما يتكلم عنه!! لذا أخرجت هذه المقالة ونشرتها هنا علَّه يستفيد
فيرعوي، لا أن يُكذّب في بضع كلمات، فيكون كالذي قال الله تعالى فيه " كَذَّبَ بِالْحُسْنَى
". أي كذَّب من أقصر طريق، بلا رَوِيّة ولا
نظر ولا دراسة ولا احتجاج ولا شيء. هداه الله وهدى أمثاله.
ملاحظة:
الاصطلاحات المكتوبة باللون الأحمر هي من اصطلاحاتي ولم أقرأها لأحد من قبلي، وأتحمل مسؤلية صياغتها، وقد وضعتها لإفادة المسلمين والدارسين غير العرب في محاولة لرسم معالم علم موسع للتفسير يجبب عن أسئلة العصر الراهن.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق