الاثنين، 9 ديسمبر 2013

الفصل (أ13) - عباس محمود العقاد - كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه

كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه
الفصل (أ13) عباس محمود العقاد
بقلم: عزالدين كزابر
الأستاذ عباس محمود العقاد
عودة إلى فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
يقول الأستاذ عباس العقاد رحمه الله تعالى [1]،[2]: "تتجدد العلوم الإنسانية مع الزمن على سنة التقدم، فلا تزال بين ناقص يتم، وغامض يتضح، وموزع يتجمع، وخطأ يقترب من الصواب، وتخمين يترقى إلى اليقين، ولا يندر في القواعد العلمية أن تتقوض بعد رسوخ، أو تتزعزع بعد ثبوت، ويستأنف الباحثون تجاربهم فيها بعد أن حسبوها من الحقائق المفروغ منها عدة قرون. فلا يُطلب من كتب العقيدة أن تُطابق مسائل العلم كلما ظهرت مسألة منها لجيل من أجيال البشر، ولا يُطلب من معتقديها أن يستخرجوا من كتبهم تفصيلات تلك العلوم، كما تُعرض عليهم في معامل التجربة والدراسة، لأن هذه التفصيلات تتوقف على محاولات الإنسان وجهوده، كما تتوقف على حاجاته وأحواله وزمانه."
نقول: نعم تتجدد العلوم الإنسانية، (ويقصد العقاد هنا بالإنسانية أي التي هي صنيعة الإنسان – من غير العلوم الدينية- بما يشمل كل انواع العلوم التي يصيغها الإنسان ويبتكر موضوعاتها، ولا يقصد تلك العلوم التي موضوعها الإنسان فقط – أي الإنسانيات والاجتماعيات - في مقابل العلوم الطبيعية، التي موضوعها العالم الطبيعي). نقول: نعم إنها تتجدد بكل أنواعها لما ذكر من أسباب، ولكنها لا تتجدد وحدها، بل تتجدد أيضاً العلوم الدينية التي تمثل فهم الإنسان لكتاب الله تعالى وما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من آثار. فالآية في كتاب الله تعالى ليست فريدة المعنى في ذهن العالم الناظر فيها، وإن اتفق أهل العلم على جملة المحكم من آيات الله تعالى ومعانيها، ومن ثم فعلم التفسير علم متحرك وبنفس دوافع حركة العلوم الأخرى من طبيعيات وغيرها؛ من غامض يتضح، ومرجوح يتأخر، وراجح يتقدم، وتخمين يترقى أو يسقط، وحدس موهوم يُستبعد. ورغم أن كثيراً من المعاهد العلمية في العلوم الإسلامية تنتهج النمط التراثي المأثور، وبدرجة من تقديس الماضي بما لا يمكن تمييزه كثيراً عن تقديس الإلهي منه، إلا أنه لا يخلو من جديد من الأنواع التي ذكرنا.
وجدير بنا أن نؤكد أن الإنسان هو المدون لعلومه، سواءً منها ما كان إلهي المرجعية المباشرة كلاماً؛ وهذه هي العلوم الدينية، أو ما كانت مرجعيته خلق لله سبحانه؛ وهذه هي العلوم الطبيعية. وبحكم إنسانية العلوم، أي أنها صنيعة الإنسان، فلا بد أن تشمل الخطأ كما تشمل الصواب. ومن هذا المنظور، تعتبر كتب التفسير – بل والعقيدة أيضاً - التي ألَّفها بشر، صنيعة بشرية لما فهمه أصحابها من الكلام الإلهي والكلام النبوي، وبمنطق شبيه بكتب العلوم الطبيعية إنسانية الصياغة، ولا يوجد نوع آخر، وتمثل الأخيرة خلاصة أفهام الذين كتبوها ومَن وراءَهم، لِما صنعه الخالق جل وعلا. فالأولون يتفهمون كلامه، والآخرون يتفهمون صنعته. وإذا كان الأمر كذلك، فأي فضيلة تعصم الأولون وتميزهم، وتُقصي الآخرون وتُرجئهم. وأي مصداقية تلك التي تدعو للفصل المتعسف إذا اتفقت موضوعات الكلام الإلهي مع الصنعة الإلهية؟! فيكون الفعل الأول منها ديناً لا يُمس، والآخر علماً بشرياً لا عصمة له ولا ديّة.
أما قول العقاد: "لا يُطلب من كتب العقيدة أن تُطابق مسائل العلم .." فلا نسلم له! ويقصد العقاد من كتب العقيدة القرآن والسنة؛ يريد بذلك قصرها على العقيدة لا غير، فيكافئ بين الدين والعقيدة، ومن ثم يصادر ويقطع الطريق على التأويل، وينفي ضِمناً ظنيات الدلالة. وسبب عدم تسليمنا لكلامه أن القرآن كتاب الله تعالى وفيه ما يجب أن يعتقده المسلم في ذات الله تعالى وصفاته، وما أُحكم منه من آيات؛ ثبوتاً ودلالة. ولكن، فيه أيضا آياته المتشابهات، والتي هي كلام الله تعالى محكم الثبوت ظني الدلالة. وهذا النوع الأخير يجوز فيه التدبر والنظر والتفسير والتأويل بما يتيسر للإنسان من آليات الفهم، وإنزال الآيات مواقعها التي يُظهرها الله للناس، من حيث الخلق وحدوثه وسننه والاعتبار بقدرة الله تعالى فيه إجمالاً وتفصيلاً، وعلى النحو الذي يقدره الله تعالى ويُفهَم من كلامه سبحانه، وليس بمصادرتنا عليه بما ينبغي أن يكون فيه وما لا ينبغي. وفي هذا المعنى الأخير، لا يُقال أن الباحث فيها يطلب من كتاب العقيدة فهم الآيات الكونية، فيكون تناقضاً بين العقيديات والكونيات بما يُرهب السامع والقارئ. ولا يكون هذا التعبير عندئذٍ إلا صَدّاً تعسفياً يُلبس المسألة، وهو تعبير لا يُرهب ويحجب إلا ضعاف الحجة والفهم عن ما يريد صاحب العبارة إقصاءه من تفسيرات علمية محتملة لآيات القرآن. لذلك نعتبرها مغالطة عقلية، ومن ثم حُجة مردودة. وإذا قبلنا جدلاً عدم طلب فهم تلك الآيات إذا كان موضوعها مسائل العلم – الطبيعي أو الوجودي أو الواقعي – فأي معنى يتبقى لأمر الله تعالى لنا بتدبر آياته؟!
يتابع العقاد فيقول: "قد أخطأ أناس في العصور الأخيرة لأنهم أنكروا القول بدوران الأرض واستدارتها، إعتماداً على ما فهموه من ألفاظ بعض الآيات. وجاء أناس بعدهم فأخطؤوا مثل خطئهم حين فسروا السموات السبع بالسيارات السبع في المنظومة الشمسية، ثم ظهر أنها عشر لا سبع، وأن الأرضين السبع إذا صح تفسيرهم لا تزال في حاجة إلى التفسير.
ولا يقل عن هؤلاء في الخطأ أولئك الذين زعموا أن مذهب التطور والارتقاء ثابت في بعض آيات القرآن كقوله تعالى "وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ"(البقرة: 251)، أو قوله تعالى "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ"(الرعد: 17). لأن الآيتين تنازع البقاء، وبقاء الأصلح، ولكن مذهب التطور والارتقاء لا يزال بعد ذلك عرضة لكثير من الشكوك والتصحيحات، بل عرضة لسنة التطور والارتقاء التي تنتقل به من تفسير لتفسير ..
خليق بأمثال هؤلاء المتعسفين أن يُحسبوا من الصديق الجاهل، لأنهم يُسيئون من حيث يُقدِّرون الإعجاز .. ويحملون على عقيدة إسلامية وزر أنفسهم، وهم لا يشعرون .."
نستغرب في هذه الفقرة، مما جاء به العقاد، من مثال من أنكروا القول بدوران الأرض واستدارتها على ما فهموه من ألفاظ بعض الآيات. إذ أن هذا المثال عيْنُهُ حُجَّة على دعوى العقاد برد النظر العلمي – بالمعنى الحديث – عن كتاب الله تعالى. وهل بغير النظر العلمي التحليلي الرصين يمكن تصحيح مثل هذا الخطأ؟! فهذا المثال أدعى أن يكون حجة على ذات دعوى العقاد، فكيف به يورده في سياق الاستشهاد لدعوته!!! .. أللهم إلا إذا كان يريد أن يجرِّد – أو ربما يُطهِّر – كتب التفسير بالمأثور من الخوض في أي متعلق كوني أو طبيعي على نحوٍ إجمالي. ورغم أن هذا الاحتمال ضعيف، لأن سياق كلام العقاد ودوافع حجته مغايرة لهذا المنحى. إلا أنه لو أراد ذلك، لواجهته صعوبة كبرى واعتراضات جمة، نظرية وعملية، لِما تُمثله الآيات الكونية والطبيعية من زخم كبير ينتشر ويتشعب بكثرة في كتاب الله تعالى! وكتب المفسرين على مر العصور، وهذا مدعاة إلى تعطيل فهم هذه الآيات، في وقت دعانا الله سبحانه إلى التدبر والتفكر في كل آيات القرآن. لذلك نعتبر هذا المثال من العقاد يؤيد اعتراضنا عليه، وفي وقت لا يؤيد حجته على الإطلاق! .. وأخيراً، يقود هذا المثال الإنكاري لدوران الأرض ممن قال به، إلى ضرورة تنمية الوعي العلمي للناظرين في كتاب الله تعالى. ولو انتبه القارئ، لأدرك على الفور أن ذلك يعني التثقيف العلمي لمفسر كتاب الله تعالى. ولكن! هل تختلف هذه النتيجة – أي التثقيف العلمي للمشتغلين بالتفسير- عن التفسير العلمي للقرآن الكريم في شيء؟! ... لا ... لا تختلف، .. بل هي هي!!! .. أي أن التباس المعاني عند العقاد هنا قد كشف – عن لا قصد منه- ضرورة التفسير العلمي، وأنه لا غِنى عنه لمحو أخطاء التفسيرات التي نبعت من تصورات ثقافية قديمة من لدن المفسرين، ولم يكن لها من أصل حقيقي في عيون النصوص الدينية.
ثم تأتي الأمثلة التي أوردها العقاد، مثل تفسير السموات السبع بالسيارات السبع (يقصد الكواكب)، وانكشاف خطأ أصحابها، وتأييد مذهب التطور والارتقاء وتنازع البقاء بشيء من معاني آيات الوحي، في وقت ما زالت النظرية ذاتها تترنح على بساط البحث العلمي. وتدفع هذه الأمثلة العقاد إلى تقييم أصحابها بالتعسف، وجهالة الصديق، والإساءة، والغفلة عما يتكلمون، ثم يُحمّلهم تبعات ذلك من أوزار.
ورغم دعمنا لهجوم العقاد على هذه الأمثلة، إلا أن هجومنا يرتكز على ضرورة ضبط هذا النشاط الفكري العلمي للمفسرين، اتقاءاً من تكرار هذه الأمثلة، أو العبرة بها في تهذيب المنهج التنظيري في التفسير. وهذا يختلف عن هجوم العقاد، والذي يرتكز على ضرورة إنهاء هذا النشاط الفكري، والمنحى التفسيري، وإغلاق ملفه نهائياً. ونرى أن هذه الدعوى غير قابلة للتنفيذ لسبب رئيسي، وهو أن غمرة الفكر العلمي المعاصر لا تترك العقل المسلم في فراغ حين يقرأ القرآن ويصادف موضوعات يفهمها من تخصصه الدراسي. فلا يسعه ذلك إلا المقابلة بين الأقوال والأفهام. وأي إغلاق لهذا الملف يصادم الحرية الفطرية للفكر ، ويحجر على العقل تحليقه في رحاب الفهم، وهي نعمة وهبها الله تعالى له. وتتأيد هذه النتيجة بالانتاج الغزير للفكر الإعجازي عامة والعلمي خاصة في العقود الثلاثة الأخيرة. ولو علم العقاد حجم العبث الذي امتلأت به المكتبة الإعجازية العلمية لتأذى منها أشد الأذى، ولعلم أنه لا علاج لهذا الإشكال إلا بضبط هذا النشاط لا بإعدامه، وتوجيهه لا تسخيفه.
ويتابع العقاد ويقول: "كلا .. لا حاجة بالقرآن الكريم إلى مثل هذا الادعاء، لأنه كتاب عقيدة يُخاطب الضمير، وخير ما يُطلب من كتاب العقيدة في مجال العلم أن يحث على التفكير، ولا يتضمن حكماً من الأحكام يشل حركة العقل في تفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم، ما استطاع حيثما استطاع .. وكل هذا مكفول للمسلم في كتابه، كما لم يُكفل قط في كتاب من كتب الأديان .. فهو يجعل التفكير السليم، والنظر الصحيح إلى آيات خلقه وسيلة من وسائل الإيمان بالله. ... فالقرآن الكريم يطابق العلم، أو يوافق العلوم الطبيعية بهذا المعنى الذي تستقيم به العقيدة، ولا تتعرض للنقائض والأظانين، كلما تبدلت القواعد العلمية، أو تتابعت الكشوف بجديد ينقض القديم، أو يبطل التخمين .."
هنا يؤكد العقاد على حث كتاب الله تعالى - وسماه "كتاب العقيدة" لتحصينه، بظنِّه من التفسير العلمي خاصة – على التفكير، وحرية حركته، وطلاقة استزادته من العلم، وبكل قدراته، ولكنه يشترط شرطاً يهدم كل هذا التأجيج العلمي، فيُضَمِّن كلامه ألا يكون ذلك في مقابلة مع آيات القرآن في تفصيل المسائل! أو كما قال: " لا حاجة بالقرآن الكريم إلى مثل هذا الادعاء"، وهي ادعاءات تفصيلية على ما هو معلوم! .... ونتساءل: أي حرج يقع فيه المخاطبون بهذا الكلام إن هم أطلقوا للفكر والبحث العلمي عنانه - وهو ما نفهمه من معنى التدبُّر - إذا كان في كتاب الله تعالى؟! ... بل أي حُجة يحتَجُّ بها العقاد في اشتراطه أن يكون ذلك فقط في غير كتاب الله؟! ... وأي هُدى يستهدون به الطبيعة المجردة – المجردة عن كلام الخالق سبحانه- من خلال أحاديثها الجافة، في وقت تلين فيه كلمات الله وترتسم معانيها للسامعين، وتحتضنهم بمعارج للفهم عليها يتصاعدون!
نقول أن للأفكار أرواحاً حرة طليقة، تقودها فتحلق، ثم تهديها بهدى الله تعالى، فلا تحط رحالها إلا حيث تبزغ أنوار الفهم، فتأسرها الحجج باليقين، وتكتنفها البراهين بغمرة الرياحين، وتقف عليها الأدلة حراساً مواقف المرشدين، وتُفَتَّح لها الأبواب إن أرادت، وتحتفي بها إلى حين! ... فمَن بعد ذلك الذي يخرج من جنان الفهم، والحكمة فيها أفانين ... ومَن إذاً ذلك الذي يدعو أصحاب البصائر أن تقصر حركتها وطوفانها على سماء دون سماوات الفهم العالين، ... وما حرّم الله من تنزلات أعطاف علمه من شيء، فقال تعالى "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا"(العنكبوت:69)؟! بل من ذا الذي يضع أقفالاً على فهم آيات الله الـمُرتَّلات، ... أو على قلوب عباده المنتبهات الواعيات؟! ... والله تعالى يقول: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا"(محمد:24)
ويبدو لنا من كلام العقاد في هذه الفقرة  أن مدارها "العقيدة"، من حيث أن القرآن الكريم هو الناطق المتفرد بها، ومن ثم، التوجس من المساس بها، وخاصة إذا تعرَّض الكتاب العزيز للنقائض والأظانين، بتبدل القواعد العلمية، بجديد ينقض القديم، أو يبطل التخمين. غير أن نظرةً هكذا حالها، لا هي مُحيطة، ولا مُستَبْطنة لأسرار الكتاب العزيز. وإذا رأى العقاد أن "القرآن الكريم يطابق العلم، أو يوافق العلوم الطبيعية بهذا المعنى الذي تستقيم به العقيدة"، فكأنه يرى التفسير العلمي – المتقلب - يهدد العقيدة في الله تعالى أو في كلامه الحكيم! وهذا أبعد ما يكون عن فهم الآيات بتوظيف المعارف - ولا نقول العلوم - الجديدة، التي كانت أسراراً انكشفت، وكنوزاً اكتُشفت، وأنواراً انبثقت! فما الحرج من استفهام العلماء لمعاني آياتٍ، ظلت مشتبهات؟! وما الحرج من تأليف مبانٍ في الفكر جاءت أسماءاً، لما كان من عند الله تعالى من المخلوقات، وجاءت نسماتها من كلمات لله سبحانه حروفاً منطوقات؟! – وإن كان من لوم ومعاتبة، فلمن قطع رحم العلم بين ما خلق الله، وما أنزل من آيات حكيمات! وما ذلك إلا تفسير الآيات المنزلات بما هو آيات لله؛ بالحياة نابضات. وإن كان هناك من مؤاخذة، فإنما هي لمن يمنع آدم عمَّ خُلق له، وقد خلقه الله تعالى ليُسمي الأشياء، التي هي مما طبع الله عليه السنن وخلَق، وألهم وأنزل، مفهوماً كان أو منطوقا. وإن كانت هذه مزية آدم التي لها خلق، فمن كرهها، أو نكص عنها، أو استثقلها، أو ابتغى السلامة في سواها، فعليه ما حُمِّل، وعلينا ما حُمِّلنا.
يتابع العقاد كلامه ويقول: "فضيلة الإسلام الكبرى أن يفتح للمسلمين أبواب المعرفة، ويحثهم على وُلوجها والتقدم فيها، وقبول كل مستحدث من العلوم على تقدم الزمن، وتجدد أدوات الكشف ووسائل التعليم. وليست فضيلته الكبرى أن يُقعدهم عن الطلب، وينهاهم عن التوسع في البحث والنظر، لأنهم يعتقدون أنهم حاصلون على جميع العلوم .."
نقول: ما أبعدها من تهمة عن الغافلين عنها، وهم منها بُرَءاء. وما أغربها من حجة تلك التي تتهم تَدَبُّر كلام الله تعالى، بمعية ما خرج من أكمام كشوف باهرات، لولا الله ما خرجت، وبصائر في خلقه تعالى، ومبثوث سننه البديعات؟!
قد يشير العقاد إلى قومٍ افترشوا الأَسِرَّة، يذكرون أيام النصر الخوالي، وأمجاد الأجداد، وغبار الغزوات، وآيات الانتصارات وأشعار البطولات؛ يتغنى منهم الحاد، وأعداؤهم يرمقونهم، ويخطفون أبناءهم ويغيرون على حرماتهم، وهم في سكرهم شاردون! فأين هؤلاء من آخرين، يتلون آيات ربهم في محاريبه، وبين طيات كتبهم وممرات معاملهم، يتدبرونها، وينزلونها منازلها، ويعدون منها عدة بث الروح في قلوبهم، والنور في بصائرهم، والقوة في آلات رميهم. فإن قيل: أين هذا من ذاك؟ نقول إن مثاله في قول الله تعالى "فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً"(محمد:4)، ومثاله في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة - ألا أن القوة الرمي قالها ثلاثا"[3]، وقول الله تعالى "وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ"(الأنفال:59)، وأمْر الله تعالى لمن آمن بنبيه وكتابه إلى يوم الدين: "الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ"(الأنفال:66). فكل مفكر وباحث ومنافح عن كلمة الله تعالى مقياسه الأدنى ضعف مثيله من الذين كفروا. هذا بخلاف فهم خلق الله وسننه فهماً قيّما، حقاً لا تشويش فيه، ديناً وعلماً راقيا، كما في قوله تعالى: "وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا"، وقوله سبحانه: "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ"، وقوله جل شأنه: "وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ"، وأمثال ذلك: "وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ"، و"تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ"، "وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا"، "وَالصَّافَّاتِ"، "وَالْمُرْسَلَاتِ". فهذه الآيات وأمثالها، لا يفقهها ويتيه به علماً، ويغالب بها نظريات الذين كفروا، في وصف صنع الله واكتناه أسراره، إلا العالـِمون!.. وما أرفع معانيها وأعلاها عما ظنه به العُبَّاد من المفسرين، وما ارتوى منها المرتوون، وما أبعد الشُقَّة بين من يفهمها ويتعجب من غور معناها، ومن يتلوها وهو لا يفقه لها معنى، ولا بما يتعبد الله به من آيات خلقه! – ولئن أخطأ عالمٌ في مراد الله منها، فلا بد وأن يصيبه - إن اجتهد ونقَّب وعقَّب - الخير الكثير، أم يظن من آمن السلامة في العبادة، أن الاجتهاد قريبٌ كشرب الماء، وأن التدبر  يسيرٌ كرعي الغنمات في البيداء؟!
وغنيٌ عن البيان أن الشواهد التي سقناها من آيات الله وحديث رسوله ليست من صميم العقيدة كما اصطلح علماء أصول الدين، وإن أتت في كتاب عقيدة المسلمين، كما قال العقاد. وغني عن البيان أيضاً أنه ليس كل فهمٍ علميٍ لآية من آيات الله تعالى إعجازٌ علمي، قد بانت علاماته، مثلما أن الجنين في بطن أمه ليس إنساناً قبل ميلاده. وماذا نفعل مع المتعجلين!.. مثبتين كانوا أو منكرين!.. وصدق الحكيم الخبير إذ قال "خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ"(الأنبياء:37)، .. يُصرحِّ بالإعجاز؛ قبل أوانه، ويتعجل نصراً، لا بأسٌ فيه، ولا حلٌّ لِآجَالِه، ويُشْرِع في إنكار إعجاز وحي الله؛ في خبرٍ وعلمِ، قبل احتوائه!!!
المؤلف




[1] عباس محمود العقاد (1889-1964) أديب ومفكر وشاعر وكاتب، لم ينل من التعليم غير الشهادة الابتدائية، لكنه كان مولعا بالقراءة في مختلف المجالات. استقال من العمل الوظيفي سريعاً ليتفرغ للتعليم الذاتي والتأليف. له تسعة دواوين، وما يزيد على مئة كتاب، بخلاف آلاف المقالات. وكان له معارك فكرية مع زكي مبارك ومصطفى صادق الرافعي والدكتورة عائشة عبد الرحمن ومصطفى جواد من العراق.
[2] كتاب الفلسفة القرآنية، موسوعة عباس محمود العقاد الإسلامية، ، ص 25-28.
[3] صحيح مسلم.

هناك تعليق واحد:

  1. المقال ممتاز ويدل على اننا تأخرنا عن زمن العقاد

    ردحذف