الخميس، 23 أبريل 2015

تحريم الشعراوي للبحث العلمي في خلق السموات والأرض والإنسان، وتجلية المسألة

الفصل (أ3): محمد متولي الشعراوي - الجزء الثاني
من كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه
بقلم: عزالدين كزابر


فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي يرحمه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
أعددنا هذه الدراسة للرد على ما قاله الشيخ محمد متولي الشعراوي – غفر الله له – في كلامه الطويل الذي أراد به قطع الطريق على أي بحث علمي – اجتهاد - في خلق السموات والأرض أو خلق الإنسان، ومثال لذلك قوله: [حكم الله في قضية الخلق، سواء أكان الأمر بالنسبة للسموات والأرض وما بينهما أم للإِنسان، وقد حكم سبحانه في هاتين القضيتين، ولا مصدر لعلم الأمر فيهما إلا من الله سبحانه، وأغلق باب الاجتهاد فيها، ...، وسمى القائمين بكل بحث بشري في هذا المجال بأنهم ضالون مضللون] – وذلك في تفسيره لقول الله تعالى "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ "(الأعراف:11)
مقدمـــة
هناك من بني آدم من التزم بحق من أوجده – الخالق سبحانه وتعالى - بالإقرار (الشهادة) له على علم، والتزم بالعلم بأمره وبخلقه على إقرار، وليس هذا إلا لمن يستحق وحده هذا الإقرار. ولزم عن هذا الإقرار وجوب الامتثال، وهو ما عرف باسم "العبادة"؛ ولأن الخالق سبحانه واحدٌ أحد - ولو كان أكثر لتنازعوا، ولو كان أقل لما كان هناك وجود - تبلور معنى "التوحيد". ومن توابع الإقرار (الشهادة) والتوحيد، والامتثال، أن يأتي العمل الذي ميز الله تعالى به الإنسان عن غيره، ولم يكن ذلك إلا توظّيف ما أتاه الله من عِلم تعلُّم الأسماء، وتسمية كل شيء، فنظر في السموات الأرض و(كل) ما خلق الله تعالى من شيء. فإن فعل ابن آدم (المقر، والموحد، والعابد) ذلك، استكمل واجباته، واستحق البراءة ممن ذمهم الله تعالى حين قال، جل في علاه: "وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ"(يوسف:105)، ثم كان من الذين وَجِلُوا حين سمعوا قول الله تعالى "أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ"(النحل:48)، فانبعث وأمثاله يعرفون الله بما خلق جنباً إلى جنب مع ما أنزل من وحي، فسعوا يتدبرون أمر الخلق ليقفوا على قدرة الله وحكمته البالغة فيما خلق، وبدائع آياته في خلقه، ثم ازدانوا فكان من الذين مدحكم الله تعالى بقوله "الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ"(الزمر:18)، فجمعوا بين الإيمان بآيات الله المتلوة، والعلم بآياته المنظورة، على أحسن ما يكون القول والنظر العملي والفهم، فحققوا قوله سبحانه "وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا"(الفرقان:33)، وذلك في الرد على أمثال الجاحدين من الناس، ومطاعنهم في خلق الله تعالى ودينه؛ لا تقليداً لأصحاب القول – على قدر ما يعلمون- بلا فعل، ولا أصحاب النظريات بما فيها من أقوال موهومات غير مُحقِّقات.
ثم نظروا في كتاب الله تعالى فسمعوا الله تعالى يأمرهم "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"(العنكبوت:20)، فعلموا أن السائر الناظر سيعلم حقاً كيف بدأ الله خلق الخلق، فكان العلم بكيفية بدء الخلق باستقصاء أسبابه من المأمور به؛ لأنه لا معنى لمن يُصدِّق بكتاب الله تعالى أن يفهم خلاف ذلك، ولا أن يفهم أن الأمر للاعتبار والتصديق القلبي وحده، دون العملي المصدق للقلبي، إلا أن يكون من أصحاب الأعذار بالقعود. ثم أن "المرور" في قوله تعالى "وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا .." كالسير في قوله تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا .." إلا أن المرور يصح في السموات مثلما يصح في الأرض، بخلاف السير الذي لا يقع إلا في الأرض، ولهذا كان قول الله تعالى "وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ" تبكيت لمن يمر على آيات الله في السماء والأرض إعراضاً عنها، بما هو أشد من الغفلة عن آياتها لأن في الإعراض تجاهُل متعمد، ويتبع ذلك ضرورة الوقوف على أسماء ما فيها، من أعيان وأحوال وأسباب، ودلالاتها على الحكمة والخلق. فإذا كان هذا شأن الـمُعرض وتبكيت الله له، فكيف يكون شأن الصادّ؟! .. وكما أن السير في الأرض والنظر الكيفي في خلقها، وما فيها من آيات، سبب ضروري لمعرفة كيف بدأ الخلق فيها، فكذلك المرور على آيات الله في السماء سبب لمعرفة كيف نشأت السماوات، وكيف تخلَّق ما فيها واستقام أمرها. ويُصدّق ذلك قول الله تعالى "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ"(الملك:3-4). ولنلاحظ أن المرور على آيات السماء وإبصار آياتها وإرجاع البصر مرة بعد مرة، جاء على تفصيل السماء إلى سموات، فكأن المار والناظر فيها، يميز آيات كل سماء عن غيرها، وهذا ما لم يعلم عنه الناس شيئاً حتى الآن، بل وربما يُبصر هذه من تلك، بما ييسره الله له إن سلك سبيل العلم به! ونسأل: هل يمكن ذلك دون مزيد من العلم ناتج عن هذا المرور المصحوب بالنظر الكيفي الدراسي؟!
فإن كان ذلك كذلك، فكيف نقرأ لمن يفسر قول الله تعالى "مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ .."(الكهف:51) فيستنكر منها بالضرورة عدم الخلوص إلى أي إفادات عن آلية الخلق، وأسراره؟! .. بل ويرمي من يفعل ذلك – رغم أنه مأمور به من الله - بأنه ضال مُضل، يتكلم فيما لم يخبر الله تعالى به عن خلقه، بنصوص صريحات!!!
___
نعم؛ هناك من ألقى هذه الاتهامات صريحات، متكررات، مُؤكَّدَات، مسموعات ومطبوعات!!! .. إنه شيخنا محمد متولي الشعراوي – رحمه الله تعالى – الذي نحبه ونُجله، كنا وما زلنا، وطالما تتلمذنا على مطالعة دروسه، غير أن لكل جواد كبوة! – غفر الله تعالى له - ... وهذه هي أقواله:
1- قال الشيخ الشعرواي في تفسيره لآية (الأعراف:11): [هذه المسألة (الخلق والإيجاد) لا يمكن أن نأتي فيها بمقدمات موجودة لتدلنا على كيفية خلقنا ولا لأي شيء ومُهمِّة خلقنا! فكيفية الخلق كانت أمراً غيبيًّا وليس أمامنا ما نستقرئه لنصل إلى ذلك. وقد حكم الله في قضية الخلق، سواء أكان الأمر بالنسبة للسموات والأرض وما بينهما أم للإِنسان، وقد حكم سبحانه في هاتين القضيتين ، ولا مصدر لعلم الأمر فيهما إلا من الله سبحانه، وأغلق باب الاجتهاد فيها، وكذلك باب التخمين، وسمّى القائمين بكل بحث بشري في هذا المجال بأنهم ضالون مضللون، ولذلك قال ليحكم هذه القضية ويحسمها، ويريح العقول من أن تبحث فيها؛ قال : "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف:51)]
___
2- وقال أيضاً رحمه الله تعالى (في تفسيره لآية البقرة:29): [ما يأتينا عن غير الله سبحانه وتعالى (يقصد من غير كلام الله تعالى) فهو ضلال وزيف. ونحن الآن نجد بحوثا كثيرة عن كيفية السموات والأرض وخلق الإنسان. وكلها لن تصل إلى حقيقة. بل ستظل نظريات بلا دليل. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى "وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً" أي أن هناك من سيأتي ويضل. ويقول هكذا تم خلق السموات والأرض، وهكذا خلق الإنسان. هؤلاء المضلون الذين جاءوا بأشياء هي من علم الله وحده. جاءوا تثبيتا لمنهج الإيمان. فلو لم يأت هؤلاء المضلون، ولو لم يقولوا خلقت الأرض بطريقة كذا والسماء بطريقة كذا . لقلنا أن الله تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز أن هناك من سيأتي ويضل في خلق الكون وخلق الإنسان ولكن كونهم أتوا . فهذا دليل على صدق القرآن الذي أنبأنا بمجيئهم قبل أن يأتوا بقرون .
والاستفادة من الشيء لا تقتضي معرفة أسراره . . فنحن مثلا نستخدم الكهرباء مع أننا لا نعرف ما هي؟ وكذلك نعيش على الأرض ونستفيد بكل ظواهرها وكل ما سخره الله لنا. وعدم علمنا بسر الخلق والإيجاد لا يحرمنا هذه الفائدة. فهو علم لا ينفع وجهل لا يضر.]
___
3- وقال أيضاً في تفسيره لآية البقرة: 164): [فيجب أن نحذر هؤلاء المضللين الذين يحاولون إضلالنا بقضايا ليست حقيقية، فالحق قد علم أزلا بأنه سيوجد قوم يقولون: إن السماء والأرض خلقتا بطريقة كذا، والإنسان خلق بأسلوب كذا، وعندما نسمع هؤلاء نقول: هؤلاء هم المضللون، وقد نبهنا الله أزلا إليهم. إذن ، فوجود المضللين هو عين الدليل على صدق الله، هؤلاء الذين قالوا: الأرض كانت جزءا من الشمس وانفصلت عنها، ... ، لأنه لو لم يوجد مضللون لقلنا: أين يا رب ما قلت عنهم إنهم مضللون؟]
___
4- وقال رحمه الله (في تفسير آية النساء:1): [كأن الله أعطانا مناعة في الأقوال الزائفة التي يمكن أن تنشأ من هذا عندما قال "وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُدا" فقد أوضح لنا طبيعة من يضللون في أصل الخلق وفي كيفية الخلق، فهم لم يكونوا مع الله ليعاونوه ساعة الخلق حتى يخبروا البشر بكيفية الخلق. فإن أردتم أن تعرفوا فاعلموا أنه سبحانه الذي يقول كيف خلقتم وعلى أي صورة كنتم، ولكن من يقول كذا وكذا، هم المضللون، و"المضللون" هم الذين يلفتونكم عن الحق إلى الباطل.]
___
5- وقال (في تفسير آية الأنعام: 1): [لقد أوجد سبحانه السموات والأرض من عدم وليس لأحد أن يجترئ ليقول الله: كيف خلقت السموات والأرض؟ لأنه سبحانه يقول .. "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض ... " وأوجد سبحانه السموات والأرض من عدم، فالسماء والأرض ظرف للكون وتم خلقهما قبل الإنسان وقبل سائر الخلق، ولم يشهد خلقهم أحد من الخلق، فلا يصح أن يسأل أحد عن كيفية الخلق، بل عليه أن يأخذ خبر الخلق من خالقهما وهو الله. وقد أتى بعض الناس وقالوا: إن الإرض انفصلت عن الشمس ثم بردت، وهذا مجرد ظنون لا تثبت؛ لأن أحداً منهم لم ير خلق السموات والأرض. وهؤلاء هم أهل الظنون الذين يدخلون في قوله تعالى "وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً "(الكهف:51).]
___
6- وقال ( في تفسير آية الأعراف:11): [حين يبحث (العقل البشري) في (مسألة الخلق والإِيجاد) ليعلم مهمته في الوجود، يجب عليه أن يترك كل تخمين وظن؛ لأن هذه المسألة لا يمكن أن تأتي فيها بمقدمات موجودة لتدلنا على كيفية خلقنا ولا لأي شيء ومهمة خلقنا! فكيفية الخلق كانت أمراً غيبيًّا وليس أمامنا ما نستقرئه لنصل إلى ذلك. ... فكأنّ الذي يقول: كيف خلقت السموات والأرض وكيف خلق الإِنسان هو مضل؛ لأن الله لم يشهده ، ولم يكن القائل عضداً لله ولا سنداً ولا شريكا له .]
___
7- وقال في تفسير آية يونس:12): [ولأن الحق لم يُشْهدْ أحداً على كيفية خَلْق السماء والأرض وخلق الإنسان، فنحن لا نأخذ معلومات عن كيفية الخلق بعيداً عن القرآن؛ لذلك لا نصدق الافتراضات القائلة بأن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها ثم انخفضت درجة حرارتها؛ فكل هذه افتراضات لم تثبت صحتها، والحق سبحانه قد قال: "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ . . ."(الكهف:51). وهذا القول يدل على أن العقل البشري لا يمكن أن يصل إلى معرفة كيفية خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وهو معزول عن منهج السماء. فإن حُدِّثْتُمْ كيف خُلقتم بصورة تختلف عما جاء في القرآن فقولوا: كذبتم. ... والمضلون: هم الذين يقولون لكم افتراضات غير صحيحة عن .. أن الأرض كانت قطعة من الشمس وانفصلت عنها؛ كل هذه افتراضات قالها من سمّاهم الحقُّ سبحانه: "المُضِلّين".]
___
8- وقال (في تفسيره آية الرعد:2 ): [خَلْق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، فالسماوات والأرض تشمل الكون كله. وحين تُحدَّث عنها إياك أن تخلط فيها بوهمك؛ أو بتخمينك؛ لأن هذه مسألة لا تُدرك في المعامل، ولا تستطيع أن تُجرِي تحليلات لمعرفة كيفية خَلْق السماوات والأرض. ولذلك عليك أنْ تكتفي بمعرفة ما يطلبه منك مَنْ خلقها؛ وماذا قال عنها، وتذكر قول الحق سبحانه "وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . . . "(الإسراء : 36).
وقد حجز الحق سبحانه عن العقول المتطفلة أمرين؛ فلا داعي أن تُرهِق نفسك فيهما: الأمر الأول: هو كيفية خَلْق الإنسان؛ .. تلك مسألة لا تخصُّك، فلا تتدخل فيها بافتراضات تؤدي بك إلى الضلال. والأمر الثاني: هو مسألة خَلْق السماوات والأرض فتقول: إن الأرض كانت جزءاً من الشمس، ومثل هذا الكلام لا يستند إلى وقائع. وتذكر قول الحق سبحانه: "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ . . . "(الكهف : 51).
ولو كان الحق سبحانه قد أراد أن تعلم شيئاً عن تفاصيل هذين الأمرين لأشهد خلقهما لبعض من البشر، لكنه سبحانه نفى هذا الإشهاد؛ لذلك ستظل هذه المسألة لُغْزاً للأبد؛ ولن تَحُلًّ أنت هذا اللُّغْز أبداً؛ بل يحلُّه لك البلاغ عن الحقِّ الذي خلق.
ويدل الإعجاز البياني في القرآن على أن بعضاً مِمَّنْ يملكون الطموح العقلي أرادوا أن يأخذوا من القرآن أدلة على صِحَّة تلك النظريات التي افترضها بعض من العلماء عن خَلْق الإنسان وخَلْق الأرض، فيبلغنا الحق سبحانه مقدَّماً ألاّ نصدقهم. ويقول لنا "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض ..". والمُضِلّ هو مَنْ يُضِلُّك في المعلومات، هكذا أثبت لنا الحق سبحانه أن هناك مُضلِّين سيأتون ليقولوا كلاماً افتراضياً لا أساسَ له من الصِّحة. وأوضح لنا سبحانه أن أحداً لم يتلصَّصْ عليه، ليعرف كيفية خَلْق الشمس أو الأرض، ومَنْ يدعي معرفة ذلك فهو من المُضلِّين؛ لأنهم قَفَوْا ما ليس لهم به علم.
...... الذين يضعون التكهنات بأن الشمس خُلِقَتْ قبل الأرض؛ وكانت الأرض جزءاً من الشمس ثم انفصلت عنها؛ على هؤلاء أن يعلموا أن ما يقولونه هو أمر لم يشاهدوه، وهي أمور لا يمكن أن يدرسها أحد في معمل تجريبي؛ وقد قال القرآن عن أهل هذا اللغو : "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض.." وهم قد أعانوا على تأكيد إعجازية القرآن الذي أسماهُم المُضلِّين؛ لأنهم يغوون الناس عن الحق إلى الباطل.]
___
9- وفي (تفسير آية النحل:70) قال: [وما هو المضلّ؟ المضِلّ هو الذي يقول لك الكلام على أنه حقيقة، وهو يُضلُّك. إذن: ربنا سبحانه وتعالى هنا يعطينا فكرة مُقدّماً: احذروا، فسوف يأتي أناس يُضلونكم في موضوع الخَلْق، وسوف يُغيّرون الحقيقة، فإياكم أنْ تُصدِّقوهم؛ لأنهم ما كانوا معي وقت أنْ خلقتكم فيدَّعُون العلم بهذه المسألة. ونفس هذه القضية في مسألة خَلْق السموات والأرض، فالله سبحانه هو الذي خلقهما، وهو سبحانه الذي يُخبرنا كيف خلق.]
___
10- وفي (تفسير آية الإسراء:49) قال: [من القضايا التي تخبَّط فيها علماء الجيولوجيا ما ذهبوا إليه من أن السماء والأرض والشمس كانت جميعاً جزءاً واحداً، ثم انفصلت عن بعضها، وهذه أقوال لا يقوم عليها دليل. لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يعطينا طرفاً من هذه القضية، حتى لا نُصغِي إلى أقوال المضلِّلين الذين يخوضون في هذه الأمور على غير هدى، ولتكون لدينا الحصانة من الزَّلَل؛ لأن مثل هذه القضايا لا تخضع للتجارب المعملية، ولا تُؤخَذ إلا عن الخالق سبحانه فهو أعلم بما خلق. يقول تعالى "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ . . "( الكهف:51). أي : لم يكن معي أحد حين خلقتُ السماء والأرض، وخلقتُ الإنسان، ما شهدني أحد لِيَصِفَ لكم ما حدث "وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف:51). أي: ما اتخذت من هؤلاء المضللين مُساعِداً أو مُعاوِناً، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: احكموا على كل مَنْ يخوض في قضية الخَلْق هذه بأنه مُضلّل فلا تستمعوا إليه. ولكي تُريحوا أنفسكم من مثل هذه القضايا لا تُحمِّلوا العقل أكثر مما يحتمل، ولا تعطوه فوق مقومات وظائفه ، وجَدْوى العقل حينما ينضبط في الماديات المعملية، أما إنْ جنح بنا فلا نجني من ورائه إلا الحُمْق والتخاريف التي لا تُجدي.]
___
11- وفي (تفسير آية الأنبياء:30) قال: [من النظريات التي قالوا بها وجانبتْ الصواب قولهم: إن المجموعة الشمسية ومنها الأرض تكوَّنت نتيجة دوران الشمس وهي كتلة ملتهبة، فانفصل عنها بعض ( طراطيش )، وخرج منها بعض الأجزاء التي بردتْ بمرور الوقت، ومنها تكونت الأرض، ولما بردتْ الأرض أصبحتْ صالحة لحياة النبات، ثم الحيوان، ثم الإنسان بدليل أن باطن الأرض ما يزال ملتهباً حتى الآن. وتتفجر منه براكين كبركان ( فيزوف ) مثلاً.
والقياس العقلي يقتضي أن نقول: إذا كانت الأرض قطعة من الشمس وانفصلت عنها، فمن الطبيعي أن تبرد مع مرور الزمن وتقلّ حرارتها حتى تنتهي بالاستطراق الحراري، إذن: فهذه نظرية غير سلمة، وقولكم بها يقتضي أنكم عرفتم شيئاً عن خَلْقِ السماواتِ والأرضِ ما أخبر الله به، وقد قال تعالى: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض . . "(الكهف:51). ثم يقول في آية جامعة "وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف:51). والمضلّ هو الذي يأخذ بيدك عن الحقيقة إلى الباطل، وكأن الحق سبحانه يعطينا إشارة إلى ما سيكون من أقوال مُضلِّلة في هذه المسألة تقول: حدث في الخلق كيت وكيت.
والواجب علينا أن نأخذ هذه التفاصيل من الخالق - عز وجل - وأن نقف عند هذا الحد، لأن معرفتك بكيفية الشيء ليست شرطاً لانتفاعك به، فأنت تنتفع بمخلوقات الله وإن لم تفهم كيف خُلِقَتْ؟ وكيف كانت؟ انتفعنا بكروية الأرض وبالشمس وبالقمر دون أن نعرف شيئاً عنها، ووضع العلماء حسابات للكسوف وللخسوف والأوقات قبل أن تكتشف كروية الأرض .
فالرجل الأميّ الذي لا يعلم شيئاً يشتري مثلاً (التليفزيون) ويتعلم كيفية تشغيله والانتفاع به، دون أنْ يعلم شيئاً عن تكوينه أو كيفية عمله ونَقْله للصورة وللصوت . . إلخ. فخُذْ ما في الكون من جمال وانتفع به كما خلقه الله لك دون أن تخوض في أصل خَلْقه وكيفية تكوينه، كما لو قُدِّم لك طعام شهيّ أتبحثُ قبل أن تأكل: كيف طُهِي هذا الطعام.]
___
12- وفي (تفسير آية المؤمنون:12) قال: [مسألة خَلْق السماء والأرض والناس مسألة احتفظ الله بها، ولم يطلع عليها أحد، كما قال سبحانه " مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف:51). فلا تُصْغ إلى هؤلاء المضلين في كل زمان ومكان، الذين يدَّعون العلم والمعرفة، ونسمعهم يقولون: إن العالم كان كتلة واحدة تدور بسرعة فانفصل عنها أجزاء كوَّنَت الأرض . . الخ، إلى آخر هذه الخرافات التي لا أساس لها من الصحة. لذلك أعطانا الله تعالى المناعة الإيمانية التي تحمينا أنْ ننساق خلف هذه النظريات، فأخبرنا سبحانه خبر هؤلاء وحذرنا منهم؛ لأنهم ما شهدوا شيئاً من الخَلْق، ولم يتخذهم الله أعواناً فيقولون مثل هذا الكلام. إذن: هذا أمر استأثر الله بعلمه، فلا تأخذوا علمه إلاَّ مما أخبركم الله به.]
___
13- وفي (تفسير آية المؤمنون:12) قال: [مسألة الخَلْق كلها تدور في إطار الرحمانية "فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً"(الفرقان:59)، لأنه سبحانه خلق السموات والأرض وخلقنا، ومع ذلك لا نعرف: كيف تم هذا الخَلْق؟ ولن نستطيع أن نقف على تفصيل هذا الخَلْق، إلا إذا أطعلنَا الخالق عليه، وإلاَّ فهذا أمر لم نشاهده، فكيف نخوض فيه، كمن يقول: إن الأرض كانت قطعةَ من الشمس، ثم انفصلتْ عنها مع دوران الشمس . . إلخ هذه الأقوال.
لذلك الحق تبارك وتعالى يُحذِّرنا من سماع مثل هذه النظريات، لأن مسألة الخَلْق لا تخضع للعلم التجريبي أَبداً، فيقول سبحانه "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف : 51).
إذن: سيوجد في الكون مُضلون يقولون للناس مثل هذه الأقوال في الخَلْق ويدَّعُون بها أنهم علماء يعرفون ما لا يعرفه الناس، فاحذروهم فما شاهدوا عملية الخَلْق، وما كانوا مساعدين لله تعالى، فيطلعوا على تفاصيل الخَلْق.
لذلك تقوم هذه الأقوال في خَلْق الإنسان وخَلْق السماء والأرض دليلاً على صِدْق هذه الآية، فما موقف هذه الآية إذن إذا لم تقل هذه الأقوال؟ ....
الكلام عن خَلْق السموات وخَلْق الأرض، واستواء الحق تبارك وتعالى على العرش، وهاتان المسألتان لا تسأل فيهما إلا الله "فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً"(الفرقان:59)، لأنه وحده الذي يعلم خبايا الأمور، وهذه أمور لم يطلّع عليها أحد فيخبرك بها.]
___
14- وفي (تفسير آية الروم:27) قال: [الحق سبحانه يُحذِّرنا أن نأخذ قصة بَدْء الخلق من غير الخالق سبحانه، فمن الناس مضلون سيضلونكم في هذه المسألة، فلا تُصغْون إليهم؛ لأن الله يقول: "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف : 51).]
___
15- وفي (تفسير آية الروم:27) قال: [لا يعرفون كيف خُلُقوا هم أنفسهم "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف:11)، وفي قول الله "وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف:51)، دليل على صِدْق القرآن ومظهر من مظاهر إعجازه، فقد أخبرنا الحق سبحانه أنه سيُوجد مُضلون يضلون الناس في مسألة الخَلْق، ويصرفونهم عن الحق بكلام باطل. وفعلاً صدق الله وسمعنا من هؤلاء المضلين مَنْ يقول: إن الأرض قطعة من الشمس انفصلتْ عنها، ... الخ، ولولا هذه الأقاويل وغيرها ما صدقت هذه الآية، ولجاء أعداء الإسلام يقولون لنا: أين المضلون الذين أخبر عنهم القرآن؟]
___
16- وفي (تفسير آية السجدة:27) قال: [الشمس والقمر والنجوم والكون كله فلا يتعرض لهذه الأغيار فما رأينا الشمس أو القمر أو النجوم أصابتها علة وانتهت كانتهاء الإنسان، ثم أنتَ لستَ مثلها في العظمة المستوعبة؛ لأن قصارى ما فيك أنك تخدم نفسك أو تخدم البيئة التي حولك، أمَّا هذه المخلوقات فتخدم الكون كله.
ومسألة خَلْق السماوات والأرض من الأشياء التي استأثر الله بعلمها وليس لأحد أنْ يقول: كيف خُلقت ولا حتى كيف خُلق الإنسان؛ لأن مسائل الخَلْق لم يشهدها أحد فيخبرنا بها؛ لذلك يقول تعالى "مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً"(الكهف:51). فسماهم الله مُضلِّين، والمضلّ هو الذي يجنح بك إلى طريق باطل، ويصرفك عن الحق، وقد رأينا فعلاً هؤلاء المضلِّين وسمعنا افتراءاتهم في مسألة خَلْق السماوات والأرض.]
___
والآن: ما هو القول في مقالات الشيخ الشعراوي السالفة جميعاً، وهي بعضٍ من كل، والتي تؤكد تمسكه بما جاء فيها، وإلا لما كرره بين الفينة والأخرى في كل آية تقريباً لها تعلق بخلق السموات والأرض؟!
نقول: إن الإنكار المفهوم من قول الله تعالى "مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا" إذا تحريناه، فلن نجد له علاقة بالوقوف على آليات الخلق وبداياته، إذا قام على بحث علمي استدلالي معتبر، بما يشمل الوعي بآيات السماء علماً ودراسة، وهما أمران يقعان بين الأمر الواجب لمن أوتي أسبابه، وحرمة الإعراض عنه، لمن سيقت إليه مُبهراته. ولا نعلم ما حكم الـمُعرض عن الامتثال للأمر، ناهيك عن الصادّ عنه، وحتى ولو صلحت نيته، إلا أن يكون من المخطئين، غفر الله له.
إن ما قاله الشيخ محمد متولي الشعراوي – رحمه الله تعالى – يجمع بين مكروه ومأمور به. أي "شهادة من لا شهادة له"، وهو المنهي عنه، و"علم بالاستدلال"، وهو المأمور به، فإن قيل: أين المأمور به؟ قلنا هو النظر في: كيف بدأ الخلق، في قول الله تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ..."(العنكبوت:20)، فكانت النتيجة أن جعل الشيخ الشعرواي – بتفسيره الذي رأيناه - المأمور به من المحرم؛ أي: جعل "العلم الذي أُمر المؤمن بالاجتهاد في تحصيله بأسبابه" من رتبة "الاستشهاد بمن لا شهادة له". فكان ذلك من الشيخ خطأً لم نجد له مُسوّغا، وكان خلطاً مربكا، وصدّاً عن سبيل العلم التحقيقي، الذي رفع الله شأن فاعله، وباهى به ملائكته، وأسجدهم له تعظيما لقيمة ما أقدره الله تعالى عليه، من أسماء وصفات كل ما خلق الله تعالى من شي، وآليات عملها مع الزمن، والتي هي بعض مما يستوجب التسمية، كما جاء في قوله تعالى ".. الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا .. "(البقر:31).
فإن قيل: فيمَ إذاً، وفيمن، نزل قول الله تعالى "مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا"؟
نجيب بأنه ليس هناك خلاف نعلمه – بقدر استقصائنا المسهب عن تفسير الآية - على أن الـمُشار إليهم بالتخصيص في قول الله تعالى "مَا أَشْهَدْتُهُمْ" أنهم هم من تكلمت عنهم الآية السابقة عليها، أي قوله تعالى "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) مَا أَشْهَدْتُهُمْ .... "(الكهف). حتى أن الشيخ الشعرواي في تفسيره، عندما جاء على هذه الآية لم يفسرها بغير ذلك، فلما فارقها لآيات أخرى تتكلم عن الخلق، نجده يستحضرها ويوظفها لتحريم النظر في خلق السموات والأرض. فأين كان هذا التحريم في معرض تفسير الآية نفسها؟!
والخلاصة في ذلك أن الحديث عن إبليس وذكريته هو وحده المـشار إليه في ضمير الجمع الغائب في قوله تعالى " مَا أَشْهَدْتُهُمْ ..."
وإذا تساءلنا لماذا يصرح القرآن بهذه الحقيقة في هذا المقام (السياق) – أي: عدم إشهاد إبليس وذريته خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم- وفائدتها؟ لوجدنا أن تبرير ذلك أيضاً جاء منصوصاً عليه ابتداءاً في الآية .. وهو قول الله تعالى " ... أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ". أي أن المعنى التعليلي للآيتين هو: كيف تتخذون إبليس وذريته أولياء من دوني الله تعالى وهم لم يرقوا حتى إلى مستوى أن يُشهدهم الله على خلق السموات والأرض، وزد على ذلك أنهم لم يُشهَدوا على خلق أنفسهم! هذا إن كان لهم من قيمة تدعوا إلى ذلك. وحيث أن إجابة هذا التعليل أنهم لم يُشهدهم الله على شيء من هذا، فالنتيجة اللازمة أنهم غير جديرون بأن يواليهم أحد. وليس هناك أي تعريج على اتهام بإضلال من يتكلم في خلق السموات والأرض إذا اتخذ لذلك من الأسباب ما يكفي. أما إذا لم يستطع المفسر أن يتصور أنه من الممكن تواجد أسباب معرفية من رصد أو تحليل، يمكن أن تُأصل لعلم يتعلق بتاريخ الكون، وهيئته في الماضي القريب والبعيد والسحيق، فهذه حدود علم المفسر!
وما دام أن هذا هو السبب – أي: عدم ولاية إبليس وذريته- في ذكر عدم إشهاد الله تعالى لهم في خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم، فيجوز أن يُحمل – بعموم اللفظ وتحقق العلة- على كل من يُلتجأ إليه ويُتخذو ولياً من دون الله، من الأنس مثلاً. ولماذا؟ لأنهم مثلهم مثل الجن عموماً في كونهم لم يُشهدوا (أي لم يُتَّخذوا شهداء) على خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم. .. أي أنهم لا يحظون أيضاً بأي رتبة كي يتخذهم الناس بسببها أولياء.
ونتساءل: هل لهذا المعنى للآية - سواء في خصوص السبب أو في عموم اللفظ - علاقة لما وظّف به الشيخ الشعرواي الآية " مَا أَشْهَدْتُهُمْ ..." في الإنكار على التنبؤ الاستدلالي على كيفية خلق السموات والأرض أو خلق الأحياء على الأرض، ومنهم الإنسان؟! ... في الحقيقة لا نجد أي علاقة. فالإنكار جاء لعلة، والعلة غير متحققة في هذا التوظيف في الاستدلال على تحريم البحث العلمي في ذلك.
فإن قيل: ألا يُستنكر على الإنسان الكلام في خلق السموات والأرض وخلق آدم عليه السلام وهو لم يشهد خلق شيء من ذلك؟!
نقول: نعم يُستنكر، ولكن على أساس من قول الله تعالى "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ... أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ "(الأعراف:33)، ومثله في التحريم هنا مثل كل ما يجهله الإنسان، وباعتبار أن مشهادة الإنسان ذلك (أي: رؤيته) كانت المصدر المعرفي (الوحيد وقتها) الذي إذا انعدم انعدمت أهليته عن الكلام على ما لم يشاهد. ولا نقول إشهاده لأن المشاهدة من فِعل شاهد، وهو غير (الإشهاد) الذي هو من فعل (أشهد)؛ وهو الذي جاء في الآية الكريمة ("مَا أَشْهَدْتُهُمْ ...").
ولنميز بين عدة مسائل:
الأولى: أن الإنكار على خوض الخائض فيما لا يعلم، محرمٌ بالفعل، ولكن ليس من طريق الآية "مَا أَشْهَدْتُهُمْ ..." لأنها لم تأت للإنكار على ذلك كما رأينا. أما وجوب الإنكار لعدم العلم بالمشاهدة فهم مقبول على عموم المعنى بعيداً عن ذات هذه الآية.
الثانية: أن الآية " مَا أَشْهَدْتُهُمْ ..." لم تتعلق بالمشاهدة، التي هي مناط محض العلم بالشيء الـمُشاهد، كما جاء في قوله تعالى عن الملائكة الملائكة " وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ "(الزخرف:19)، وإنما تعلقت بالإشهاد. والإشهاد أعلى رتبة من محض المشاهدة. فالإشهاد دليل على خبرةٍ أو قيمةٍ ما للمُستشهَد، في إيقاع الخلق قبل وقوعه، أما المشاهدة فدليل فقط على علمه عند أو بعد وقوعه، وبقدر ما يُشاهِد (يرى).
الثالثة: أن الاتهام الذي استوجب المنع من الخوض في الكلام عن خلق الله هو عدم العلم، سواء بالمشاهدة أو بغيرها. ونظراً لأن العلم بالمشاهدة كان هو وسيلة العلم الوحيدة فيما وراء الخبر من القرآن أو السنة، فكان تسليط الضوء – من الشيخ الشعراوي يرحمه الله تعالى- على أن انتفاء المشاهدة انتفاء لأي كلام عن خلق الله وآليات ابتدائه؛ زائداً أو مُفصّلاً لما قاله الله تعالى ورسوله. ولكن آليات العلم الحديث، من نظر كيفي ورصد وتحليل وتنظير وتحقيق أضافت معرفة جديدة وأصبحت مصدراً معرفياً لا يقل أهمية عن المشاهدة البصرية، هذا إن لم يرقَ عليها - لما قد يعتري البصر من زيغ - لإحكامه الدقة في إقامة الأدلة والبرهنة على صدق النتائج أو قوتها، أو انتفاء ما سواها أو ضعفها. وأصبح هذا المصدر المعرفي هو الأصل في جواز الاستناد إليه في الكلام عما يمكن أن يخرج من أكمامه من ثمرات معرفية، بشرط أن يصح الاستدلال، وألا تخالف النتائج الـمُستدل عليها ما جاء به الوحي، مما قاله الله تعالى، أو أبلغنا به رسوله صلى الله عليه وسلم نقلاً عن الله تعالى، أو ما يلزم عن ذلك بالاستنباط. فإن تحقق هذا الشرط، فلا بأس بالكلام في خلق السموات والأرض، وخلق المخلوقات بما فيها آدم وحواء عليهما السلام. .. والحق يقال: أن هذا المسلك المعرفي هو المرشح - بلا منافس نعرفه - لتحقيق قول الله تعالى "قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ .."(العنبوت:20)، وقوله تعالى "أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ..."(الأعراف: 185). وإذا أضفنا إلى ذلك - كمثال من الأمثلة - أنه يجري في الآونة الأخيرة، في مراصد السماء، رؤية عيانية لمجموعات شمسية تتشكل أمام أعين الناظرين رأي العين[1]، وعلى مراحل مختلفة من التشكُّل، وفيها نرى في كل من تلك المراحل سحابة ملتهبة دوراة حول قلبٍ وهّاج لها (نجم)، وفي طريقها لأن تصبح أجراماً باردة (كواكب وأقمارا) - تماماً كما تم التنظير له في تخلّق الأرض والكواكب من سحابة يتمركز في قلبها ما سيصبح لاحقاً الشمس التي نعرفها، وهو الذي انتقده الشيخ الشعراوي نقداً لاذعاً كما رأينا أعلى.
___
ولنا أن نتساءل: من هم المضلون الجديرون بحق بالخطاب الاستنكاري في قول الله تعالى "مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا "؟:
للإجابة عن ذلك - وبعد أن فندنا أنه ليس بالضرورة أن يكون الضال المقصود في هذه الآية الكريمة هو كل باحث ناظر متدبر في كيفية بدأ الله تعالى للخلق - فسوف نسأل سؤالاً قرينا بهذا السؤال المطروح، ونقول: ماذا عن الخائضين العابثين، الذين يُحيلون كل شيء إلى أسباب مادية محضة قائمة بذاتها، وأن منها ما أوصلهم إلى أن أصل الإنسان قد تفرع على القردة ... إلخ؟ وأن من يسلك مسالكهم، بلا رَوِيّة ولا تبصُّر ولا تحقيق ولا تنقيح المعاني، في مسائل خلق السموات والأرض، وخلق الحياة والإنسان، يقع في وسمهم بالضالين، وكونهم جديرون بأن يُرد عليهم بما رد به الشعراوي على اللغو بغير علم في مسائل لا تخص أحداً إلا الله تعالى وحده في مسائل الخلق والتدبير؟
نُجيب بأن هذا الأمر واقعٌ حقا! وأن الخائضين العابثين حاضرون بين الناس في هذا العصر وبقوة، وفي كلامهم ما يصم الآذان وتقشعر له الأبدان، وهنا – وبالذات هنا – يصبح على المؤمن بكتاب الله - باعتباره ممن قال الله تعالى فيهم "وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"(الحج:78) - أن يبرع في معرفة أسباب العلم الاستدلالي بالوقوف على ذروة إيجابياته وسلبياته على السواء، فيثبت به ما هو أهل للإثبات، سواء تمثَّل في خلق الأرض والكواكب من سديم شمسي أو غيره، ويُبطل به ويُفند ما هو أهل للتفنيد، سواء كان الفاسد متمثلاً في أقوال نظرية التطور أو غيرها. والأجدر من كل ذلك، ما أصبح يُتخذ ذريعة بسم العلم، ويقدح به أعداء الله، الذين كفروا به سبحانه من معاصرين يسمون أنفسهم علماء، ويقيمون الحجج الباطلة بما يسمونه: [أخطاء الخلق]. يريدون أن ينالوا من إبداع الخالق جل وعلا، ولا ينالون ولا يفضحون إلا أنفسهم وجهلهم، وما يشعرون. ونظراً لكثرة هذا العبث المستتر تحت عناوين علمية، فجدير بنا أن نكشف عنه الستار، باعتبار أصحابه بعينهم ومن سلك سبيلهم، هم الجديرون المستحقون بالنكارة عليهم وأن يُدرجوا فيمن يشملهم قول الله تعالى "مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا"، ولماذا يصبحون مشمولين، بل جديرون بذلك بامتياز؟! .. لأنهم وضعوا لأنفسهم مرتبة تقييم خلق الله، وهم – وهنا بيت القصيد – لم يُستشهدوا على خلق السموات والأرض، ولا خلق أنفسهم. ولأن ما يفعلوه الآن من تخطئة الحكمة في الخلق ما هو إلا إضلال للناس بلا خلاف، فيستحقون عندئذ أن يُدرجوا في قول الله تعالى في شأنهم "وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا" أي مساعدين يدرءون بكذبهم أخطاء الخلق. ولنرَ الآن ماذا يقول هؤلاء المضلون:
أولاً في علوم الأحياء[3]،[2]، ماذا قال المضلون المعاصرون؟
1- عيب تصميمي في العصب الحنجري الراجع: زعم ريتشارد دوكنز – إمام الكفر العلمي المعاصر بلا منازع – بوجود (خطأ خِلقي/تصميمي imperfect design) في ما يُسمى بالعصب الحنجري الراجع Recurrent laryngeal nerve، (أنظر الصورة) وهو فرع من فروع العصب المبهم، وأن ذلك راجع إلى أن "التطور الحيوي" هو القائد في تخليق الكائنات الحية بما فيها الإنسان، وحيث أن التطور يسير على غير هدى، فينتج عنه أخطاء بين الفينة والأخرى، فإن هذا الخطأ من هذا النوع.


تشريح دوكنز لرقبة زرافة: ومنها يدلل بزعمه وحدود علمه الضيق على عدم الحاجة لالتفاف العصب الحنجري حول الشريان
القلبي نزولاً من الدماغ (العصب المبهم) ثم يتفرع منه ويدور حول الشريان القلبي ثم صعوداً إلى الحنجرة ويقول أنه كان الأولى 
بالتصميم ألا ينزل العصب ويرجع كل هذه المسافة وليذهب مباشرة من الدماغ إلى الحنجرة (الصورة أعلى) هذا رغم أن هذا
العصب يتفرع منه أفرع أخرى منها ما يصل إلى المريء ومنها ما يصل إلى القصبة الهوائية، فكان حتماً سينزل، غير أن
الرجل يستغفل المشاهدين له، وقد أخذه الغرور مأخذا بعيدا
2- عين الإنسان وعيب التصميم : زعم دوكنز وحِلفُه من كفار العصر الحديث، الذين تجملوا بالعلم زوراً، أن في عين الإنسان عيباً تصميمياً، وأنها بسبب ذلك أقل كفاءة من عين الإخطبوط التى خلت من هذا العيب. وإذا سألناهم: وما هذا العيب؟ فسنجدهم يقولون أن الخلايا البصرية الحساسة للضوء تقع خلف شبكية العين التي تملؤها الأعصاب والشرايين الدموية، فلا يصل الضوء إلى الخلايا البصرية إلا محجوباً بالشبكية (أنظر الصورة)، وأن موضع تجمع هذه الشرايين والأعصاب الخارجة من شبكية العين يخلو من الرؤية تماماً حيثما تخرج، فيتكون ما يُسمى بالبقعة العمياء Blind Spot، وذلك على خلاف عين الإخطبوط، الذي تتقدم فيها الخلايا البصرية على الشبكية، فيصلها الضوء مباشرة غير محجوباً، بالإضافة إلى عدم وجود بقعة عمياء، ومن هنا كانت عين الإخطبوط - بزعمهم - أعلى كفاءة وأدق تصميماً من عين الإنسان!
مقارنة بين عين الإخطبوط وعين الإنسان (والفقاريات): ما لم يذكره دوكنز وحلفه  الإلحادي أن هناك فروقاً أخرى -غير وضع
الخلايا البصرية خلف الشبكية لدى الإنسان، منها أن عدسة العين في عين الاخطبوط لا تتحدب - كما هو الحال في عين الإنسان،
لتسقط بؤرة الصورة على الشبكية،  بل تمتط كرة العين أو تنكمش، ومنها أن فتحة عين الإخطبوط تظل أفقية مهما كان الوضع الذي 
هو فيه ليُلائم حركته في ثلاثة أبعاد، ومنها أن كثيراً من أنواع الإخطبوط لا ترى الألوان، وربما أن هناك مزيداً من الفروق. كما أن
مجال رؤية عين الاخطبوط يحتاج إلى الرؤية في خضم سحابة الحبر الذي يبثه في محيطه عند هروبه من أعدائه، كما وأن هناك
حيوانات أخرى أحدّ في البصر من الإنسان[6] بما يناسب ما خُلقت له كالصقر مثلاً، فهل قصور بعض صفات عين الإنسان عن
مضارعة أي عين خلقها الله لكائن آخر[7] تُعد عيوباً، أم أن لكل شيء قدرا؟! - حقاً إنها حماقة وغرور علمي من دوكنز وحلفه
3- آثار خَلْقِيّة لا قيمة عملية لها: قال أيضاً حلف الكفر العلمي: أن في جسم الإنسان العديد من بقايا آثار أعضاء لم يعد لها وظيفة. وأنه إذا كان هناك من مصمم حاذق صنع الإنسان هكذا من غير سابق تطور، ما كان ليصنع فيه أشياء لا وظيفة لها، وإلا كانت عيوباً في التصميم، ولم يكن ذلك المهندس بالذكاء الكافي! .. ويقولون أن هذه الأشياء تنتشر في الإنسان والأحياء من مستوى (الدي إن إيه DNA) وحتى الأعضاء الكبرى المنظورة, ويمثلون لذلك بـ "الزائدة الدودية" في الإنسان، و"الحوض" في الثعبان، و"الحلمات" في الذكور، وعظمة الذنب .. إلخ - ويقولون أن هذه الأشياء ليست إلاّ بقايا أثرية تدل على أصل مشترك أعلى سبق وجوده الكائنات الموجودة فيها. ويقولون أنه حتى على مستوى (الدي إن إيه)، توجد بقايا جينية لا توجد قيمة عملية لها، وأنها ركاماً أو أطلال جينية، ولا تبرير لوجودها إلا أنها بقايا آثار التطور، والتي لم تتمكن آلية التطور التخلص منها على نحو صحيح! أي أنها عيب من عيوب التطور!!!
4- أخطاء تصميمية قاتلة: ويقصدون بذلك تلك التي تسمح بوقوع حمل خارج الرحم، سواء في قناة فالوب، أو عنق الرحم أو المبيض، وأن العيب التصميمي في ذلك راجع لوجود فراغ بين المبيض وقناة فالوب. وأنه قبل التدخل الجراحي في العصر الحديث، كانت هذا العيب سبب في موت كل من الأم والطفل. وعيب آخر في الذكور حيث تتخلق الخصيتين أولاً في البطن، ثم تهاجر إلى كيس الصفن، وينتج عن ذلك ضعفاً في جدار البطن، بحيث يمكن أن ينتج عنه فتق في المستقبل، وقبل الجراحة الحديث كان ذلك سبباً مؤكدا للموت. وعيب آخر أنه في بلعوم الإنسان عيبٌ خطير، وذلك في كونه معبراً لكل من هواء التنفس والتغذي، وهو ما قد يؤدي إلى فرصة لوقوع اختناق. والزائدة الدودية ووجودها الغير مطلوب، واحتمالات التهابها، وما قد تؤدي إليه من موت. وأن هذه الأمثلة قليل من كثير، يقولون أنه يصل إلى المئات[4]، وأنه إذا كان هناك مُصَمِّمَاً على أي مستوى من المنطقية والفطنة ما كان لينتج عن تصميمه كل هذه العيوب، ويصلون بذكائهم أنه إما أنه لا يوجد مصمم على الإطلاق، أو أنه مصمم سيئ. ويصلون إلى نتيجة أن كل ما في الإنسان من قمة رأسه إلى أخمص قدميه ليس إلا بدائل أو تبعات لتطور دام على مدار الملايين من السنين. وأن هذه النتيجة حقيقة لا يمكن إنكارها!التطور!!!
(ثم يضعون ذلك في سلة واحدة مع أمثال له كثيرة، يستهدفون به النيل من حكمة الخلق، ويجعلونه باباً من أبواب العلم!)[8].
ثانياً في العلوم الطبيعية:
قال أربعة من الباحثين في الطبيعيات، كلاماً يُضرب به المثل في التطاول والحماقة، بل والجهالة أيضاً. ونقصد بهما :
1- الفيزيائي إيسودور راباي I. Rabi والحائز على جائزة نوبل سنة 1944، حين اعترض على اكتشاف جسيم يُدعى (الميون muon)، وقال: (من أمر بخلق هذا؟ Who Ordered That?)، وفقط لأنه لم يجد له محلاً في منظومته الفكرية، وأفقه المعرفي! ... 

2- والثاني، وكان أشد تطاولاً ووقاحة (ولفجانج باولي W. Pauli) وقد حصل أيضاً على جائزة نوبل سنة 1945! وذلك حين اعترض أيضاً على اكتشافٍ يقول أن التفاعلات النووية الضعيفة لا يتحقق فيها التماثل بين اليمين والشمال، وأن جسيماتها (النيوترينوهات neutrinos) جسيمات شِمالية – تدور عكس عقارب الساعة دائماً، فقال[5] أخزاه الله (أن ثبوت هذه النتيجة المعملية يؤدي إلى نتيجة): ( أن الخالق أعسر، ضعيف اليد اليسرى) God is a Weak Left hander، وذلك بعد أن راهن على أن النتيجة المعملية حتماً ستكون سلبية، فخسر الرهان. 


الفيزيائي الشهير فيكتور فايسكوبف Victor Weisskopf يشهد على باولي بما قاله في حق الله تعالى

علماً بأن هذين الفيزيائيين يهوديان، ويذكرنا قولهما هذا بقول أجدادهما من اليهود حينما قالوا: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ"(المائدة:64) – نعم؛ غُلَّت أيديهم وأيديهما جميعا.

3- أما الثالث فهو بول ديراك Paul Dirac، (حصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1933): وذلك حين استخف بقيمة قوة الجاذبية المادية إذا قارناها بالقوى الفيزيائية الأخرى، مثل الكهرومغناطيسية والنووية القوي، أو حتى الضعيفة. فلما وجد ديراك أن مقدار قوة الجاذبية حوالي جزء واحد من مليون مليار مليار مليار مليار جزء من القوى الكهربية (تبسيطاً لمعنى كلامه)، استنكر حكمة الخالق وقال كلاماً عن الله سبحانه نستحي من روايته.

4- فيرنر هايزنبرج ،Werner Heisenberg (حصل على جائزة نوبل في الفيزياء سنة 1932): والذي قال:
"أتذكر أني جلست مع نيلز بور في حوار امتد لساعات طويلة، ولم ينتهي الحوار إلا في وقت متأخر جداً من الليل، وكنا قد أصابنا حالة تشارف اليأس أو القنوط، حتى أني واصلت التفكير بعده بمفردي وأنا أترجل في حديقة قريبة وأنا أعيد على نفسي مراراً وتكرار السؤال: (هل يمكن أن تكون الطبيعة بهذه الدرجة من السخف/اللامعقولية so absurd كما تبدو لنا في نتائج التجارب الذرية؟)[9]
***********************
والآن: ألا يُوجِب خلو ساحة العلم الأحيائي والطبيعي ممن ينصر الله تعالى بحق، أن يبحث المسلمون في آيات الله تعالى في السماء والأرض، فيقفون على حكمة الله تعالى، في كل صغيرة وكبيرة، قريبة وبعيدة، ينافحون بها ضد هؤلاء الحمقى؛ الذي ظنوا أنفسهم قد أحاطوا بالعلم إلى الدرجة التي تمكنهم من إخراج عيوب صنعة الله بحماقتهم وكذبهم، ثم قبل ذلك جهلهم المفضوح؟!
إن تحريم البحث في ذلك لن يكون إلا فراراً من المعركة العلمية. وحكم هذا الفرار مثل حكم الفرار يوم الزحف؛ أي الإثم العظيم. وأي زحفٍ أولى بالإقدام فيه، والجرأة عليه من زحف ينتصر لحق الله؟! – وهل هناك غير الله تعالى من له حق في شيء، إن أراد الله أن يفني ما خلق إفناءاً ويعدمه إعداما؟! – لا .. لا يوجد، وإلا لما كان هناك معنى لقولنا (لا إله إلا الله)!
   هذا والله تعالى أعلم.
المؤلف


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق