السبت، 12 أكتوبر 2013

الفصل (أ2): محمد عبدالله دراز - كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه

الفصل (أ2): محمد عبدالله دراز
كتاب: براءة التفسير والإعجاز العلمي في القرآن من الشكوك عليه

بقلم: عزالدين كزابر


فضيلة الشيخ محمد عبدالله دراز يرحمه الله
عودة إلى فهرس الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
لا ينكر الشيخ محمد عبدالله دراز[1] وجود حقائق علمية في القرآن، ولكنه يتحفظ عن المبالغة فيها والتعويل عليها بشدة إلا لغرض أنها تُذكِّر بالخالق الحكيم القدير، فنجده يقول[2]: "القرآن في دعوته إلى الإيمان والفضيلة، لا يسوق الدروس من التعاليم الدينية والأحداث الجارية وحدها، وإنما يستخدم في هذا الشأن الحقائق الكونية الدائمة، ويدعو عقولنا إلى تأمل قوانينها الثابتة – لا بغرض دراستها وفهمها في ذاتها فحسب – وإنما لأنها تذكر بالخالق الحكيم القدير" – ثم يذكر أمثلة عديدة بصورة شديدة التحفظ لا غلو فيها.
ثم يقول[3] :"دفع الحماس بعض المفسرين المحدثين إلى المبالغة في استخدام هذه الطريقة التوفيقية لصالح القرآن، بحيث أصبحت خطرا على الإيمان ذاته؛ لأنها إما أن تقلل من الاعتماد على معنى النص باستنطاقه ما لا تحتمله ألفاظه وجمله، وإما أن تُعوِّل أكثر مما يجب على آراء العلماء وحتى على افتراضاتهم المتناقضة أو التي يصعب التحقق من صحتها، وبعد أن نستبعد هذه المبالغات عن البحث، نرى أن من مقتضيات الإيمان التي لا غنى عنها أن نضاهي الحقائق الفورية التي نجدها في القرآن مع نتائج العلماء المنهجية البطيئة."


يثير الشيخ دراز هنا مخاطر التفسير العلمي، ويذكر من ذلك: التقليل من الاعتماد على معنى النص (القرآن) في صالح معاني أخرى قد لا تحتملها ألفاظ القرآن. ومن الواضح أنه يرى أن في ذلك مخاطرة لأنها تعني الارتياب في الدراج من معاني تلك الآيات التي دَوَّنتها كتب التفسير التراثي. وإذا ارتاب المحدثون في المعاني التراثية، فقد اهتزت الثقة فيها، وربما في أصحابها. وكأننا بذلك نستبدل معنى غير مضمون (أي الجديد) بمعنى سابق (مأثور عن السلف، وكبار المفسرين، وعزيز تاريخياً).
ونقول: أن هذه المفاضلة لا تتطلب بالضرورة الاستبعاد. فالمستقبل أولى بالحكم على القيمة العلمية لمقترحات التفسير. ولا مانع من ضم جديد التفسير العلمي إلى قديمه في عرض ترجيحي. ويُترك الأمر للمفسرين والعلماء والوزن العلمي بالنظر والمناظرة، وجديد المكتشفات، التي ينجلي معها تعيُّن المعنى، فتكون القيمة للأقوى حُجّة، والأكثر موافقة، لما صادق النص وأحياه. ثم أن السياق التاريخي والثقافي لكل قول سابق قد يبرره، حتى وإن تفاوتت فيها المعاني أو تضاربت. غير أن البقاء سيكون لأصدق المعاني التي تحقق قصدية النص، وذلك بما يقرره قول الله تعالى "ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ"(القيامة:19)
أما ثاني المخاطر فيذكر الشيخ دراز أنها التعويل أكثر مما يجب على آراء العلماء – يقصد علماء الطبيعيات والظواهر والمكتشفات- وحتى على افتراضاتهم المتناقضة أو التي يصعب التحقق من صحتها، وهو هنا يثير مسألة النظريات وتبدلها. ويشير إلى المبالغات في التنظير، وإلى وجوب استبعادها، وهذا يقتضي النظر العلمي والترجيح، ومن ثم تمييز المقبول عن المبالغ فيه مما يتوجب استبعاده.
وبعد هذا النظر العلمي الرصين، نراه يوجب الأخذ بالحق وعدم تجاهله. وذلك في قوله أنه من مقتضيات الإيمان التي لا غنى عنها أن نضاهي الحقائق الفورية التي نجدها في القرآن مع نتائج العلماء المنهجية البطيئة. ونَلمَح تفريق الشيخ دراز بين الحقائق الفورية التي نجدها في القرآن من جهة، ونتائج العلماء المنهجية البطيئة من الجهة الأخرى! وفي هذا تفصيل. فالقرآن بحكم أنه نص عربي، يُتوقع أن تظهر معانيه ظهوراً فورياً من تلقاء قراءة النص عند أهل الخبرة، وكأنه الماء لا يحتاج إلى مضغ وهضم وتمثيل غذائي، فسرعان ما يشربه الإنسان حتى يتحقق غرضه الذي خلقه الله تعالى له. ولكن الصورة ليس دائماً هكذا. فدلالات الألفاظ تظهر وتختفي، وتتسلل وتتستر وتنكشف وتظهر أو تنزوي. وترتبط بثقافة القارئ، وبفهمه وبمعرفته بالأحوال والواقع المحكي عنه، أو غفلته عما يدور في جنباته. بمعنى أن الصورة ليست دائماً على هذا النحو اليسير في فهم معاني آيات القرآن، وخاصة بعد طول العهد بقديم المعاني وإلف السماع، وخشية التغيير، وتَوجُّس ردود الأفعال، ثم درجة الثقة في جديد المعاني، والتي لا يقطع بها إلا الراسخون في أمرها، والدراية بقوتها أو ضعفها.
أما من جهة وصف الشيخ دراز لنتائج العلماء بأنها ذات منهجية بطيئة، فهذا من حكمته في تقييم هذه النتائج، وعلمه بأن تحصيلها لا يكون عنوة، ولا أنها تحت إمرة الناظر، بل أن هذه النتائج العلمية تظهر على تُؤَدة وطول نظر، وخطوات بحثية عديدة، طويلة الأمد، ومعلومات تتراكم عبر أجيال من النُظَّار والمحققين، حتى يتزكى بها المعنى محل الفحص أو ينخذل.
غير أن ذكر الشيخ دراز لمصدرية الحقائق العلمية بأنها "مناهج العلماء"، فيبدو أنه يُبقي على وضع سائد في عصره وما زال. وهو أن مكتشف الحقائق العلمية علماء طبيعيون متخصصون، لا علاقة لهم بالقرآن والنظر فيه. وهذا يوهم القارئ بأن هذا الأمر طبيعي في مغايرة مصدر التفسير القرآني ومصدر الحقائق العلمية. غير أننا نراه غير ذلك. فالجمع بين المعرفة القرآنية والعلمية والأحكام فيهما من مصدرين علميين متغايرين؛ علماء التفسير، وعلماء الطبيعيات مثلاً، أمرٌ لا يستقيم فيه الفصل والقطع إلا على نمط اللجان التي تتوزع التخصصات بين أعضائها في الوصول لقرار جماعي. وهذا المنهج في تخريج الأحكام النهائية لا يثلج صدر "المفتي العلمي" – إن جاز التعبير – إلا بعد أن تهضم كل المادة العلمية في قلب واحد لا قلوب متغايرة، حتى وإن جمعتهم طاولة مستديرة واحدة. لذلك، فنحن نؤيد فقط ظهور علماء تفسير جدد، يجمعون بين الدراية بأصول التفسير الصحيح، مع عمق كافٍ في التخصص العلمي الذي يفسرون به الآيات ذات العلاقة. أو بمعنى أن يتوزع تفسير القرآن على تخصصات داخلية تؤهل أصحابها لترسيخ أقدامهم بقوة في مجالات علمية عميقة، يمكنهم من خلالها القول الفصل والحجة الباهرة التي تقطع طريق الاعتراضات الغافلة، أو التأييدات العمياء.
لذلك نرى أن كلا الجانبين: النظر في معاني آيات القرآن، والنظر في النتائج المنهجية لمنطوق الوقائع الطبيعية، يتطلب التريث والحكمة الطويلة في البحث، حتى تنجلي المعاني الجديدة أمام محاولات الاختبار والنقد والتوهين، بما هو متيقن من التحصيل المعرفي ويقينيات التفسير، فيحصل التوافق أو التباين، وأن يكون ذلك  في قلب واعٍ واحد، له في هذا العلم قدمين راسخين؛ إذ لا خلاف على أن القدم الواحد لا فائدة فيها، إلا بالقفز الأعرج على النتائج.[4]
                                                                                                    المؤلف
عودة إلى فهرس الكتاب



[1] الشيخ محمد عبدالله دراز (1894-1958)، حصل على شهادة العالمية من الأزهر (1916)، عمل مدرساً بالأزهر (1928) ثم أستاذا للتفسير بكلية أصول الدين، وفي عام 1947 نال درجة الدكتوراه من السربون في فلسفة الأديان بمرتبة الشرف الأولى عام 1947، على يد عدد من كبار المستشرقين هم: ليفي بروفنسال، لويس ماسينيون، لوسن. أصبح سنة 1949 عضوا في هيئة كبار العلماء. عُرضت عليه مشيخة الأزهر سنة 1954 ولم يقبلها لرفض شرطه باستقلال الأزهر أكاديمياً عن السلطة، كان له لقاءات واتصالات مع مالك بن نبي، وعبدالله بن باديس من الجزائر. له أربعة عشر عملاً بين مؤلفات وأبحاث علمية، أشهرها: دستور الأخلق في القرآن في ثمانمائة صفحة. من ثلاميذه: الشيخ يوسف القرضاوي.
http://ar.wikipedia.org/wiki/ محمد_عبد_الله_دراز
[2] محمد عبدالله دراز، "مدخل إلى القرآن الكريم عرض تاريخي وتحليل مقارن "، ترجمة محمد عبدالعظيم، مراجعة السيد محمد بدوي، دار القلم، الكويت، ط ١٤٠١، ص 175-176.
[3] السابق، ص177 الحاشية.
[4] ذكر الشيخ دراز في كتابه "النبأ العظيم" أنه بصدد دراسة الإعجاز العلمي في نفس الكتاب (أو بعنى أدق: في سلسلة المحاضرات التي كانت المصدر الذي جمع لاحقاً في هذا الكتاب)، وقال: [فلنأخذ الآن -بعون الله وتوفيقه- في دراسة هذه النواحي الثلاثة من الإعجاز القرآني: أعني ناحية الإعجاز اللغوي، وناحية الإعجاز العلمي، وناحية الإعجاز الإصلاحي التهذيبي الاجتماعي]99)، غير أن ما طبع من تلك المحاضرات وجمع تحت عنون "النبأ العظيم" لم يتناول إلا الإعجاز اللغوي فقط، ولم يشمل الإعجاز العلمي، وقيل أنه ما زال مضمّن في (مسودات الجزء الثاني من الكتاب) [على هذا الرابط]، وحسب علمنا أنه لم يُطبع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق